قَالَ: فَنَادَاهُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: نُصْبِحُ وَنَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: فَانْصَرَفَ النَّاسُ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ انْحَازَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَانْحَازَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْخَزْرَجِيِّ [٢] فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ [٣]، قَالَ: وَجَلَسَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي مَنْزِلِهِ مَغْمُومًا بِأَمْرِ النبي ﵌، وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَفِيهِمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ جَمِيعِ جَنَبَاتِ الْمَدِينَةِ يَسْمَعُونَ مَا يَكُونُ مِنْ كَلامِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الأَنْصَارِ يَوْمَئِذٍ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ [٤] ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ قَدْ قَدَّمْتُمْ قُرَيْشًا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، يَتَقَدَّمُونَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنْتُمُ الأَنْصَارُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿،
_________________
(١) انظر خبر السقيفة في السيرة النبوية ٢/ ٦٥٦- ٦٦١، وتاريخ الطبري ٣/ ٢٠٣- ٢١١.
(٢) سعد بن عبادة بن ديلم بن حارثة الخزرجي، صحابي كان سيد الخزرج وأحد الأمراء الأشراف في الجاهلية والإسلام، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، وشهد أحدا والخندق وغيرهما، وكان أحد النقباء الإثني عشر، ولما توفي النبي ﵌ طمح إلى الخلافة ولم يبايع أبا بكر، خرج في زمن عمر إلى الشام مهاجرا فمات بحوران سنة ١٤ هـ-. (تهذيب ابن عساكر ٦/ ٨٤، الإصابة ٣/ ٦٥- ٦٧، صفة الصفوة ١/ ٢٠٢، ابن سعد ٣/ ١٤٢، البدء والتاريخ ٥/ ١٢٣، الأعلام ٣/ ٨٦) .
(٣) سقيفة بني ساعدة: بالمدينة، وهي ظلة كانوا يجلسون تحتها، فيها بويع أبو بكر الصديق ﵁، قال الجوهري: السقيفة: الصّفّة، ومنه سقيفة بني ساعدة، وبنو ساعدة حي من الأنصار وهم بنو ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو، منهم سعد بن عبادة بن ديلم الخزرجي. (ياقوت: سقيفة بني ساعدة) .
(٤) خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الأنصاري، صحابي من أشراف الأوس في الجاهلية
[ ٣٢ ]
وَإِلَيْكُمْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ، وَفِيكُمْ قَبْرُ النَّبِيِّ ﵌، فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ عَلَى رَجُلٍ تَهَابُهُ قُرَيْشٌ وَتَأْمَنُهُ الأَنْصَارُ، قَالَ: فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: صَدَقْتَ يَا خُزَيْمَةُ، إِنَّ الْقَوْلَ لَعَلَى مَا تَقُولُ، قَدْ رَضِينَا بِصَاحِبِنَا سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: فَقَطَّبَ [١] الْمُهَاجِرُونَ وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ وَثَبَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الأَنْصَارِيُّ الأَوْسِيُّ [٢]، وَكَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ عِنْدَ الأَنْصَارِ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ فِيهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّهُ قَدْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ سَمَّاكُمُ الأَنْصَارَ وَجَعَلَ إِلَيْكُمُ الْهِجْرَةَ، وَفِيكُمْ قُبِضَ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﵇، فَاجْعَلُوا ذَلِكَ للَّه، وَإِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ دُونَكُمْ، فَمَنْ قَدَّمُوهُ فَقَدِّمُوهُ، وَمَنْ أَخَّرُوهُ فَأَخِّرُوهَ، قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَغْلَظُوا لَهُ الْقَوْلَ وَسَكَّتُوهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ وَثَبَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ [٣] الأَعْوَرُ، وَكَانَ أَيْضًا مِنْ أَفَاضِلِ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَاِر، إنما أنتم بقريش وقريش بكم، ولو
_________________
(١) [()] والإسلام ومن شجعانهم المقدمين، حمل راية بني خطمة من الأوس يوم فتح مكة، وعاش إلى خلافة علي بن أبي طالب، وشهد معه صفين، وقتل فيها سنة ٣٧ هـ-. (الإصابة ٢/ ٢٧٨- ٢٧٩، صفة الصفوة ١/ ٢٩٣، الأعلام ٢/ ٣٠٥) .
(٢) في الأصل: (فقطبت) .
(٣) أسيد بن حضير الأنصاري: صحابي كان شريفا في الجاهلية والإسلام، يعد من عقلاء العرب وذوي الرأي فيهم، وكان يسمى الكامل، والكامل عندهم من أجاد الكتابة والعوم والرمي، شهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، وكان أحد النقباء الإثني عشر، وشهد أحدا فجرح سبع جراحات وثبت من رسول الله ﵌ حين انكشف عنه الناس، وشهد الخندق والمشاهد كلها، وفي الحديث: (نعم الرجل أسيد بن الحضير)، توفي في المدينة سنة ٢٠ هـ-. (الإصابة ١/ ٨٣، ابن سعد ٣/ ١٣٥، تهذيب التهذيب ١/ ٣٤٧، صفة الصفوة ١/ ٢٠١، الأعلام ١/ ٣٣٠) .
(٤) في الأصل: (بشر بن سعد) وسيتكرر كذلك، وهو بشير بن سعد بن ثعلبة بن الجلاس الخزرجي الأنصاري، صحابي شهد بدرا واستعمله النبي ﵌ على المدينة في عمرة القضاء، وكان يكتب بالعربية في الجاهلية وهو أول من بايع أبا بكر الصديق من الأنصار، وهو أبو النعمان بن بشير أول مولود للأنصار بعد الهجرة والذي كان واليا على حمص وعلى الكوفة زمن معاوية وابنه يزيد. وكان بشير مع خالد بن الوليد منصرفه من اليمامة، وقتل يوم عين التمر سنة ١٢ هـ-.
