وأمّا النرجس فقد قام على ساق، يرفو بنواظر كالأحداق فلمّا عاد كعيون الرقباء والحساد، جعل اصفراره فكان السواد لتتعانق غصون البان، ولتكن من ملاحظته فى أمان، وترشف الشمس ندا كالراح، فى كؤوس الأقاح، ويجتمع الورد والآس، فى سوالف خدود كلّ ذى قدّ ميّاس، فطامن البنفسج برأسه حنفا من الآس وحياء من الناس، فخاطبه الريحان، بقلب منكسر غير فرحان:
أظنّك يا ملك الزهور، أضحيت غيور لإغارة الآس، على سوالف الأكياس، إذ أنت أحقّ بالتقدّم منّا، وبك غناء عنّا، وكلّ ذلك لإغضاء عيون النرجس فى هذا المجلس، فلذلك أمن الآس، لما تمعنى قول أبى نواس: (من الطويل): (١)
لنا (٤) نرجس غضّ القطاف كأنّه
إذا ما منحناه العيون عيون
مخالفة فى شكلهنّ فأصفر (٥) مكان سواد والبياض جفون
وكأنّه فاز لما فزّ بقول ابن المعتزّ (من الطويل): (٢)
وعجنا على الروض الذى طلّه الندا وللصبح فى ذيل (٦) الظلام حريق
كأنّ عيون النرجس الغضّ بينه مداهن درّ حشوهن عقيق
إذا بلّهنّ القطر خلت دموعها بكاء جفون كحلهنّ خلوق
_________________
(١) ديوان أبى نواس ٥٩٩،٤ - ٥
(٢) ٢/ديوان ابن المعتز ٢/ ٦١٩،٢، رقم ١٠٨٥
(٣) ضبى: ظبى
(٤) لنا نرجس: لدى زجس الديوان
(٥) فأصفر: فصفرة الديوان
(٦) فى ذيل: فى ثوب الديوان
[ ١ / ٢٨٧ ]
ولقوله (من المتقارب): (١)
وأحسن ما فى الوجوه العيون وأشبه شئ بها النرجس
تظلّ تلاحظ عين النديم فريدا وحيدا فيستأنس
وكأنّ الآس وعى أيضا قول أبى نواس (من الكامل): (٢)
غضّى جفونك يا عيون النرجس حتّى أفوز بقبلة من مؤنس
فلقد تحير إذ رآك شواخصا ترمقنه بلواحظ المتفرس
فأجابنى بحلاوة وفصاحة لم تحرس (٧). . . . . . . . . . . . .
قبل جبينك ما استطعت فإن من عاداتنا كتمان سر المجلس
(٢٥٨) ومن التشبيه فيه لأبى فراس الحمدانى (من السريع): (٣)
كأنّما النرجس فى روضة وقد أتته الريح من قرب
أقداح ياقوت تعاطيكها أنامل من لؤلؤ رطب
ومن الفاخر قول الآخر: وهو ابن المعتزّ (من الوافر): (٤)
تنزّه (٥) فى رياض الأرض وانظر
بدائع ما (٦) صنع المليك
عصىّ (٨) من زبرجد قائمات
على أطرافها الذهب السبيك
عيون (٩) من لجين شاهدات
بأنّ الله ليس له شريك
_________________
(١) ديوان ابن الرومى ٣/ ١٢٣٤، -٧، رقم ١٠١١؛ ديوان عبد الله بن طاهر، رقم ٢٢؛ حلبة ٢٣٠، -٤؛ نهاية الأرب ١١/ ٢٣٥،٣؛ ربيع الأبرار ١/ ٢٧٠ (دون نسبة)؛ مطلع الفوائد ٢٤١،٦ (منسوب إلى ابن الرومى)
(٢) حلبة ٢٢٩،٥؛ مطالع البدور ١/ ٩٩، -٣؛ محاضرات الأدباء ٢/ ٣٣٧،١٣
(٣) الجماهر ١٢١، -٢ (منسوب إلى الصنوبرى)؛ ديوان الصنوبرى، ذيل رقم ٢٧،١ - ٢
(٤) ديوان ابن المعتز ٣/ ٤٠٥،٤، رقم ٣٩٦؛ حلبة ٢٣٣، -٧ (دون نسبة)؛ فتح الرحيم الرحمن ١٥٢، -٧
(٥) تنزه: تأمل الديوان
(٦) بدائع ما: آثار ما الديوان
(٧) كذا
(٨) عصى-السبيك: عيون من لجين ناظرات على أحداقها ذهب سبيك الديوان
(٩) عيون-شاهدات: على قصب الزبرجرد شاهدات الديوان
[ ١ / ٢٨٨ ]
وقوله (من المنسرح): (١)
نرجسة لا تزال قائمة (٣) لم تكتحل قطّ لذّة الغمض
أمالها القطر وهى باهتة تنظر فعل السماء بالأرض
وإلى ذلك يومئ ابن الرومى (من الوافر): (٢)
قضيب زبرجد تعلو عليه عيون لم تذق طعم اغتماض
توهّمت السحاب لها رقيبا فنكّست العيون إلى الرياض
وممّا فيه ذكر النرجس (من الوافر):
سعى ساق إلىّ بكأس خمر وباقة نرجس فسقّى وحيّا
فلم أر مثله بدرا منيرا سقى شمسا وحيا بالثريّا