وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه كان عقدا حافلا لزواج الفقيه الأصيل عفيف الدين أبي البقاء محمد ابن القاضي عفيف الدين عبد الله بن أبي الفضل بن ظهيرة القرشي المكي في سطح الرواق الغربي من المسجد الحرام أمام منزل الزوجة البنت البكر الأصيلة أم الخير ابنة شيخنا العلّامة قاضي المسلمين شرف الدين بن أبي القاسم [٩٤ أ] عبد الكريم الرافعي ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات بن ظهيرة
_________________
(١) كلمة مغطاة بالحبر في المخطوط.
(٢) بالأصل: للقصيدة.
[ ١ / ٣٩٠ ]
القرشية المكية، حضره القضاة الأربعة والشريفان زين الدين حميضة وأخوه شولق ابنا صاحب مكّة السيد جمال الدين محمد بن بركات الحسنيان وخلق من الأعيان كالفقهاء والتجار وغيرهم من النساء والصبيان وأوقدت شموع الحرم بالفوانيس وغيرها بمباشرة ناظر الحرم والمتعاطي للعقد ابن عم الزوجين قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة القرشي الشافعي وابن القاضي بهاء الدين أحمد ابن قاضي القضاة ناظر المسجد الحرام الجمالي أبي السعود بن ظهيرة القرشي الشافعي وعظّم كلًا من الزوجين بألقاب كثيرة، معتبرة شهيرة.
وكان العقد لهما بمائتيْ مثقال كعادة سلفهم، وبعد فراغه من الخطبة شرب الجماعة الحاضرون سكرا مذابا وبخروا بالعود والعنبر والماورد وسمعوا إنشادا مطابًا، فكانت الليلة بهجة، والخلق فيها مبتهجة، وأصبح الناس هّنؤوا الزوج بذلك.
وجاء الخبر من جدة بنصرة الخنكار على أعدائه المهالك، وتوجّه القاصد الرومي إلى فريق الشريف، فقابله بالمسرة والتشاريف، وزيّن الناس بندر جدة، وزال عنهم الكرب والشدة، ونودي في مكّة بزينتها وإظهار السرور بها سبعة أيام، وكان ذلك في يوم الإثنين خامس الشهر المذكور [لوصول خبر نصرة السلطان وأخذ جزيرة رودس] (^١).
وفي ثاني تاريخه خرجت المؤذنة لطلب النساء في العرس المشهور فاجتمع بمنزل الزوجة أسفل مكّة القضاة الثلاثة خلا الحنفي وقرابة الزوج بني ظهيرة وبعض التجار من أصحاب والده وغيرهم. وألصق الحاضرون على مؤذنتين واحدة لأهل الزوج وثانية للزوجة، فأعطى القاضي الشافعي والقاضي شمس الدين بن عوض المباشر لكل واحدة أشرفيًا سليميًا عن أشرفيين وكذا والد الزوج وبعض الحاضرين وبقيتهم كل
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي. وانظر تفاصيل فتح جزيرة رودس في كتاب الإعلام للنهروالي ص ٣١٥ - ٣١٧؛ وكتاب تاريخ الدولة العلية لمحمد فريد بك المحامي ص ٢٠٣ - ٢٠٦.
[ ١ / ٣٩١ ]
واحد أشرفيًا فضة وبعضهم أقل من ذلك. ثم مد للحاضرين معمولا في صحون فأكلوا وانصرفوا ولعب لهم العيري بالنقارة أمام دار الزوجة بالمسفلة في عصر تاريخه. وعرض أهل السوق إلى منزل الشريف أبي نمي صاحب مكّة بأجياد الكبير، ودقّت النقارة لهم لأجل الزينة سبعة أيام لفتح رودس.
