منذ قيام دولة الأمويين في الأندلس وقيادة الجيوش موضع اهتمامهم، فهي أهم المناصب العسكرية على الإطلاق، ولذا فقد كان أمراء بني أمية يقودون الجيوش بأنفسهم (^٣)، وفي حالة تعذر خروجهم كانوا يكلفون أحد اولادهم بالخروج بالجيش شريطة أن يكون معه أحد القادة العسكريين من ذوي الخبرة والمهارة ليتولى إدارة المعركة (^٤).
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٤٩.
(٢) - أعمال الأعلام، ٢/ ٦٨.
(٣) - انظر: البيان المغرب، ٢/ ٤٨، ٥٠، ٥١، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٧٠، ٧٢، ٧٣، ٨٤، ٨٦، ٩٤، ١٠٠، ١١٦، ١٢٢، ١٢٣.
(٤) - انظر: المصدر السابق، ٢/ ٦٣، ٨٦، ٩٨، ١٠٢، ١٠٥، ١٠٦، ١٢٤، ١٣٨، ١٤٠، ١٤٢، ١٤٣، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٧، ١٤٩.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وفي عصر الخلافة كان الخليفة عبد الرحمن الناصر يقود الجيوش بنفسه، ولا نجد ذكرًا لأولاده، ولم يترك القيادة إلا بعد هزيمته في معركة الخندق، وعندما تولى الخلافة الحكم المستنصر خرج على رأس جيش إلى الشمال النصراني سنة (٣٥١) هـ (٩٦٢ م) ففتح عدة حصون وغنم وعاد سالمًا (^١). وهنا تجدر الإشارة إلى أن الخليفة المستنصر لم يكرر الخروج للغزو مرة أخرى، ويبدو أن خروجه على رأس الجيش عندما تولى الخلافة كان رسمًا جرى عليه أمراء وخلفاء بني أمية بالأندلس، إذ يكون الغزو في سبيل الله تعالى أول أعمال من يستلم الحكم منهم.
ونظرًا لأهمية منصب قيادة الجيش، ولسعي المنصور بن أبي عامر للسيطرة على الجيش، -بعد وفاة الخليفة الحكم المستنصر بالله-، نجد أن ابن أبي عامر يتحين الفرص لتحقيق مراده، وجاءته الفرصة عندما وصلت الأخبار بأن الملك ردمير الثالث راميرو (٩٦٦ - (٩٨٥) م) (^٢) ٣٥٥ - (٣٧٥) هـ ملك ليون، قد أغار على الثغر الأوسط (^٣)، ولما لم يبد أحد من الوزراء استعداده لرد المعتدين، سارع ابن أبي عامر إلى الخروج على رأس الجيش، وذلك لثلاث خلون من شهر رجب سنة (٣٦٦) هـ (٢٦ فبراير
_________________
(١) - نفسه، ٢/ ٢٣٤.
(٢) - أندلسيات، ٢/ ٥١.
(٣) - تطلق بعض المصادر مسمى الثغر الأدنى على منطقة الثغر الأوسط، وهذا الثغر مواجه لمملكة ليون، وكانت مدينة سالم قاعدة الثغر الأوسط، ثم استبدلت بمدينة طليطلة الواقعة على نهر التاجه. انظر: خليل إبراهيم السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي، ص ٤٠.
[ ٢ / ٥١٠ ]
٩٧٧ م) وعاد إلى قرطبة بعد ثلاثة وخمسين يومًا من خروجه وهو محمل بالسبي والغنائم (^١).
والشيء المهم في هذه الغزوة، أن ابن أبي عامر تمكن من كسب محبة الجند وتفانيهم في خدمته، وذلك لما رأوه من كرمه وجوده وحسن عشرته وسعة مائدته (^٢)، وهذا هو الذي كان يهم ابن أبي عامر فقد أدى ذلك إلى أن أصدر الخليفة المؤيد أمره بتولية ابن أبي عامر قيادة جيش الحضرة (^٣).
