[قد ذكرنا بعض سيرته، فنذكرُ طرفًا من أخباره.
ذكر المدائنيّ جملةً منها فقال:] كان فظًّا غليظًا بخيلًا، يجمع الأموال، ويباشر الأمور بنفسه، وكان يخضب بالسَّواد.
[قال: وبلغ من بخله أنَّه] كان يقف على القصَّاب بنفسه، فيسألُه عن اللحم وسعره.
ورأى رجلًا يشتري لحمًا بدرهم. فقال: أحسنتَ، أكثرُ من هذا سَرَفٌ (^١).
[قال:] ودخل [هشام] بستانًا، فأقبلَ خواصُّه يأكلون من الثمر ويقولون: بارك الله لأمير المُؤْمنين. فقال: كيف يباركُ فيه وأنتم تأكلون هذا الأكل؟! ثم قلع (^٢) شجرَه وغرسَه زيتونًا.
[قلت: وهذا بعيد أن يصدر من خليفة، وقد أجبنا عن هذا في ترجمة الوليد بن عبد الملك، ولعل هذا البستان قد كان للمسلمين، فكره أن يختصَّ به هؤلاء دون غيرهم. والعجب من المدائنيّ يحكي مثل هذا ويقول: وكان طِرازُه (^٣) يُحمل على تسع مئة جمل (^٤).
وقال الهيثم بن عديّ:] وكان [هشام] إذا صلَّى الغداة؛ فأوَّلُ مَنْ يدخلُ عليه صاحبُ حرسه، فيخبرُه بما حدث في الليل، ثم يدخل عليه بعده مَوْليانِ له، مع كلِّ واحد منهما مصحف، فيقعدُ واحد عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقرأ جزأه، وهما يأخذان عليه، ثم يدخلُ الكاتب، فيقعدُ بين يديه، ويدخل الحاجب، فيقول: فلان على الباب، وفلان، فيأذنُ لمن شاء منهم، ثم تُعرض عليه القصص وهو يقرأها، ويأمر
_________________
(١) أنساب الأشراف ٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠. وما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٢) في (ص): قطع. والخبر في المصدر السابق.
(٣) الطِّراز: ثياب السلطان.
(٤) مختصر تاريخ دمشق ٢٧/ ٩٨. وسلف في الكلام على هشام سنة (١٠٥) وجاء ثمة أن المعنى خزائنه، لا ملبوس بدنه. وجاء "العقد الفريد" ٤/ ٤٤٦ أنَّه خرج حاجًّا فحمل ثياب طُهره على ستِّ مئة جمل. وفي "المنتظم" ٧/ ٩٧ أنَّه جُمع له من الكُسَى والفُرش ما حمله على سبع مئة بعير. وهذا الكلام الواقع بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ٢١١ ]
الكاتب بالتوقيع، إلى نصف نهار الظهر، فيحضر الطعام، فيأكلُ هو والناس إلى الظهر، فإذا أذَّنَ قام إلى الصلاة [فيصلِّي] فإن كانت قائلةٌ قال (^١) إلى العصر، ثم يجلس، فيقضي حوائج النَّاس إلى المغرب، وإن لم تكن قائلة لم يَقِل (^٢)، ويقضي حوائج النَّاس طول النهار (^٣).
[قال الهيثم:] وما كان يأكل التفَّاح؛ لأنه رأى في منامه أنَّه قُدِّم إليه طبق فيه تفَّاح، فأكل منه تسعةَ عشر تفاحةً وبعض الأخرى، فأمر مَنْ يسألُ المُعبِّرين، فقالوا: تملك تسعَ عشرةَ سنة وبعضَ أخرى، فكان يتطيَّر من التفَّاح (^٤).
[وحكى الهيثم أَيضًا قال:] قال عقَّال بن شبَّة: دخلتُ على هشام وعليه قَبَاءٌ أخضر فَنَكٌ (^٥)، فبعثني إلى خُراسان، وجعل يوصيني وأنا أنظرُ إلى القَبَاء، ففَطِنَ، فقال: ما لك؟! فقلت: رأيتُ عليك قَبَاءً مثل هذا قبل أن تليَ الخلافة، أهو هذا؟ قال: إي واللهِ الذي لا إله إلَّا هو، ما لي سواه، وما لي من هذا المال إلَّا حفظُه لكم، وصونُه عمَّن يأكلُه. قال: فكنتُ إذا دخلتُ عليه رأيتُ رجلًا محشوًّا عقلًا (^٦).
