ذكرنَا ذَلِك مُخْتَصرا نسختها
أدام الله إقبال سامي مجْلِس الصاحب وأندى سعاداته وأيد بالنجح إراداته وحلى بالمكارم والمحامد سجاياه وعاداته وأنجز بنصر أولياءه وكبت عداته وَلَا زَالَت أَمْدَاد الزِّيَادَة لَهُ والسعادة نامية وآماد عزه فِي سَمَاء مجده مترامية وأعين مناويئه فِي مناره عَن الطموح إِلَى ذرى فخاره متغاشية متعامية وديم الْكَرم فِي فضاء فضائله من سَمَاء سماحه هامرة هامية مَا سفر وَجه وَتوجه سفر وَقدر أَمر وَقد أَمر بعد مَا أصدر مَمْلُوك الدَّار العزيزة ثَبت الله قَوَاعِد مجدها وَشد بعرى النَّصْر معاقد سعدها مطالعاته الَّتِي أعرب فِيهَا عَن صَاحب الْموصل وَأَنه قد طمع فِي حلب وطمح إِلَيْهَا وَمد عين التَّعَدِّي بالاحتواء عَلَيْهَا وَأَنه نكث الْأَيْمَان المبرمة ونقضها وَترك المراقبة الَّتِي فَرضهَا الله بِأَن رفضها فَإِن حلب وأعمالها دَاخِلَة فِي ولايتنا دُخُولا يشْهد بِهِ الْمِثَال وينطق بِحقِّهِ المنشور العال الْموقع لَهُ من مقرّ العظمة والجلال بلغه أَنه بلغ الْفُرَات وقطعه قَاطعا لما أَمر الله بِهِ أَن يُوصل من الْعَهْد وجسر على عبور جسره بل خسر حَيْثُ جَاوز حد التَّعَدِّي بتعدي الْحَد وَوصل إِلَى حلب ممتريا حلف الْخلاف متنكبا طَرِيق الْإِنْصَاف وَقد أحوجته قلَّة عسكره إِلَى الاستكثار بِمن فِي الْبَلَد من الأجناد والأشباه من رعية الْبِلَاد هَذَا وذوو التَّمْيِيز وَأهل الرّيّ والمشورة من أُمَرَاء الْعَسْكَر الْحلَبِي لم يرْضوا وَلم يرفعوا بِهِ رَأْسا وَمَا ازدادوا بِهِ إِلَّا استيحاشا لَا استئناسا وَمن حلف لَهُم حَيْثُ أكرهوه حلف على الْمقَام إِن طابت نَفسه بخدمته أَو مُفَارقَته إِلَيْنَا والانحياز عَن
[ ٦٢ ]
جِهَته وَمن هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء مِمَّن هُوَ أحماهم حَقِيقَة وأحقهم حمية وآباهم نفسا وأنفسهم آبية من فَارقه متاركا وشاققه مباكتا وَذهب مغاضبا وتحيز إِلَى جانبنا وَأعْرض عَنهُ جانبا وَوصل إِلَى نوابنا بِالشَّام متوسلا إِلَيْنَا لنَفسِهِ بآرائه وآرابه ورسولا عَمَّن وَرَاءه من رفقائه وَأَصْحَابه وشاع أَيْضا أَن عَسْكَر حلب أغار على الراوندان وَهِي أحد مَا فِي عَملنَا وتصرفنا لَهُ ولولايته شَامِل ورسولهم عِنْد الفرنج يستنجدهم فِي شغلنا ويغريهم ويبذل لَهُم الرغبات ويضريهم وَقد راسل الحشيشية وَالْمرَاد من الرسَالَة غير خَافَ وَالْعلم بالمعتاد مِنْهَا كَاف وَمَا تهَيَّأ للمذكور الْوُصُول إِلَى حلب إِلَّا بِسَبَب غيبَة ابْن أخينا فِي أقْصَى بِلَاد الفرنج فِي أول بَريَّة الْحجاز وَقد نَهَضَ إِلَيْهِم بالعسكر مُعْتَرضًا لَهُم فِي الْمجَاز فَإِن طاغيتهم جمع خيله وَرجله وَاسْتعْمل فِي الاستكثار من الزَّاد والآلات وَالْعدَد منته وجهله وحدثته نَفسه الخبيثة بِقصد نيماء وَهِي دهليز الْمَدِينَة على ساكنها السَّلَام واغتنم كَون الْمَدِينَة مخصبة فِي هَذَا الْعَام فقفى ابْن أخينا أَثَره وَأخذ عَلَيْهِ مورده ومصدره وعارض بالعسكر الْمَنْصُور عدوه المخذول وَعَسْكَره وَذَلِكَ بعد أَن أنضى عزمه وأمضى ركابه وجهده وَمنع الْكَافِر المخذول وَصد قَصده وَلم يعلم بوفاة ولد نور الدّين ﵀ إِلَّا بعد عودته من نهضته وَقد حسن بِحَمْد الله أثر عزمته واستنقذ بركَة وَجهه فِي غزوته وَلم يشك هُوَ وَلَا غَيره أَن صَاحب
[ ٦٣ ]
