لقد بدا نابليون وقد لحقه انكسار لا انجبار بعده. فقد كان جيشه (الآن) مكوّنًا من ٦٠،٠٠٠ مقاتل مهزومين ومُحبطين ومستنفدين، يحتشدون على غير هدى على ضفة الراين، أما القوات الفرنسية في ألمانيا فكانت مجمَّدة لا يمكن تعبئتها. لقد كانت قواته البالغة ٦٠،٠٠٠ (السابقة) والمحتشدة عند ضفة الراين بغير سلاح وبغير ملابس وقد تفشى فيهم التيفوس الذي راحوا يصيبون به كل المناطق التي مرّوا بها وراحت الأخبار المحبطة تأتي من كل اتجاه. ففي إيطاليا كان يوجين قد استطاع بشق النفس أن يجمع قوة من ٣٦،٠٠٠ رجل لكنه أصبح الآن في مواجهة ٦٠،٠٠٠ جندي نمساوي عَبْر الأديج Adige.
وفي نابلي راح مورا يتآمر لإنقاذ عرشه بالتخلّي عن نابليون ومناصرة المتحالفين ضدّه. وفي الأراضي المنخفضة أطاحت ثورة داخلية تدعمها قوات بروسية بقيادة بولو Bulow بالحكم الفرنسي (نوفمبر ١٨١٣) وأحكمت قوات إنجليزية قبضتها على الشيلدت Scheldt وعادت أسرة أورنج orange وهرب جيروم من وستفاليا (فستفاليا). ومن إسبانيا عبر ولينجتون Wellington المنتصر البيداسوا Bidassoa إلى فرنسا (٧ أكتوبر) وفرض حصارًا على بايون Bayonne في ديسمبر.
وبدت فرنسا نفسها ممزّقة، فقد أدّى ضياع إسبانيا، واضطراب الحركة التجارية مع ألمانيا وإيطاليا إلى أزمة اقتصادية فأفلست البنوك وأغلقت المصانع أبوابها، وأعقب إغلاق بيت جاباش Jabach للتمويل، سلسلة من عمليات الإفلاس. وهبطت البورصة من ٨٠ في شهر يناير ١٨١٣ إلى ٤٧ في شهر ديسمبر نفس السنة. وراح آلاف المتعطِّلين يتسكعون في الشوارع أو يخفون فقرهم بالاعتكاف في بيوتهم أو يلتحقون بالجيش ليأكلوا وتمرّد الشعب احتجاجًا على المزيد من التجنيد الإلزامي، واحتجت الطبقة الوسطى على رفع الضرائب، وطالب الملكيون
[ ٤٧ / ٤٧ ]
بتولي لويس الثامن عشر العرش، لقد راحت كل الطبقات تطالب بالسلام.
ووصل نابليون إلى باريس في ٩ نوفمبر فرّحبت به مليكته غير السعيدة وابنه المرح، وراح يعمل على إقامة جيش جديد من ٣٠٠،٠٠٠ مقاتل كضرورة أولى للحرب أو السلام. لقد أرسل المهندسين لإصلاح الطرق لجبهات جديدة ولإعادة الأسوار إلى المدن ولبناء الحصون، وللاستعداد لحفر الخنادق وتدمير الجسور عند الضرورة لإعاقة تقدم الغزاة. وصادر الخيول لسلاح الفرسان وأمر بإعداد المدافع من السبائك كما أمر بإعداد الأسلحة والذخائر للمشاة وراح يسحب المزيد من الأموال التي ادخرها من أقبية التوليري، وراحت الأمة تنظر إليه باستغراب وخوف معجبة بقدرته على استعادة رباطة جأشه وطاقته التي لا تنفد كما أصابها الرعب مخافة عام جديد مليء بالحروب.
أما الحلفاء (القوى المتحالفة ضد نابليون) فقد تردّدوا أمام الراين وبسبب حلول الشتاء، فأرسلوا له من فرانكفورت في ٩ نوفمبر عرضًا غير رسمي وغير موقّع لإحلال السلام: أن تحتفظ فرنسا بحدودها الطبيعية - الرّاين، والألب، والبرانس، وأن تتخلّى عن دعاويها كلها فيما وراء ذلك. وفي الثاني من شهر ديسمبر أجاب نابليون من خلال وزير الشؤون الخارجية (كولينكور) بالموافقة. وعلى أية حال فإن ثورة هولندا أنهت السيطرة الفرنسية على مصاب الراين. وساعد الحلفاء هذه الثورة وسحبوا موافقتهم على مبدأ الحدود الطبيعية لفرنسا.
بل لقد أصدروا في ٥ ديسمبر إعلان فرانكفورت:
إنّ القوى المتحالفة لا تشن الحرب على فرنسا. فملوك وحكام أوروبا يريدون أن تكون فرنسا عظيمة قوية سعيدة .. فالقوى المتحالفة تؤيد الإمبراطورية الفرنسية في امتلاك مناطق لم يحدث أبدًا أن كانت تحت حكم ملوكها.
لم تكن المسألة في حاجة إلى مزيد من الجهد لإبعاد الشعب عن إمبراطوره، فقد كان السينات Senate والهيئة التشريعية معارضين له علنًا مطالبين بدستور يضمن الحرية.