المشهور عن طِراز هشام خلافُ ذلك، فإنَّه قيل: إن كسوتَه تُحمل على ماتين كره (^٧) من البغال. وقد تقدَّم في هذا الكتاب ما يدل على ذلك.
وكان عطاء هشام في كلِّ سنة مئتي دينار لنفسه (^٨).
_________________
(١) في (ص): نام.
(٢) في (ص): ينم.
(٣) الخبر بنحوه في "المنتظم" ٧/ ٩٨. وما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٤) بنحوه في المصدر السابق ٧/ ٩٧.
(٥) القَبَاء: ثوبٌ يُلبس فوق الثياب أو القميص ويُتمنطق عليه. والفَنَك: أجود أنواع الفَرْو.
(٦) تاريخ الطبري ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢، وبنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٢١ - ٣٢٢.
(٧) كذا في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها). ولعل اللفظ: مئتي كُرَّة. فقد جاء في "المعجم الذهبي" ص ٢٦٥: كُرَّه: مهرة الحمار أو الحصان. وسلف نحو هذا الخبر قريبًا، ولم يرد في (ص).
(٨) أنساب الأشراف ٧/ ٣٢٤ - ٣٢٥، وتاريخ الطبري ٧/ ٢٠٣ وفيهما أن عطاء هشام مئتا دينار ودينار، يأخذهما يعقوب مولاه ويغزو عنه.
[ ١١ / ٢١٢ ]
[فإن قيل: فهذا يُنافي ما ذكروا أنَّ طِرازَه كان يُحمل على تسع مئة جمل، ووُجد له يومَ ماتَ عَشَرَةُ آلاف قميص، وسبعةُ آلاف سراويل؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أنَّه يحتمل أنَّه كانت له أموال من مواريثَ واكتساب، فكانت ثروتُه منها، وما كان يأخذُ من بيت المال سوى مئتي دينار.
والثاني: أنَّه يحتمل أنَّ هذا القولَ منه كان قبل أن يليَ الخلافة، ثم تغيَّر حالُه بعد ما وليَها.
والثالث: أنَّه يحتمل أنَّ ما نُقل عنه أنَّه كان طِرازُه يُحمل على تسع مئة جمل وما كان له من القمصان وغيرها غيرُ ثابت.
وقال أبو اليقظان:] وأغلظ رجلٌ لهشام، فقال له غير مُغْضَب: ليس لك أن تُغلِظَ على إمامك (^١).
قال: وتفقَّد [هشام] بعضَ ولدِه يومَ جمعة، فلم يجده، فسأل عنه، فحضر، فقال: ما الذي منعك من الجمعة؟ فقال: نفَقَتْ دابَّتي. فقال: واللهِ لا ركبتَ دابَّةً إلى سنة (^٢).
[قال:] ونظر يومًا إلى قوم يَنْفُضُون الزيتون، فقال: القُطُوهُ لَقْطًا، ولا تنفُضُوه نَفْضًا، فتُفقأَ عيونُه، وتكسرَ (^٣) غصونُه (^٤).
و[قال هشام بن الكلبي:] كان سبب نزوله الرُّصافة الهرب من الطاعون، [وكذا كان بنو أمية ينزلون البراري، فوقع طاعون بدمشق، فخرج هشام إلى موضع الرُّصافة] فلما خرج قيل له. لا تخرج، فإنَّ الخلفاء لا يُطْعَنُون [وإن الطاعون لا يصيب أحدًا من الملوك] فقال: تريدون [أن] تجرِّبُوا فيَّ؟! وبنى قصَرين عظيمين بالرُّصافة، وكانت مدينةً عتيقةً من مدائن الروم، وقصد أيضًا القرب من العراق والجزيرة والشَّام (^٥).
_________________
(١) تاريخ الطبري ٧/ ٢٠٤ عن بشر مولى هشام. والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
(٢) المصدر السابق، والمنتظم ٧/ ٩٨.
(٣) في (ب) و(خ) و(د): وتكسروا.
(٤) أنساب الأشراف ٧/ ٣٥٦ (وبنحوه ص ٣٥٢ - ٣٥٣)، وتاريخ الطبري ٧/ ٢٠٦، والعقد الفريد ٤/ ٤٤٧.
