[٧٢٠ - ٨١٥ هـ = ١٣٢٠ - ١٤١٢م].
النشأة والتكوين:
استمال «تغلق شاه» جنود شمالى غرب «الهند» إلى صفه، ثم قادهم
إلى «دهلى»، وتمرد على السلطان «خسرو شاه ناصر الدين» آخر
حكام «الدولة الخلجية»، وفقد عدد كبير من جيش «خسرو شاه»، ثم
التقى الفريقان فى «ديوبالبور»، وخسر الخلجيون المعركة، وفروا
منها، تاركين خلفهم الأسلحة والخيول والفيلة والأموال والمعدات،
فدخل «تغلق» العاصمة «دهلى» دون معارضة، ولبَّى الناس نداءه
للدخول فى طاعته، بسبب كرههم لخسرو شاه الذى آذاهم وأهان
معتقداتهم، ثم دارت معركة فاصلة بين الطرفين فى عام (٧٢٠هـ =
١٣٢٠م)، وانتهت بهزيمة الخلجيين، ومقتل «خسرو شاه»، وسقوط
«دولة الخلجيين» ببلاد الهند.
الوضع الداخلى:
قامت «دولة التغلقيين» على أنقاض «دولة الخلجيين» ببلاد «الهند»،
وتولى «تغلق شاه الأول» الحكم فى عام (٧٢٠هـ = ١٣٢٠م)، واستمر
فيه حتى سنة (٧٢٥هـ = ١٣٢٤م)، وعرف باسم السلطان «غياث الدين
تغلق»، ويرجع أصله إلى الجغتائيين الأتراك، وقد قدم فى مطلع
شبابه إلى «بلاد السند»؛ لخدمة بعض التجار فى عهد السلطان «علاء
الدين»، ثم دخل فى خدمة «أولوخان» أمير «السند» آنذاك، وتدرج
فى الفروسية حتى احتل وظيفة أمير الخيل، فلما ولى «قطب الدين»
عهد بهذه الإمارة إلى ابنه «محمد تغلق»، فشغل هذا المنصب إلى
عهد «خسرو شاه»، أعلن الثورة، ودخل «دهلى»، ودارت بينه وبين
«خسرو شاه» عدة معارك، تمكن - فى نهايتها - من قتله، والانتصار
على جيشه، ثم دخل القصر الملكى وجلس على سرير الملك.
لم تستقر أمور هذه السلطنة فى عهد «بنى تغلق»؛ حيث ظهرت بها
المؤامرات، واشتعلت الفتن لانتزاع كرسى الحكم، وثار «محمد بن
تغلق» على أبيه فى سنة (٧٢٥هـ = ١٣٢٥م)، حين أعلن هذا الأب
استياءه من تصرفات ابنه، ومن استكثاره شراء المماليك، ومبالغته
فى بذل العطايا، ومنح الهبات، فدبر الابن حيلة تمكن بواسطتها من
قتل أبيه.
[ ٤ / ٩٠ ]
كان «محمد بن تغلق» غريب الأطوار؛ حيث كان محبا للإنفاق والإغداق
وبذل الهبات والعطايا، وفى الوقت نفسه يعمل على إراقة الدماء،
ويسعد برؤيتها، فساءت الأحوال فى عهده، ونقل عاصمته إلى
مدينة «ديوكر» التى أطلق عليها اسم: «دولت آباد» لكى يأمن خطر
المغول، وأجبر سكان «دهلى» على الانتقال إلى العاصمة الجديدة،
فاشتدت الأمور سوءًا، وقامت الثورات فى وجهه، ونشطت الحركات
الاستقلالية فى عهده، فعدل عن الاستقرار فى هذه العاصمة
الجديدة، ولكن الخراب والدمار قد لحقا بدهلى نتيجة هجرها، ولم
يتمكن الناس من العودة إليها، فبنى لهم مدينة جديدة بالقرب منها.
