أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي المدني، مولى بني سهم إحدى بطون بني أسلم، وهذا إجماع من ترجم له [١]، إلا ابن خلكان [٢] فقد جعله مولى بني هاشم.
كانت ولادته بالمدينة سنة ١٣٠ هـ في آخر خلافة مروان بن محمد كما يذكر محمد بن سعد كاتبه وتلميذه [٣]، وقيل: إنه ولد سنة ١٢٩ هـ- على ما يرجح الصفدي وابن تغريبردي [٤] .
ويذكر أبو الفرج الأصفهاني أن أمه هي بنت عيسى بن جعفر بن سائب خاثر التي كان والدها فارسيًا [٥] .
ليس هناك معلومات متيسرة عن نشأته، ولكن المصادر تتحدث عن اهتمام الواقدي المبكر بالمغازي وجمع الأخبار والتعرف على التفاصيل، نقل عن الواقدي قوله: (ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا سألته: هل سمعت أحدا من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل، فإذا أعلمني
_________________
(١) أنظر الطبقات ٥/ ٣١٤، عيون الأثر ١/ ١٧، الفهرست ص ١١١، تاريخ دمشق ١١/ ورقة ٣، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٤٨، سير أعلام النبلاء ٧/ ورقة ١١٧، لسان الميزان ٦/ ١٥٢، شذرات الذهب ٢/ ١٨، الوافي بالوفيات ٤/ ٢٣٨، الجرح والتعديل ٤/ ٢٠، الديباج المذهب ص ٢٣٠، تهذيب التهذيب ٩/ ٣٦٣.
(٢) وفيات الأعيان ٤/ ٣٤٨.
(٣) الطبقات ٧/ ٧٧.
(٤) الوافي بالوفيات ٤/ ٢٣٨، النجوم الزاهرة ٢/ ١٨٤.
(٥) الأغاني ٨/ ٢٣٣.
[ ٩ ]
مضيت إلى الموضع فأعاينه، ولقد مضيت إلى المريسع فنظرت إليها، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه) [١] . وعن هارون الفروي قال: (رأيت الواقدي بمكة ومعه ركوة [٢]، فقلت: أين تريد، قال: أريد أن أمضي إلى حنين حتى أرى الموضع والوقعة) [٣] .
وقد عرف عن الواقدي هذا الاهتمام بمعرفة الأخبار ومعاينة المشاهد ومعرفة التفصيلات، من ذلك ما ذكر ابن سعد من أن الخليفة هارون الرشيد ويحيى بن خالد البرمكي حين زارا المدينة في حجتهما، طلبا من يدلهما على قبور الشهداء والمشاهد، فذكر لهما الواقدي الذي صحبهما في زيارتهما، ولم يدع موضعا من المواضع ولا مشهدا من المشاهد إلا مر بهما عليه [٤]، وعلى إثر هذا اللقاء توثقت العلاقة بين الواقدي والخليفة الذي وهبه عشرة آلاف درهم، يسّرت حاله وفكّت ضائقته، وقد توثقت صلته كذلك بيحيى البرمكي الذي أغدق عليه الأموال.
وكان الواقدي جوّادا سخيا متلافا، حصل على أموال كثيرة ولكنه كان ينفقها، ويعود في ضائقة مالية جديدة، ويرزح تحت ثقل الديون، وهذا ما جعله يرحل من المدينة إلى العراق قاصدا يحيى البرمكي، ففي سنة ١٨٠ هـ غادر الواقدي المدينة قاصدا العراق [٥]، ويبين الخطيب البغدادي سبب هذه الرحلة، فينقل عن الواقدي قوله: (كنت حنّاطا «بائع حنطة» بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها، فتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق فقصدت يحيى بن خالد) [٦]، ويروي ابن سعد أن سبب هذه الرحلة هو الدين الذي ركبه
_________________
(١) تاريخ دمشق ١١/ ٥، تاريخ بغداد ٣/ ٦، عيون الأثر ١/ ١٨، كتاب المغازي- الواقدي المقدمة ص ٦.
(٢) إناء للماء من جلد.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) الطبقات ٥/ ٣١٥ ط ليدن، ومقدمة كتاب المغازي ص ٦) .
(٥) الطبقات ٧/ ٧٧.
(٦) تاريخ بغداد ٣/ ٤.