[ ٣٣ ]
كَانَ مَا تَدَّعُونَ حَقًّا لَمَا أُعْرِضَ عَلَيْكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قُلْتُمْ بِأَنَّا آوَيْنَا وَنَصَرْنَا، فَمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا أُعْطِيتُمْ، فَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا، وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ١٤: ٢٨ [١]، قَالَ: فَوَثَبَ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الأَنْصَارِيُّ [٢]، وَهُوَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ٩: ١٠٨ [٣]، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ أَوَّلُ مَنْ قَاتَلَ عَنِ الدِّينِ، فَلا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ قَاتَلَ أَهْلَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْخِلافَةَ لا تَكُونُ إلا لأهل النبوّة، [٢ ب] فَاجْعَلُوهَا [٤] / حَيْثُ جَعَلَهَا اللَّهُ ﷿، فَإِنَّ لَهُمْ دَعْوَةَ النَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ ﵇، قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ [٥] فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنْ كَانَ هَذَا الأَمْرُ لَكُمْ مِنْ دُونَ قُرَيْشٍ فَخَبِّرُوهُمْ بِذَلِكَ حَتَّى يبايعوكم عليه، فإن كان
_________________
(١) [()] (ابن سعد ٣/ ٥٣١، تهذيب التهذيب ١/ ٤٦٤، الإصابة ١/ ٣١١- ٣١٢، تهذيب تاريخ ابن عساكر ٣/ ٢٦١، شعر النعمان بن بشير ص ٩، الأعلام ٢/ ٥٦) .
(٢) إبراهيم ٢٨.
(٣) في الأصل الاسم محرف (عر عمر بن ساعدة)، وهو عويم بن ساعدة بن عائش الأوسي الأنصاري، كان ممن شهد العقبة وبدرا وأحدا والمغازي، مات في خلافة عمر بن الخطاب، قيل لرسول الله ﵌: (من الذين قال الله تعالى فيهم رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ٩: ١٠٨ فقال: نعم المرء منهم عويم بن ساعدة)، وكان النبي ﵌ قد آخى بينه وبين عمر، وقيل: آخى بينه وبين حاطب بن أبي بلتعة، قال عمر: ما نصبت راية للنبي ﵌ إلا وتحت ظلها عويم. (الإصابة ٤/ ٧٤٥- ٧٤٦، السيرة النبوية ٢/ ٦٦٠، الطبري ٣/ ٢٠٦) .
(٤) التوبة ١٠٨، راجع الخبر في الطبري ٣/ ٢٠٦ وما بعدها.
(٥) في الأصل: (فجعلوها) .
(٦) معن بن عدي بن الجد بن العجلان الأنصاري، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد أحدا وجرى ذكره في حديث عمر الطويل في شأن السقيفة، وفيه: لمّا توجه مع أبي بكر وأبي عبيدة، قال: فلقينا رجلان صالحان، قال عروة: أحدهما عويم بن ساعدة والآخر معن بن عدي، فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله ﵌ وقالوا: والله لوددنا أنّا متنا قبله، فإنا نخشى أن نفتن بعده، فقال معن بن عدي: لكني والله لا أحب أني مت قبله لأصدقه ميتا كما صدقته حيا، فقتل معن بن عدي يوم اليمامة شهيدا، وذكر الواقدي في كتاب الردة: أنه كان مع خالد بن الوليد في قتال أهل الردّة وأنه وجهه طليعة إلى اليمامة في مائتي فارس (الإصابة ٦/ ١٩٠) .
[ ٣٤ ]
لهم من دونكم، فسلّموه إليهم، فو الله مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ حَتَّى صَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ رَضِيَهُ لَنَا، لأَنَّ الصَّلاةَ عِمَادُ الدِّينِ، قَالَ:
فَبَيْنَمَا الأَنْصَارُ كَذَلِكَ فِي الْمُحَاوَرَةِ، إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ [١]، وَتَبِعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ﵃، وَإِذَا بِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَدْ زُمِّلَ بِالثِّيَابِ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ مِنْ عِلَّةٍ كَانَ يَجِدُهَا فِي بَدَنِهِ، وَإِذَا بِقَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ أَحْدَقُوا بِهِ مَا يُرِيدُونَ بِهِ بَدَلا.
قَالَ: فَقَعَدَ الْمُهَاجِرُونَ وَسَكَتُوا سَاعَةً لا يَتَكَلَّمُونَ بِشَيْءٍ، فَتَكَلَّمَ [ثَابِتُ بْنُ] [٢] قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الأَنْصَارِيُّ [٣]، وَكَانَ خَطِيبَ الأَنْصَارِ، لَمْ يَزَلْ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﵌، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ وَعَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ ﵎ بَعَثَ نَبِيَّهُ محمدا ﵌، وَكَانَ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ مُقِيمًا بِمَكَّةَ عَلَى الأَذَى وَالتَّكْذِيبِ، لا يَأْمُرُهُ اللَّهُ ﷿ إِلا بِالْكَفِّ وَالصَّفْحِ الْجَمِيلِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بعد ذلك
_________________
(١) أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري القرشي الأمير القائد الفاتح للديار الشامية، أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان لقبه أمين الأمة، ولد بمكة وهو من السابقين إلى الإسلام وشهد المشاهد كلها، ولّاه عمر بن الخطاب قيادة الجيش الزاحف إلى الشام بعد خالد بن الوليد فتمّ له الفتح، توفي بطاعون عمواس ودفن في غور بيسان سنة ١٨ هـ. (الإصابة ٣/ ٥٨٦- ٥٩٠، حلية الأولياء ١/ ١٠٠، البدء والتاريخ ٥/ ٨٧، ابن عساكر ٧/ ١٥٧، صفة الصفوة ١/ ١٤٢، الأعلام ٣/ ٢٥٢) .
(٢) في الأصل: (قيس بن شماس) والصواب ابنه ثابت بن قيس، لأن قيس بن شماس مات في الجاهلية. انظر فيه الإصابة ٦/ ٥٦١- ٥٦٢، وسيرد الاسم صحيحا بعد.
(٣) ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي الأنصاري، صحابي كان خطيب رسول الله ﵌، شهد أحدا وما بعدها من المشاهد، وفي الحديث: (نعم الرجل ثابت)، ودخل عليه النبي ﵌ وهو عليل، فقال: (أذهب الباس رب الناس عن ثابت بن قيس بن شماس)، وخطب ثابت بن قيس مقدم رسول الله ﵌ المدينة فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا، قال: الجنة، قالوا: رضينا. قتل ثابت بن قيس يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر سنة ١٢ هـ. (الإصابة ١/ ٣٩٥- ٣٩٦، صفة الصفوة ١/ ٢٥٧، تهذيب التهذيب ٢/ ١٢- ١٣، الأعلام ٢/ ٩٨) .
