استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قايتباي؛ ونائبه بدمشق قانصوه اليحياوي؛ والقضاة؛ الحنفي عماد الدين اسماعيل الناصري، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، والمالكي شهاب الدين المريني، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والأمير الكبير جانم مملوك السلطان؛ والحاجب الكبير الشرفي يونس الملكي؛ والحاجب الثاني مملوك السلطان تاني بك الأشرفي؛ ودوادار السلطان أركماس الملكي؛ ونائب القلعة مملوك السلطان الأيدكي؛ ونقيبها الأمير تمراز القجماسي؛ ودوادار النائب الخازندار؛ وكاتب السر الزيني العباسي؛ وناظر الجيش المتشرف بالإسلام محب الدين؛ ومع القاضي الخطابة بالجامع الأموي، ومشيخة شيخ الشيوخ، ونظر المارستان، ونظر الحرمين.
وفي يوم الثلاثاء ثامن المحرم منها، رجع القاضي الشافعي من سفره المتقدم، إلى دمشق.
وفي بكرة يوم الخميس، يوم عاشوراء، دخل من البلاد الشمالية قاصد ابن حسن باك بالأمير بداغ بن ذي الغادر، الذي هرب من سنين من قلعة دمشق، شفع فيه يعقوب باك بن حسن باك المذكور، فخلع عليه النائب وأكرمه وأنزله بحارة القصر.
وفيه اعتقل على الزيني السيد عبد الرحيم العباسي، كاتب السر بدمشق يومئذٍ، ووضع بمسجد القلعة عند السيد كمال الدين، من جهة مال السلطنة على ما قيل: ثم بعد أيام أفرج عنه.
وفي يوم الاثنين سابعه اعتقل على ناصر الدين بن سكر في قلعة دمشق، على مال كثير للسلطة وغيرها.
وفي بكرة يوم الأربعاء سادس عشره دخل من مصر إلى دمشق ابن شعبان سلطان الحرافيش، وهم والأوباش حوله، والصفاقات والطبول تضرب بين يديه، والأعلام الصفر عليه، ثم أوصلوه إلى بيته، ثم رجعوا إلى تلقي زوجته، أيضًا بالصفاقات والطبول، وخرج إليها نحو مائتي امرأة بخرق صفر ملفوفة على عصائبهن وهن ركوب حولها، إلى أن وصلت إلى بيتها، ولا قوة إلا بالله؛ قيل إن السلطان ألقى الشر بينهما حتى أخذ منه مالًا بعد أن عرض عليه الإهانة، ثم أصلح بينه وبين زوجته.
وفي يوم السبت بعد الظهر تاسع عشره، دخلت كتب وفد الله من الحجاز إلى دمشق.
وفي وقت العشاء ليلة الاثنين الحادي والعشرين منه، هجم الحرامية بغتة على بيت ديوان نائب السلطنة صدقة السامري، فحاربهم، وأخذوا مالًا كثيرًا على ما قيل.
وفي يوم الجمعة بعد العصر خامس عشرينه هجم مماليك دوادار السلطان بدمشق، على باب قاضي المالكية شهاب الدين المريني، وأخذوا خصمًا كان محبوسًا من عند المالكي، هو من فلاحي سودون الطويل أحد الألوف، فاختبطت دمشق لذلك.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريه دخل الوفد الشريف إلى دمشق، في أطيب عيش وأوفر بضاعة، وأكثرها ولله الحمد؛ وأخبروا أن الوقفة كانت يوم الثلاثاء؛ وتبين أن الذي شاع بدمشق من موت السلطان بركات، كذب ليس له أصل.
وفي يوم الخميس ثاني صفر لبس النائب خلعة حمراء بفرو على العادة، واحتفل الناس لذلك.
وفي يوم الأحد خامسه حضر الشامية البرانية، مدرسًا في ثلث تدريسها، السراج الصيرفي، نزل له عنه تقي الدين ابن قاضي عجلون في ذي الحجة من السنة قبلها، ودرس في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم " وأطعم الناس بعد الدرس معمولًا.
وفي يوم الجمعة بعد الصلاة عاشره، وعظ تجاه محراب الحنفية شمس الدين بن عبية القدسي ثم الدمشقي، ثم ذكر الله مع جماعة الجالسين حول كرسي وعظه، فأطال، فرمى رجل نفسه وسط الحلقة، ثم قام واقفًا يرقص مكشوف الرأس، وينط ويقعد معهم، وهو في حال ذكره ينظر لكل من يقربه في الجامع، فوقع نظره على رجل من طلبة العلم الفقراء وهو شيخ كبير، فخرج من الحلقة إليه وقبض بخناقه وهو جالس، وضربه بيده ثم قام عنه، وأخذ عصا بقربه وضربه، فصاح الناس عليه، فرجع عنه وهو يقول: يضحك علي وأنا أذكر الله متوحدًا؛ فلما رأى الناس قد أنكروا عليه لبس عمامته وجلس، فدخل إليه رجل يقال له زين الدين عمر بن العلاف، وهو من طلبة العلم وأخرجه بيده وذهب به مع جماعة إلى بعض نواب القاضي الشافعي، فاستعجل المضروب وضرب الضارب بالعصا مثل ضربته، فقال القاضي لهم: قد اقتص منه، ثم خلعه منهم، ولم يعذره على ما صدر منه، وأطال الواعظ المذكور في هذا اليوم مجلسه مراءاة للناس.
وفي يوم السبت حادي عشره لبس النائب خلعة آقبغاوي، وفوقه كاملية خضراء بفرو، من قبة يلبغا، ودخل دمشق وقدامه مملوكه جندر مخلوعًا عليه، وعلى اثنين آخرين، بطراز، واحتفل الناس لهم، وكان يومًا مشهودًا؛ وسبب هذا الخلعة الجمال التي نهبها من العرب، وأرسل منها إلى السلطان مع جندر المذكور.
وفي يوم الأحد ثاني عشره درس السراج الصيرفي بالشامية البرانية الدرس الثاني، وابتدأ من كتاب البيع، ولم يحضر معه أحد من الأكابر غير الطلبة.