لم يكن للسلطان «محمد بن تغلق» وريث للحكم حين وفاته، فورثه ابن
عمه «فيروز تغلق» فى عام (٧٥٢هـ = ١٣٥١م)، وحكم فى الناس
بالعدل، وسار بينهم سيرة حسنة، ثم خلفه حفيده «غياث الدين تغلق
شاه الثانى» فى عام (٧٩٠هـ = ١٣٨٨م)، ونشطت فى عهده
الحركات الاستقلالية، وظلت البلاد فى هذا الوضع المضطرب حتى
وفاة آخر سلاطين «آل تغلق» فى عام (٨١٥هـ = ١٤١٢م)، فاجتمع
أعيان «دهلى»، ونصبوا «دولت خان» حاكمة على البلاد، ثم تعرضت
«دهلى» للغزو التيمورى الذى قضى على مظاهر الحضارة فيها،
وأهلك الحرث والنسل، ولكن هذه الحضارة عادت مظاهرها ثانية إلى
هذه السلطنة فى عهد «ظهير الدين محمد بابر» فاتح «الهندوستان»،
الذى ينتهى نسبه إلى «تيمورلنك» من ناحية أبيه، وإلى
«جنكيزخان» من ناحية أمه.
العلاقات الخارجية:
لاشك أن السياسة التعسفية التى انتهجها «خسرو شاه» فى عدائه
السافر للمسلمين، وتحيزه لبنى جنسه، هى التى دفعت المسلمين
إلى الفرار من صفوفه والانضمام إلى صفوف «تغلق شاه» مؤسس
«الدولة التغلقية». وتعرضت أسرة «آل تغلق» للاضطرابات
والمشاكل، وقامت بدولتهم عدة حركات انفصالية، واقتحم زعيم
القبائل الجغتائية المغولى حدود بلادهم فى سنة (٧٢٧هـ = ١٣٢٧م)،
[ ٤ / ٩١ ]
واستولى على «لمغان» و«الملتان»، وسلك طريقًا إلى «دهلى»
العاصمة، فأسرع التغلقيون إلى كسب ود المغول ومهادنتهم،
فانسحبوا من بلادهم بعد أن ألحقوا بها الضرر.
حاول «محمد تغلق» غزو بلاد «الصين» من أجل الوصول إلى «ولايات
الهملايا» العليا؛ لكى ينشر الدين الإسلامى فى ربوع هذه المناطق،
أو - كما يدعى بعض المؤرخين - للاستيلاء على الكنوز التى كانت
تزخر بها «الصين» فى هذا الوقت. ولاشك أن «آل تغلق» قد عانوا
كثيرًا فى سبيل الحفاظ على ملكهم؛ حيث كانت الأخطار محدقة بهم
فى الداخل والخارج.
مظاهر الحضارة:
شجع «تغلق شاه» رعيته على تعمير الأرض والاهتمام بالزراعة،
فشق الترع والقنوات، وأصلح طرق الرى، وخفض الضريبة على
الأراضى الزراعية. وكان «محمد بن تغلق» من المشتغلين بالعلوم
والفنون والآداب، وله منثورات ومنظومات رفيعة المستوى باللغتين
العربية والفارسية، وكذلك كان يجيد الفلسفة والحكمة والمنطق، كما
برع فى الطب، وعالج الناس بنفسه، وأشرف على ملاجئ العجزة
التى أقامها لهم، وأنشأ مدينة «دولت آباد» لكى تكون عاصمة
لبلاده، إلا أنه عدل عن هذه الفكرة، ووفد عليه الكثيرون من
المشتغلين بالعلوم والفنون والآداب، وعمل على رعايتهم، ونهج
حكام أسرة «آل تغلق» سياسة فى استقطاب الأدباء والعلماء.
وجملة القول أن سلاطين دهلى عنوا بتشجيع الثقافة الإسلامية،
وأنفق السلطان المملوكى «ألتُمش» أموالا طائلة فى نسخ أعداد
كثيرة من القرآن الكريم؛ للاستفادة منها، وأسس العديد من المدارس،
وزيَّن بلاطه بالشعراء والأدباء، وحرص السلطان «بلبن» على عقد
المناظرات بين الشعراء والأدباء والعلماء فى بلاطه، وضم بلاط
السلطان «علاء الدين» الكثير من العلماء والأدباء، وشهد عهده
الكثير من الفلاسفة والحكماء والشعراء والمؤرخين والمترجمين
والأطباء والفلكيين، ولم يجتمع على باب أحد سلاطين «دهلى» من
[ ٤ / ٩٢ ]
رجال العلم والفقه والأدب ما اجتمع على باب «علاء الدين»، فازدهرت
الحياة الثقافية فى عهده، وتميزت بإنتاج أدبى غزير ومتنوع. وكان
«أميرخسرو» - بلا جدال - أعظم شعراء عصره، وتعددت مواهبه،
وبلغت شهرته الآفاق، فحظى بتقدير الناس ممن عاصروه.