(٥) بنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٣٠، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٠٧.
[ ١١ / ٢١٣ ]
[وحكى القاضي التنوخي عن الهيثم بن عدي، عن حمَّاد الراوية قال: كنتُ منقطعًا إلى يزيد بن عبد الملك، وهو يومئذ خليفة، وكان هشام يجفوني لذلك.
فلمَّا مات يزيد ووليَ هشام؛ نزلتُ إلى العراق، فأقمتُ بالكوفة سنةً ملازمًا لبيتي لا أخرج منه سنة.
قال: فخرجت يوم جمعة، فصلَّيتُ عند باب الفيل، وإذا شرطيَّان قد وقفا على رأسي، فقالا: أحب الأمير يوسف بن عمر. فقلتُ: أسيرُ إلى أهلي، فأودِّعُهم وداعَ من لا يرجع إليهم أبدًا. قالا: لا سبيل إلى ذلك (^١).
قال: فاستسلمتُ ومضَيْتُ إلى يوسف، فدخلتُ، فسلَّمتُ عليه، فردَّ السلام، ورمى إليَّ بكتاب هشام، وإذا فيه: فإذا قرأتَ كتابي هذا؛ فابعث إليَّ بحمَّاد الراوية غير مروَّع، وادْفَعْ إليه جملًا مَهْرِيًّا (^٢)، وخمس مئة دينار، وليكن عندنا بدمشق بعد اثنتي عشرة [ليلة].
قال: فقبضتُ المال، وسِرتُ إلى دمشق، فوافيتُها في اثنتي عشرة ليلة، ودخلتُ على هشام، وإذا به في مجلس مفروش بالرُّخام، بين كل رُخامتين قضيبٌ من الذهب، وحيطانُه كذلك، وهو جالس على طِنْفِسةٍ حمراء، وعليه ثياب من الخَزّ حُمْرٌ، وبين يديه أواني الذهب، فيها المسك والعنبر، يُقلِّبُهُ بيده، فتفوحُ رائحتُه، فسلَّمتُ عليه، فردَّ، واستدناني، فقَبَّلْتُ قدميه، وبين يديه جاريتان لم أرَ مثلَهما، وفي أذن كلِّ واحدة منهما حلقتان تتوقَّدان، فسألني عن حالي، فقلتُ: أنا بخير. فقال: أتدري لِمَ أرسلتُ إليك؟ قلت: لا. قال: خطرَ ببالي قولُ القائل:
ودَعَوْا (^٣) بالصَّبوح يومًا فجاءت … قَينَةٌ في يمينها إبريقُ
فلم أدرِ لمن هو. قال: فقلتُ: هذا البيت لعديّ بن زيد العِبَادي، من قصيدة أنشدني إيَّاها هو. قال: وما هي؟ فقلت:
_________________
(١) قال ابن خلِّكان في "وفيات الأعيان" ٢/ ٢٠٩: ما يمكن أن تكون هذه الواقعة مع يوسف بن عمر الثَّقَفيّ لأنه لم يكن واليًا على العراق في التاريخ المذكور، بل كان متوليه خالد بن عبد الله القسري.
(٢) نسبة إلى مَهْرَة بن حَيدان (أبو قبيلة)، وهم حيٌّ عظيم باليمن. وإبلُهم من نجائب الإبل وخيارها.
(٣) في (ص) (والكلام منها): ودعونا. والمثبت من المصادر.
[ ١١ / ٢١٤ ]
بَكَرَ العاذلون في بَكَرِ (^١) الصُّبْـ … ــــــحِ يقولون لي ألا تَسْتَفِيقُ
ويلومون فيكِ يَا ابنة عبد اللـ … ــهِ والقلبُ عندكم موهوقُ (^٢)
لستُ أُصْغِي إلى مَلَامِ عَذولٍ (^٣) … أعَدُوٌّ يلومُني أم صديقُ
زانَها حسنُها وفرعٌ عميمٌ … وجَبِينٌ صَلْتٌ (^٤) ووجهٌ أنِيقُ
نادمتُها على عُقارٍ كعين الـ … ـــــدِّيكِ صَفَّى سُلافها الرَّاووقُ
ثم كان المِزاجُ ماءَ سحابٍ … لا صَرًى آجِنٌ ولا مطروقُ
فدعا بالصَّبُوح يومًا فجاءَتْ … قَيْنةٌ في يمينها إبريقُ
فقال هشام: أحسنتَ يَا حمَّاد واللهِ. ثم قال للجارية: اسقيه. فسقَتْني شَرْبَةً أذهبَتْ ثُلث عقلي. وقال: أعِدْ. فأعدتُها، فطرب حتَّى نزل من فرشه وقال للجارية الأخرى: اسقِيه. فسقَتْني شَرْبَةً أذهبَتْ بثلثي عقلي. فقال هشام. إن شربتَ الثالثة افتضحْت، فسَلْ حوائجَك. فقلتُ: كائنةً ما كانت؟ قال: نعم. قلت: إحدى الجاريتين. قال: هما معًا لك بما عليهما وما لهما. ثم قال للأخرى: اسقيه. فسقَتني شَرْبَةً سقطتُ منها، فلم أعقل.
فلما أصبحتُ؛ إذا الجاريتان عند رأسي، وإذا عَشَرةٌ من الخدم؛ مع كل واحد بَدْرَة، فقال لي واحد: أميرُ المُؤْمنين يعتذرُ إليك، فخُذْ ما بعثَ به إليك. فأخذتُ البِدَرَ والجاريتين وانصرفتُ.
قلت: كذا ذكر القاضي التَّنوخي وأبو الفَرَج الأصفهاني أن الواقعة كانت مع هشام (^٥).
وقال المُعافَى بن زكريا: وقد رُوي مثلُ هذا لحمَّاد مع يزيد بن عبد الملك، وهو أشبه؛ لأنه كان جوادًا، وهشام كان بخيلًا.
_________________
(١) في المصادر: في وَضَح.
(٢) أي: محبوس.
(٣) في المصادر الآتية: لست أدري إذ أكثروا العذل فيها.
(٤) أي: واضح في سعة وبريق. وجاء هذا الشطر برواية مختلفة عن المصادر.
(٥) الفرج بعد الشدة ٤/ ٢٨٧ - ٢٩٠، والأغاني ٦/ ٧٥ - ٧٧. وينظر "وفيات الأعيان" ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٩، و"تاريخ دمشق" ٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
[ ١١ / ٢١٥ ]
قلتُ: وهذا أصحّ من وجه آخر، وذلك أن هشامًا لم يكن يشربُ المسكر، ولا يسقيه أحدًا بحضرته، وكان يُنكر ذلك ويُعاقب عليه، وقد كانت أوقاتُه محفوظة؛ بخلاف الوليد، فإنَّه كان مشتهرًا بشرب الخمر، ولو كانت الواقعة مع هشام فقد رُويَ أنَّه لما أنشده حمَّاد الشعر طربَ، وأقام عنده مدَّة، فوصله بمئة أَلْف درهم] (^١).
[وقال الهيثم:] ووقَّع [هشام] على قصة متظلّم: أتاك الغَوْث (^٢) إن كنتَ صادقًا، وحلَّ بك النَّكال إن كنتَ كاذبًا.
[وكتبَ إلى والي خُراسان وهو محارب الترك: احذَرْ ليالي البيات] (^٣).
وكتبَ إليه والي المدينة يشكو أولاد الْأَنصار. فكتب إليه: احْفَظْهم في رسول الله ﷺ، وهَبْهُم له.
وكتب إلى والي العراق وهو يحارب الخوارج: ضَعْ سيفَك في كلاب أهل النَّار، وتقرَّبْ إلى الله بقتل الفجَّار (^٤).
و[قال الأبرش بن الكلبيّ:] وقع طاعون بدمشق، فخرجَ هشام هاربًا، فمرَّ على دَير فيه راهبٌ، وإلى جانبه بستان، فأدخلَ هشامًا إليه، وجعل يتخيَّرُ له أطايبَ الفاكهة، وهو يأكلُ. فقال: يَا راهب، بعني (^٥) بستانك. فلم يجبه، فقال: ما لك ساكت؟ فقال: وددتُ أنَّ النَّاس كلَّهم ماتُوا غيرك. قال: ولِمَ؟ قال: عساك [أن] تشبع! والتفت هشام إلى الأبرش فقال: تسمعُ ما يقول؟ فقال له الأبرش: واللهِ ما لَقِيَك ابنُ حرّة غيره (^٦).