وفي يوم الأحد سادس عشرينه، بعد حضور الشامية البرانية، حضر شمس الدين الكفرسوسي مدرسًا في نصف تدريس ونظر المدرسة المجاهدية بها، تجاه القواسين، وحضر معه السراج الصيرفي، ودرس في قوله تعالى: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " ثم حضر أيضًا بالكلاسة نيابة عن مدرسها وابن مدرسها رضي الدين الغزي، وكان تدريسها كاد يبطل، فإنه من لدن الشيخ خطاب نائبهم لم يقم بها درس؛ وكان السبب في إقامته يومئذٍ الامير سودون الطويل، ودرس فيها من قواعد العلاي لما علم من أن الشيخ خطاب كان يدرس فيها هنا.
وفي يوم الاثنين رابع ربيع الأول منها، قرئ بدار العدل مرسوم على النائب، مضمونه أن القاضي شهاب الدين بن الفرفور طلب الحضور إلى المقام الشريف فأذن له، وأن يكون نظره على جهاته، ثم قيل أن السبب أنه كان في حياة صهره قطب الدين الخيضري طلب أن يوليه المقام الشريف نظر ديوان الإنشاء بمصر، بعشرين ألف دينار، فأطلع السلطان على ذلك لبدر الدين بن مزهر المتولي جديدًا، فأخرج بدر الدين على القاضي قوائم بنحو العشرين ألف لوالده المتوفى عليه، ووجهها للسلطان، فأرسل السلطان أخبره، فاستأذن في الحضور، فأذن له.
وفي هذه الأيام ورد مرسوم شريف بعزل قضاة بعلبك، إلى النائب والقاضي الشافعي، ثم قيل إن السبب في ذلك أن بعض قصاد القاضي المذكور مر ببعلبك، فلم يضيفوه ضيافة تليق به في دعة، وهو شهاب الدين الكوكاجي نائب الحنبلي.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشره حضر عفيف الدين شعيب العابري، عقيب الحضور في الظاهرية في تدريس المدرسة الإقبالية الشافعية، ودرس في قوله تعالى: " ومن يتوكل على الله فهو حسبه "، نحو عشر كلمات، ثم ختم وقدم للحاضرين معمولًا، وأقراصًا، ولم يحضر معه إلا أناس قلائل، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأحد سابع عشره حضر القاضي رضي الدين الغزي في تدريس الكلاسة، وترك استنابة شمس الدين الكفرسوسي، وحضر معه قاضي القضاة الشافعي، والشيخ شمس الدين ابن خطيب السقيفة، والجماعة على العادة، ودرس في قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت " الآية، وأطعم معمولًا كثيرًا على ما قيل.
وفي آخر هذا الشهر كملت الزوائد التي جددت بجامع الجوزة، خارج باب الفراديس، بعد احتراق شيء منه، والزوائد هي بالجانب القبلي من العمودين إلى الطريق السلطاني اثنا عشر ذراعًا بالبخاري، ومن شرقي هذه خمسة أذرع ونصف بالبخاري أيضًا، ومن شمالي هذه الخمسة ثلاثة أذرع بالبخاري أيضًا، اشترى ذلك وعمره الحاجب الكبير الشرفي يونس، وساعده الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، ومن شرقي البركة تجاه الباب القديم قطعة أرض اثنا عشر ذراعًا بالبخاري أيضًا شرقًا بغرب، اشتراها من ماله الحاج شرف الدين موسى بن محمد التاجر المكفناتي، وعمر على يديه أيضًا إيوان، وفتح له باب إلى الطريق السلطاني من مال أهل الخير، طوله قبلة بشام ثلاثة عشر ذراعًا بالبخاري أيضًا.
وفي هذا الشهر شرع القاضي الشافعي يتملك ويستحكر حوانيت سوق البزورية، ثم شرع في هدمه ليعمره أحسن ما كان.
وفي يوم الأحد خامس عشريه قبض على جارية سوداء، فخرج من عندها حوائج للناس، سرقتهم خفية، نحو مائة قطعة نحاس وغير ذلك، فقطعت يدها وصبرت على الألم.
وفي بكرة هذا اليوم، باصطبل دار السعادة، بحضرة النائب، اجتمع على قاضي الحنفية العمادي جماعة بحضور القضاة، ونقضوا حكمه في حمام سقبا، قيل إنه ارتشى عليه.
وفيه أخبر شهاب الدين بن حجي الأطروش أن قرين العمادي هذا، وهو الحسباني، في أسوأ حال بمصر، بسبب دين لبعض حاشية السلطان، ولا قوة إلا بالله.
وفي ليلة الأحد مستهل ربيع الثاني منها، احترقت سويقة تاني بك ميق بحكر السماقي.
وفي يوم الجمعة خامسه لبس القاضي الحنفية العمادي خلعة من السلطان، كما ولاه النائب، وقرئ تقليده بالجامع وفيه المراء كثير.
وفي يوم الاثنين تاسعه نودي بدمشق من جهة النائب بالتجريدة، فاغتم الناس لذلك لشدة وقوف الحال لقلة المطر، فإنه لم يقع مطر من أواخر الأصم إلى الآن، والقمح قد تحرك سعره.
وفي عشية يوم السبت رابع عشره، وهو سادس آذار، غيمت السماء، واستبشر الناس بالمطر، ثم وقع بعد المغرب مطر جيد، وشرعوا منه في جبي دراهم المشاة من الحارات.
وفيه دخل إلى دمشق أوائل الترك من العسكر المصري، وتسلطوا على أذى الناس من أخذ دوابهم وغيره؛ ومشى المدرس إلى الشامية البرانية، وغالب الأكابر، خوفًا على دوابهم منهم.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشره أفرج عن السيد كمال الدين من اعتقاله بجامع القلعة، وهرع الناس إليه يهنئونه.