[ ٣٥ ]
بِالْهِجْرَةِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْقِتَالَ، وَنَقَلَهُ مِنْ دَارِهِ، فَكُنَّا أَنْصَارَهُ، وَكَانَتْ أَرْضُنَا مُهَاجَرَهُ وَقَرَارَهُ، ثُمَّ إِنَّكُمْ قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا فَقَاسَمْنَاكُمُ الأَمْوَالَ وَكَفَيْنَاكُمُ الأَعْمَالَ، وَأَنْزَلْنَاكُمُ الدِّيَارَ، وَآثَرْنَاكُمْ بِالْمَرَافِقِ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَكَتِيبَةُ الإِسْلامِ، وَنَحْنُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فينا: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ٥٩: ٩ [١]، وَغَيْرَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿ مَا لا يُنْكِرُهُ لَنَا مُنْكِرٌ، وَأُخْرَى، فَإِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﵌ فِينَا مِنَ الْفَضَائِلِ الشَّرِيفَةِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ رَجُلا بِعَيْنِهِ، وَأَنْ مَا وَكَلَ النَّاسَ، إِنَّمَا وَكَلَ اللَّهَ ﷿ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْجَامِعَةِ، وَاللَّهُ ﵎ لا يَجْمَعُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلَى الضَّلالِ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَلَنَا الإِمَامَةُ فِي النَّاسِ، فَهَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالسَّلامُ.
قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ كَلامِهِ أَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: يَا ثَابِتُ، أَنْتُمْ لَعَمْرِي كَمَا وَصَفْتَ بِهِ قَوْمَكَ، لا يَدْفَعُهُمْ عَنْ ذَلِكَ دَافِعٌ/ وَنَحْنُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَهُّ ﷿ فِينَا: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ٥٩: ٨ [٢]، فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿، وَقَدْ أَكْرَمَكُمُ الله أن تكونوا الصادقين لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ٩: ١١٩ [٣]، وَأُخْرَى، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْعَرَبَ لا تُقِرُّ بِهَذَا الأَمْرِ إِلا لِقُرَيْشٍ، لأَنَّهُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا، وَلَهُمْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شئتم [٤] .
_________________
(١) الحشر ٩.
(٢) الحشر ٨.
(٣) التوبة ١١٩.
(٤) جاء الخبر مختصرا في الطبري ٣/ ٢٠٥- ٢٠٦، وانظر السيرة النبوية ٢/ ٦٥٩، والكامل لابن الأثير ٢/ ٣٢٥ وما بعدها.
[ ٣٦ ]
قَالَ: فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، أَرَضِيتُمْ بِمَا يَقُولُهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالُوا: قَدْ رَضِينَا، فَقَالَ: يَا هَؤُلاءِ، لَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَنْسُبُوا أَبَا بَكْرٍ لِلْعِصْيَانِ لِرَسُولِهِ ﵌، فَقَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ، فَقَالَ: لأَنَّكُمْ ذَكَرْتُمْ أن رسول الله ﵌ اخْتَارَهُ وَرَضِيَ لَكُمْ فِي حَيَاتِهِ، فَقَدَّمَهُ لِلصَّلاةِ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلا وَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْكُمْ، فَقَدْ عَصَى أَبُو بَكْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ بِإِخْرَاجِ نَفْسِهِ مِنَ الْخِلافَةِ، وَقَوْلُهُ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَكَيْفَ لَكُمَا قُدْوَةُ هَذَيْنِ [١]، وَقَدِ اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَفَضَّلَهُ عَلَيْهِمَا، وَلَعَلَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْتُمُ الَّذِينَ عَصَيْتُمُ اللَّهَ فِي شَهَادَتِكُمْ عَلَى نَبِيِّكُمْ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَآمَنَ برسول الله ﵌ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ مِنْ بَعْدِهِ بِهَذَا الأَمْرِ، فلا يُنَازِعُهُمْ فِي ذَلِكَ إِلا ظَالِمٌ مُعْتَدٍ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، فَلَسْنَا نُنْكِرُ فَضْلَكُمْ وَلا سَبْقَكُمْ فِي الإِسْلامِ، سَمَّاكُمُ اللَّهُ أَنْصَارَ الدِّينِ، وَجَعَلَ إِلَيْكُمُ الْهِجْرَةَ، فَلَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَعَزَّ عَلَيْنَا منكم، ونحن الأمراء وأنتم الوزراء، ولا تفتاتون [٢] بِمَشُورَةٍ، وَلا تُقْضَى دُونَكُمُ الأُمُورُ، قَالَ: فَوَثَبَ الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري [٣]، وصاحب فِي بَنِي عَمِّهِ صَيْحَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، انْظُرُوا لا تُخْدَعُوا عَنْ حَقِّكُمْ، فو الله مَا عُبِدَ [٤] اللَّهُ عَلانِيَةً إِلا فِي بِلادِكُمْ، وَلا اجْتَمَعَتِ الصَّلاةُ إِلا فِي مَسَاجِدِكُمْ، وَلا دانت العرب
_________________
(١) في الأصل: (قدوة اللتين)، وسيرد قوله في الصفحة ٤ ب: (أيها شئتم فبايعوا) .
(٢) كذا في الأصل، وفي كامل ابن الأثير ٢/ ٣٢٩: (لا تفاوتون) .
(٣) في الأصل: (الخباب بن المنذر) بالخاء المعجمة، وقد تكرر ذلك. وهو الحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد الخزرجي، صحابي من الشعراء الشجعان، يقال له: ذو الرأي، وهو صاحب المشورة يوم بدر، أخذ النبي ﵌ برأيه، ونزل جبريل فقال: الرأي ما قال حباب، وهو الذي قال في السقيفة عند بيعة أبي بكر: (أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، فذهبت مثلا)، توفي في خلافة عمر بن الخطاب سنة ٢٠ هـ-. (الكامل في التاريخ ٢/ ٣٣٠، الإصابة ٢/ ١٠، ثمار القلوب ص ٢٣٠، الأعلام ٢/ ١٦٣) .
(٤) في الأصل: (ما أعبد) .
[ ٣٧ ]
بِالإِيمَانِ إِلا بِأَسْيَافِكُمْ، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَعْظَمُ نَصِيبًا فِي الدِّينِ، وَفَضِيلَةً فِي الإِسْلامِ، وَأَنْتُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذا الأَمْرِ، فَإِنْ أَبَى هَؤُلاءِ الْقَوْمُ ما نقول، فمنا أمير ومنكم أمير.