_________________
(١) سلف كلام ابن خلّكان أَيضًا في "وفيات الأعيان" ٢/ ٢٠٩ في نقد الخبر أَيضًا أن يوسف بن عمر الثَّقَفيّ لم يكن واليًا بالعراق في التاريخ المذكور، بل كان متولّيه خالد بن عبد الله القسري.
(٢) في (ص): العون.
(٣) ما بين حاصرتين من (ص). وينظر الخبر والذي قبله في "العقد الفريد" ٤/ ٢٠٩.
(٤) هذا الخبر والذي قبله في المصدر السابق.
(٥) في "العقد الفريد" ٤/ ٤٤٧: هبني.
(٦) في (ص): مثله. والخبر في "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٥٢، و"العقد الفريد" ٤/ ٤٤٧.
[ ١١ / ٢١٦ ]
و[قال الأبرش:] كان هشام يقول: أكلتُ الحُلو والحامض حتَّى لم أجد لواحدٍ منهما طعمًا، وشممتُ ألوانَ الطِّيب حتَّى ما أجدُ له رائحةً، وأتيتُ النساء حتَّى ما أُبالي أتيتُ امرأةً أو حائطًا. وعدَّدَ ما نال من اللذَّات في الدنيا، ثم قال: وما رأيتُ (^١) ألذَّ من جليس تسقطُ بيني وبينه مؤونةُ التحفُّظ (^٢).
وقال الأبرش: ما كان يدخلُ بيتَ مالِ هشام درهمٌ حتَّى يُشْهِدَ على العامل أربعين عَدْلًا، ويستحلفَه أربعين يمينًا أنَّه أخذ هذا المال من وجهه، وأنه (^٣) صرف كل حقٍّ إلى مستحقِّه (^٤).
و[قال الأبرش:] شتم هشامٌ رجلًا من الأشراف، فقال له: أما تستحي تشتِمُني وأنت خليفة الله في أرضه؟! فاستحيا هشام منه وقال: اقتصَّ. فقال: أكون إذن سفيهًا. قال: فخُذْ من المال ما شئت، قال: ما كنتُ لأبيعَ عِرْضي بعَرَض الدنيا. قال: فهَبْهَا لي. قال: أمَّا هذه فنعم. قال: فنكَّسَ هشام رأسَه وقال: واللهِ لا أعودُ لمثلها أبدًا (^٥).
[وقال المدائني: كان هشام يذكر في خطبته يوم العيدين: الحمد لله الذي ما شاء صنع، وما شاء أعطى وما شاء منع، ومن شاء خفض ومن شاء رفع، ومن شاء ضرَّ ومن شاء نفع (^٦).
وقال المدائنيّ:] وجرى بين مسلمة وأخيه هشام منافرة، فقال له مسلمة: كيف تطمع في الخلافة وأنت جبانٌ بخيل؟! فقال [هشام]: إلَّا أني عفيف حليم (^٧).
_________________
(١) في (ص): وما وجدتُ شيئًا.
(٢) العقد الفريد ٦/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
(٣) في (ص): وأن ذلك العامل، بدل: وأنه.
(٤) بنحوه في "مختصر تاريخ دمشق" ٢٧/ ٩٩.
(٥) بنحوه في "الكامل" ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤، و"مختصر تاريخ دمشق" ٢٧/ ٩٩ (ووقعت الترجمة ضمن خرم في "تاريخ دمشق")، و"البداية والنهاية" ١٣/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٦) أنساب الأشراف ٧/ ٣١٩. وهذا الكلام بين حاصرتين من (ص).
(٧) المصدر السابق ٧/ ٣٢٠، وبنحوه في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٠٥.
[ ١١ / ٢١٧ ]
وقال هشام: اثنان يتعجَّلان النَّصَب، ولعلهما لا يظفران بالبُغْية: الحريصُ في حرصه، ومعلِّمُ البليد بما لا يبلُغه فهمُه (^١).
وقال لما تغيَّر على خالد القَسْرِيّ: الإفراط في الدالَّة تُفسد الحُرمة (^٢).
[وقال أَيضًا:] (^٣) نال رجل من عرض هشام فأحضره، فأخذ يعتذر، فقال له هشام: وتتكلَّم أَيضًا؟! فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] أفنُجادِلُ اللهَ جدالًا ولا نُكلِّمُك كلامًا. فقال له هشام: تكلَّم بحجِّتك (^٤).