ولدينا أسماء عديدة لقادة عسكريين أداروا المعارك العسكرية بكل كفاءة واقتدار، منهم: بدر مولى الأمير عبد الرحمن الداخل وتمام بن علقمة الثقفي وعبيد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن الداخل الشهير بصاحب الصوائف (^٤) وعبد الواحد بن يزيد الأسكندراني (^٥)، وهاشم بن عبد العزيز (^٦)
_________________
(١) - نصوص عن الأندلس، ص ٧٤. البيان المغرب، ٢/ ٦٤.
(٢) - أعمال الأعلام ٢/ ٦٠، وقد ذكر ابن عذاري أن ابن أبي عامر عندما رأى إحجام الوزراء عن الخروج بالجيش لصد النصارى، بادر إلى القيام بهذه المهمة، لكنه اشترط أن يختار الرجال الذين سيخرجون معه، وأن يأخذ من بيت المال مبلغ مائة ألف دينار، وعندما استكثر بعض الوزراء المبلغ، قال له ابن أبي عامر "خذ ضعفها وامضي وليحسن غناؤك". انظر: البيان المغرب، ٢/ ٢٦٤. وبواسطة هذا المبلغ، ملك ابن أبي عامر قلوب الجند، إذ بذل لهم منه ما جعلهم يفتدونه بأرواحهم، الأمر الذي سهل له السبيل أمام تحقيق هدفه.
(٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢٦٥.
(٤) - المصدر السابق، ٢/ ٥٣.
(٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢.
(٦) - المصدر السابق، ص ٣٩٥.
[ ٢ / ٥١١ ]
وغالب بن عبد الرحمن الناصري الذي برز ذكره لأول مرة سنة (٣٣٥) هـ (٩٤٦ م) عندما كلفه الخليفة عبد الرحمن الناصر بالخروج على رأس جيش كبير لإعادة بناء مدينة سالم (^١) كما قاد العديد من الحملات العسكرية الناجحة (^٢)، وعندما هاجم النورمانديون السواحل الغربية للأندلس في أوائل رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يونيو (٩٧١) م) عهد الخليفة المستنصر إلى قائده غالب الناصري بالإشراف العام على القوات البرية والبحرية" لضلاعته وغنائه وعلمه بثقوب نظره ومحمود اكتفائه (^٣) ".
ويلاحظ أن القيادة العسكرية للجيش الأموي في الأندلس كانت تسند إلى أبناء أسر معينة سطروا صفحات ناصعة البياض ليس في المجال العسكري فحسب، بل في كافة المجالات الإدارية في الدولة، من أشهر تلك الأسر، أسرة آل أبي عبد هـ الذين برز دورهم القوي في عهد الأمير عبد الله بن محمد وذلك في قمع الفتن الداخلية التي اندلعت في كافة أنحاء الأندلس، وقد لمعت أسماء عدة وزراء من هذه الأسرة كلهم تولى القيادة العسكرية واجتمع منهم أربعة في وقت واحد عند الأمير عبد الله
_________________
(١) - البيان المغرب، ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٢) - المصدر السابق، ص ٢١٩، ٢٢٠، ٢٢١، ٢٤٠.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ٢٣ - ٢٤.
[ ٢ / ٥١٢ ]
ابن محمد (^١). كذلك اشتهرت أسرة مغيث الرومي، فقد برز اسم عبد الواحد بن مغيث بالإضافة إلى ولديه عبد الكريم وعبد الملك، وعبد الوهاب بن أحمد بن عبد الواحد بن مغيث (^٢).
_________________
(١) - الوزراء الأربعة الذين كانوا من بين وزراء الأمير عبد الله بن محمد هم: أبو عثمان عبيد الله بن محمد وسلمة بن أبي عبده وعبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبده والوزير القائد الشهير أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبده، عن هؤلاء وأدوارهم البطولية، انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣١٩ - ٣٢٠. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ٣/ ٢٥ - ٢٩، ٥٣، ٩٤ - ٩٧، ٩٩ - ١٠٥، ١١٧ - ١١٨، ١٢٨ - ١٣١، ١٣٩ - ١٤٣، ١٤٥ - ١٤٧. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٥٣، ٨٢، ٩٢، ١٠٧، ١٢٧، ١٣٥ - ١٣٦، ١٩٩. البيان المغرب، ٢/ ١٢٩، ١٣٢ - ١٣٣، ١٣٨ - ١٣٩، ١٤٢، ١٤٨ - ١٤٩، ١٥٢، ١٦٥، ١٦٧، ١٦٩ - ١٧١.