[٣ ب] قَالَ: فَوَثَبَ أُسَيْدُ/ بْنُ حُضَيْرٍ، وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيَّانِ، فَقَالا: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا حُبَابُ، وَلَيْسَ هَذَا بِرَأْيٍ أَنْ يَكُونَ أَمِيرَانِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، أَحَدُهُمَا يُخَالِفُ لِصَاحِبِهِ، فَقَالَ الْحُبَابُ: وَاللَّهِ يَا أُسَيْدُ وَيَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلا عِزَّكُمَا، فَإِذَا قَدْ أَبَيْتُمَا فَإِنِّي مَعَكُمَا، فَإِنْ أَتَى مَا يَكْرَهُونَ قَدِمْنَا عَلَى هَذَيْنِ مُهَاجِرِينَ فلكما، ثُمَّ أَنْشَأَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ يَقُولُ [١]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- سَعَى ابْنُ حُضَيْرٍ فِي الْفَسَادِ لِحَاجَةٍ وَأَسْرَعُ مِنْهُ فِي الْفَسَادِ بَشِيرُ
٢- يَظُنَّانِ أَنَّا قَدْ أَتَيْنَا عَظِيمَةً وَخَطْبُهُمَا فِيمَا يُرَادُ صَغِيرُ
٣- وَمَا صَغُرَا إِلا لِمَا كَانَ مِنْهُمَا وَخَطْبُهُمَا لَوْلا الْفَسَادُ كَبِيرُ
٤- وَلَكِنَّهُ مَنْ لا يُرَاقِبُ قَوْمَهُ قليل ذليل ما علمت حقير
٥- فيا ابن حُضَيْرٍ وَابْنَ سَعْدٍ كِلاكُمَا بِتِلْكَ الَّتِي تَعْنِي الرِّجَالُ خَبِيرُ
٦- أَلَمْ تَعْلَمَا للَّه دَرُّ أَبِيكُمَا وَمَا النَّاسُ إِلا أَكْمَهٌ وَبَصِيرٌ
٧- بِأَنَّا وَأَعْدَاءُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ أُسُودٌ لَهَا فِي الْغَابَتَيْنِ زَئِيرُ [٢]
٨- نَصَرْنَا وَآوَيْنَا النَّبِيَّ وَمَا لَهُ سِوَانَا مِنْ أَهْلِ الْمِلَّتَيْنِ نَصِيرُ
٩- فَدَيْنَاهُ بِالأَبْنَاءِ مِنْهُمْ دِمَاؤُنَا وَأَمْوَالُنَا وَالْمُشْرِكُونَ كَثِيرُ
١٠- فَكُنَّا لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ يُرِيدُهُ سِهَامًا صِيَابًا ضَيْمُهُنَّ حَظِيرُ [٣]
١١- فَمَنْ ذَا الَّذِي أَوْلَى بِهَا مِنْ مَعَاشِرٍ هُمُ هكذا إذ مخ جند وزير
_________________
(١) جاءت الأبيات: ٦، ٧، ٨، في الإصابة ٢/ ١٠ في ترجمة حباب بن المنذر.
(٢) في الإصابة: (في العالمين زئير) .
(٣) في الأصل: (حضير)، وصوابها (حظير) أي محظور وهو الممنوع والمحرم.
(٤) كذا الشطر بالأصل، ولم أهتد لصوابه.
[ ٣٨ ]
١٢- فَكَانَ عَظِيمًا أَنَّنِي قُلْتُ: مِنْهُمُ أَمِيرٌ وَمِنَّا يَا بَشِيرُ أَمِيرُ
فَلَمَّا فَرَغَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ شِعْرِهِ، أَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: نَعَمْ يَا حُبَابُ، لَقَدْ قُلْتَ عَظِيمًا، لأَنَّهُ لا يَجْتَمِعُ فِي غِمْدٍ سَيْفَانِ، وَالْعَرَبُ لا تَرْضَى أَنْ يُؤَمِّرُوكُمْ [١] وَنَبِيُّهَا مِنْ غَيْرِكُمْ، وَلَكِنْ يُؤَمِّرُونَ [٢] مَنْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ، وَفِي الَّذِي قُلْتَ يَا حُبَابُ فَسَادٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا، اللَّهُ وَاحِدٌ، وَالإِسْلامُ وَاحِدٌ، وَالدِّينُ وَاحِدٌ، وَلا تَصْلُحُ الأُمُورُ وَالأَشْيَاءُ إِلا عَلَى وَاحِدٍ، لأَنَّهُ إِنْ جَرَى الْيَوْمَ إِمَامَانِ، جَرَى غَدًا إِمَامَانِ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الإِسْلامُ إِلا وَاحِدًا، فاتَّق اللَّهَ وَسَلِّمُوا هَذَا الأَمْرَ لِمَنْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ مِنْ قُرَيْشٍ.
قَالَ: فَقَالَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، لا تَلْتَفِتُوا إِلَى كَلامِ هَذَا وَأَصْحَابِهِ فَيَذْهَبُ نَصِيبُكُمْ مِنْ هَذَا الأَمْرِ، وَإِنْ أَبَى عَلَيْكُمْ هَؤُلاءِ فَأَجْلُوهُمْ عَنِ الْمَدِينَةِ/ وَتَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأُمُورَ [٣]، فَقَدْ علمت العرب عزكم ومنعتكم في [٤ أ] الجاهلية والإسلام، وو الله لا يَرُدُّ أَحَدٌ عَلَيَّ بَعْدَ هَذَا إِلا خَطَمْتُ أَنْفَهُ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِذَنْ يَقْتُلُكَ اللَّهُ يَا حُبَابُ [٤]، فَقَالَ الْحُبَابُ: بَلْ إِيَّاكَ يَقْتُلُ يَا عُمَرُ، [فَقَالَ عُمَرُ:] [٥] لَقَدْ عَلِمَتِ الْعَرَبُ قَاطِبَةً أَنَّكُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَأَنْصَارُ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﵇، وَأَنْتُمْ إِخْوَانُنَا فِي الإِسْلامِ، وشركاؤنا في الدين، وو الله مَا كُنَّا قَطُّ فِي خَيْرٍ وَلا شَرٍّ إِلا وَكُنْتُمْ مَعَنَا فِيهِ، وَأَنْتُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْنَا، وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَيْنَا، وَأَنْتُمُ الْمُؤْثِرُونَ عَلَى أنفسهم في الخصاصة [٦]، وو الله ما زلتم تؤثرون إخوانكم من
_________________
(١) في الأصل: (يأمروكم) .
(٢) في الأصل: (يأمرون) .
(٣) انظر الكامل لابن الأثير ٢/ ٣٣٠.
(٤) في الأصل: (يا حمار) والكلمة تحريف عن حباب، كما في بقية المصادر.
(٥) ما بين العضادتين زيادة يقتضيها السياق، راجع جمهرة خطب العرب ١/ ١٧٦.