وفي هذه الأيام قد دخل إلى دمشق خلق كثير من أهل حماة، هربوا من نائبهم أينال الخسيف؛ وأما أهل حلب فتفرقوا في البلدان من قبل هذه السنة وإلى الآن، خوفًا على حريمهم من العساكر الواردة إليهم، وفسد نساء كثيرٍ منهم.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه أصبح رجل كان يبيع الصابون، وقد شنق نفسه في بيته في حبل وهو ميت، لكون بعض الظلمة طرح صابونًا؛ فذهبت زوجته إلى أبيه وأخبرته بذلك، فأتى إليه وأنزله وغطاه، وذهب إلى المغسل ليغسله، فلما رأى عليه آثار الخنق امتنع، وقال: لا أغسله حتى تنظر فيه الحكام، فذهب أبوه، وهو ممن يقال عنه إنه ذو مال، إلى ملك الأمراء خوفًا من دوادار السلطان لشهرته بالظلم، فأخبره بذلك، فقال له: أنت كنت السبب في قتله لكونه طلب منك مالًا ليستعين به في وفاء ثمن الصابون المطرح فأبيت؛ ثم أمر بشنقه فروجع فيه إلى أن أخذ منه مائة دينار، ثم أذن له في دفنه، فلما كان في صبحة المقابر أتى جماعة من جهة دوادار السلطان إليه وحملوه إلى بيت أستاذهم، فمددوه إلى أن أخذوا منه خمسة وعشرين دينارًا.
وكان النائب قبل ذلك بنحو خمسة أيام قد طلب القاضي شمس الدين بن القاضي بدر الدين بن المزلق، وطلب منه عدة أربعين ماشيًا، فقال له: ما جرى بهذا عادة، فإن أوقافنا غالبها على فقراء وقرب؛ فغضب عليه النائب وهم أن يوقع فيه بنفسه بعد أن قام نصف قيام لذلك، ثم قال له: قم من وجهي؛ ثم أمر به إلى القلعة، ثم ندم وأمر بإخراجه، فلم يخرج إلا أن يجيء مرسوم السلطان، فلم تزل الأكابر به إلى أن خرج، على أن يعمل النائب مصلحة، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأربعاء خامس عشريه ضرب دوادار السلطان رجلًا جمالًا حتى مات؛ وسببه أن جماعة من تجار الأرمن قدموا دمشق، وأرادوا السفر إلى مصر بحرير معهم، فاكتروا مع هذا الجمال، فلما خرج بهم إلى قرب سعسع قطعت لهم راحلة وذهب بهم منها شيء، فرجعوا وشكوا عليه وأدركوه ليقر، فلم يقر ومات، فذهبت دنياهم وبقت عليهم التبعات، فلا قوة إلا بالله؛ ووقف أهل الميت به في نعش للنائب، فلم يأخذ بأيديهم لكون الدوادار من مماليك السلطان، وهو رجل جبار فاجر. وفي هذا اليوم دعي في الشامية لبطالة الدروس.
وفي يوم الثلاثاء مستهل جمادى الأولى منها، عزر قاضي الحنفية العمادي لمحمد الكازروني، وأهانه وسجنه بسجن باب البريد، وهو لعمري أقل جزائه، فإنه أعرج نحس مختصر فاض، يتوكل ويأخذ من الجانبين، تارك للصلاة.
واستهل هذا الشهر وقد امتلأت دمشق من العسكر المصري، والمماليك الجلبان، حتى غلقت حوانيت كثيرة، ولم يجسر أحد أن يركب حمارًا، فضلًا عن غيره، حتى القضاة ترى أبوابهم مغلقةً إلا الخوخة، خوفًا على دوابهم ومنازلهم، حتى إن قاضي الشافعية دخل حمام منصور، وترك ثيابه على عادة الناس، واستعمل صانعًا، فدخل مملوك، فأمر الصانع أن يحلق رأسه ويدلكه ويغسله وأطال المكث، ثم خرج فادعى أنه بجيبه مائة دينار سرقت، فلم يزل بالحاضرين حتى أخذ منهم ثلثمائة درهم، هذا بعد كلفة في الحمام، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأربعاء ثانيه عرض أهل باب المصلى مشاة، نحو خمسين رجلًا.
وفي يوم السبت خامسه نودي بدمشق بأن من كان له على الأجناد وأهل الحلقة والمستخبرين دين فلا يطالب به، وذهب للناس في ذلك مال كثير، ووقف حال الناس زيادة على ما هم فيه.
وفي يوم السبت خامسه جاء مرسوم شريف في شمس الدين بن الشيخ عيسى البغدادي، وعمي القاضي جمال الدين بن طولون مفتي دار العدل، فرفعا إلى القلعة، ثم بعد يومين أو ثلاثة أفرج عن ابن طولون، ثم عن الآخر.
وفي يوم الخميس ثامنه وصل الخبر إلى دمشق بأن السلطان ولي تمربغا الترجمان، المتشرف بالإسلام، نظر جيش دمشق، عوضًا عن محب الدين سلامة بن يوسف الأسلمي، وكلاهما بمصر، وسبب ذلك أن محب الدين المذكور كان قد صال وطال، وهان الفرنج، بسبب بهار السلطان، وضرب شخصًا منهم بالقلعة، فاشتكوا عليه للسلطان بأن أخذ منهم عشرة آلاف دينار، وأباحوا أخذها منه للسلطان، وأنهم يزيدون السلطان عليها مثلها ويولي عليهم الشخص المذكور تمربغا، فإنه كان فرنجيًا منهم، ثم أسلم، ودخل عند النائب المتوفى قجماس؛ فأجابهم السلطان إلى توليه بعد أن أدركهم أمر البحر من جهة ابن عثمان.
وفي يوم الأربعاء عاشره ولي النائب الحسبة لنائب بعلبك، الذي كان خصاه على فاحشة وقعت منه كما مر، واسمه يونس. وفي يوم الخميس حادي عشره عرض المشاة القيسية من جميع الحارات، وخرجوا ملبسين من حارة الشاغور، وهم نحو ثلاثة آلاف، وكان يومًا مشهودًا.
وفي يوم السبت ثالث عشره سافر تقي الدين بن قاضي عجلون إلى الحجة، وقيل إن عزمه السفر إلى القدس، ثم إلى الطور ثم إلى الحجاز، بعد بيع كتب كثيرة كانت عنده.
وفي هذه الأيام جلس بعض شهود العمائر: إبراهيم العجلوني، على باب العادلية الصغرى، فمر عليه بغل عليه شيء من المال وليس خلفه أحد، فأدخله إلى اصطبل العادلية، فرآه شخص، فقال له: اطعمنا مما أطعمك الله، فأنكر، فرفع إلى دوادار النائب فضربه، فأقر بذهب فأخذ منه.
وفي يوم الاثنين خامس عشره دخل من مصر إلى دمشق أولى المقدمين زردكاش السلطان، واسمه يشبك الجمالي، ولاقاه النائب وأرباب الدولة، وورد على يده مرسوم بأن يقبض من القلعة مائة ألف دينار، فلم يوجد في الصندوق غير ثلاثة وثمانين ألفًا.
وفي يوم الأربعاء سابع عشره دخل من مصر إلى دمشق أحد الألوف قانصوه الألفي، وأمير آخور كبير قانصوه خمسمائة، طلب الأول أولًا، وطلب الثاني ثانيًا دخولًا حافلًا.
وفي يوم الجمعة تاسع عشره دخل المذكوران إلى الجامع الأموي قبل الصلاة، وتركعا في المكان الذي يجلس فيه القاضي الشافعي، خارج باب بيت الخطابة، ومعهما أمير، ثم بعد ساعة فرش للنائب في محراب الحنابلة، ثم جاء وجماعته فصلوا تحية المسجد؛ فلما سلم من صلاته استدعى مملوكه جندر وحدثه، فجاء إلى قانصوه خمسمائة فحدثه، ثم عاد إلى أستاذه، فقام بمفرده ومشى خلف جندر إلى أن جاء وجلس عن يساره قانصوه خمسمائة، ثم صعد الشافعي وخطب خطبة في المعني، ثم اجتمعوا بعد الصلاة واجتمع الترك حولهم، ثم مشى المذكوران وخلفهما النائب ومعه الأمير الثالث، واسمه قانصوه أيضًا، وخرجوا من باب البريد.
وفي هذا اليوم خرج من دمشق يشبك الجمالي متوجهًا إلى البلاد الشمالية.
وفيه شاع أن ابن عثمان أرسل بالصلح، وأن مفاتيح القلاع واصلة.
وفي يوم السبت عشريه دخل من مصر أمير مجلس تاني بك الجمالي، وأحد الألوف تاني بك الوالي، وتلاقاهما النائب على
[ ٨٢ ]
العادة ودخل طلبهما قدامهما.
وفي يوم الأحد حادي عشرينه دخل إلى دمشق الأمير ملغباي الأعور الأشرفي، بطلب واحد، ولاقاه النائب على العادة، وهو أحد الألوف.
وفي يوم الاثنين ثاني عشرينه دخل إلى دمشق أيضًا عدة أمراء، الأول دوادار السلطان الثاني شاد بك فرج الملكي الأشرفي، والثاني أزدمر المسرطن الظاهري أحد الألوف، والثالث تاني بك قرا الأينالي حاجب الحجاب، والرابع أزبك من خازندار الظاهري رأس نوبة النوب، والخامس تمراز الظاهري ابن أخت السلطان أمير سلاح، والسادس قيت الملكي الأشرفي الوالي بمصر، السابع باش العساكر المنصورة وأتابكها أمير كبير أزبك، ونزل الجميع بمصطة السلطان، وكان يومًا حافلًا، ونزل الجميع بمصطبة السلطان ولاقاهم النائب ومن تقدمهم من أمراء المصريين، خلا يشبك الجمالي فإنه سافر إلى حلب.
وفيه نودي أن النائب يرحل إلى المهم الشريف من الغد. ودخل قاصد يقال إنه من عند ابن عثمان بالصلح كما تقدم. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشريه دخل إلى دمشق نائب غزة آقباي، ومعه خلق كثير، ونزل في الميدان الأخضر؛ وفي حال دخوله كان النائب قد اصطف جيشه ملبسين على باب دار السعادة إلى جسر الزلابية، ثم خرج النائب بأولاده وقد ألبسهم لبسًا كاملًا عليهم وعلى خيولهم، وكبقية عسكره، وخرج قدامه طلبًا أركماس دوادار السلطان، وتنم الحاجب الثاني، وعدتهم أربعون ملبسًا، اثنان وعشرون للأول، وثمانية عشر للثاني، وبين يديه المشاة بالعدة الكاملة، وكان يومًا حافلًا.
وقيل أن الباش اللمصري أزبك أرجع دواداره الثاني إلى دمشق من المصطبة، بأن يتجهز للرسالة إلى السلطان يعلمه بقضية الصلح حسبما جاء القاصد على لسانه، وفرجع إلى الميدان يتجهز لذلك، ثم سافر إلى مصر. - وفي هذه الأيام حصل في دمشق ونواحيها من المفاسد والظلم ما لا يحصى كثرة، منها رعت أغنامهم وخيولهم بساتين الناس وزروعهم، ومنها فكت عمائرهم وخلعت أبوابهم لأجل الحطب، ومنها سرقة ما يجدون، وقد اجتمع بها من الغرباء من حلب وحماة ومصر وغيرها خلق كثير، وتحسن سعر القمح لقلة الظهور خوفًا منها، ووقف حال خلق من الناس، ولكن باع عليهم التجار وغيرهم.
وفي يوم الجمعة سادس عشريه نزل الباش من مصطبة السلطان وصلى شرقي مصحف عثمان بالجامع، وصلى عن يمينه الشيخ علي الدقاق، وخطب القاضي الشافعي بنفسه كالجمعة قبلها. ثم بعد الصلاة قرأ بين يديه بعض قراء المصريين، ثم دعوا، ثم خرج من الجامع، وذهب إلى وليمة الشيخ علي المذكور.
[ ١٠٣ ]
وفي يوم الاثنين تاسع عشرينه دخل من مصر إلى دمشق الترجمان المتشرف بالإسلام تمربغا القجماسي، متوليا نظر جيش دمشق عوضًا عن المتشرف بالإسلام محب لدين سلامة. وفي هذه الأيام قيل إن كاتب سر دمشق، زين الدين عبد الرحيم العباسي الحموي، ولاه السلطان قضاء الشافعية ببلدة حماة، وأن محب الدين سلامة ولي عوضه كاتب سر دمشق.
وفي ليلة الجمعة رابع جمادى الآخرة منها، سقط بيت راكب على النهر، جوار سيدي الشيخ رسلان، على عريس وعروسته، فأصبحا ميّتين. وفي يومها عقب صلاة صلوا غائبة على رجلين، أحدهما قاضي المالكية بالمدينة النبوية السخاوي المصري الفركاح؛ وثانيهما الشيخ العالم عبد الكريم بن أبي الوفاء، إمام المسجد الأقصى.
في بكرة يوم الأربعاء تاسعه ضرب نائب الغيبة، الحاجب الكبير، رقبة بدوي، قيل إنه شيخ ضرير، عند مقابر اليهود والنصارى، وقيل إن سبب ذلك ابن القوّاس عدوّ العرب وقامعهم، وأوصى قبل قتله لبعض الناس أن يغسّله ويصلّي عليه ويدفنه، فلم يفعل.
وفي يوم الجمعة حادي عشره، بعد الصلاة والناس في الدعاء، استغاث رجل صالح يعرف بيوسف البهلول، من ميدان الحصى، شرقي مقصورة الجامع الأموي، وقال: وا إسلاماه، وأين الغيرة الإسلامية وهذا الخاصكي، يعني قرقماس، الذي يصادر الناس، ثم فرغ من الدعاء، ثم جاء إلى تجاه باب الخطابة واستغاث أيضًا، فعضّده جماعة الشيخ فرج من باب السلامة، واستغاث الخلق على باب الخطابة، وقد كان صلّى هناك إلى جانب الشافعي الحاجب الكبير، وأمير الحاج، وخازندار النائب، والمحتسب؛ ثم دخلوا مع القاضي إلى بيت الخطابة، فصبروا على العوام ساعة حتى ملوا أمر الاستغاثة على الخاصكي، ولم يكن عندهم، بل لما سمع أوّل الاستغاثة، وكان قد صلّى شرقي الجامع، أسرع في الخروج إلى الدهشة، ثم إلى منزله بيت إبراهيم بن منجك جوار الجامع.
ثم خرج الحاجب ومن معه من بيت الخطابة وخشى من العوام وأرسل عرّف الخاصكي، وأن العوام يريدون أن يوقعوا فيه قتلًا، فبعث وراء الشيخ فرج، شيخ الجماعة الذين استغاثوا، ووقع به بحضرة كبيرة التجار عيسى القاري، فشفع فيه، فعارضه الخاصكي وأراد أن يوقع بالقاري أيضًا، وصال وجال؛ فاجتمع الخلق بكرة يوم السبت ثاني يوم، وأنزلوا الشيخ إبراهيم الناجي راكبا من ميدان الحصى، وكبروا معه إلى الجامع للتكبير على الخاصكي، وكان على ما قيل قد خاف على قماشه ونقله، فأرسله إلى القلعة بإشارة الحاجب، على ما
[ ١٠٤ ]
قيل، ثم كبر الخلق على باب الخاصكي، فخرج عليهم المماليك بالنشاب، وحصل شر كبير.
وفي يوم الاثنين رابع عشره دخل من مصر إلى دمشق محبّ الدين سلامة، وهو متولّ كتابة سرّ دمشق ومستمر على نظر القلعة والجوالي، ولاقاه نائب الغيبة الحاجب الكبير يونس، وكان على يمينه، والقضاة الأربعة، وكانوا على يساره. وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن شخصًا ذكر أن بخان الخيال، الذي بزقاق المعاصير، غربي جامع حسّان، مطلب ذهب، فحضر الخاصكي قرقماس، ووكيل السلطان صلاح الدين العدويّ، ونائب الغيبة، فحفر فلم يظهر شيء، فطمر كما كان.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشره دخل من مصر إلى دمشق الأمير خضر بك، وقد استقر في أستادارية الغور، عوضًا عن الكردي، ولاقاه نائب الغيبة، والقضاة، خلا الحنبلي، وكاتب السر ونائب القلعة.
وفي هذا اليوم غار العرب الخالدية، من بين حلب وحماة، وهو نحو مائتين، على مغل كثير أتى من حلب وقد تبعوهم إلى أن حاوزوا حسية إلى جهة دمشق، فقتلوا جماعة وأخذوا نساء وجوارا، نحو أربع عشره، وجمالًا كثيرة، وبضائع وأموالًا لجماعة من تجار دمشق كعيسى القاري؛ ووصل الخبر بذلك، واشتهر يوم الجمعة ثامن عشره، وسبب ذلك، أن قانصوه خمسمائة قبض على كبيرهم قرقماس البدوي، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الجمعة المذكور وصل الخبر من حلب إلى دمشق بأن جماعة من المشاة الدمشقية قتلوا مملوكًا، فقبض عليه وقتلوا.
وفي هذه الأيام قدم إلى دمشق ولد العجمي، الذي قدم في عشر الثمانين وثمانمائة إلى دمشق، ووعظ تجاه محراب المالكية، وحضره الأكابر كالشيخ زين الدين خطاب، وكان على وعظه أبهة الوقار والوجل، لكنه خلط في مسائل، منها أن السماوات أكثر من سبع، وأن في الملائكة من يسمى جبريل كصاحب الوحي ﵇، وذكر ولده المذكور أن والده المشار إليه توفي ببيت المقدس سنة أحدى وثمانين، وهو دون التمييز، وأنه طالب علم يعظ كأبيه، وأنه اشتغل على الشيخ كمال الدين ابن أبي شريف المقدسي، وأن عمره بهذه السنة خمس وسبعون سنة، ثم إن هذا الولد
[ ١٠٥ ]
اجتمع بالشيخ إبراهيم الناجي، فلما ذكر أنه ولد العجمي شط على أبيه، وذكر عنه أنه رافضي، فقال: ليس بأبي، وإنما أبي الشيخ خير الدين، فإن كان صادقًا فوالده كان من أهل السنة والفضل والصلاح، وكان يعظ على كرسي تجاه محراب الحنفية، وكان من شدة وجده في وعظه يقوم واقفًا على الكرسي، وكان يدرس المبتدئين بالجامع مدة طويلة.
وفي بعد العشاء من ليلة الخميس سلخه، هجم الحرامية على سوق التجار المحجر، قبلي سوق الخلعيين، وتجاه سوق الخيل، ورموا بالنشاب مجاورة جهارا مع وجود العسس بالمدينة، وإتيانهم إليهم مع والي المدينة ابن نصف حبة، وفتحوا أحد عشر دكانًا وأخذوا أطايب القماش، وما قدروا عليه من النقد، وقتل من العسس جماعة، منهم أخو سودون شيخ خان القبيبات، وركب نائب الغيبة وأتى إليهم لابسًا زرديّة، ووقع في ترسه نحو ست رميات نشاب، وربما خدش بدنه، وقتل من مماليكه ثلاثة، وجرح آخرون، وخرجت الحرامية من غربي جامع يلبغا، وعدتهم خمسة وعشرون خيالة، والباقي مشاة.
وفي يوم السبت ثالث رجب منها، مزح محمد المعصراني القدسي السمسار الداعلي، وقال عن الخضيري محمد المنيحي لما قال، إن اللحم على عجين لا يحتاج إلى سيرج هذا كفر، فاستعاذ شيخنا المحيوي النعيمي من هذه الكلمة، فتدارك محمد المذكور، وقال: هذا كفر في مذهب الأكالين؛ فقيل له: هذا الكلام أيضًا يقتضي الكفر، فقال: أنا ما قلت كفر بالله، لا، وأخذ يقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
وفي يوم الاحد حادي عشره ورد الخبر من مصر بالقبض على قاضي الحنفية العمادي، وأن يعطي المنفصل الزيني الحسباني أربعة آلاف دينار. وفيه شاع بدمشق أنه ورد مرسوم شريف يطالب جماعة ممن قام على قرقماس الخاصكي، الذي كبروا عليه بالجامع وجرى ما جرى، ثم إنه بعث جماعة إلى العزقية فقتلوا منهم وجرحوا فرجعوا مخذولين مكسوري الحرمة، وخوف من العمل بالمرسوم فترك. وفي يوم الخميس خامس عشره أمر نائب الغيبة بشنق جماعة، فشنقوا، وهم من قرية بيت سابر اتفقوا على قتل أستادار الأمير خضر بك أستادار الغور، فقتلوه بها، فمسكوا وأقروا بذلك.
وفي يوم الاثنين ثاني شعبان لبس الأمير جاني بك الأشرفي أمرة الحاج على عادته،
[ ١٠٦ ]
وكان تأخره عن التجريدة لابن عثمان لأجل ذلك. وفي يوم الأحد ثاني عشريه انقض كوكب في جهة شمالي دمشق، أضاءت منه الدنيا، كما تضيء بالقمر.
وفي يوم الاثنين ثالث عشرينه سافر إلى مصر الجبار الظالم الغاشم قرقماس الخاصكي، الذي جرى له ما جرى، وخرج لوداعه نائب الغيبة، والخازندار، والقضاة، وغيرهم.
وفيه نودي عن نائب الغيبة بإبطال الفرجة بالربوة، بعد احتفال الناس بها قبل دخول رمضان. وفي هذه الأيام كبس شيخ الرافضة بسكيك، وهجم على كبير الحشارية وقتله، ثم هجم الحشارية على أهل سكيك وقتلوا منهم نحو ثمانين رجلًا، ونهبوا أقواتهم وأموالهم، وسبوا حريمهم. وفي ثامن عشريه دخل إلى دمشق، راجعا من مكة، السيد علاء الدين ابن نقيب الاشراف.
وفي ليلة الاثنين سلخه تهيأ الناس بدمشق لصوم الغد، وعملوا الاقراص المشبك والبسيس وغير ذلك، وعلقت القناديل المشعولة بعد المغرب، خلا الجامع الأموي، وقال المؤقتون: رؤية هلال رمضان حينئذ عسرة، فإنه في جهة الجنوب ومكثه على ست درج، فحضر القضاة بالجامع على العادة، فلم يره أحد، فأنكروا على من شعل القناديل كأهل جامع يلبغا، فبلغهم، فأطفوها، ثم أتى رجل وشهد أن أول شعبان السبت، وأنه رأى هلاله ليلة السبت، وجاء آخر وشهد أنه رأى هلال رمضان بعد المغرب من هذه الليلة وزكى، فحكم بقبول شهادته، وأعيدت القناديل، وأصبح الناس صياما بحمد الله تعالى.
وفي بكرة يوم السبت سادس رمضان منها، أحضرت محفة حمراء على جمال إلى عند مسجد الذبان، وأركب فيها محمد بن الخواجا عيسى القارى وهو ضعيف، ومعه أخوته ركاب على خيل متقلدي السيوف، وذهب الجميع إلى مصر، بسبب تركة أبيهم المتوفى قريبًا.
وفي يوم الأحد رابع عشره دخل المنفصل من كتابة السر بدمشق، الزيني العباسي، إلى دمشق من مصر.
وفي بكرة يوم الاثنين خامس عشره دخل من مصر إلى دمشق خاصكي اسمه قنبك، وهو شاب أشقر، بخلعة بطراز ذهب طويل، وتلقاه نائب الغيبة والقضاة، وأتى على يديه مرسوم بمصادرة أهل الذمة، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأحد حادي عشريه رجع بإذن النائب جماعة من المشاة الذين ذهبوا من دمشق مع العسكر، وأخبروا بأمور، منها أن الغلاء كان مقيمًا معهم، وبيع الرطل الخبز بنحو عشرين.
وفي هذا الشهر صلى بالقرآن جماعة أولاد منهم ولد عيسى البلقاوي بالقبيبات،
[ ١٠٧ ]
ومنهم ولد بدر الدين حسن البقاعي بجامع فراج، ومنهم ابن البغادرة بالباب الصغير.
وفي يوم الثلاثاء سابع شوال منها، شاع في البلد أنه ورد مرسوم شريف بطلب برهان الدين بن المعتمد، ورضي الدين الغزي، إلى مصر، بسبب ما قيل عن رضي الدين هذا أنه ثبت عليه بالشهادة قاضي الجبة، المقطوع الأنف، أن برهان الدين المذكور وجد في بيتٍ مبلغ خمسة آلاف دينار، وقيل خمسين ألف دينار، ثم سافر الرضي أواخر الخميس تاسعه.
وفي يوم الخميس هذا دخل الحاج الحلبي، وهم على ما قيل نحو أربعة آلاف جمل، بخلق كثير، خرجوا من حلب ومعاملتها هاجين من الفتن وظلم العسكر، الذي خرب بلاد ابن عثمان، وفسق في نسائها، وقتل خلائق منها، وحرقها؛ وإنما فعلوا ذلك لآجل ما فعل هو بقاصدهم الأمير ماماي، فإنه حبسه في مطمورة، ثم قصدوا الرجوع إلى حلب وإلى بلادهم.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشره سافر القاضي برهان الدين بن المعتمد إلى مصر مطلوبًا، وسفر نائب الغيبة معه جماعة يحفظونه، فالله يحسن العاقبة.
وفي السبت ثامن عشره سافر الوفد إلى مكة، وكانت الدراهم قلت جدًا، خلاف الأشرفية والفلوس، وغالبها قرابيص، ولكن الأسعار رخيصة؛ ومن أغرب ما وقع أن عياشة صهرة جعفر المصري، من جماعة الحاجب الكبير، أكترت بخمسين أشرفيًا في شقة، وابنتها مقابلتها، وركبت فيها وتوجهت إلى قبة يلبغا، فحمت، فقالت: أنا أرجع، فقالت لها امرأة: أنا أركب مكانك وأكتب علي الخمسين الأشرفي إلى أن أرجع من الحجاز، ففعلت ورجعت إلى طبقتها، فنظرت من طاقتها، فوقعت، فوقصت عنقها فماتت، فسبحان المقدر رجعت إلى حفرتها.
وفي ليلة الأحد سادس عشريه سافر قنبك الخاصكي راجعًا إلى مصر في محفة، بعد أن صادر أهل الذمة. وفي ليلة الثلاثاء ثامن عشريه دخل من مصر إلى دمشق الحاجب الكبير بحلب، وأخبر أن السلطان عتب على العسكر حيث جاؤوا ولم يعملوا شيئًا، بل غلثوا الخواطر بينه وبين ابن عثمان بلا فائدة.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي القعدة منها، دخل النائب إلى دمشق راجعًا من التجريدة من جهة المزة، ثم دخل الجلبان الدمشقيون والمصريون وضيقو على الناس، وخبأ الناس دوابهم وتعطلت مصالح الناس. وفي يوم الجمعة خامس عشره صلى النائب بمصلى العيدين في المقصورة، ومعه أولاده الأربعة في أناس قلائل، جاء من جهة باب الصغير، ثم خرج إلى المرج.
[ ١٠٨ ]
وفي يوم الجمعة ثاني عشريه، قبل الصلاة، وصل مرسوم شريف إلى الحاجب الكبير يونس بأن يفوض قضاء الحنفية، عوضًا عن العمادي الناصري، لمن يختار، من برهان الدين بن القطب، أو المحيي بن القصيف؛ وكان السبب في ذلك أن المحبي استعان بالحاجب المذكور في السعي له، وأن يكاتب له بذلك على ثلاثة آلاف دينار، ففعل، فورد المرسوم المذكور، فأما ابن القطب فأبى واعتذر بأنه عاجز ضعيف، وأما المحبي فإنه استشهد بجماعة واستكتبهم في أنه لا بأس به وقدم ذلك للحاجب.
ثم في يوم الثلاثاء سادس عشرينه فوض إليه الحاجب، ولبس تشريفة بطرحة، من الاصطبل إلى بيته، وركب معه الحاجب وقاضي الحنابلة النجم بن مفلح، وكان النائب إذ ذاك بالمرج، خرج منها ليغيب من جلبان السلطان الراجعين من التجريدة، وذم في سيرته. وفي يوم الأربعاء سابع عشرينه دخل دمشق من البلاد الشمالية من التجريدة الأمير قانصوه خمسمائة؛ وفي ثانيه دخل قانصوه الشامي.
وفي يوم الأحد ثاني ذي الحجة منها، سافر الأمير قانصوه خمسمائة من دمشق إلى مصر، وسافر مع بعض الأمراء. ثم في يوم الثلاثاء رابعه دخل الأمير الكبير الأتابك أزبك الظاهري من حلب إلى دمشق، ونزل بالقصر، وتقدمه يشبك الجمالي والأمير أزبك الخازندار. وفي يوم الجمعة سافر الأمير الكبير الأتابك، ولم يمكث لثاني يوم، يوم عرفة، وكان يشبك وأزبك الخزندار تقدماه يوم الخميس، سافر أولًا يشبك، ثم بعده بساعة سافر الآخر، وكان راح على وادي التيم جماعة من الأمراء والمماليك.
وفي يوم الأربعاء، آخر أيام التشريق، دخل نجم الدين بن الخيضري إلى دمشق من مصر، وأخبر عن أمر برهان الدين بن المعتمد، أنه تأخر بعد زواجه، ولا قوة إلا بالله. وفي يوم الخميس ثامن عشريه أطلق الجماعة المعتقل عليهم بالقلعة، المطلوبين إلى مصر، وهم: شعيب، وابن حمدان المؤذن، والمحب بن سالم، وابن الأربلي، ضمنهم القاضي الشافعي ليتجهزوا للسفر معه إلى مصر.
وفي هذه الأيام وصل الخبر إلى دمشق بأن السلطان ختن ولده محمد، وأمر بضبط ما يدخل إليه من المال هدية، فإذا هو يقرب من خمسين ألف دينار، وأن السلطان طرد قاصد نائب الشام وغوش على أستاذه لأجل استعجاله بالرجوع من المهم الشريف وأراد أمن يوقع به فأخرج، وأنه طلب الأتابك أزبك من الطريق على هجن، فدخل مصر قبل بقية الأمراء، وأنه قطع أيدي جماعة من المماليك، لكونهم أرادوا الوقوع بدواداره آقبردي، وأمره بالخروج إلى
[ ١٠٩ ]
بلاد نابلس والغور، وفي حجة إصلاح العشير بها، وإنما أخرجه ليسكن الشر، وينتقم لأجله.
وفي هذه السنة رأى عبد الوهاب الحريري، بباب الجابية، النبي ﷺ في النوم، وأنه أشار إليه أن يبنى مئذنة لمسجد البصل، فشرع في بنائها لصيق المسجد، مع قربها لمئذنة أخرى. وفها نقض حمام الزين الذي كشف القاضي الشافعي عليه، وعلى ما حوله، شرقي كنيسة مريم، بدرب الحجر وهذا الحمام له ذكر في التاريخ، عمارة رجل سامري بعد خرابه من زمن الخوارزمية، ثم دثر ولم يقرب إلى أن كشف عنه القاضي المذكور، ثم باعه للفلك.
وقال الشيخ علاء الدين البصروي في ذيله: وفي أواخر جمادى الأولى منها، وصل قاصد أرسله الشيخ عرب، عالم بلاد الروم، ليس في بلاد الروم أعلم منه، والقاصد اسمه أبو بكر، فذكر القاصد أن شيخه والعلماء وأرباب الوجوه ليسوا راضين بفعل ابن عثمان ومعاداته لأهل هذه البلاد، وأن الضرورة حصلت لهم، فإن الكفار طغوا حيث رأوا المسلمين يقاتل بعضهم بعضًا، وأشاروا بالصلح، فأجابه أزبك والأمراء: وإنا نحن متوجهون حيث رسم لنا السلطان، وأنت أذهب إلى السلطان، فإن رسم بالصلح فيكون ونحن هناك مجتمعون عليه؛ ثم توجه القاصد إلى مصر، وسار أزبك والعساكر إلى نحو حلب مجدين.
وفي جمادى الآخرة منها، وصل عتيق قجماس، تمربغا، متوليا نظر الجيش، ولبس خلعة.
في خامس عشر رجب منها، وصل جواب قضية الخاصكي أن يجهز الشيخ فرج وستة أنفس من أهل القيببات، بعد أن تطلب أهل الحارتين ويسألوا عن سبب قيامهم على الخاصكي؛ فقريء بحضرة القضاة وأركان الدولة، واتفقوا على أن الكلام في هذا يحرك فتنة أخرى، فسكن في الحال، وفيه جاء السراق إلى سوق التجار الذي تحت القلعة أول الليل بالأسلحة، وأخذوا أموال التجار، وخرج إليهم جماعة الحاجب الكبير، وقتل منهم واحد. وفيه قتل دواد الخاصكي فرقة من التركمان، ودوادار السلطان علي الأعور جماعة وادي التيم.
وفي ثاني شعبان منها، لبس الأمير برد بك الأشرفي خلعة بأمرة الحاج. وفي تاسع عشريه توفي الحاج عيسى القاري كبير التجار بدمشق، كان فيه خير للفقراء وإحسان، وكان يضبط زكوته ويخرجها، وابتلى آخر عمره بالانحياز إلى السلطان، واتهم في مال
[ ١١٠ ]
البهار الذي أرسل إليه السلطان أن يشارك الأمناء عليه فورد فيه مرسوم، فحصل له بهدلة بسبب ذلك، فكانت سبب انقطاعه أحد عشر يومًا، ومات في عشر الثمانين، ودفن بمقبرة باب الصغير، بعد أن صلى عليه بالجامع الأموي القاضي الشافعي.
وفي يوم الأربعاء مستهل شوال منها، ثبت ببعلبك الرؤيا ليلة الثلاثاء، فظن بعض الناس أن مطلعهما متفق، أي ببعلبك ودمشق، ثم تحرر اختلافهما؛ حكى ذلك شخص عن الشيخ زين الدين الطرابلسي، كان عالم بعلبك، وسئل شيخنا شمس الدين التبريزي المؤقت بالجامع الأموي، فقال: إن مطلعهما مختلف، وخطب للعيد بالجامع الأموي القاضي الشافعي، بخلاف العيد الآتي فإنه خطب الشيخ سراج الدين بن الصيرفي لحصول بعض توعك له.
وفي ثامنه ورد مرسوم بأن القاضي رضي الدين الغزي الشافعي، أثبت على القاضي برهان الدين بن المعتمد الشافعي، خمسين ألف دينار، للخزائن الشريفة، ورسم يطلبهما فتوجه الرضوي تاسعه، والبرهاني ثالث عشره وكان أصل هذا أنه حصل بينهما اختلاف في حدود أرضين متلاصقتين، إحداهما للمارستان، والأخرى وقف أجداد القاضي برهان الدين، ففي أثناء اختلافهما احتد الرضوي وكتب للقاضي بهاء الدين الباعوني رسالة، ذكر فيها الخمسين ألف دينار، فيقال إنه أطلع عليها غيره، واتصل الخبر بالمصريين.
وفي ثامن عشره سافر الحاج الشامي، وأميرهم برد بك، وقاضيهم تقي الدين ابن قاضي زرع، أحد نواب القاضي الشافعي، وحج في هذه السنة الجمال العقرباني، والشهاب الخيري. وفي ثالث عشريه وصل مرسوم يطلب القاضي كمال الدين بن خطيب حمام الورد، والقاضي شعيب نائبي القاضي الشافعي، ودواداره محمد، ونقيبه ابن الأربلي نور الدين، ومحمد بن سالم محب الدين، وعلي الحمصي نور الدين، الشاهدين ببابه، وباستعجال القاضي الشافعي بالسفر، وكان حصل له حمى عوقته عنه. وفيه طلب العز بن حمدان نائب القاضي الحنفي مع آخرين من جماعته، فضمنهم القاضي الشافعي وسافروا معه.