استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري، ونائبه بدمشق سيباي والقضاة بها: الحنفي الزيني بن يونس، والشافعي النجمي أبو الفضل محمد بن الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، والمالكي خير الدين الغزي، والحنبلي النجمي بن مفلح، وهما في الترسيم بمصر، والأمير الكبر الأتابك برد بك تفاح؛ والحاجب الكبير جان بردي الغزالي، ومعه نيابة القدس، وكرك الشوبك.
وفي يوم السبت ثاني محرمها، خرج النائب من دمشق إلى الخربة. وفي يوم السبت ثالث عشره شاع بدمشق تولي يخشباي نائب صفد حجوبية دمشق، عوضًا عن جان بردي الغزالي، لغيبته في نيابة القدس وغيرها.
وفي يوم الأربعاء رابع صفر منها، ذهب جماعة من الصالحية برجل إلى عند القاضي الشافعي، وقالوا عنه إنه اقترف أخته شقيقته أربع مرات، وكاد زوجها أن يخرج عقله، فأمر بحبسه. وفي يوم السبت حادي عشريه وصل النائب من الخربة، وقد دقت بشائر دمشق مدة أيام، لكونه قتل كبار آل زعمان، وهرب الباقون، وأخذ حريمهم وإبلهم وأولادهم؛ ونودي بالزينة، فوضعت بدمشق بكرة يوم الأحد ثاني عشريه.
وفي يوم الاثنين ثالث عشريه دخل النائب دمشق، وتلقاه الناس على العادة، ودمشق
[ ٢٦٩ ]
مزينة له، وزحف جماعة المقتولين من آل زعمان وغيرهم، على أمير السلطان، ابن جانباي البدوي، فهرب منهم إلى قرب دمشق، كالقبيبات، وتخبط البر وانمحق زرعه، ولا قوة إلا بالله.
وفي ليلة الأربعاء خامس عشريه سافر النائب إلى المرج لأجل تدويغ الدواب التي أخذها من العرب، وقد باع جماعته بدمشق إبلًا كثيرة، وغيرها، بالرخص، فالله يحسن العاقبة. وفي ليلة الأحد ثامن عشريه رجع النائب إلى دمشق. وفي هذه الأيام فوض القاضي الشافعي إلى الأصيل زين الدين عبد القادر، أحد شهود باب توما، الملقب بالحبيصة؛ وهو رجل يشبه المرأة، وليس له اشتغال بالعلم، ويدعي التصنيف.
وفي يوم الخميس عاشر ربيع الأول منها، دخل من مصر إلى دمشق راجعًا، قاضي المالكية خير الدين الغزي، مستمرًا على وظيفته، وشاع أنه رسم عليه وعلى قاضي الحنابلة، النجمي بن مفلح، والسيد الكمالي جمال، وأفرج عنهم بعد أن كان مرسمًا عليهم بسبب هدم جدار المحب الأسلمي، وأما شهاب الدين الرملي فهو مستمر في المقشرة، لتصميمه على عدم وزن مال؛ ثم في أواخر شوال منها شاع بدمشق أنه أطلق على مال هين.
وفي يوم الجمعة حادي عشره ضرب النائب ليوسف القصيفي، نسبة إلى قرية قصيفة، من اللجاة، كان فلاحًا إلى دمشق، وعمل رسولًا، ثم بلاصيًاَ، ثم شاهدًا بأبواب الترك فزور مرسومًا - ضربًا مبرحًا - ثم طيف به على حمار مكشوف الرأس، ينادي عليه بالتزوير. وفي يوم الاثنين رابع عشره سافر القاضي الحنفي، الزيني عبد القادر بن يونس، إلى مصر مطلوبًا.
وفي يوم الخميس سابع عشره لبس النائب خلعة، وتلقاه الناس على العادة، ودخل وعلى يمينه القاضي الشافعي، وعلى يساره القاضي المالكي. وفي يوم الأربعاء ثالث عشريه وصل السيد كمال الدين. وفي يوم الخميس رابع عشريه وصل قاضي الحنابلة، النجمي بن مفلح.
وفي يوم الثلاثاء عشرين ربيع الآخر منها، توفيت مستولدة نائب الشام جلبان، ودفنت عند أولادها، غربي المدرسة الشامية البرانية؛ أوصت بثلث مالها للقاضي الشافعي، فختم على موجودها، وجرى أمور كثيرة بعد ذلك.
وفي ليلة يوم السبت رابع عشريه احترق غالب سوق الرصيف، من جهة القبلة، إلى جدار المسجد، شمالي المدرسة المجاهدية، وكان قد سقط غالبه في الثلجة، ثم شرعوا في
[ ٢٧٠ ]
عمارة ذلك، فاحترق ثانيًا قبل وضع الأخصاص وتكملته وما حول ذلك.
وفي هذا اليوم طلب القاضي الشافعي إلى القلعة، فأعطى مرسومًا شريفًا بطلب تكملة ما عليه، فادعى العجز عن ذلك، فأمهل.