(٦) يشير إلى الآية الكريمة التي نزلت في حق الأنصار: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٥٩: ٩ [الحشر ٩] .
[ ٣٩ ]
الْمُهَاجِرِينَ بِأَمْوَالِكُمْ مُنْذُ كُنْتُمْ، وَقَدْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ لا يَكُونَ اخْتِلافُ هَذِهِ الأُمَّةِ وَانْتِقَاضِهَا عَلَى أَيْدِيكُمْ، وَأُخْرَى فَإِنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَحْسِدُوا إِخْوَانَكُمْ عَلَى خَيْرِ سَاقِهِ اللَّهِ ﷿ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ سَعْدًا لا يَصْلُحُ لَهَا.
قَالَ ثَابِتٌ: بَلَى يَا عُمَرُ، سَعْدٌ لَهَا أَصْلَحُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَوْلَى بِهَا، لأَنَّ الدَّارَ دَارُهُ، وَأَنْتُمْ نَازِلُونَ عَلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ [١]:
(مِنَ الْبَسِيطِ)
١- لا تنكرنَّ قُرَيْشٌ فَضْلَ صَاحِبِنَا سَعْدٍ فَمَا فِي مَقَالِي الْيَوْمَ مِنْ أَوَدِ [٢]
٢- قَالَتْ قُرَيْشٌ لَنَا السُّلْطَانُ دُونَكُمُ لا يَطْمَعُ الْيَوْمَ فِي ذَا الأَمْرِ مِنْ أَحَدِ [٣]
٣- قُلْنَا لَهُمْ بَرْهِنُوا حَقًّا فَنَتَّبِعَهُ [٤] لَسْنَا نُرِيدُ سِوَاهُ آخِرَ الأَبَدِ
٤- إِنْ كَانَ عِنْدَكُمُ عَهْدٌ لَهُ سَبَبٌ [٥] بَعْدَ الرَّسُولِ فَمَا قُلْنَاهُ بِالْفَنَدِ [٦]
٥- أَوْ لا يَكُنْ عِنْدَكُمْ عَهْدٌ فإنَّ لَهُ أَصْحَابَ بَدْرٍ وَأَهْلَ الشِّعب من أحد
_________________
(١) القطعة في ديوان حسان ص ٤٦٣ تحقيق وليد عرفات ط بيروت ١٩٧٤، والحور العين- الحميري ص ٢١٤ تحقيق كمال مصطفى ط مصر ١٩٤٨.
(٢) في الأصل: (لأشكرن قريشا) . في الديوان والحور العين: (وما في مقالي) .
(٣) الديوان والحور العين: (لا تطمعن بهذا الأمر) .
(٤) في الديوان: (قلنا لهم ثوروا حقا فنتبعه) .
(٥) في الأصل: (عهد فان له) وكتب فوقها (له سبب)، والوهم متأت من البيت بعده. في الديوان والحور العين: (عهد فيظهر لي) .
(٦) في الديوان: (إن كان عندكم عهد فيظهر لي أشياخ بدر وأهل الشعب من أحد)
(٧) الشعب: هو شعب أحد، وأصل الشعب: الطريق في الجبل، وما انفرج بين جبلين فهو شعب، وقد نزل رسول الله ﵌ في معركة أحد عند الشعب وجعل ظهره إلى أحد، وقال: (لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال) . (السيرة النبوية ٢/ ٦٥، ياقوت: الشعب) .
[ ٤٠ ]
٦- نَحْنُ الَّذِينَ ضَرَبْنَا النَّاسَ عَنْ عَرَضٍ حَتَّى اسْتَقَامُوا وَكَانُوا بَيْضَةَ الْبَلَدِ [١]
٧- فِي كُلِّ يَوْمٍ لَنَا أَمْرٌ نَفُوزُ بِهِ أَعْطَى الإِلَهُ عَلَيْهِ جَنَّةَ الْخُلُدِ [٢]
٨- لَسْتُمْ بِأَوْلَى بِهَا [٣] مِنَّا لأنَّ لنا وسط المدينة فضل (ال-) عزّ وَالْعَدَدِ [٤]
٩- وإنَّنا يَوْمَ بِعْنَا اللَّهَ أَنْفُسَنَا لَمْ يَبْقَ خَوْفٌ عَلَى مَالٍ وَلا وَلَدِ [٥]
١٠- وَالنَّاسُ حَرْبٌ لَنَا وَالنَّاسُ كُلُّهُمُ مِثْلُ الثَّعَالِبِ تَخْشَى صَوْلَةَ الأَسَدِ [٦]
قَالَ: وَضَجَّ الْمُهَاجِرُونَ، وَضَجَّتِ الأَنْصَارُ، حَتَّى هَمَّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، قَالَ: فَوَثَبَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ فَسَكَّنَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَعَزُّ عَلَيْنَا مِنْكُمْ، وَلَكِنَّا نَخَافُ مَا يَكُونُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدْلِ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵌/ وَهُوَ يَقُولُ: (الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ وَلا [٤ ب] يَكُونُ هَذَا إِلا فِيهِمْ) [٧]، فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ: بَلَى وَاللَّهِ قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْهُ ﵇ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ قَوْمَهُ أولوا الإِمَارَةِ مِنْ بَعْدِه، وَايْمُ اللَّهِ لا يَرَانِي اللَّهُ وَأَنَا أُنَازِعُهُمْ هَذَا الأَمْرَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ [٨] يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، وَلا تُخَالِفُوهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَحْسَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ وَجَزَاكَ عَنِ الإِسْلامِ خَيْرًا، إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ هَذَا الأَمْرَ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ (﵄) [٩] أَيَّهُمَا شئتم فبايعوا.
_________________
(١) بيضة البلد: مثل يضرب لمن لا يعبأ به، وقد يراد بها المدح، والبلد: أدحى النعام. (مجمع الأمثال ١/ ٩٧، جمهرة الأمثال ١/ ٢٣١، فصل المقال ص ٤٨٧، اللسان: بلد) .
(٢) الديوان والحور العين: (يعطي الإله) .
(٣) الديوان والحور العين: (بأولى به منا) .
(٤) في الأصل: (فضل عز والعدد)، وبإضافة (ال-) يستقيم البيت.
(٥) في الديوان والحور العين: (لم نبد خوفا) .
(٦) الديوان والحور العين: (في الله كلهم)، (تغشى غابة الأسد) .
(٧) الحديث في مسند أحمد بن حنبل ٣/ ١٢٩، ١٨٣، ٤/ ٤٢١.
(٨) في الأصل: (فاتق) .