نبغ عدد من المؤرخين فى العهد «الخلجى»، منهم «أمير أرسلان
كولاهى»، و«كبير الدين بن تاج الدين العراقى»، كما كان «أمير
خسرو»، و«ضياء الدين بارانى» من مؤرخى ذلك العصر، وقد عاصرا
«السلطان علاء الدين»، ولهما مصنفات أدبية وتاريخية يشار إليها
بالبنان، وقد وضع «بارانى» عدة مؤلفات مهمة منها: «تاريخ فيروز
شاهى»، وكتاب «السنة المحمدية»، وكتاب «نعم الله وآياته»،
وكتاب «مآثر السادة»، و«تاريخ البرامكة»، وله كتاب عن «الأحكام
السلطانية»؛ يشمل القيم والمبادئ والقوانين والسياسات والنظم التى
يجب على الحكومة الإسلامية اتباعها، ويرجعها كلها إلى الشريعة
الإسلامية.
ويُلاحظ أن الأدب الدينى قد ازدهر فى هذا العصر، وكتب علماء الدين
عن أساتذتهم، وترجموا لهم، وأبرزوا فضلهم، وتحدثوا عن تراثهم،
فعكست هذه الترجمات مظاهر الحياة الاجتماعية، والاتجاهات
الثقافية فى هذا العصر، فضلا عن أنها مصدر غنى للمعلومات عن
هذه الفترة التاريخية.
وفى القرن الرابع عشر الميلادى اشتملت مؤلفات الكُتَّاب الهنود على
أعمال نثرية وشعرية باللغة السنسكريتية؛ تضمنت الفولكلور وقصص
الأبطال، والروايات الأسطورية للممالك والولايات الهندية، ومما لاشك
فيه أن قيام الدولة الإسلامية فى «الهند» و«البنغال» قد أثر تأثيرًا
ملحوظًا فى تطور الأدب السنسكريتى والبنغالى، حيث فضل الحكام
والسلاطين اللغتين العربية والفارسية، ثم فقدت اللغة السنسكريتية
أهميتها، واستعاضت عنها «بلاد الهند» باللغات المحلية التى عبرت
بها شعوبها عن آدابها وثقافاتها.
ظلت الحياة الثقافية فى «الهند» مزدهرة فى عهد «بنى تغلق»،
[ ٤ / ٩٣ ]
ووفد على السلطان «محمد بن تغلق» الكثير من العلماء والأدباء
والفلاسفة، فقد كان هذا السلطان أديبًا وشاعرًا، كما كان فيلسوفًا
وطبيبًا بارعًا. ولم يكن «فيروز شاه» أقل منه اهتمامًا بالعلم وأهله،
إذ أسس ثلاثين مدرسة لعلوم الدين واللغة والتاريخ والحكمة
والرياضيات والفلك والطب، وجلب العلماء المسلمين إلى السلطنة
للتدريس بهذه المدارس، وعنى بدراسات «الهند» وعلومها القديمة
للاستفادة منها.
وقد لاحظ «ابن بطوطة» فى رحلاته ببلاد «الهند» كثرة المدارس،
وذكر أنه كانت هناك مدارس للصبية وأخرى للفتيات، وأوضح أن
النساء بالهند كن يقبلن على التعليم باهتمام بالغ وخصوصًا العلوم
الدينية، وقد وفد «ابن بطوطة» على بلاد «الهند» فى عام (٧٣٤هـ =
١٣٣٣م)، واتصل بالسلطان «محمد بن تغلق»، وتولى منصب القضاء
فى دولته، وأقام بها مدة ثمانى سنوات، ووصف بلاد «الهند»
ونظمها وسياسة حكامها، وطرق إدارتها، وأحوال المعيشة، ومعايش
الناس فيها.
وأنشأ «فيروز شاه» المدرسة «الفيروزشاهية»، وعنى بعمارتها،
وأحاطها بالحدائق الغناء، وجعلها مقصد العلماء وطلاب العلم من كل
مكان، فكان من أساتذتها «جلال الدين الرومى» الذى قام بتدريس
علوم التفسير والحديث والفقه بها، ومارس الوعظ والتدريس، وبرع
فى نظم الشعر، فأقبل عليه التلاميذ من كل مكان، وكانت آخر
وصاياه لتلاميذه وصيته التى قال فيها: «أوصيكم بتقوى الله فى
السر والعلانية، وقلة النوم والطعام والكلام، وهجران المعاصى
والآثام، ومواظبة الصيام، ودوام القيام، وترك الشهوات على الدوام،
واحتمال الجفاء من جميع الأنام، وترك مجالسة السفهاء والعوام،
ومصاحبة الصالحين والكرام. فإن خير الناس مَن ينفع الناس، وخير
الكلام ما قل ودل».