وفي ضحى يوم الأربعاء سابع الشهر اجتمع القاصد الرومي الواصل أمس من فريق الشريف أبي نمي صاحب مكّة في جهة اليمن والقضاة الأربعة والتجار وغيرهم من الخلق بالحطيم أمام البيت الشريف، وقُرئ فيه ثلاثة مراسيم: أولها لصاحب مكّة الشريف أبي نمي وثانيها للقضاة وثالثها للتجار من ملك الأمراء نائب الديار المصرية سليمان الخصي الرومي، مضمونها: الإخبار بنصرة الخنكار الأعظم سليمان خان ابن عثمان خان على الفرنج المخذولين أصحاب [بلغراد] (^١) وأولها كتابة وأفصحها عبارة ومضمونه إخبار الشريف بوصول قاصد من الأبواب الخنكارية المظفرية السليمانية واسمه فرحات وعلى يده مرسوم شريف يتضمن نصرة مولانا السلطان سليمان خان ابن عثمان على الفرنج المخذولين أهل [بلغراد] كان افتتح بلادهم في الزمن الماضي مع أهل رودس على طريقة أسلافه في جهاد المخذولين (^٢).
وكان توجّه إليهم في شهر رجب الفرد من العام الماضي قبل تاريخه [٩٤ ب] فوصل إلى نهرهم المعروف بصيرة (^٣) وهو أكبر من سيحون (^٤) وجيحون (^٥) فنصب مراكب (^٦) عليه وجعل عليه جسرا تعْدُو عليه خيوله المنصورة كل صف عشرين
_________________
(١) بالأصل: بني الأغراض. وهو غلط من الناسخ أصلحه قطب الدين النهروالي بخطه في الهامش مرتين.
(٢) فتح بلغراد: وردت أخبار هذا الفتح في كتاب الإعلام للنهروالي ص ٣١٨ - ٣١٩؛ وكتاب أخبار الدول للقرماني ص ٣١٨.
(٣) النهر المشهور عندهم هو نهر صاوة الواقع قرب بلغراد؛ أو نهر الطونة، القرماني: أخبار الدول ص ٣١٨.
(٤) نهر سيحون: نهر كبير يقع وراء سمرقند يجمد ماؤه شتاء، ياقوت: معجم البلدان ٣: ٢٩٤.
(٥) نهر جيحون: من أنهار ما وراء النهر، ياقوت: معجم البلدان ٢: ١٩٦ - ١٩٧.
(٦) بالأصل: مراكبا.
[ ١ / ٣٩٢ ]
فرسا مقدمهم الوزير الأعظم إبراهيم باشا وصحبته الوزيران مصطفى باشا وإياس باشا، وحاصروا أهل جزيرة هناك تسمى مدة (^١) ثلاثة أيام ثم نصره الله عليهم في ثاني عشر ذي القعدة وافتتحوا بعدها خمس عشرة قلعة ثم قصدوا ملكهم المسمى إسبانيا (^٢) فوجدوه قد جمع من الفرنج المخذولين مائة وخمسين ألف نفس فاستعانوا عليهم بالله تعالى وحاصروهم ثلاثة أيام وانهزم الفرنج المخذولون (^٣) والعساكر المنصورة في آثارهم طالبين وذلك في ثاني عشريْ ذي القعدة المذكور، فضاعف الله لهم الثواب والأجور، وجعل العاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.
ولم تتفق هذه النصرة لأحد من سلاطين الإسلام من أول الزمان إلى الآن فإن بلادهم لم يملكها سلطان المسلمين، وكذا بلاد رودس الملاعين، إلّا الأخير فملكها المسلمون مدة يسيرة. فإني رأيت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي مؤرخ القاهرة أنها فُتحت على أيام معاوية بن أبي سفيان بعث إليها جنادة بن أبي أمية (^٤) وكان فتحها سنة اثنين وخمسين وأقام بها المسلمون سبع سنين وأقام بها مجاهد بن جبر (^٥) يُقْرئ الناس فيها القرآن وعنده نافع ابن امرأة كعب الأحدب، ومات جنادة سنة ثمانين، انتهى.
وسمعتُ أن الفرنج المخذولين ملكوها في زمن يزيد بن معاوية، فاستمرت بأيديهم إلى وقت فتح ملك زماننا لها، فالله تعالى يجعلها دار إسلام إلى يوم القيامة.