(٩) ما بين القوسين من كلام المؤلف وليس من كلام أبي بكر.
[ ٤١ ]
فَقَالَ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: لا يَتَوَلَّى هَذَا الأَمْرَ أَحَدٌ سِوَاكَ أَنْتَ أَفْضَلُ الْمُهَاجِرِينَ، وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ، وَخَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ عَلَى الصَّلاةِ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَتَقَدَّمُكَ وَيَتَوَلَّى هَذَا الأَمْرَ عَلَيْكَ، ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى نُبَايِعَكَ. فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ: وَاللَّهِ مَا يُبَايِعُهُ أَحَدٌ قَبْلِي، ثُمَّ تَقَدَّمَ بَشِيرٌ فَصَفَّقَ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ بِالْبَيْعَةِ، فَقَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا بَشِيرُ، مَا الَّذِي أَحْوَجَكَ إِلَى مَا صَنَعْتَ، أَنَفِسْتَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا، فَقَالَ بَشِيرٌ: لا وَاللَّهِ وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُنَازِعَ قَوْمًا حَقًّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ دُونِي، قَالَ: فَضَرَبَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ يَدَهُ إِلَى سَيْفِهِ فَاسْتَلَّهُ مِنْ غِمْدِهِ وَهَمَّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَبَادَرَتْ إِلَيْهِ الأَنْصَارُ فَأَخَذُوا بِيَدِهِ وَسَكَّنُوهُ، فَقَالَ: أَتُسَكِّنُونِي وَقَدْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ، أَمَا وَاللَّهِ وَكَأَنِّي بِأَبْنَائِكُمْ وَقَدْ وَقَفُوا عَلَى أَبْوَابِهِمْ يَسْأَلُونَ النَّاسَ الْمَاءَ فَلا يُسْقَوْنَ، قَالَ:
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَمَتَى تَخَافُ ذَلِكَ يَا حُبَابُ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ أَخَافُ مِنْكَ، وَلَكِنْ أَخَافُ مَنْ يَأْتِي مِنْ بَعْدِكَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَرَأَيْتَ مَا لا تُحِبُّ فَالأَمْرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَيْكَ. فَقَالَ الحباب: هيهات يا أبابكر، مِنْ أَيْنَ يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا مَضَيْتُ أَنَا وَأَنْتَ وَجَاءَنَا قَوْمٌ مِنْ بَعْدُ، يَسُومُونَ أَبْنَاءَنَا سُوءَ الْعَذَابِ؟ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. قَالَ: وَتَتَابَعَ الأَنْصَارُ بِالْبَيْعَةِ لأَبِي بَكْرٍ ﵁، وَانْكَسَرَتِ الْخَزْرَجُ خَاصَّةً، لِمَا كَانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِهِمْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَأَنْشَأَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ [١] يَقُولُ:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- رُدِّي الْمُشَطَّبَ فِي الْقِرَابِ نَوَارُ تَرَكَ اللَّجَاجَ وَبَايَعَ الأَنْصَارُ
٢- قَوْمٌ هُمُ نَصَرُوا الرَّسُولَ مُحَمَّدًا وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ به كفّار
_________________
(١) الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، صحابي، وهو أخو أبي جهل، كان شريفا في الجاهلية والإسلام، شهد بدرا مع المشركين فانهزم فعيّره حسان بن ثابت بأبيات فاعتذر بأبيات هي أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار، وشهد أحدا مشركا، أسلم يوم فتح مكة وخرج في أيام عمر بأهله وماله من مكة إلى الشام، فلم يزل مجاهدا بالشام إلى أن مات في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ-. (الإصابة ١/ ٦٠٥، الاستيعاب ١/ ٣٠٧، ابن عساكر ٤/ ٥ ثمار القلوب ١/ ٩٧) .
[ ٤٢ ]
٣- بَذَلُوا النُّفُوسَ وَقَاسَمُوا أَمْوَالَهُمْ فَلَنَا دِيَارٌ مِنْهُمُ وعقار/ [٥ أ]
٤- زلفوا بسعد للخلافة بعد ما صَغَتِ الْقُلُوبُ وَزَاغَتِ الأَبْصَارُ
٥- يَا سَعْدُ سَعْدُ بَنِي عُبَادَةَ خَلِّهَا عَفْوًا وَلا يَكُ حَظَّكَ الإِكْثَارُ
٦- إنَّ الَّتِي مَنَّتْكَ نَفْسُكَ خَالِيًا عَارٌ عَلَيْكَ وَفِي مُنَاكَ بَوَارُ
٧- إِنَّ الْخِلافَةَ فِي قُرَيْشٍ دُونَكُمْ وَلَكُمْ مَحِلٌّ بَيْنِنَا وَالدَّارُ
٨- وَإِلَيْكُمُ كَانَ الْمَهَاجَرُ وَالَّذِي سَبَقَتْ إِلَيْهِ الأَوْسُ وَالنَّجَّارُ [١]
٩- وَالْخَزْرَجِيُّونَ الَّذِينَ رِمَاحُهُمْ سُمُّ الْعَدُوِّ وَفِيهِمُ الأَخْيَارُ
١٠- وَهُمُ الْحُمَاةُ إِذَا الْحُرُوبُ تَضَرَّمَتْ وَهُمُ الْكُفَاةُ السَّادَةُ الأَحْرَارُ [٢]
قَالَ: فَازْدَحَمَ النَّاسُ بِالْبَيْعَةِ عَلَى أبي بكر، حتى كادوا أن يطأوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِأَرْجُلِهِمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا هَؤُلاءِ، اتَّقُوا سَعْدًا فَإِنَّهُ عَلِيلٌ، شَدِيدُ الْعِلَّةِ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ [٣]:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- شُكْرًا لِمَنْ هُوَ بِالثَّنَاءِ حَقِيقٌ ذَهَبَ اللَّجَاجُ وَبُويِعَ الصِّدِّيقُ
٢- مِنْ بَعْدِ مَا دَحَضَتْ بِسَعْدٍ فِعْلَةٌ وَرَجَا رَجَاءً دُونَهُ الْعَيُّوقُ
٣- حَفَّتْ بِهِ الأَنْصَارُ عَاصِبَ رَأْسِهِ فَنَهَاهُمُ [٤] الصِّدِّيقُ وَالْفَارُوقُ
٤- وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالَّذِينَ إِلَيْهِمُ نَفْسُ الْمُؤَمِّلِ لِلْبَقَاءِ تَتُوقُ
٥- فَتَدَارَكُوهَا بِالصَّوَابِ فَبَايَعُوا شَيْخًا لَهُ فِي رَأْيِهِ تَحْقِيقُ
٦- مِنْ بَعْدِ مَا نَظَمُوا لسعد أمره لم يخط مثل خطاهم [٥] مخلوق
_________________
(١) أراد بالنجار: الخزرج من بني النجار، اضطرته إلى ذلك القافية.