[قال:] ودخل عليه أعرابيٌّ، فجلس يأكل على سِماطه، فتعلَّقَتْ شعرة بلقمة في يد الأعرابي، فقال له هشام: نَحِّ الشعرةَ من لقمتك. فقال الأعرابي: وكأنَّك تُلاحظُني ملاحظةَ من يرى الشعرةَ في اللقمة! واللهِ لا أكلتُ لك بعد اليوم طعامًا. ثم خرج وهو يقول:
ولَلموتُ خيرٌ من زيارة باخلٍ … يلاحظُ أطرافَ الأكيلِ على عَمْدِ (^٥)
وبعث إليه خالد القَسْريُّ حاديًا وقال: ليس في الدُّنيا من يَحْدُو مثلَه، فأحضره هشام وحدا بين يديه، فقال:
قد همَّتِ الشمسُ ولما تَقْفُلِ … فَهيَ على الأُفْقِ كعينِ الأحولِ
فلم يقل هشام شيئًا (^٦).
و[روى ابن أبي دريد، عن أبي عبيدة، عن يونس قال:] اشترى هشام جارية، وخلا بها، فقالت: يَا أمير المُؤْمنين، ما أطمعُ في منزلة أعلى من منزلتي هذه إذْ صِرتُ إلى الخلافة، ولكن أخافُ النَّار، فإنَّه ليس لها خطر. قال: وما ذاك؟ قالت: إن بعض ولدك
_________________
(١) أنساب الأشراف ٧/ ٣٢٧.
(٢) المصدر السابق ٧/ ٣٥٤. وهذا القول والذي قبله لم يردا في (ص).
(٣) يعني المدائني. والكلام بين حاصرتين من (ص). والكلام معطوف على ما ورد قبل قولين، لأنهما لم يردا في (ص).
(٤) العقد الفريد ٢/ ١٨٧.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٤٥٧ و٦/ ١٨٢.
(٦) الخبر بنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٣٠ - ٣٣١، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٠٧، و"الأغاني" ١٠/ ١٥٥، و"العقد الفريد" ١/ ٣١٨ و٢/ ٣٠٦، و"التذكرة الحمدونية" ٣/ ٣٧٣، وفيها أن هشامًا غضب وطرده. ولم يرد الخبر في (ص).
[ ١١ / ٢١٨ ]
فلانًا اشتراني، فبتُّ عنده ليلة فألمَّ بي، ولا يحلُّ لك مَسِّي. [قال:] فحظيت عنده، ولم يعرض لها، وولَّاها أمره (^١).
وقال لمؤدِّب أولاده: إذا سمعتَ من أحدٍ منهم كلمةً عوراء في مجلسِ جماعةٍ؛ فلا تُؤنِّبه، فتُخجله، وعسى أن يُبصر خطأه، فيكون بصره للخطأ أعظمَ من ابتدائه به، ولكن احفظها عليه، فإذا خَلَوْتَ به فرُدَّه عنها (^٢).
ودخل الأبرش الكلبيُّ -واسمُه سعيد بن الوليد بن عبد عَمرو- على هشام، فسأله حاجة، فامتنع منها، فقال الأبرش: قد وعدتُ بها رجلًا، فلا بدَّ منها. فقال هشام: فذاك أبعدُ لك أن تعدَ بما ليس إليك. قال: فإنَّه مستحقٌّ. فقال هشام: فالكثيرُ من يرى أنَّه مستحقٌّ أمرًا ليس له بأهل.
قال الأبرش: فقلت: أفٍّ لك، [إنك] واللهِ ما علمتُ قليلُ الخيرِ نَكِدًا، واللهِ ما نُصيبُ الشيء منك إلَّا بعد مسألة، فإذا أصبناه منك؛ مَنَنْتَ به، فقال: لا واللهِ، ولكن وجَدْنا الأعرابيَّ أقلَّ شكرًا. فقلت: واللهِ إنِّي لأكرهُ الرجلَ يُحصي ما يُعطي.
ودخل أخوه سعيد بن عبد الملك ونحن في ذلك، فقال: يَا أَبا مجاشع، أتقول هذا لأمير المُؤْمنين؟! قلت: نعم، صحبتُ هذا وهو - واللهِ - أرذلُ بني أميَّة، وأنا يومئذ سيِّدُ قومي، وأكثرُهم مالًا، وأوجهُهُم جاهًا، [أُدْعَى] إلى الأمور العظام من قِبل الخلفاء، وما يطمع هذا فيما صار إليه، حتَّى إذا صار إلى البحر الأخضر؛ غرفَ لنا منه غَرْفَةً. فقال هشام: صدقتَ يَا أبرش، اغْفِرْها لي، فواللهِ لا أعودُ إلى شيءٍ تكره أبدًا.