وفي المراسيم الأمر بزينة البلاد، وبنصرة وطمأنينة العباد، وتاريخها في العشرين
_________________
(١) لم نجد ذكرًا لجزيرة بهذا الاسم في منطقة بلغراد، وهو خطأ من الناسخ، ولعل الصواب "بدون" انظر كتاب الإعلام للنهروالي ص ٣١٨؛ القرماني: أخبار الدول ص ٣١٩.
(٢) كذا ورد اسم ملكهم في النص، وهو مخالف لما ورد في المصادر التاريخية الأخرى.
(٣) بالأصل: المخذولين.
(٤) هو جنادة بن أبي أمية الدوسي، سكن الشام. ابن حجر: تقريب التهذيب ص ١٤٢.
(٥) مجاهد بن جبر، إمام ثقة في التفسير والعلم، حضر فتح رودس سنة ٥٢ هـ. ابن حجر: تقريب التهذيب ص ٥٢٠.
[ ١ / ٣٩٣ ]
من المحرم. فَسُرّ الناس لسماعها وابتهجوا بأخبارها وضجّوا بالدعاء لمولانا السلطان ولجميع وزرائه والأعوان، فاللَّه تعالى يتقبّل من الجميع ويُديم نصرة المسلمين ويفرّج همهم ويكشف كربهم ويرخّص أسعارهم ويؤمنهم في أوطانهم.
وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه كانت غمرة العروس وهي بنت القاضي شرف الدين الرافعي.
وفي صباحها عُمل سماط متوسط بالمسفلة لزواج العفيف ابن القاضي أبي البقاء بن ظهيرة في بيت شيخ الدلالين محمد العباسي المتوفى لقربه من منزل العروس، وكان فيه أطعمة كثيرة من الرّزّيْن المفلفل والحلو والمأمونية السكب والمشورات والرومية وغير ذلك من الألوان، وحضره القضاة والأعيان والفقهاء والتجار والمتكسبون وغيرهم فأكلوا ثم مدوا للنساء بعدهم على العادة.
ودخل العريس بزوجته في ليلة الجمعة ثاني تاريخه وحضر النّصّة جماعة الزوج من بني ظهيرة ولصقوا عليها كعادتهم، أخلفه الله عليهم، وكان اللصق مثل لصق ليلة المؤذنة.
وفي صبح تاريخه هُنّيء الزوج بالعرس وقدم للناس المعمول والطيب على العادة وتكلّف والد الزوج والوصي على الزوجة (^١) من قبل أمها القاضي شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات المالكي بما تجمّلا به في هذا الوقت لغلو جميع الأسعار، فاللَّه تعالى يخلف عليهما ويجعل المهم مباركًا عليهما، والله تعالى يُرخي الأسعار ويُكثر الخيرات.
وفي صبح يوم الجمعة المذكور عدم الحب من السوق وظهر بعض دخن وذرة بزيادة في سعرهما فبيعت الربعية الدخن بسبعة محلقة صغار والذرة بستة ونصف واللقيمية بتسعة واليمانية بثمانية مع قلة الموجود، فضاقت الصدور والتجأ
_________________
(١) بالأصل: الزوج، والتعديل يتطلبه المعنى.
[ ١ / ٣٩٤ ]
الناس بالدعاء لخالق الوجود، ففرج الله عنهم في آخر النهار بوصول قاصد من جدة وأخبر بوصول جلاب من اليمن والقصير فارتفعت الشدة ونزل السعر بمكة قليلا في كل ربعية نصف محلق.
وأشيع أنّ نائب النائب بجدة الرومي سَعّرَ للجلّابة في بيع الحب بعد ضبط مشتراهم ومصرفهم من الكراء والعشور بالمضاعفة لهم في رأس مالهم، فكان سعر كل ربعية من الدخن بخمسة محلقة صغار والذرة بأربعة ونصف والرطل السمن بثلث دينار. وأمر السوقة بجدة أن يكسبوا في كل ربعية ربع محلق، فانضبط سعرهم بها، فالله تعالى يلهم ولي الأمر بمكة ذلك، ويفرج هم كل قاطن بها وسالك، [وتعب لذلك المحتكرون والحناطون] (^١).