وفي ٢١ ديسمبر عبر الحلفاء نهر الرّاين إلى فرنسا. وفي ٢٩ ديسمبر أرسل السينات إلى نابليون تأييده وتأكيده أنه موالٍ له. لكن في اليوم نفسه قرأ لينيه Laine - أحد الأعضاء
[ ٤٧ / ٤٨ ]
الملكيّين من بوردو - على المجلس التشريعي تقريرًا ينتقد فيه "أخطاء وتجاوزات الإدارة الإمبراطورية، ممتدحًا الحكم السعيد على أيام البوربون"، ومرحّبًا بالمتحالفين ضد نابليون الذين "يرغبون في الإبقاء علينا ضمن نطاق حدود بلادنا، والذين يودّون كبح النشاطات الطموحة التي أدت طوال العشرين سنة الماضية إلى إيذاء كل شعوب أوروبا".
وصوّت المجلس التشريعي بواقع ٢٢٣ ضد ٣١ بالسماح بطبع تقرير لينيه. وفي مساء ذلك اليوم أمر نابليون بإنهاء الدورة التشريعية للمجلس، وفي ١ يناير ١٨١٤ أرسل له المجلس التشريعي وفد يبلغه التمنيات الطيبة للموسم التشريعي، فأجاب بهياج شديد غاضبًا مرهقًا:
من المؤكَّد أنّه عندما يكون علينا أن نطرد العدو من بلادنا، فإن هذا الوقت يكون غير ملائم لمطالبتي بدستور. إنكم لستم ممثلي الأُمّة فأنتم مجرد مندوبين أرسلتهم الدوائر (المحافظات) .. إنني أنا وحدي ممثل الأمّة. ومع ذلك، فما هو العرش؟ أهو أربع قطع من الخشب المموّه بالذهب تغطيه القطيفة (المخمل)؟ لا، إنه ليس كذلك، إنه شاغله، وأنا شاغله. إنني أنا الذي أستطيع إنقاذ فرنسا، وليس أنتم! إنني إن أصغيت لكم لسلَّمت للعدو أكثر مما يطلب. إنكم ستحصلون على السلام في ثلاثة أشهر أو أَهْلَك.
وبعد أن تخلّى عنه المندوبون المصدومون، أرسل (أي نابليون) يستعدي بعض الشيوخ Senators الذين وقع عليهم اختياره وشرح لهم سياسته لإحلال السلام وخطط مفاوضاته، وانتهى باعتراف كسير، كما لو كان يعترف أمام محكمة
التاريخ:
إنني لا أخاف من الاعتراف أنني قد أطلت أمد الحرب كثيرًا. لقد كنت مقتنعًا بمشروعات واسعة المدى. لقد كنت راغبًا في أن أُؤمّن لفرنسا إمبراطورية العالم (حكم العالم). لقد كنتُ مخطئًا، فهذه المشروعات لم تكن متناسبة مع عدد سكان فرنسا، لقد كنتُ سأجد نفسي مضطرًا لتجنيد الشعب الفرنسي كله، وإنني مقتنع الآن بأن تقدم المجتمع ورفاهية الدولة وازدهارها الأخلاقي والمعنوي لا يتّفق مع تحويل الشعب كله إلى أمّة من الجنود.
ولا بد أن أُكَفِّر عن أخطائي التي ارتكبتها بركوني كثيرًا جدًا إلى حظّي السعيد، إنني سأكفِّر عن أخطائي، إنني سأُبرِم اتفاق سلام، على وفق الشروط التي تمليها الظروف، وهذا السلام لن يكون فيه خِزْي إلاَّ لي وحدي، فسيكون عليَّ وحدي أن أخدع نفسي، وسيجب
[ ٤٧ / ٤٩ ]
عليّ وحدي أن أُعاني، وليس فرنسا. إن فرنسا لم ترتكب أيّ خطأ، فهي قد بذلت دماءها لي ولم تبخل عليَّ بأية تضحيات ..
اذهبوا إذن أيها السّادة إلى دوائركم (محافظاتكم) لأنني على وشك إبرام اتفاق سلام، فأنا لن أطلب من الفرنسيين بعد الآن أن يبذلوا دماءهم لمشروعاتي ولي .. لكن لفرنسا ولسلامة أراضيها (حدودها). أخبروا مواطنيكم أنني لا أطلب منهم سوى الوسائل التي تعين على طرد العدو الأجنبي من أراضي الوطن. قولوا لهم إن العدو قد غزا الألزاس Alsace ونافار Navarre وبيارن Bearn. قولوا لهم إنني أدعو الفرنسيين لمد يد العون للحرية.
وفي ٢١ يناير أمر مندوبيه بإطلاق سراح البابا بيوس السابع من محبسه في فونتينبلو Fontainebleau وترتيب الأمر لعودته إلى إيطاليا. وفي ٢٣ يناير جمع من التوليري Tuileries ضباط الحرس الوطني وقدم لهم الإمبراطورة (زوجته) وابنه (ملك روما) الذي كان وسيمًا ولم يكن قد بلغ الثالثة من عمره بعد وأوصاهما بالاهتمام بالحرس. ومرة أخرى عيّن ماري لويز وصية على العرش في أثناء غيابه، وفي هذه المرة عيّن أيضًا أخاه جوزيف ليفتينانت جنرال lieutenant general للإمبراطورية والقائم بالأعمال الإدارية للإمبراطورة. وفي يوم ٢٤ من يناير أُحيط علمًا بأن مورا Murat قد انحاز إلى الحلفاء (المتحالفين ضد نابليون) وأنه يتقدم من نابلي على رأس ١٨،٠٠٠ مقاتل ليساعد في طرد يوجين من إيطاليا. ومن هذا اليوم نفسه ودّع نابليون زوجته وابنه لآخر مرة، فلن يتأتّى له رؤيتهما بعد ذلك، وغادر باريس لينضم إلى جيشه الذي أُعيد تكوينه ليتحدى غزاة فرنسا.