شهدت «الهند» نهضة علمية كبيرة، فانتشرت بها المدارس، وتزايدت
أعداد طلاب العلم والمشتغلين به، وأصبح للكتاب أهمية كبرى فى
تلبية حاجات الأساتذة والطلاب، وضمت المدارس والجامعات مكتبات
[ ٤ / ٩٤ ]
ضخمة، تضم أعدادًا كبيرة من الكتب، فلما فتح العرب ثم الغزنويون
بلاد «الهند»، وانتشر الإسلام بها؛ ازدادت الرغبة فى دراسة علوم
المسلمين والعرب وحضارتهم، وأقبل الهنود المسلمون على قراءة
الكتب الإسلامية، وأهملوا الكتب الهندوسية والبوذية، فحل الكتاب
الإسلامى محل الكتاب الهندى فى سلطنة دهلى.
كان الهنود يتناقلون آدابهم شفاهًا، وأدى ذلك إلى ضياع معظمها،
كما أدت الحروب الكثيرة التى شهدتها بلاد «الهند» إلى ضياع الكثير
من كتبها، فلما دخل المسلمون «الهند» طوروا الفكر والثقافة بها،
وجلبوا إليها الورق من «الصين» عن طريق «آسيا الوسطى»، فلم تعد
هناك صعوبة أمام المؤلفين والكُتاب فى تصنيف كتبهم، وساهم ذلك
مساهمة فعالة فى نمو العلوم والثقافة بالهند.
امتزج التراث الفارسى بالثقافة العربية بعد أن فتح العرب بلاد
فارس، واتخذت الثقافة الفارسية ثوبًا إسلاميا، فتأثرت بذلك بلاد
«الهند»، وامتزجت الثقافة الفارسية بالثقافة الهندية، فنتج عن ذلك
«اللغة الأوردية» التى ترمز إلى التوفيق بين أنواع الحضارات
الإسلامية والفارسية والهندية، ولعل أبرز ما يميز الثقافة الهندية أنها
درست وفهمت طبع الإنسان وعلاقاته مع غيره من موجودات الكون،
ومع الكون نفسه حق الفهم، وقامت هذه الثقافة على حب العطاء،
وقد قال حكماء «الهند» موعظة جاء فيها: «قم بواجبك ولا تنتظر
ثوابًا أو صلة، لأن القيام بالواجب هو خير ما تتقرب به إلى الله؛ لأن
الرجال الأخيار العظماء لا تهمهم حقوقهم، بل واجباتهم».
لقد تطلَّع العرب منذ اتصالهم بالهند عن طريق الفتح والتجارة إلى
الاستفادة من علوم «الهند» وآدابها، ولكن ذلك لم يتم إلا فى العصر
العباسى، حين تطلع كبار رجال الدولة العباسية إلى تقوية الصلة
بحضارات الأعاجم، وبدءوا بترجمة أهم الكتب الهندية إلى الفارسية
ومنها إلى العربية، ثم أخذ العرب علم الحساب وعلوم الرياضيات عامة
[ ٤ / ٩٥ ]
من الهنود، وأخذوا عنهم الترقيم المعروف لدينا اليوم [١ - ٢ - ٣ ].
وازدهرت علوم الطب والرياضيات فى بلاد «الهند»، فلما قويت الصلة
بين العباسيين والهنود، جلب العباسيون الأطباء الهنود لعلاجهم،
فكان الطبيب الهندى يعالج الخلفاء وكبار رجال الدولة، وكان الناس
يقبلون على هؤلاء الأطباء من كل مكان طلبًا للتداوى.