(٢) في الأصل: (الكفات سادات الأحرار)، ولا يستقيم بها الشطر.
(٣) الشاعر هو: أبو عبرة القرشي، راجع شرح نهج البلاغة ٦/ ٨، وشعر المخضرمين وأثر الإسلام فيه ص ٣٠٦.
(٤) في الأصل: (فأنهاهم) .
(٥) في الأصل: (خطاتهم) .
[ ٤٣ ]
٧- إِنَّ الْخِلافَةَ فِي قُرَيْشٍ مَا لَهُمْ فِيهَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ تَفْرُوقُ [١]
قَالَ: وَأَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ [٢]، حَتَّى وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ والنصرة، فو الله لا يُنْكَرُ لَكُمْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلا عُثْمَانَ وَلا أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْكُمْ أَنْ تُسَوُّوا فِي الْفَضْلِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْكُمْ، فقال له زيد بن الأرقم الأنصاري: يا ابن عَوْفٍ، إِنَّا لا نُنْكِرُ فَضْلَ مَنْ ذَكَرْتَ، وَإِنَّ مِنَّا لَسَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَمِنَّا سَيِّدَ الأَوْسِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ (الَّذِي) اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِهِ، وَمِنَّا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ [٣] أَقْرَأُ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَجِيءُ إِمَامَ الْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ [٤]، وَمِنَّا أفرض أهل دهره زيد بن
_________________
(١) كذا بالأصل: (تفروق) لعله (الفرق) وهو مكيال صغير، أي ليس لهم شيء، ولعله أراد بالتفروق (المفارقة) أي أن الخلافة لا تفارق قريشا فهي مجتمعة لهم.
(٢) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث الزهري القرشي، صحابي أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم، وأحد السابقين إلى الإسلام، كان جوادا شجاعا عاقلا، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها وجرح يوم أحد إحدى وعشرون جراحة، كانت حرفته التجارة، واجتمعت له ثروة كبيرة أنفق الكثير منها في سبيل الله، توفي في المدينة سنة ٣٢ هـ-. (صفة الصفوة ١/ ١٣٥، حلية الأولياء ١/ ٩٨، تاريخ الخميس ٢/ ٢٥٧، البدء والتاريخ ٥/ ٨٦، الإصابة ٤/ ٢٤٦- ٢٥٠، الأعلام ٣/ ٣٢١) .
(٣) أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد، من بني النجار من الخزرج، صحابي من الأنصار، كان حبرا من أحبار اليهود قبل الإسلام مطّلعا على الكتب القديمة، ولما أسلم كان من كتاب الوحي، شهد مع النبي ﵌ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها، وكان يفتي على عهده، وهو الذي كتب كتاب الصلح لأهل بيت المقدس زمن عمر، اشترك في جمع القرآن زمن عثمان، له في الصحيحين وغيرهما ١٦٤ حديثا، وفي الحديث: (أقرأ أمتي أبيّ بن كعب)، توفي بالمدينة سنة ٢١ هـ-. (طبقات ابن سعد ٣/ ٢/ ٥٩، غاية النهاية ١/ ٣١، صفة الصفوة ١/ ١٨٨، حلية الأولياء ١/ ٢٥٠، الأعلام ١/ ٨٢) .
(٤) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، صحابي كان أعلم الأمة بالحلال والحرام، وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي ﵌، شهد العقبة وبدرا
[ ٤٤ ]
ثَابِتٍ [١]، وَمِنَّا مَنْ حَمَتْهُ الدُّبُرُ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ [٢]، وَمِنَّا غَسِيلَ الْمَلائِكَةِ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ [٣]، وَمِنَّا مَنْ أَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَتَيْنِ خُزَيْمَةَ بْنَ ثَابِتٍ، وَغَيْرَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ لا يَخْفَى عَلَيْكَ أَمْرُهُ مِمَّنْ يَطُولُ عَلَيْنَا ذِكْرُهُمْ وَصَنِيعُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﵌، يا ابن عَوْفٍ، لَوْلا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَغَيْرُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ اشتغلوا بدفن النبي ﵌ وَبِحُزْنِهِمْ عَلَيْهِ فَجَلَسُوا فِي مَنَازِلِهِمْ، مَا طمع
_________________
(١) [()] وأحدا والخندق والمشاهد كلها، بعثه النبي ﵌ بعد غزوة تبوك قاضيا ومرشدا لأهل اليمن، وعاد إلى المدينة في عهد أبي بكر، وكان في الشام مجاهدا مع أبي عبيدة بن الجراح، توفي بناحية الأردن بطاعون عمواس سنة ١٨ هـ-. (طبقات ابن سعد ٣/ ٢/ ١٢٠، الإصابة ٦/ ١٣٦- ١٣٨، أسد الغابة ٤/ ٣٧٦، حلية الأولياء ١/ ٢٢٨، صفة الصفوة ١/ ١٩٥، الأعلام ٧/ ٢٥٨) .
(٢) زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، صحابي أحد كتّاب الوحي، ولد بالمدينة ونشأ بمكة، هاجر مع النبي ﵌ وهو ابن إحدى عشرة سنة، تفقّه في الدين فكان رأسا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض، وكان عمر يستخلفه على المدينة إذا سافر، كان أحد الذين جمعوا القرآن في عهد النبي ﵌ من الأنصار، وعرضه عليه، وهو أحد الذين أوكل إليهم عثمان كتابة المصحف حين جهّز المصاحب إلى الأمصار، توفي سنة ٤٥ هـ-. (صفة الصفوة ١/ ٢٩٤، غاية النهاية ١/ ٢٩٦، تهذيب التهذيب ٣/ ٣٩٩، الإصابة ٢/ ٥٩٢- ٥٩٥، الأعلام ٣/ ٥٧) .
(٣) خبيب بن عدي بن مالك بن عامر الأنصاري الأوسي، شهد بدرا واستشهد في عهد النبي ﵌، بعثه النبي مع رهط إلى مشركي مكة فظفر بهم المشركون، وباعوه هو وزيد بن الدثنة بمكة واشتراه بنو الحارث بن عامر فقتلوه صبرا، وهو القائل عندها: ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي وكان مقتله في السنة الرابعة من الهجرة. (السيرة النبوية ٢/ ١٧٢- ١٨٣، تاريخ ابن الأثير ٢/ ١٦٧- ١٦٨، الإصابة ٢/ ٢٦٢- ٢٦٣) .