(٢) - عن جهودهم العسكرية، انظر: المقتبس: تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٥. وماورد في التعليقات أرقام ٢٧، ٢٨، ٣٠، ٣١، ٣٨، ٧٧، ٣٢٥، ٣٢٦ وما ورد في التعليق رقم ٨٢. نصوص عن الأندلس، ص ٣١ - ٣٢، ٦١ - ٦٢. الحلة السيراء ١/ ١٣٥. البيان المغرب ٢/ ٤٨، ٦١، ٦٥، ٧٥، ٨٢، ١٠٠، ١٠١. المغرب في حلى المغرب ١/ ٤٤. وأسرة بني مغيث تنتمي لمغيث بن الحويرث بن جبلة بن الأيهم الغساني، مولى الوليد بن عبد الملك، عربي أزدي، شارك مغيث في فتح الأندلس مع طارق بن زياد، وتولى فتح قرطبة، وإليه ينسب "بلاط مغيث" وبعد حياة حافلة بالأحداث قتل مغيث في معركة بقدوره بالمغرب، ويعتبر مغيث باني بيت آل مغيث بالأندلس، فقد ترك أولادًا أشهرهم عبدالواحد الذي تولى الحجابة للأميرين الداخل والرضا وتوفي في عهد الأمير الربضي سنة ١٩٨ هـ وخلفه أولاده الثلاث عبد الكريم وعبد الملك وعبد الحميد الذين كانوا من كبار رجال الدولة الأموية سياسة وقيادة وكياسة وعلمًا، واستمرت هذه الأسرة عالية المقام مهيبة الجانب إلى أن تم إسقاطها نهائيًا في القرن الرابع الهجري تقريبًا (العاشر الميلادي) والسبب في ذلك هو إقدام أحمد بن مغيث على التغزل بإحدى بنات الأسرة الأموية، فقد صدر الأمر باستئصال آل مغيث والتسجيل عليهم ألا يستخدم أي منهم أبدًا، حتى كان سببًا في هلاكهم وانقراض بيتهم، فلم يبق منهم في أوائل القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) إلا الشريد الضال. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ٣٧٢. طوق الحمامة، ص ٣٨. أخبار مجموعة، ص ١٠، ١١، ١٢، ١٩، البيان المغرب ٢/ ٩ - ١٠.
[ ٢ / ٥١٣ ]
ولهؤلاء القادة الوزراء مكانة سامية لدى أمراء وخلفاء بني أمية، ففي الاحتفالات الرسمية التي تقام سواء في الأعياد أو عند استقبال السفراء والوفود الرسمية الزائرة تكون مجالس أولئك القادة الوزراء بالقرب من الأمير أو الخليفة ففي الاحتفال الذي أقامه الخليفة الحكم المستنصر بالله في الزهراء يوم السبت لأربع خلون من شهر رمضان سنة (٣٦٠) هـ (١ يوليو (٩٧١) م) عند استقباله للسفير "بون فليو Enneco Bonfill" المبعوث من قبل حاكم برشلونة بريل بن شنير Borrell Sunier، جلس الخليفة في محراب المجلس الشرقي، وأحاط به رجال دولته كل وفق مرتبته، فقد جلس الوزير القائد غالب بن عبد الرحمن عن يمين الخليفة وتحته الوزير صاحب الحشم قاسم بن محمد بن طلمس، وعن يسار الخليفة جلس الوزير صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان وتحته صاحب المدينة بالزهراء محمد ابن أفلح (^١).
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠ - ٢١ والحاشية رقم ١.
[ ٢ / ٥١٤ ]
ولم يقتصر إكرام الدولة لأولئك القادة على تشريفهم في الاحتفالات، بل إنها كانت تضع الثقة الكاملة بهم، فعند تعرض البلاد لأي خطر عسكري فإن أمراء وخلفاء بني أمية يضعون موارد الدولة وإمكاناتها تحت تصرف أولئك القادة (^١)، كما يتم إرسال المنح السنية والمكافآت المالية إليهم وهم في مواقعهم العسكرية من أجل شد عزائهم، وبث الحماسة في جنودهم، وبالذات عندما تصل من القائد أخبار تسر الأمير أو الخليفة (^٢).