استفاد المسلمون من آداب «الهند»، وترجموا كتاب «ألف ليلة وليلة»
وغيره من الكتب إلى الفارسية ومنها إلى العربية، فانتقلت بعض
العلوم الهندية إلى الدولة الإسلامية، وأثرت فى الفكر الإسلامى
والثقافة الإسلامية، ومنح الخليفة «هارون الرشيد» الشاعر «أبان
عبد الحميد اللاحقى» جائزة قدرها مائة ألف درهم على نظمه قصة
«كليلة ودمنة». وقد نشأ «يحيى بن خالد البرمكى» وزير «الرشيد»
فى «كشمير»، وتعلم بها، ودرس علوم النجوم والطب والحكمة، وهو
الذى جلب من «الهند» إلى «بغداد» كبار العلماء والأطباء أمثال:
«بهلة»، و«سنكه»، و«باذيكر»، و«قلبرقل»، و«سندباد». واستعان
«يحيى بن خالد البرمكى» و«جعفر بن يحيى البرمكى»، و«إسحاق
بن سليمان» بالهنود فى مجال الطب، وفى حركة الترجمة، فتُرجم
كتاب «سيرك» فى الطب إلى الفارسية، ثم نقله «عبدالله بن على»
إلى العربية، وترجم «منكه» كتاب «سرد»، كما ترجم كتاب «أسماء
عقاقير الهند»، ونقل «ابن دهن» كتاب «مختصر الهند فى العقاقير»
إلى العربية، كما نقل كتاب «استنكر الجامع».
الديانات والمعتقدات فى سلطنة دهلى:
تعددت ديانات «الهند»، فضمت «الهندوسية» و«البرهمية»
و«البوذية» إلى جانب الإسلام. أما «الهندوسية» فقد وفدت على
«الهند» عن طريق الآريين فى سنة (١٥٠٠ ق. م)، ثم دخلتها وطوَّرتها
عقائد إيرانية، فباتت ديانة توحيد وتعدد فى الوقت نفسه، وتظهر
فىها عبادة البقر والأجداد وقوى الطبيعة، وتقوم معتقداتها
الأساسية على تناسخ الأرواح والنظام الطبقى، ووحدة الوجود،
[ ٤ / ٩٦ ]
وتقديم القرابين .. الخ، وهى ديانة السواد الأعظم من الهنود الذين بقوا
على وثنيتهم.
وأما البراهمة فهم المنكرون للنبوَّات أصلا، وأكثرهم على مذهب
الصابئة، ومنهم قائل بالروحانيات، وقائل بالهياكل، وقائل
بالأصنام، إلا أنهم جميعًا مختلفون فى شكل الهياكل التى ابتدعوها،
وكيفية أشكالها، وقد ظهرت البرهمية فى القرن الثانى قبل الميلاد
على أيدى «البراهمة» الذين استمدوا شرائعها من «الهندوسية».
وظهرت البوذية على يد «غوتامابوذا» الذى وُلد فى أواسط القرن
السادس قبل الميلاد، وتوفى فى سنة (٤٨٧ ق. م) عن عمر يناهز
الثمانين عامًا، وقد نشأ فى بيت عز وثراء، فلما بلغ مبلغ الشباب
تأمل فى عجائب الكون ومتغيرات الطبيعة، ونظر إلى أحوال الناس
وطبائعهم، وأيقن أن الموت نهاية حتمية لكل الكائنات، فأعرض عن
مباهج الدنيا، وتحول إلى الزهد والتصوف، واعتزل الناس سبعة
أعوام كاملة فى غابة يعيش فيها مع تأملاته، ثم عاد إلى وديان
«نهر الكنج» وظل يتنقل بين الناس خمسًا وأربعين سنة، ينشر بينهم
رسالته، وآمن بدعوته الملايين فى «الهند» وخارجها، وخلاصة هذه
الدعوة التى عمل على نشرها، أن الشر والألم لا ينفصلان عن عالم
الوجود، والنجاة أن يحرر الإنسان نفسه بمراقبتها من الوقوع فى
الجهل الذى يولد الشهوات، وعليه الاعتصام من الذنوب، وبذل
الصدقة، وفعل أعمال الخير، إلى جانب التفكير والتأمل. ثم جاء
الإسلام فحرر «الهند» من هذه العقائد التى تكلف الإنسان ما لا يطيق
من الزهد والتقشف، وتمنع الناس من العمل والإنتاج، فالإسلام يدعو
إلى الوسطية، فهو دين عمل وعبادة، ولا تمنع العبادة المسلم من
العمل، فالمسلم يعمل وفى الوقت نفسه يؤدى ما عليه من فرائض
وتعاليم إسلامية.
[ ٤ / ٩٧ ]
الفصل السابع عشر