وفي يوم الاثنين سادس عشريه أتى النائب من مصر خلعة، على يدي جماعته، وقد خلع عليهم أيضًا، ولبسها من خارج دمشق على العادة؛ وعلى يديهم مراسيم بإخراب بلاد ابن ساعد والقبض عليه، ومرسوم آخر بالحط على جماعة النائب، وأن جماعة القلعة شكوا عليه. وفي ليلة الأربعاء ثامن عشريه سافر النائب نجدة لدواداره، وقد حصره العرب.
وفي ليلة الجمعة مستهل جمادى الأولى، في ليلتها، سافر الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون إلى بيروت، بعد مبيته بجامع التوريزي. وفي يوم الثلاثاء خامسه دقت البشائر بدمشق، لأجل ما قيل إن النائب انتصر على من حصر دواداره من العرب. وفي هذه الأيام أرسل النائب إلى دمشق يطلب سنيحا، يجهز له من مال الحارات، وما أظنه يعلم ذلك.
وفي يوم السبت تاسعه توفي بصفد عبد القادر بن حبيب، كان متجاهرًا بطريقة ابن عربي، وفي ليلة الجمعة ثاني عشريه رجع النائب إلى دمشق. وفي يوم الاثنين خامس عشريه ورد من مصر خاصكي يبشر بالنيل، مخلوعًا عليه بطراز، فتلقاه النائب على العادة.
وفي يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة منها، دخل من مصر إلى دمشق، الدوادار الثاني بمصر، علاّن، رسولًا من السلطان إلى سلطان الروم، يتراضاه على ولده الذي هو بمصر الآن، ودخل دخولًا حافلًا. وفي هذه الأيام رمي على الحارات مال لأجل مشاة. وفي عشية الخميس تاسع عشره اعتقل على القاضي الشافعي بالقلعة، على بقية مال جعله عليه للسلطان حتى ولاه القضاء، ووالده حينئذ ببيروت.
وفي ليلة يوم الاثنين ساخه سافر النائب سيباي مطلوبًا إلى مصر، وكثرت الأقوال بسبب ذلك؛ واستمر القاضي الشافعي بجامع القلعة، ووالده ببيروت، وهما يدعوان على المحب الأسلمي، الذي كان السبب في التولية، ثم في الاعتقال، بعد أن نصراه بالفتوى على أعدائه، ولا قوة إلا بالله.
[ ٢٧١ ]
وفي يوم الأحد، تاسع عشري رجب، وقع الدوادار نائب الغيبة برهاطة المصري، نائب ناظر المارستان النوري، ناظر القلعة، وأهانه إهانة بالغة. وفي يوم الأربعاء سلخه نودي بدمشق بالزينة، بعد أن دقت البشائر بأن النائب خرج من مصر، وتجه إلى كفالته على عادته، وأن بعض الناس فارقه بغزة.
وفي يوم الخميس أصبح الناس صيامًا بدمشق، فإنه قد ثبت أن أول شعبان الثلاثاء، وكان قياس القاعدة أن يكون أول رمضان الجمعة فإن رابع رجب كان الجمعة. وفي بكرة يوم السبت ثالثه دخل النائب إلى دمشق، مخلوعًا عليه، راجعًا من سفرته إلى مصر، وتلقّاه القاضي المالكي، والقاضي الحنبلي، وأرباب الوظائف على العادة، في أبّهة حافلة.
وفي ليلة الجمعة تاسعه عزل النائب تقي الدين القاري من إمامة الجامع الأموي، وولاّها لشهاب الدين بن الملاح المقريء، ورسم على القاري، ثم أطلقه من الترسيم على مال، فولّي القاضي الشافعي لابن عمه أبي اليمن، واستمرّ إلى بعد العيد الصغير، فأعيد القاري.
وفي يوم السبت ثاني عشري شوال منها هرع الغوغاء إلى الطابق، وقبور أهل الذمة. للفرجة، فأرسل الله عليهم مطرًا غزيرًا، حتى رأوا في أنفسهم ما لا يوصف، وكان النائب في وليمة مرعى بحجيرًا، فأسرع الرجوع، ففاز بذلك.
وفي يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة منها، خرج من دمشق سريّة من المماليك بأمر النائب، وكبسوا قرية جبّ جنين بالبقاع، ونهبوا مصاغًا وحليًّا كثيرًا، وكسروا أعلام الزاوية، وربطوا جماعات من فقراء شيخها الدسوقي، وذهب من الدبس والبرغل والكشك والقمح وغير ذلك شيء كثير، لا يمكن ضبطه، لكون شيخ بعض البلاد أصله من جبّ جنين المذكورة، وقد قتل قتيلًا بقرية الديماس، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الخميس ثامن عشره شاع بدمشق عزل القاضي الشافعي، النجمي ابن الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، من قضاء الشافعية، وأن العزل كان في يوم الثلاثاء ثاني الشهر المذكور، ثم تبيّن أن أصل الإشاعة كتاب ورد مع فرج بخطّ شهاب الدين الرملي، الذي أطلق من الحبس قريبًا، ذكر فيه أن ولي الدين بن الفرفور ولاّه السلطان، وخلع عليه في ثاني الشهر؛ فلم يلتفت النجمي إلى ذلك حتى يأتي شيء يعتمد عليه، واستمرّ في جامع القلعة يعرض ويقرّر، والناس يخوضون له وعليه، وتبيّن صحة ذلك من العزل ومن التولية في التاريخ المذكور.