[قال:] فما زال مكرمًا لي حتَّى مات (^٣).
وكان بين مسلمة وهشام ابني عبد الملك تباعدٌ، وكان الأبرش يدخلُ عليهما، وكان أحسنَ النَّاس حديثًا وعقلًا، فقال له هشام: كيف تكون خاصًّا بي وأنت تتردَّد إلى مسلمة وقد علمتَ ما بينَنا، فقال الأبرش: أنا كما قال الشَّاعر:
_________________
(١) المنتظم ٧/ ٩٨. وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) لم أقف عليه. ولم يرد هذا القول في (ص).
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٤/ ١٨٩. وما سلف بين حاصرتين منه. ولم يرد هذا الخبر في (ص).
[ ١١ / ٢١٩ ]
أُعاشِرُ قومًا لستُ أُخبِرُ بعضَهم … بأسرار بعضٍ إنَّ صدري لَواسعُ
فقال له هشام: أنتَ -واللهِ- كذلك (^١).
و[قال أبو القاسم ابن عساكر:] عاش الأبرش إلى أيام [أبي جعفر] المنصور، [فحكى محمَّد بن سلَّام قال:] حدا الأبرش بالمنصور في طريق الحج فقال:
أغرُّ بين حاجبيه نورُهُ … إذا توارى وبه ستورُهُ
فأعطاه المنصور درهمًا، فقال له: يَا أمير المُؤْمنين، لقد حَدَوْتُ هشامًا بهذا [البيت] فأعطاني عَشَرَةَ آلاف درهم، فقال: يَا ربيع، طالِبْهُ بها، فإنَّ هشامًا أخذه من غير حِلِّهِ وأعطاه لمن لا يستحقُّه، فلم يزل أهل الدولة يشفعون له حتَّى أخذ المنصور منه الدرهم وخلَّاه (^٢).
وقال هشام يومًا لجلسائه: كم أكثرُ [ما] ضَمَّتْ عليه الحَلَبَةُ من الخيل في الجاهلية والإِسلام؟ قالوا: ألفُ فرس. فأقام هشام أربعة آلاف فرس، وبرز إلى الدَّهناء -وهي صحراء الرُّصافة- وأطلق الخيل، فقال حفص الأُمويُّ الشَّاعر:
إنَّ الجوادَ السابقَ الإمامُ … خليفةُ اللهِ الرِّضى الهُمامُ
أنجبَه (^٣) السَّوابقُ الكرامُ … من منْجِباتٍ ما بهنَّ ذَامُ
إنَّ هشامًا جدُّه هشامُ … جرى به الأخوالُ والأعمامُ
وأحرز المجدَ الذي أقاموا … في حَلْبةٍ تَمَّ لها التَّمامُ
من آلِ فِهْرٍ وهمُ السَّنَامُ … سُبَّاقُ غاياتٍ لها ضِرامُ
من أبيات.
فأعطاه هشام مالًا وثيابًا وخيلًا. ولا تُعلم حَلْبَةٌ أُقيمت بمثل هذه (^٤).
وكان حفصٌ هجَّاءً لبني هاشم، مادحًا لبني أمية، فلما ظهر عبد الله بن عليّ، أباح دمَه، فهرب، وطال عليه الأمر، وضاقت به الحيل، فجاء إلى مجلس عبد الله، فقال:
_________________
(١) المصدر السابق ٤/ ١٩٠، وبنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٣١٤. ولم يرد هذا الخبر في (ص).
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٤/ ١٩٠ - ١٩١، وما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٣) في (ب) و(خ) و(د): أتينه. والمثبت من "تاريخ دمشق" ٥/ ١٩٤، و"مختصره" ٧/ ٢١٣.
(٤) تاريخ دمشق ٥/ ١٩٤. وفيه قبله الخبر الآتي. ولم يرد في (ص).