الْموصل لَا يتَعَرَّض للبلاد لأمرين أَحدهمَا أَنه لَا يتَصَرَّف إِلَّا على الْأَوَامِر الشَّرِيفَة المطاعة الَّتِي تَأمر بِالْوَفَاءِ وتنهى عَن الْغدر وَالْآخر أَنه لَا ينْقض يَمِينا لَيْسَ فِي نقضهَا وَجه من الْغدر وَالْعجب أننا نحامي عَن قبر النَّبِي ﷺ مشتغلين بهمة وَالْمَذْكُور يُنَازع فِي ولَايَة هِيَ لنا ليأخذها بيد ظلمه وَكم بَين من يحارب الْكفْر وَيحمل إِلَيْهِم قواصم الْآجَال وَبَين من يتخذهم بطانة دون الْمُؤمنِينَ وَيحمل إِلَيْهِم كرائم الْأَمْوَال وَبَين بعيد من دَار الْخلَافَة المعظمة يفترض الطَّاعَة ويستفرغ فِي مراضيها الِاسْتِطَاعَة وَلَا يحل وَلَا يعْقد إِلَّا بمراشدها وَلَا يقوم وَلَا يعْقد إِلَّا بمراصدها وَلَا يصدر وَلَا يُورد إِلَّا عَن مصادرها ومواردها وَبَين آخر يدعى أَنه أقرب جِيرَانهَا وَلَا يمت بل لَا يَمُوت إِلَّا بعصيانها ويخطب لأهل الْخلاف على الْخلَافَة ويجهر بأسمائها وينشر فِي ولَايَته راية أعدائها وكل يعْمل على شاكلة أسلافه فَهُوَ يمري بيد المراء كعادتهم العادية أخلاف أحلافه وَنحن لَا نتدين إِلَّا بِطَاعَة الإِمَام وَلَا نرى ذَلِك إِلَّا من أَرْكَان الْإِسْلَام هَذَا مَعَ مَا نعد فِي الْملَّة الحنيفية والدولة الهادية العباسية مِمَّا لَا يعد مثله أَو لَا لأبي مُسلم لِأَنَّهُ أقدم ثمَّ ضام وأمال ثمَّ آلام ووالي ثمَّ ونى وَجل وجلا ثمَّ أخل وأخلى وَلَا يعد آخرا لطغر لبك فَإِنَّهُ نصر وَنصب ثمَّ حجر وحجب وَقد عرف مَا فضلنَا الله تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمَا فِي نصر الدولة وَقطع من كَانَ يُنَازع الْخلَافَة رداءها وإساغته الغصة الَّتِي ذخر الله لَا ساغته فِي سبقه بِنَا إِيَّاهَا
[ ٦٤ ]
وتطهير المنابر من رِجْس الأدعياء وإطلاع أنوار السمات كاشفة ظلم تِلْكَ الْأَسْمَاء وإنارة صباح الْهدى بعد امتداد رواق الضَّلَالَة المدلهمة الظلماء وَلم نَفْعل مَا فَعَلْنَاهُ لأجل الدُّنْيَا فَلَا معنى للاعتداد بِمَا الْجَزَاء عَنهُ بِالْحُسْنَى متوقع فِي العقبى غير أَن التحدث بِنِعْمَة الله وَاجِب والتبجح بِالْخدمَةِ الشَّرِيفَة والأفتخار بالتوفيق لَهَا على السجية غَالب وَلَا غنى عَن بروز الْأَوَامِر الشَّرِيفَة إِلَى الْمَذْكُور بِأَن يلْزم حَده وَلَا يتَجَاوَز حَقه فَلَا ولَايَة لَهُ من خَليفَة يقْتَرن بِهِ بهاء المضاء وَلَا وراثة لَهُ فِي أَرض الله فَإِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء فَإِن أطَاع وأناب وَرجع عَن الْخَطَأ وعاود الصَّوَاب وَترك الْحق لأَهله وَأخذ الْوَفَاء فِي سلوك سبله وَإِلَّا فَمَا قصدنا إِلَّا أَن نقاتله وَهُوَ لأمر الْخلَافَة المعظمة مُخَالف وَنحن طائعون والمشار إِلَيْهِ متصامم وَنحن سامعون وَكفى بالمحق نصْرَة أَنه على الرشد الْكَامِل وبالمبطل خذلانا أَنه طَالب للباطل
فصل مِنْهُ
هَذَا وَمَا بِنَا بِحَمْد الله قُصُور عَن أَن نصده عَن قَصده ونرديه ثوب الْعَجز برده ونكيل لَهُ بصاعه ونعثره فِي عثير إسراعه ونحسم داءه وَإِن أعضل مَرضا ونرميه بسهام من عِنْد الله تَعَالَى لَا تقبل غَيره غَرضا وَلَا شكّ أَن التحارب يحيره والإدبار يَصْحَبهُ فِيمَا يدبره وَقد طالع الدِّيوَان الْعَزِيز بطبه مستشفيا ولشرح قصَّته مُسْتَوْفيا ولعذره فِي جَمِيع الْأَحْوَال مبليا وَلَا غناء عَن نظره السَّامِي ليَكُون للمراد مُتَوَلِّيًا ولراية الْحق معليا لَا زَالَ لذخائر الْحَمد مقتنيا ولقواعد الْمجد متبنيا ورأيه أسمى إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٦٥ ]