وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة
ذكر السَّبَب فِي ذَلِك
وَلما عرف صَاحب الْموصل مَا تسنى للسُّلْطَان من فتح آمد وحلب وَغير ذَلِك من الْبِلَاد خَافَ على نَفسه وبلاده وَمَال إِلَى الاستعطاف فاستدعى من الدِّيوَان الْعَزِيز إرْسَال شيخ الشُّيُوخ للشفاعة إِلَى السُّلْطَان فوصل وَمَعَهُ بشير الْخَادِم وَندب صَاحب الْموصل مَعَهُمَا القَاضِي محيي الدّين أَبَا حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشهرزوري وَكَانَ قدومهم إِلَى السُّلْطَان فِي دمشق وَلما علم بقدومهم اسْتَقْبَلَهُمْ بالإكرام والإجلال والاحترام فَلَمَّا قرب بَعضهم من بعض نزل ونزلوا لَهُ ثمَّ ركبُوا جَمِيعًا فَأنْزل شيخ الشُّيُوخ بالرباط على المنيبع وَأنزل القَاضِي محيي الدّين فِي جوسق بُسْتَان الخلخال وَنزل شهَاب الدّين بشير جوسق صَاحب بصرى على الميدان
ثمَّ أحضر السُّلْطَان شيخ الشُّيُوخ وَجرى بَينه وَبَينه أَحَادِيث شَتَّى فِي معنى صَاحب الْموصل واستخلاف السُّلْطَان على موصله وَمرَاده فَجرى من ابْن الشَّهْر زورى كَلَام فِيهِ اشتطاط وَاشْترط أَشْيَاء وَكَانَ السُّلْطَان فاتر الْعَزْم فِي الْعود إِلَى الْموصل فهاجه على الْمسير إِلَيْهَا ثمَّ أَمر لَهُم بالإكرام والتشريفات والنفقات والعطايا السّنيَّة ورحلوا فنزلوا على الْقصير فراجع
[ ١٦٢ ]
نَفسه الشَّرِيفَة وَقَالَ قد استحيينا من مسير شيخ الشُّيُوخ إِلَيْنَا مرّة بعد أُخْرَى ولابد من رِضَاء المواقف الشَّرِيفَة المقدسة فَركب فِي خَواص عسكره وأتى الْقصير فَنزل فِي خيمة صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ ثمَّ كشف لَهُ عَن حَاله وَمَا جَاءَ بِهِ وَأَنه قد أَتَى ليحوز مراضي الدِّيوَان الْعَزِيز وَيكْتب نُسْخَة الْيَمين فِي الصُّلْح ففرح بذلك شيخ الشُّيُوخ فَرحا عَظِيما وَأرْسل إِلَى محيي الدّين بن الشَّهْر زوري يُعلمهُ بِالْأَمر ووصول السُّلْطَان لإِصْلَاح ذَات الْبَين بِجَوَاب الرسَالَة الإمامية
فَلَمَّا رأى محيي الدّين بن الشهرزوري تواضع السُّلْطَان ترفع وَقَالَ أَنا بعد مَا جرى من الْحَال لَا رَغْبَة لي فِي الْحُضُور ولعلكم اعتقدتم أَنه لَيْسَ لنا مظَاهر وَلَا مؤازر وَأَشَارَ إِلَى سُلْطَان الْعَجم وبهلوان
فَلَمَّا سمع السُّلْطَان ذَلِك تَبَسم وَقَامَ بعد وداع صدر الدّين وَرجع إِلَى دمشق فَكَانَ بهَا بَقِيَّة ذِي الْقعدَة وَذي الْحجَّة وَكَانَ قد عزم على الْجِهَاد والمسير إِلَى حِصَار الكرك عِنْد دُخُول سنة ثَمَانِينَ
ووصلنا كتاب السُّلْطَان إِلَى مصر بتحريض وَالِدي الْملك المظفر وحثه على إِنْفَاذ العساكر المصرية للْجِهَاد وَذَلِكَ فِي الْعشْر الآخر من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة