وزيد بن علي «٢» بن الحسين، بن علي بن أبي طالب، ويكنى أبا الحسين.
وأمه أم ولد أهداها المختار بن أبي عبيدة لعلي بن الحسين فولدت له زيدا، وعمر، وعليا، وخديجة.
حدثني محمد بن الحسين الخثعمي، وعلي بن العباس، قالا: حدثنا عباد ابن يعقوب، قال: حدّثنا الحسين بن حماد أخو الحسن بن حماد، قال: حدّثنا زياد بن المنذر، قال: اشترى المختار بن أبي عبيدة جارية بثلاثين ألفا، فقال لها: أدبري. فأدبرت، ثم قال لها: أقبلي. فأقبلت، ثم قال: ما أدري أحدا
[ ١٢٤ ]
أحق بها من علي بن الحسين، فبعث بها إليه، وهي أم زيد بن علي.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الكندي، عن خصيب الوابشي قال:
كنت إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور في وجهه.
حدثني الحسن بن علي السلولي، قال: حدثنا أحمد بن راشد، قال:
حدثني عمي سعيد بن خيثم، قال: حدثني أبو قرة، قال:
خرجت مع زيد بن علي ليلا إلى الجبّان، وهو مرخي اليدين لا شيء معه، فقال لي: يا أبا قرة أجائع أنت؟ قلت نعم، فناولني كمثراة ملء الكف ما أدري أريحها أطيب أم طعمها، ثم قال لي: يا أبا قرة أتدري أين نحن؟ نحن في روضة من رياض الجنة، نحن عند قبر أمير المؤمنين علي، ثم قال لي: يا أبا قرة والذي يعلم ما تحت وريد زيد بن علي إن زيد بن علي لم يهتك لله محرما منذ عرف يمينه من شماله، يا أبا قرة من أطاع الله أطاعه ما خلق.
حدثني علي بن محمد، بن علي بن مهدي العطار، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، عن أبي داود العلوي «١» عن عاصم بن عبيد الله العمري قال ذكر عنده زيد بن علي فقال: أنا أكبر منه، رأيته بالمدينة وهو شاب يذكر الله عنده فيغشى عليه حتى يقول القائل: ما يرجع إلى الدنيا.
حدّثنا أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسين «٢» قال: حدّثنا هرون بن موسى، قال: سمعت محمد بن أيوب الرافقي يقول:
كانت المرجئة»
وأهل النسك لا يعدلون بزيد أحدا.
[ ١٢٥ ]
حدّثني علي بن العباس المقانعي، ومحمد بن الحسين الخثعمي، قالا:
حدّثنا إسماعيل بن إسحاق الراشدي، قال حدّثنا الحسن بن الحسين، قال المقانعي: عن عبد الله بن حرب وقال الأشناني «١»: عن عبد الله بن جرير، قال:
رأيت جعفر بن محمد يمسك لزيد بن علي بالركاب، ويسوي ثيابه على السرج.
حدّثني علي بن العباس، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، قال: حدّثنا أبو معمر سعيد بن خيثم، قال:
كان بين زيد بن علي، وعبد الله بن الحسن مناظرة في صدقات علي، فكانا يتحاكمان إلى قاض من القضاة، فإذا قاما من عنده أسرع عبد الله إلى دابة زيد فأمسك له بالركاب.
حدّثني علي بن العباس، قال: حدّثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن الفرات، قال:
رأيت زيد بن علي وقد أثر السجود بوجهه أثرا خفيفا.
حدّثنا محمد بن علي بن مهدي، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن أبي عاصم، قال: حدّثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن البابكي، واسمه عبد الله بن مسلم بن بابك، قال:
خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة فلما كان نصف الليل واستوت الثريا فقال: يا بابكي أما ترى هذه الثريا أترى أحدا ينالها؟ قلت: لا، قال: والله لوددت أن يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض أو حيث أقع، فأتقطع قطعة قطعة،
[ ١٢٦ ]
وأن الله أصلح بين أمة محمد (ص) .
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثنا الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، عن يحيى بن مساور، عن أبي الجارود، قال:
قدمت المدينة فجعلت كلما سألت عن زيد بن علي قيل لي ذاك حليف القرآن.
حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى، قال: سألت الحسن بن يحيى كم كانت سن زيد بن علي يوم قتل؟ قال: اثنتان وأربعون سنة «١» .
حدثني علي بن العباس، قال: حدثني اسماعيل بن إسحاق الراشدي، قال: حدثنا محمد بن داود بن عبد الجبار، عن أبيه، عن جابر، عن أبي جعفر، قال:
قال رسول الله (ص) للحسين: «يخرج رجل من صلبك يقال له زيد يتخطى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غرّا محجّلين، يدخلون الجنة بغير حساب» .
حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال أخبرنا خالد بن عيسى أبو زيد العكلي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال:
قال رسول الله (ص): «يقتل رجل من أهل بيتي فيصلب لا ترى الجنة عين رأت عورته» .
أخبرني أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن قني، قال: حدّثنا محمد بن علي بن أخت خلاد المقرئ، قال: حدّثنا أبو حفص الأعشى، عن أبي داود المدني، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي، قال:
[ ١٢٧ ]
يخرج بظهر الكوفة رجل يقال له زيد في أبهة والأبهة الملك لا يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون إلّا من عمل بمثل عمله، يخرج يوم القيامة هو وأصحابه معهم الطّوامير أو شبه الطوامير حتى يتخطوا أعناق الخلائق تتلقاهم الملائكة فيقولون هؤلاء حلف الخلف، ودعاة الحق، ويستقبلهم رسول الله (ص) فيقول: «يا بني قد عملتم ما أمرتم به، فادخلوا الجنة بغير حساب» .
حدّثني علي بن العباس، ومحمد بن الحسين، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا الحسين بن زيد بن علي، عن ريطة بنت عبد الله بن محمد بن الحنفية، عن أبيها، قال:
مرّ زيد بن علي بن الحسين، على محمد بن الحنفية فرقّ له وأجلسه، وقال: أعيذك بالله يا ابن أخي أن تكون زيدا المصلوب بالعراق، ولا ينظر أحد إلى عورته. ولا ينظره إلّا كان في أسفل درك من جهنم.
حدثني محمد بن علي بن مهدي بالكوفة على سبيل المذاكرة، ونبأني أحمد بن محمد «١» في إسناده قال: حدثنا أبو سعيد الأشج «٢»، قال: حدثنا عيسى بن كثير الأسدي، قال: حدثنا خالد مولى آل الزبير، قال:
كنا عند علي بن الحسين فدعا ابنا له يقال له زيد، فكبا لوجهه وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: أعيذك بالله أن تكون زيدا المصاب بالكناسة، من نظر إلى عورته متعمدا أصلى الله وجهه النار.
حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني أحمد بن محمد قني، قال: حدثنا محمد بن علي بن أخت خلاد، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: سعيد بن عمرو، عن يونس بن جناب، قال:
جئت مع أبي جعفر إلى الكتّاب فدعا زيدا فاعتنقه، وألزق بطنه ببطنه وقال: أعيذك بالله أن تكون صليب الكناسة.
[ ١٢٨ ]
حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا محمد بن مروان، قال: حدثنا موسى الصفار عن محمد بن فرات، قال:
رأيت زيد بن علي يوم السبخة وعلى رأسه سحابة صفراء تظلّه من الشمس، تدور معه حيث ما دار.
حدثني الحسن بن علي، قال: حدثنا جعفر بن أحمد الأزدي، قال:
حدثنا حسين بن نصر، عن أبيه، عن أبي خالد، قال:
كان في خاتم زيد بن علي «أصبر تؤجر، وتوقّ تنج» .
حدثني علي بن أحمد بن حاتم، قال: حدثنا الحسين بن عبد الواحد، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الهمداني، قال: حدثتني عمتي عزيزة بنت زكريا، عن أبيها، قال:
أردت الخروج إلى الحج فمررت بالمدينة فقلت: لو دخلت على زيد بن علي. فدخلت فسلمت عليه، فسمعته يتمثل «١»:
ومن يطلب المال الممنّع بالقنا يعش ماجدا أو تخترمه المخارم «٢»
متى تجمع القلب الذّكي وصارما وأنفا حميّا تجتنبك المظالم
وكنت إذا قوم «٣» غزوني غزوتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم
قال: فخرجت من عنده وظننت أن في نفسه شيئا، وكان من أمره ما كان.
(مقتل زيد بن علي والسبب فيه) حدّثني به محمد بن علي بن شاذان، قال: حدثنا أحمد بن راشد، قال:
حدثني عمي أبو معمر سعيد بن خيثم، وحدثني علي بن العباس، قال: أخبرنا
[ ١٢٩ ]
محمد بن مروان قال: حدثنا زيد بن المعذل النمري، قال: أخبرنا يحيى بن صالح الطيانسي، وكان قد أدرك زمان زيد بن علي، وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا المنذر بن محمد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: حدثنا أبو مخنف، وأخبرني المنذر بن محمد في كتابه إليّ بإجازته أن أرويه عنه من حيث دخل، يعني حديث بعضهم في حديث الآخرين، وذكرت الاتفاق بينهم مجملا، ونسبت ما كان من خلاف في رواية إلى رواية.
قالوا «١»: كان أول أمر زيد بن علي- صلوات الله عليه- أن خالد بن عبد الله القسري «٢» ادعى مالا قبل زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف «٣»، وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن عباس بن الوليد بن المغيرة «٤» المخزومي.
وكتب فيهم يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم، عامل هشام على العراق، إلى هشام، وزيد بن علي، ومحمد بن عمر يومئذ بالرصافة. وزيد يخاصم الحسن بن الحسن في صدقة رسول الله (ص) .
فلما قدمت كتب يوسف، بعث إليهم فذكر ما كتب به يوسف، فأنكروا فقال لهم هشام: فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم وبينه.
قال له زيد: أنشدك الله والرحم أن لا تبعث بنا إلى يوسف. قال له هشام: وما الذي تخاف من يوسف؟ قال: أخاف أن يتعدى علينا. فدعا هشام كاتبه فكتب إلى يوسف:
«أما بعد، فإذا قدم عليك زيد، وفلان، وفلان، فاجمع بينهم وبينه،
[ ١٣٠ ]
فإن أقروا بما ادعى عليهم فسرح بهم إليّ، وإن هم أنكروا فاسأله البينة، فإن لم يقمها فاستحلفهم بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلّا هو ما استودعهم وديعة «١»، ولا له قبلهم شيء، ثم خل سبيلهم» .
فقالوا لهشام: إنا نخاف أن يتعدى كتابك [ويطول علينا] . قال: كلا أنا باعث معكم رجلا من الحرس ليأخذه بذلك حتى يفرغ ويعجل. قالوا:
جزاك الله عن الرحم خيرا، لقد حكمت بالعدل.
فسرح بهم إلى يوسف، وهو يومئذ بالحيرة، فاجتنبوا أيوب بن سلمة لخؤولته من هشام ولم يؤخذ بشيء من ذلك «٢» . فلما قدموا على يوسف دخلوا عليه فسلموا، فأجلس زيدا قريبا منه، ولا طفه في المسألة، ثم سألهم عن المال فأنكروا، فأخرجه يوسف إليهم، وقال: هذا زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي اللذان ادعيت قبلهما ما ادعيت قال: ما لي قبلهما قليل ولا كثير. قال له يوسف: أفبي كنت تهزأ وبأمير المؤمنين؟ فعذبه عذابا ظن أنه قد قتله.
ثم أخرج زيدا وأصحابه بعد صلاة العصر إلى المسجد فاستحلفهم، فحلفوا، فكتب يوسف إلى هشام يعلمه ذلك، فكتب إليه هشام خل سبيلهم، فخلى سبيلهم.
فأقام زيد بعد خروجه من عند يوسف بالكوفة أياما، وجعل يوسف يستحثه بالخروج فيعتل عليه بالشغل وبأشياء يبتاعها، فألح عليه حتى خرج، فأتى القادسية.
ثم إن الشيعة لقوا زيدا «٣» فقالوا له: أين تخرج عنا- رحمك الله- ومعك مائة ألف سيف من أهل الكوفة والبصرة وخراسان يضربون بني أمية بها دونك، وليس قبلنا من أهل الشام إلّا عدة يسيرة. فأبى عليهم، فما زالوا يناشدونه حتى
[ ١٣١ ]
رجع بعد أن أعطوه العهود والمواثيق. فقال له محمد بن عمر: أذكرك الله يا أبا الحسين لما لحقت بأهلك ولم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك، فإنهم لا يفون لك، أليسوا أصحاب جدك الحسين بن علي؟ قال: أجل. وأبى أن يرجع.
وأقبلت الشيعة وغيرهم يختلفون إليه، ويبايعون حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خاصة، سوى أهل المدائن، والبصرة، وواسط، والموصل وخراسان، والري، وجرجان.
وأقام بالكوفة بضعة عشر شهرا، وأرسل دعاته إلى الآفاق والكور، يدعون الناس إلى بيعته، فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالاستعداد والتهيؤ فجعل من يريد أن يفي له يستعد، وشاع ذلك فانطلق سليمان بن سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر، وأخبره خبر زيد، فبعث يوسف فطلب زيدا ليلا فلم يوجد عند الرجلين اللذين سعى إليه أنه عندهما فأتى بهما يوسف فلما كلّمهما استبان أمر زيد وأصحابه، وأمر بهما يوسف فضربت أعناقهما، وبلغ الخبر زيدا- صلوات الله عليه- فتخوف أن يؤخذ عليه الطريق فتعجل الخروج قبل الأجل الذي بينه وبين أهل الأمصار، واستتب لزيد خروجه، وكان قد وعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنين وعشرين ومائة فخرج قبل الأجل.
وبلغ ذلك يوسف بن عمر «١» فبعث الحكم بن الصلت يأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم فيحضرهم فيه، فبعث الحكم إلى العرفاء، والشرط، والمناكب، والمقاتلة، فأدخلوهم المسجد، ثم نادى مناديه: أيما رجل من العرب والموالي أدركناه في رحبة «٢» المسجد فقد برئت منه الذمة ائتوا المسجد الأعظم.
فأتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد. وطلبوا زيدا في دار معاوية بن إسحاق [بن زيد بن حارثة الأنصاري] «٣»، فخرج ليلا، وذلك ليلة الأربعاء لسبع بقين من المحرم، في ليلة شديدة البرد، من دار معاوية بن إسحاق،
[ ١٣٢ ]
فرفعوا الهرادي فيها النيران، ونادوا بشعارهم شعار رسول الله: «يا منصور أمت»، فما زالوا كذلك حتى أصبحوا، فلما أصبحوا بعث زيد﵇- القاسم بن عمر التبعي، ورجلا آخر، يناديان بشعارهما. وقال سعيد بن خيثم في رواية القاسم بن كثير بن يحيى بن صالح بن يحيى بن عزيز بن عمرو بن مالك بن خزيمة التّبعي وسمى الآخر الرجل، وذكر أنه صدام.
قال سعيد: وبعثني أيضا وكنت رجلا صيّتا أنادي بشعاره.
قال: ورفع أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني هرديا من ميمنتهم، ونادى بشعار زيد. فلما كانوا في صحارى عبد القيس لقيهما جعفر بن العباس الكندي، فشدوا عليه، وعلى أصحابه فقتل الرجل الذي كان مع القاسم، وارتثّ القاسم فأتى به الحكم بن الصلت فكلّمه فلم يرد عليه، فأمر به فضربت عنقه على باب القصر، وكان أول قتيل منهم رضوان الله عليه.
قال سعيد بن خيثم: قالت بنته سكينة:
عين جودي لقاسم بن كثير بدرور من الدموع غزير
أدركته سيوف قوم لئام من أولي الشرك والردى والشّرور
سوف أبكيك ما تغنّى حمام فوق غصن من الغصون نضير
قال أبو مخنف: وقال يوسف بن عمر وهو بالحيرة: من يأتي الكوفة فيقرب من هؤلاء فيأتينا بخبرهم؟.
قال عبد الله بن العباس المنتوف الهمداني «١»: أنا آتيك بخبرهم، فركب في خمسين فارسا، ثم أقبل حتى أتى جبانة سالم فاستخبر، ثم رجع إلى يوسف فأخبره، فلما أصبح يوسف خرج إلى تل قريب من الحيرة فنزل [عليه و] «٢» معه قريش، وأشراف الناس، وأمير شرطته يومئذ العباس بن سعيد المزني «٣» .
قال: وبعث الريان بن سلمة البلوي «٤» في نحو من ألفي فارس وثلثمائة
[ ١٣٣ ]
من القيقانية رجالة ناشبة.
قال: وأصبح زيد بن علي وجميع من وافاه تلك الليلة مائتان وثمانية عشر من الرجالة، فقال زيد بن علي﵇- سبحان الله فأين الناس؟ قيل:
هم محصورون في المسجد، فقال: لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر.
قال «١»: وأقبل نصر بن خزيمة إلى زيد فتلقاه عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصلت في خيل من جهينة عند دار الزبير بن أبي حكيمة في الطريق الذي يخرج إلى مسجد بني عدي فقال: يا منصور أمت، فلم يرد عليه عمر شيئا، فشد نصر عليه وعلى أصحابه فقتله، وانهزم من كان معه.
وأقبل زيد حتى انتهى إلى جبانة الصيادين «٢» وبها خمسمائة من أهل الشام، فحمل عليهم زيد في أصحابه فهزمهم، ثم مضى حتى انتهى إلى الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام فهزمهم. ثم شلهم حتى ظهر إلى المقبرة، ويوسف بن عمر على التل ينظر إلى زيد وأصحابه وهم يكرون، ولو شاء زيد أن يقتل يوسف يومئذ قتله «٣» .
ثم إن زيدا أخذ ذات اليمين على مصلى خالد بن عبد الله حتى دخل الكوفة، فقال بعض أصحابه لبعض: ألا ننطلق إلى جبانة كندة، فما زاد الرجل أن تكلم بهذا إذ طلع أهل الشام عليهم، فلما رأوهم دخلوا زقاقا ضيقا فمضوا فيه، وتخلّف رجل منهم فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين، ثم خرج إليهم فضاربهم بسيفه وجعلوا يضربونه بأسيافهم، ثم نادى رجل منهم فارس مقنع بالحديد: اكشفوا المغفر عن وجهه واضربوا رأسه بالعمود، ففعلوا، فقتل الرجل، وحمل أصحابه عليهم فكشفوهم عنه، واقتطع أهل الشام رجلا منهم فذهب ذلك الرجل حتى دخل على عبد الله بن عوف بن الأحمر فأسروه، وذهبوا به إلى يوسف بن عمر فقتله «٤» .
[ ١٣٤ ]
وأقبل زيد بن علي فقال: يا نصر بن خزيمة أتخاف أهل الكوفة أن يكونوا فعلوها حسينية؟.
قال: جعلني الله فداك أما أنا فو الله لأضربن بسيفي هذا معك حتى أموت.
ثم خرج بهم زيد يقودهم نحو المسجد، فخرج إليه عبيد الله بن العباس الكندي في أهل الشام، فالتقوا على باب عمر بن سعد، فانهزم عبيد الله بن العباس وأصحابه حتى انتهوا إلى دار عمر بن حريث، وتبعهم زيد ﵇ حتى انتهوا إلى باب الفيل، وجعل أصحاب زيد يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون: يا أهل المسجد اخرجوا، وجعل نصر بن خزيمة يناديهم: يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز، وإلى الدين والدنيا.
قال: وجعل أهل الشام يرمونهم من فوق المسجد بالحجارة، وكانت يومئذ مناوشة بالكوفة في نواحيها. وقيل: في جبانة سالم.
وبعث يوسف بن عمر الريان بن سلمة في خيل إلى دار الرزق، فقاتلوا زيدا﵇- قتالا شديدا. وخرج من أهل الشام جرحى كثيرة، وشلهم أصحاب زيد من دار الرزق حتى انتهوا إلى المسجد الأعظم، فرجع أهل الشام مساء يوم الأربعاء وهم أسوأ شيء ظنا.
فلما كان غداة يوم الخميس دعى يوسف بن عمر الريان بن سلمة فأفف به «١» . فقال له: أف لك من صاحب خيل. ودعا العباس بن سعد المزني «٢» صاحب شرطته فبعثه إلى أهل الشام، فسار بهم حتى انتهوا إلى زيد في دار الرزق، وخرج إليهم زيد وعلى مجنبته نصر بن خزيمة، ومعاوية بن إسحاق، فلما رآهم العباس نادى: يا أهل الشام [الأرض] . فنزل ناس كثير. واقتتلوا قتالا شديدا في المعركة، وقد كان رجل من أهل الشام من بني عبس يقال له نائل بن فروة «٣» قال ليوسف: والله لئن ملأت عيني من نصر بن خزيمة لأقتلنه أو
[ ١٣٥ ]
ليقتلني. فقال له يوسف: خذ هذا السيف. فدفع إليه سيفا لا يمر بشيء إلّا قطعه. فلما التقى أصحاب العباس بن سعد، وأصحاب زيد. أبصر نائل- لعنه الله- نصر بن خزيمة- رضوان الله عليه فضربه فقطع فخذه، وضربه نصر فقتله، ومات نصر ﵀.
ثم إن زيدا﵇- هزمهم، وانصرفوا يومئذ بأسوأ حال «١» فلما كان العشي عبأهم يوسف ثم سرحهم نحو زيد، وأقبلوا حتى التقوا فحمل عليهم زيد فكشفهم، ثم تبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم شد عليهم حتى أخرجهم من بني سليم فأخذوا على المسنّاة.
ثم ظهر لهم زيد فيما بين بارق ورؤاس «٢» فقاتلهم قتالا شديدا. وصاحب لوائه رجل من بني سعد بن بكر يقال له: عبد الصمد.
قال سعيد بن خيثم:
وكنا مع زيد في خمسمائة، وأهل الشام اثنا عشر ألفا- وكان بايع زيدا أكثر من اثني عشر ألفا فغدروا- إذ فصل رجل من أهل الشام من كلب على فرس رائع فلم يزل شتما لفاطمة بنت رسول الله (ص)، فجعل زيد يبكي حتى ابتلت لحيته وجعل يقول: أما أحد يغضب لفاطمة بنت رسول الله (ص)؟ أما أحد يغضب لرسول الله (ص)؟ أما أحد يغضب لله؟ قال: ثم تحول الشامي عن فرسه فركب بغلة. قال: وكان الناس فرقتين نظارة ومقاتلة. قال سعيد:
فجئت إلى مولى فأخذت منه مشملا كان معه، ثم استترت من خلف النظارة حتى إذا صرت من ورائه ضربت عنقه وأنا متمكن منه بالمشمل، فوقع رأسه بين يدي بغلته، ثم رميت جيفته عن السرج، وشد أصحابه عليّ حتى كادوا يرهقونني، وكبّر أصحاب زيد وحملوا عليهم واستنقذوني، فركبت فأتيت زيدا فجعل يقبل بين عيني ويقول: أدركت والله ثأرنا، أدركت والله شرف الدنيا والآخرة وذخرها، إذهب بالبغلة فقد نفلتكها.
قال «٣»: وجعلت خيل أهل الشام لا تثبت لخيل زيد بن علي. فبعث
[ ١٣٦ ]
العباس بن سعد إلى يوسف بن عمر يعلمه ما يلقى من الزيدية، وسأله أن يبعث إليه الناشبة، فبعث إليه سليمان بن كيسان في القيقانية وهم نجارية، وكانوا رماة، فجعلوا يرمون أصحاب زيد. وقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري يومئذ قتالا شديدا، فقتل بين يدي زيد. وثبت زيد في أصحابه حتى إذا كان عند جنح الليل رمى زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فنزل السهم في الدماغ، فرجع ورجع أصحابه، ولا يظن أهل الشام [أنهم]»
رجعوا إلّا للمساء والليل.
قال أبو مخنف: فحدّثني سلمة بن ثابت، وكان من أصحاب زيد، وكان آخر من انصرف عنه هو وغلام لمعاوية بن إسحاق، قال:
أقبلت أنا وأصحابي نقتفي أثر زيد «٢» فنجده قد دخل بيت حرّان بن أبي كريمة في سكة البريد في دور أرحب وشاكر، فدخلت عليه [فقلت له جعلني الله فداك أبا الحسين] «٣» وانطلق ناس من أصحابه فجاؤا بطبيب يقال له سفيان مولى لبني دواس «٤» . فقال له: إنك إن نزعته من رأسك مت.
قال: الموت أيسر عليّ مما أنا فيه.
قال: فأخذ الكلبتين فانتزعه، فساعة انتزاعه مات صلوات الله عليه.
قال القوم: أين ندفنه؟ وأين نواريه؟
فقال بعضهم نلبسه درعين، ثم نلقيه في الماء.
وقال بعضهم: لا، بل نحتز رأسه، ثم نلقيه بين القتلى.
قال: فقال يحيى بن زيد: لا والله لا يأكل لحم أبي السباع.
وقال بعضهم: نحمله إلى العباسية فندفنه فيها. فقبلوا رأيي.
قال: فانطلقنا فحفرنا له حفرتين وفيها يومئذ ماء كثير، حتى إذا نحن
[ ١٣٧ ]
مكّنّا له دفنّاه ثم أجرينا عليه الماء، ومعنا عبد سندي. قال سعيد بن خيثم في حديثه: عبد حبشي كان مولى لعبد الحميد الرؤاسي وكان معمر بن خيثم قد أخذ صفقته لزيد، وقال يحيى بن صالح: هو مملوك لزيد سندي وكان حضرهم.
قال أبو مخنف عن كهمس، قال: كان نبطي يسقي زرعا له حين وجبت الشمس، فرآهم حيث دفنوه، فلما أصبح أتى الحكم بن الصلت، فدلهم على موضع قبره، فسرح إليه يوسف بن عمر العباس بن سعيد المزني «١» . قال أبو مخنف: بعث الحجاج بن القاسم فاستخرجوه على بعير «٢» .
قال هشام فحدّثني نصر بن قابوس قال: فنظرت والله إليه حين أقبل به على جمل قد شدّ بالحبال، وعليه قميص أصفر هروي، فألقى من البعير على باب القصر فخرّ كأنه جبل. فأمر به فصلب بالكناسة، وصلب معه معاوية بن إسحاق، وزياد الهندي، ونصر بن خزيمة العبسي «٣» .
قال أبو مخنف: وحدثني عبيد بن كلثوم: أنه وجه برأس زيد مع زهرة بن سليم، فلما كان بمضيعة ابن أم الحكم ضربه الفالج، فانصرف وأتته جائزته من عند هشام.
فحدّثني الحسن بن علي الأدمي، قال: حدثنا أبو بكر الجبلي، قال:
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن العنبري، قال: حدثنا موسى بن محمد، قال:
حدثنا الوليد بن محمد الموقري، قال:
كنت مع الزهري بالرّصافة فسمع أصوات لعابين. فقال لي: يا وليد، أنظر ما هذا، فأشرفت من كوّة في بيته فقلت: هذا رأس زيد بن علي، فاستوى جالسا ثم قال:
أهلك أهل هذا البيت العجلة. فقلت: أو يملكون؟ قال: حدثني علي بن الحسين، عن أبيه، عن فاطمة أن رسول الله (ص) قال لها: المهدي من ولدك.
[ ١٣٨ ]
قال أبو مخنف: حدثني موسى بن أبي حبيب: أنه مكث مصلوبا إلى أيام الوليد بن يزيد، فلما ظهر يحيى بن زيد كتب الوليد إلى يوسف:
«أما بعد. فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل أهل العراق فأحرقه، وانسفه في اليم نسفا، والسلام» .
فأمر به يوسف- لعنه الله- عند ذلك خراش بن حوشب «١» . فأنزله من جذعه فأحرقه بالنار، ثم جعله في قواصر، ثم حمله في سفينة، ثم ذراه في الفرات.
حدثني الحسن بن عبد الله، قال: حدثنا جعفر بن يحيى الأزدي، قال:
حدثنا محمد بن علي بن أخت خلاد المقري، قال: حدثنا أبو نعيم الملائي عن سماعة بن موسى الطحان، قال:
رأيت زيد بن علي مصلوبا بالكناسة فما رأى أحد له عورة، استرسل جلد من بطنه، من قدامه ومن خلفه حتى ستر عورته.
حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني الحسين بن محمد بن عفير، قال:
حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر العتكي، عن جرير بن حازم، قال: رأيت النبي (ص) في المنام، وهو متساند إلى جذع زيد بن علي وهو مصلوب، وهو يقول للناس: «أهكذا تفعلون بولدي» .
حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن بن جعفر، قال:
قتل زيد بن علي يوم الجمعة في صفر سنة إحدى وعشرين ومائة.
[ ١٣٩ ]
(تسمية من عرف ممن خرج مع زيد بن علي) من أهل العلم ونقلة الآثار والفقهاء قال علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني: حدثنا علي بن العباس، ومحمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا مطلب بن زياد، عن ليث، قال:
جاء منصور بن المعتمر يدعو إلى الخروج مع زيد بن علي.
حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا أبو عبد الله الصيرفي، قال: حدثنا فضل بن الحسن المصري، قال: سمعت أبا نعيم يقول:
أبطأ منصور عن زيد لما بعثه يدعو إليه، فقتل زيد ومنصور غائب عنه، فصام سنة يرجو أن يكفّر ذلك عنه تأخره. ثم خرج بعد ذلك مع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر «١» .
حدثني أحمد بن محمد، قال: أخبرني الحسين بن هاشم في كتابه إليّ، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن معلى، قال: حدّثنا عمرو بن عبد الغفار، عن عبدة بن كثير السراج الجرمي، قال:
قدم يزيد بن أبي زياد، مولى بني هاشم، صاحب عبد الرحمن بن أبي ليلى الرقّة، يدعو الناس إلى بيعة زيد بن علي، وكان من دعاة زيد بن علي، وأجابه ناس من أهل الرقّة، وكنت فيمن أجابه.
حدّثنا علي بن الحسين، قال: حدّثني علي بن العباس، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الله بن مروان بن معاوية، قال: سمعت محمد بن جعفر بن محمد في دار الإمارة يقول:
رحم الله أبا حنيفة. لقد تحققت مودّته لنا في نصرته زيد بن علي، وفعل بابن المبارك في كتمانه فضائلنا، ودعا عليه «٢» .
[ ١٤٠ ]
حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرنا الحسين بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار، عن عبدة بن كثير الجرمي، قال:
كتب زيد بن علي إلى هلال بن حباب، وهو يومئذ قاضي المدائن، فأجابه وبايع له.
حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرنا الحسين بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو، قال حدثني عطاء بن مسلم، عن سالم بن أبي الحديد، قال:
أرسلني زيد بن علي إلى زبيد الإمامي أدعوه إلى الجهاد معه.
حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرني الحسين، قال: حدّثنا علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا عمرو، عن الفضل بن الزبير، قال:
قال أبو حنيفة من يأتي زيدا في هذا الشأن من فقهاء الناس؟.
قال: قلت سليمة بن كهيل، ويزيد بن أبي زياد، وهرون بن سعد، وهاشم بن البريد، وأبو هاشم الرّماني، والحجاج بن دينار، وغيرهم.
فقال لي: قل لزيد لك عندي معونة وقوة على جهاد عدوك فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع «١» والسلاح ثم بعث ذلك معي إلى زيد، فأخذه زيد.
[حدثنا علي بن الحسين]، قال: حدثني أبو عبيدة الصيرفي، قال:
حدثنا الفضل بن الحسين المصري، قال: حدثنا العباس العنبري، قال:
حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا أبو عوانة، قال:
فارقني سفيان «٢» على أنه زيدي.
[ ١٤١ ]
حدثني علي بن الحسن بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال:
حدثنا عمرو بن عبد الغفار [عن عبدة بن كثير] «١»، قال:
كان رسول زيد إلى خراسان عبدة بن كثير الجرمي، والحسن بن سعد الفقيه.
حدثنا علي بن الحسين قال: أخبرني الحسين قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار، قال: حدثني شريك، قال:
إني لجالس عند الأعمش أنا، وعمرو بن سعيد أخو سفيان بن سعيد الثوري، إذ جاءنا عثمان بن عمير أبو اليقظان الفقيه، فجلس إلى الأعمش فقال: أخلنا فإن لنا إليك حاجة. فقال: وما خطبكم هذا شريك، وهذا عمرو بن سعيد أذكر حاجتك. فقال: أرسلني إليك زيد بن علي أدعوك إلى نصرته والجهاد معه، وهو من عرفت. قال: أجل ما أعرفني بفضله. أقرئاه مني السلام، وقولا له: يقول لك الأعمش لست أثق لك- جعلت فداك- بالناس، ولو أنا وجدنا لك ثلثمائة رجل أثق بهم لغيّرنا لك جوانبها.
حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال:
حدثنا محمد بن زيد «٢» الثقفي. قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، قال:
كان محمد بن أبي ليلى، ومنصور بن المعتمر، بايعا زيد بن علي. قال:
وبعث يوسف بن عمر إلى الناس فأخذ عليهم أبواب المسجد فحال بينه وبينهم.
حدثنا علي بن الحسين قال: حدّثني الحسين بن محمد بن عفير [الأنصاري] قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا حكام بن مسلم، قال: حدثنا عنبسة بن سعيد الأسدي:
[ ١٤٢ ]
أنا أبا حصين قال لقيس بن الربيع: يا قيس. قال: لبيك. قال: لا لبيك، ولا سعديك، لتبايعن رجلا من ولد رسول الله (ص) ثم تخذله، وذلك أنه بلغه أنه بايع زيد بن علي.
وقال فضل بن العباس بن عبد الرحمن بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب يرثي زيد بن علي ﵇:
ألا يا عين لا ترقى وجودي بدمعك ليس ذا حين الجمود
غداة ابن النبي أبو حسين صليب بالكناسة فوق عود
يظل على عمودهم ويمسي بنفسي أعظم فوق العمود
تعدى الكافر الجبار فيه فأخرجه من القبر اللحيد «١»
فظلوا ينبشون أبا حسين خضيبا بينهم بدم جسيد
فطال به تلعبهم عتوًّا وما قدروا على الرّوح الصّعيد
وجاور في الجنان بني أبيه وأجدادا هم خير الجدود
فكم من والد لأبي حسين من الشهداء أو عم شهيد
ومن أبناء أعمام سيلقى هم أولى به عند الورود
دعاه معاشر نكثوا أباه حسينا بعد توكيد العهود
فسار إليهم حتى أتاهم فما أرعوا على تلك العقود
وكيف تظنّ بالعبرات عيني وتطمع بعد زيد في الهجود
وكيف لها الرقاد ولم تراءى جياد الخيل تعدوا بالأسود
تجمع للقبائل من معد ومن قحطان في حلق الحديد
كتائب كلّما أردت قتيلا تنادت: أن إلى الأعداء عودي
بأيديهم صفائح مرهفات صوارم أخلصت من عهد هود
بها نسقي النفوس إذا التقينا ونقتل كل جبّار عنيد
ونحكم في بني الحكم العوالي ونجعلهم بها مثل الحصيد
[ ١٤٣ ]
وننزل بالمعيطيين حربا عمارة منهم وبنو الوليد
وإن تمكن صروف الدهر منكم وما يأتي من الأمر الجديد «١»
نجازيكم بما أوليتمونا قصاصا أو نزيد على المزيد
ونترككم بأرض الشام صرعى وشتى من قتيل أو طريد
تنوء بكم خوامعها «٢» وطلس وضاري الطير من بقع وسود
ولست بآيس من أن تصيروا خنازيرا وأشباه القرود
وقال أبو ثميلة الأبّار يرثي زيدا ﵇:
يا أبا الحسين أعار فقدك لوعة ما لقيت منها يكمد
فقد السهاد ولو سواك رمت به الأ قدار حيث رمت به لم يسهد «٣»
ونقول: لا تبعد، وبعدك داؤنا وكذاك من يلق المنية يبعد
كنت المؤمّل للعظائم والنهى ترجى لأمر الأمة المتأوّد
فقتلت حين رضيت كل مناضل وصعدت في العلياء كل مصعد
فطلبت غاية سابقين فنلتها بالله في سير كريم المورد
وأبى إلهك أن تموت ولم تسر فيهم بسيرة صادق مستنجد
والقتل في ذات الإله سجية منكم وأحرى بالفعال الأمجد
والناس قد أمنوا، وآل محمد من بين مقتول وبين مشرّد
نصب إذا ألقى الظلام ستوره رقد الحمام، وليلهم لم يرقد
يا ليت شعري والخطوب كثيرة أسباب موردها وما لم يورد
ما حجة المستبشرين بقتله بالأمس أو ما عذر أهل المسجد
[ ١٤٤ ]