[ ٢٧٢ ]
وفي صبحة يوم الاثنين ثاني عشريه لبس النائب خلعة حمراء بمقلب سمور خاص، من قريب القبة أتت على يد خاصكي عليه خلعة بطراز خاص، وكان يومًا مطيرًا مطرًا خفيفًا، فلم يحتفل الناس على عادتهم لأجله، وهذه الخلعة تتمة ثلاث عشرة خلعة. وفي يوم الخميس خامس عشره دخل من مصر قاضي الحنفية بدمشق، الزيني بن يونس، راجعًا على عادته بخلعة، وصحبته يونس العادلي رسولًا للسلطان إلى بلاد الروم، ليشتري له خشبًا برسم المراكب.
وفي يوم الجمعة سادس عشريه خطب بالجامع الأموي القاضي شهاب الدين الحمصي، رئيس المؤذنين به، نيابة عن القاضي الجديد الولوي بن الفرفور، وتضاخم لكونه على ما قيل، خطب بالسلطان مرة، ولكونه ولي نيابة الحكم بمصر، ولكونه، على ما قيل، أقرأ الولوي المذكور، وقال في خطبته: روينا وروينا، وسمي النسائي وغيره؛ قال المحيوي النعيمي: وهو لم يقرأ ذلك على أحد، وأنا في أول أمره أقرأته أول صحيح البخاري، ولكنه من جملة المتفقهة، الذين إذا سافروا إلى مصر انصبغوا.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشر ذي الحجة منها، فقد أعرف الناس بمعرفة الجوخ، شهاب الدين الكويس، وهو في حدود الثمانين. وفي هذه الأيام سافر النائب والعسكر، خلا الحاجب الكبير يخشباي، نحو البلاد الشمالية.
وفي ليلة الأحد ثامن عشريه، دخل إلى دمشق ليلًا، خاصكي من مصر، صحبته مراسيم شريفة بتخليص جهات القاضي الشافعي؛ حينئذ الولوي بن الفرفور، ممن استولى عليها، كابن الحنش، وضبط ما يتحصل منها ليدفع ما عليه للسلطان، وهو معوق لذلك.
وصحبته أيضًا مرسوم من القاضي الشافعي المذكور، بتفويض العرض وغيره إلى سراج الدين بن الصيرفي، الذي هو من كبره قد تقلبت جفون عينيه واحمرت؛ وأن يفوض للبرهاني الصلتي الطويل، ففرح بذلك وقويت همته، فعرض وفوض للصلتي في اليوم المذكور.
وعزل القاضي تقي الدين القاري من نيابة الإمامة بالجامع الأموي، التي سود وجهه بسببها عند النائب ناظر الجامع، وعند ابن طالوا نائبه في النظر المذكور، بسبب كسر خاطر شهاب الدين بن الملاح، لأجل عشرين درهمًا، وسود وجهه عند شهاب الدين الرملي.
[ ٢٧٣ ]
الغائب بمصر يومئذ، بعد محنته، وعند من ولاه القضاء وغيره النجمي ابن الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، وعند قاضي الحنفية المحيوي بن يونس، بسبب المدرسة البلخية، لكونه، نزل عنها لصبي يدعى محمد بن السجان، وعند قاضي المالكية خير الدين الغزي.
وفي هذه الأيام قطع الماء من الجامع الأموي، لأجل انسداد مصارفه، ورمي على ذي الحقوق مالًا كثيرًا. وفي هذه السنة جدد النائب مكانًا قبلي دار السعادة والمدرسة العذراويه، وغربي المدرسة الصارمية، وشمالي حارة الغرباء، وغربي المارستان النوري، وجدد تجاهه قناة وبركة، وساق الماء إليهما، واشتهر بين الناس أن رجلًا من الجند اسمه أبو بكر بن شعبان الرجبي، بالجيم، حسن للنائب ذلك، وأنه رأى في منامه بعض الصالحين، يدعي سيدي أحمد عمود، مدفونًا لصيق عمود في هذا المكان، فأبرز القبر والعمود وكساهما؛ ولما توفي النائب المذكور محا الرجبي المذكور اسمه من الطراز بالمكان، وجعل اسمه موضعه، وقال: إنما كتبت اسم النائب حشمة معه، وأوقف عليه قيسارية البهار قبلي قيسارية تنكز، وغير ذلك.