(٤) حنظلة بن أبي عامر بن صيفي بن مالك الأنصاري الأوسي المعروف بغسيل الملائكة، استشهد يوم أحد، قال النبي ﵌: (إن صاحبكم تغسله الملائكة، فاسألوا صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهيعة، فقال النبي ﵌: لذلك تغسله الملائكة، قتله شداد بن الأسود بن شعوب الليثي سنة ٣ هـ-. (الإصابة ٢/ ١٣٧، السيرة النبوية ٢/ ٧٥) .
[ ٤٥ ]
[٥ ب] فِيهَا مَنْ طَمِعَ، فَانْصَرِفْ/ وَلا تُهِجْ عَلَى أَصْحَابِكَ مَا لا تَقُومُ لَهُ، قَالَ: فَانْصَرَفَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَخَبَّرُه بِمَا كَانَ مِنْ مَقَالَتِهِ لِلأَنْصَارِ، وَبِرَدِّهِمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:
لَقَدْ كُنْتَ غَنِيًّا عَنْ هَذَا، أَنْ تَأْتِيَ قَوْمًا قَدْ بَايَعُوا وَسَكَتُوا فَتَذْكُرَ لَهُمْ مَا قَدْ مَضَى.
قَالَ: ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَلِيٍّ فَدَعَاهُ، فَأَقْبَلَ وَالنَّاسُ حُضُورٌ، فَسَلَّمَ وَجَلَسَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: لِمَ دَعَوْتَنِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: دَعَوْنَاكَ لِلْبَيْعَةِ الَّتِي قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا هَؤُلاءِ، إِنَّمَا أَخَذْتُمْ هَذَا الأَمْرَ مِنَ الأَنْصَارِ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَالْقَرَابَةِ لأَبِي بَكْرٍ ﵁، لأَنَّكُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﵌ مِنْكُمْ، فَأَعْطُوكُمُ الْمَقَادَةَ وَسَلَّمُوا إِلَيْكُمُ الأَمْرَ، وَأَنَا أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِالَّذِي احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الأَنْصَارِ، نَحْنُ أَوْلَى بِمُحَمَّدٍ ﵌ حَيًّا وَمَيِّتًا، لأَنَّا أَهْلُ بَيْتِهِ، وَأَقْرَبُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَخَافُونَ اللَّهَ فَانْصِفُونَا، وَاعْرِفُوا لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ مَا عَرَفَتْهُ لَكُمُ الأَنْصَارُ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: إِنَّكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ لَسْتَ بِمَتْرُوكٍ، أَوْ تُبَايِعُ كَمَا بَايَعَ غَيْرُكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِذَنْ لا أَقْبَلُ مِنْكَ ولا أبايع من أنا أحق [با] لبيعة [١] مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: وَاللَّهِ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّك لَحَقِيقٌ لِهَذَا الأَمْرِ لِفَضْلِكَ وَسَابِقَتِكَ وَقَرَابَتِكَ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ قَدْ بَايَعُوا وَرَضُوا بِهَذَا الشَّيْخِ، فَارْضَ بِمَا رَضِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ [٢]، أَنْتَ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الأَيَّامِ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ ﵌ مِنْ دَارِهِ وَقَعْرِ بَيْتِهِ، إِلَى دُورِكُمْ وَقُعُورِ بُيُوتِكُمْ، فَفِي بُيُوتِنَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَنَحْنُ مَعْدِنُ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالدِّينِ وَالسُّنَّةِ وَالْفَرَائِضِ، وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِأُمُورِ الْخَلْقِ مِنْكُمْ، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الأَخَسَّ.
قَالَ: فَتَكَلَّمَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْكَلامَ سَمِعَهُ النَّاسُ مِنْكَ قَبْلَ الْبَيْعَةِ لَمَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ رَجُلانِ، ولبايعك
_________________
(١) في الأصل: (أحق لبيعة) .
(٢) في الأصل: (أبا عبيد) .
[ ٤٦ ]
النَّاسُ كُلُّهُمْ، غَيْرَ أَنَّكَ جَلَسْتَ فِي مَنْزِلِكَ وَلَمْ تَشْهَدْ هَذَا الأَمْرَ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ لا حَاجَةَ لَكَ فِيهِ، وَالآنَ فَقَدْ سَبَقَتِ الْبَيْعَةُ لِهَذَا الشَّيْخِ، وَأَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ، قَالَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَيْحَكَ يَا بَشِيرُ، أَفَكَانَ يَجِبُ أَنْ أَتْرُكَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ أُجِبْهُ إِلَى حُفْرَتِهِ، وَأَخْرُجَ أُنَازِعُ النَّاسَ بِالْخِلافَةِ. قَالَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁/ فَقَالَ: يَا أبا الحسن، إني لو [٦ أ] عَلِمْتُ أَنَّكَ تُنَازِعُنِي فِي هَذَا الأَمْرِ مَا أَرَدْتُهُ وَلا طَلَبْتُهُ، وَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ، فَإِنْ بَايَعْتَنِي فَذَلِكَ ظَنِّي بِكَ، وَإِنْ لَمْ تُبَايِعْ فِي وَقْتِكَ هَذَا وَتُحِبُّ أَنْ تَنْظُرَ فِي أَمْرِكَ لَمْ أُكْرِهْكَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفْ رَاشِدًا إِذَا شِئْتَ.
قَالَ: فَانْصَرَفَ عَلِيٌّ ﵁ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يُبَايِعْ حَتَّى تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ، ﵂، ثُمَّ بَايَعَ بَعْدَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ لَيْلَةً مِنْ وَفَاتِهَا، وَقِيلَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
فَهَذَا أَكْرَمَكَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَهَذَا رِوَايَةُ [١] الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أكتب هاهنا شَيْئًا مِنْ زِيَادَاتِ الرَّافِضَةِ، فَيَقَعَ هَذَا الْكِتَابُ فِي يَدِ غَيْرِكَ فَتُنْسَبَ أَنْتَ إِلَى أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وَاللَّهُ يَقِيكَ.
رَجَعْنَا إِلَى مَا كَانَ بَعْدَ السَّقِيفَةِ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، والله الموفق للصواب.
_________________
(١) كذا بالأصل ولعله (هذه رواية) وكلاهما صحيح.
[ ٤٧ ]