[ ١١ / ٢٢٠ ]
عائذٌ بالله وبالأمير. قال: من أنت؟ قال: حفص الأُموي. قال: ألستَ الهجَّاء لبني هاشم؟! [قال:] فأنا الذي أقول:
وكانَتْ أميةُ في ملكها … تجورُ وتُكثرُ عُدْوانَها
فلمَّا رأى اللهُ أنْ قد طغَتْ … ولم يُطِقِ النَّاسُ طغيانَها
رماها بسفَّاحِ آل الرسولِ … فجدَّ بكفَّيه أعيانَها
ولو آمنَتْ قبلَ وقعِ العذابِ … لقد قَبِلَ اللهُ إيمانَها
فقال له عبد الله: اقعُدْ. فقعدَ بين يديه، وتغدَّى معه، فسارَّ عبد الله خادمًا له، ففزع حفص وقال: أيها الأمير، إنِّي قد تَحرَّمْتُ بطعامك، وفي أقلَّ من هذا كانت العربُ تُجير في الدِّماء، فقال: لا بأس عليك. وجاء الخادمُ ومعه خمسُ مئة دينار، فقال له: خُذْها وأصلح ما شَعَّثْتَ منَّا.
وكان هشام جالسًا يومًا وعنده الأبرش [الكلبي] إذ طلعت جارية، فقال الأبرش؛ مازحَها فقال: هَبي لي حُلِيَّكِ، فقالت: لأنتَ أطمعُ من أَشْعَب. فقال هشام. مَنْ أَشْعَب؟ قالت: مِضْحاكٌ بالمدينة. وذكرتْ طرفًا من حكاياته، فقال هشام: اكتُبوا إلى عامل المدينة ليُحمل إلينا. ثم استدرك، فأطرقَ رأسه ساعةً (^١) ورفع رأسه فقال: يَا أبرش، نكتبُ إلي عامل مدينةِ رسول الله ﷺ، فيحمل إلينا مضحاكًا! لا ها اللهِ ذا. ثم تمثَّل بهذا البيت:
إذا أنتَ طاوَعْتَ الهَوى قادَك الهَوَى … إلى بعض ما للنفسِ فيه مقالُ (^٢)
وقال سليمان بنُ مجالد أخو أبي جعفر المنصور من الرَّضاعة: قدمنا الرُّصافةَ على هشام وأبو جعفر على حمار، وإنا أسوقه، فنرلنا على مَسْلَمةَ بنِ عبد الملك ليأخذ
_________________
(١) في (ب) و(ص). فأطرق ساعة.
(٢) أنساب الأشراف ٧/ ٣١٧، ومروج الذهب، ومختصر تاريخ دمشق ٢٧/ ١٠١. واختلف سياق الخبر في (ص) عن باقي النسخ، فجاء فيها قوله: وقال هشام بن محمَّد: كان هشام بن عبد الملك ينشد دائمًا: إذا أَنْتَ طاوعت … البيت قال: وسببُه أنَّه كان جالسًا يومًا وعنده الأبر الكلبي إذا طلعت جارية .. إلخ.
[ ١١ / ٢٢١ ]
رأيه، فدفَع إلينا خمس مئة درهم، وسُفْرَة فيها طعام، وحذَّرَنا هشام (^١) وقال: لا تبيتا الليلة ها هنا. فخرجنا فسرينا طُول الليل، فلما طلعَ الفجر نَزَلْنَا نصلي، فإذا بهشام في موكبه، فلما رآنا رقَّ لنا، ونزل فصلَّى، وبعث إلى أبي جعفر بفرسه الذي كان عليه، فركبه (^٢)، وركبتُ الحمار، فقال أبو جعفر: اللهمَّ كما حَمَلْتَنِي على فرسه؛ فأجْلِسْنِي في مجلسِه. فاستجابَ الله له (^٣).
وقال هشام: يُعرفُ حُمقُ الرجلِ بأربعة أشياء: بطول لحيته، وكنيته، وإفراط شهوته، ونقش خاتمه. فدخل عليه شيخ طويل اللحية، فقال: أمَّا هذا فقد أتاكم بواحدة، فانظروا أين هو من الثلاثة؟ فقال له: ما كنيتُك؟ قال: أبو الياقوت. قال. فأيُّ الطعام تحبُّ؟ قال: الجَلَنْجَبِين (^٤). قال: فما نَقْشُ خاتَمِك؟ قال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] فقال: حسبك (^٥)!
ذكر جماعة من الوافدين عليه:
[قال علماء السير: ومن الوافدين على هشام:]