[ ١٠ ]
وضيق ذات اليد، فيقول على لسان الواقدي: (ثم إن الدهر أعضّنا، فقالت لي أم عبد الله: يا أبا عبد الله ما قعودك، وهذا وزير أمير المؤمنين قد عرفك وسألك أن تسير إليه حيث استقرت به الدار، فرحلت من المدينة) [١]، وحين وصل إلى بغداد وجد أن الخليفة والحاشية قد ذهبوا إلى الرقة بالشام، فتوجه نحو الشام ولحق بهم هناك، وحين لقي يحيى البرمكي أكرمه وأغدق عليه عطاياه، كما أغدق الرشيد عليه عطاياه أيضا، وعن ذلك يقول الواقدي: (صار إليّ من السلطان ستمائة ألف درهم، ما وجبت علي فيها الزكاة [٢]، ثم يعود إلى بغداد وكانت مكانة الواقدي لدى الخليفة هارون الرشيد طيبة عالية مرموقة، لذلك فقد ولّاه القضاء بشرقي بغداد كما يذكر ياقوت الحموي [٣] .
وفي عهد المأمون ترتفع مكانة الواقدي، فحين يعود المأمون من خراسان يعينه قاضيا لعسكر المهدي في الجانب الشرقي من بغداد [٤]، ونقل ابن خلكان عن ابن قتيبة أن الواقدي كان قاضيا في الجانب الغربي، ثم صححه اعتمادا على قول السمعاني أنه قاض بالجانب الشرقي [٥] .
وقد لقي الواقدي من المأمون الرعاية والإكرام، كتب الواقدي إليه مرة يشكو من ضائقة لحقته وركبه دين بسببها وعين مقداره في قصة، فوقع المأمون في كتابه بخطه: (فيك خلتان سخاء وحياء، فالسخاء أطلق يديك بتبذير مالك، والحياء حملك أن ذكرت لنا بعض دينك، وقد أمرنا لك بضعف ما سألت، وإن كنا قصرنا عن بلوغ حاجتك فبجنايتك على نفسك، وإن كنا بلغنا بغيتك فزد في بسطة يدك، فإن خزائن الله مفتوحة ويده بالخير مبسوطة، وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي ﵌ قال للزبير: «يا زبير إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل الله سبحانه للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثَّر كثَّر له،
_________________
(١) الطبقات ٥/ ٣١٥.
(٢) تاريخ بغداد ٣/ ٢٠.
(٣) معجم الأدباء ١٨/ ٢٧٩.
(٤) الطبقات ٧/ ٧٧.
(٥) وفيات الأعيان ٤/ ٣٥٠.
[ ١١ ]
ومن قلّل قلّل عليه» . قال الواقدي: وكنت نسيت الحديث، فكانت مذاكرته إياي أعجب إليّ من صلته) [١] .
وتبقى صلة الواقدي بالمأمون متينة مكينة، وعلى الرغم من علم المأمون بصلة الواقدي بيحيى البرمكي، فإن هذه الصلة لم تمنع المأمون من إكرام الواقدي وتوليته القضاء بعد نكبة البرامكة [٢]، فقد مكث الواقدي قاضيا على عسكر المهدي مدة أربع سنوات قبل وفاته [٣]، ويصفه ابن حجر بأنه أحد الأعلام وقاضي العراق وبغداد [٤] .
وقد نال الواقدي من السلطان والمال الشيء الكثير، أغدق عليه الرشيد ويحيى البرمكي والمأمون، ومع كل ذلك فقد كان الواقدي سخيا متلافا، مات وعليه ديون، ولم يملك ما يكفن به، فقد أرسل المأمون بأكفانه [٥]، وكان الواقدي قد أوصى إلى المأمون أن يقضي دينه، فقبل المأمون وصيته وقضى دينه [٦] .
وتجمع أغلب المصادر على أن وفاة الواقدي كانت سنة سبع ومائتين، ويحدد ابن سعد ليلة الوفاة ويوم الدفن بقوله: (مات ببغداد ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة سبع ومائتين، ودفن يوم الثلاثاء في مقابر الخيزران وهو ابن ثمان وسبعين سنة) [٧]، وهناك روايات مرجوحة تذكر أنه توفي سنة ٢٠٦ أو ٢٠٩ [٨]، والرواية الأولى هي الأصح لأنها جاءت عن تلميذه وكاتبه ابن سعد محددة بالشهر واليوم [٩] .
_________________
(١) وفيات الأعيان ٤/ ٣٤٩.
(٢) شذرات الذهب ٢/ ١٨.
(٣) الوافي بالوفيات ٤/ ٢٣٨.
(٤) لسان الميزان ٦/ ٨٥٢.
(٥) تاريخ دمشق ١١/ ورقة ٣، تاريخ بغداد ٣/ ٢٠.
(٦) الطبقات ٥/ ٣٢١.
(٧) الطبقات ٧/ ٧٧، وانظر وفيات الأعيان ٤/ ٣٥٠.
(٨) انظر الروايات في وفيات الأعيان ٤/ ٣٥٠، ورجح سنة ٢٠٧، وانظر تاريخ بغداد ٣/ ٢٠.
(٩) الطبقات ٧/ ٧٧.
[ ١٢ ]