وعند عودة القائد مع قواته منتصرًا، كانت الاحتفالات تقام بقرطبة ابتهاجًا بهذه المناسبة، وتكريمًا له ولمن معه، فالوزير القائد غالب بن عبد الرحمن عندما عاد من أرض العدوة المغربية محققًا انتصارًا قويًا على مناوئي الدولة، أمر الخليفة الحكم المستنصر بإقامة احتفال كبير بهذه المناسبة واستُقبل القائد استقبالًا رسميًا كان الخليفة في مقدمة الحضور وذلك في شهر المحرم سنة (٣٦٤) هـ (سبتمبر (٩٧٤) م) (^٣).
ونظرًا إلى انقسام الجيش إلى فرسان "خيالة" ورجالة "مشاة" فإن لكل قسم منهما قائد خاص (^٤)، وعندما تريد حكومة قرطبة تكريم أحد القادة العسكريين يتم منحه مظلًا يستظل به عن الشمس، ويقف تحته عند
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٩١.
(٢) - المصدر السابق، ص ١٣٥. البيان المغرب، ٢/ ٢٤٧.
(٣) - انظر: المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٩٤ - ٢٠٢.
(٤) - أخبار مجموعة، ص ٨٧.
[ ٢ / ٥١٥ ]
إدارته للمعركة (^١)، وقبل أن يغادر القائد العاصمة بقواته، تصدر إليه الأوامر من قبل الأمير أو الخليفة، بتحديد المنطقة التي عليه مهاجمتها (^٢) وإن قصر في عمله كتب إليه الأمير رسالة يعنفه فيها على تقصيره.
فعندما ثار هاشم الضراب بطليطلة في عهد الأمير عبد الرحمن بن الحكم سنة (٢١٤) هـ (٨٢٩ م) تم تكليف القائد محمد بن رستم عامل الثغر بالقضاء على ثورة الضراب، ويبدو أن القائد ابن رستم لم يحسم المسألة بسرعة، فأرسل إليه الأمير مددًا عسكريًا وكتب إليه كتابًا يعنفه فيه على تقصيره وذلك سنة (٢١٦) هـ (^٣) (٨٣١ م).
وكما أن القائد إذا قصر في عمله يتعرض للمساءلة الرسمية، فكذلك نجد أن هناك مواقف على المستوى الشعبي العام - ربما كانت أشد إيلامًا من المواقف الرسمية، هذه المواقف الشعبية يتعرض لها القائد العسكري إذا حدث أن فر من أرض المعركة، إذ يقابل القائد بالسخرية ويشنع عليه فراره حتى من أقرب الناس إليه، وهذا ما حدث في شوال سنة (٢٣٩) هـ (مارس (٨٥٤) م) عندما أخرج الأمير محمد ابن عبد الرحمن قائديه قاسم بن العباس وتمام بن أبي العطاف على رأس قوة عسكرية من الحشم، لتأديب أهل طليطلة، وعندما التحم جيش الإمارة بأهل طليطلة، تمكن الطليطليون من تحقيق نصر قوي فر على إثره القائدان ابن العباس وابن أبي العطاف،
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ١١٢. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١١٥.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣١٨. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٨١.
(٣) - البيان المغرب ٢/ ٨٣.
[ ٢ / ٥١٦ ]
تاركين ما في المعسكر لأهالي طليطلة فانهالت قصائد الشماتة على ذينك القائدين (^١).
والعامة دومًا لا تنظر إلا إلى مصالحها الآنية، ولا تلتمس عذرًا لمن يمنع عنها تلك المصالح، فقد اعتاد العامة في قرطبة على كثرة السبي الذي كان يحضره المنصور بن أبي عامر من الإمارات والممالك النصرانية الشمالية، وبعد وفاته تولى قيادة العمليات الحربية من بعده ابنه عبد الملك المظفر، وفي غزوته الرابعة التي خرج بها إلى بنبلونة سنة (٣٩٦) هـ (١٠٠٦ م) لم يحضر معه إلى قرطبة السبي المعتاد، فأخذ نخاس الرقيق يرددون عبارة "مات الجلاب، مات الجلاب (^٢) "