وفي عصر يوم الإثنين ثاني عشر الشهر وقع بمكة مطر قوي وتتابع إلى المغرب فترك زفة المولد قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة بعد تعبئة المفرعات والفوانيس والشمع لها في وسط المسجد الحرام، ثم سكت المطر بعد المغرب فنظفت بعض طرقات المولد الشريف من جهة سوق الليل بأمر الناظر، واستمروا ينظفون الطرقات إلى بعد صلاة العشاء.
وعُملت الزفة بعد صلاة العشاء ولم يتّفق فعلها في هذا الوقت لأحدٍ من أسلافه وغيرهم فيما أعلم لكنه حدث مطر في عدة أيام زمن المولد الشريف في النهار ولم يمنع الزفة بعد المغرب.
ومشى في الزفة مع الناظر جميع القضاة والخطيبان (^٢) الوجيهي عبد الرحمن النويري والمحيوي عبد القادر العراقي ومشى أولهما على ميمنة الحنفي وثانيهما على ميسرة الحنبلي وحضرها كثير من الفقهاء والفقراء والعوام وكانت لطيفية مع وحل
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٢) بالأصل: الخطيبين.
[ ١ / ٣٩٥ ]
الطريق والتكلف.
وخطب في المولد الشهابي أحمد ابن الوجيه عبد الرحمن ابن الشيخ إدريس ابن عبد القوي كعادة سلفهم في تقدم أصغر أولادهم، ودعا للسلطان وصاحب مكّة والناظر على العادة، ثم وقع مطر والقضاة في المولد الشريف فخففوا الزيارة ثم عادوا إلى المسجد الحرام وهم مسرعون خائفون من المطر فسلّمهم الله تعالى إلى أن دخلوا المسجد، ووضعوا المفرعات بالرواق الشمالي أمام باب العباس فقوي المطر، وأمن الناس الضرر والحمد لله، وهذا من النوادر.
وكانت ساعة مباركة تُرجى فيها البركة ودعا هنا الرئيس الصغير عبد السلام لولاة الأمور، فتمّ الخير والسرور. ولقد رأيت شيخ شيوخنا الحافظ المقرئ شمس الدين محمد بن الجزري، رحمه الله تعالى، ذكر في تأليفه "التعريف بالمولد الشريف" (^١) أنه لا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ﵊ ويعملون الولائم لذلك ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر من بركاته كل فضل عميم.
ومما جُرِّب من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة لنيل البغية والمرام، وأكثرهم بذلك عناية أهل مصر والشام، وللسلطان في تلك الليلة مقام، يقوم فيه أعظم قيام.
ثم ذكر حضوره ليلة المولد الشريف سنة خمس وثمانين وسبعمائة (٧٨٥ هـ) عند سلطان مصر الظاهر برقوق في قلعة الجبل وما شاهده من القراء والخلع، وما فعله ملوك الغرب من الليلة التي تسير بها الركبان، ويجتمع فيها أئمة العلماء من كل مكان، وتعلو بها بين أهل الكفر كلمة الإيمان. وكان للملك المظفر صاحب إربل بذلك أتم عناية، واهتمام جاوز الغاية، أثنى عليه لذلك العلامة أبو شامة
_________________
(١) كتاب التعريف بالمولد الشريف لابن الجزري، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ص ٤٢١.
[ ١ / ٣٩٦ ]
في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (^١) وقال: مثل هذا يحسن ويُنْدب إليه، ويُذكر فاعله ويُثنى عليه.
قلتُ: ولو لم يكن في ذلك إلّا إرغام الشيطان، وسرور أهل الإيمان، فإذا كان أهل الصليب اتخذوا مولد نبيهم عيدا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكبير وأجدر، فرحم الله امرأ اتخذ ليالي هذا الشهر المبارك وأيامه أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وأعيى داءً. انتهى كلام ابن الجزري.
وبه تم الاستدلال القوي في تعظيم هذه الليلة الشريفة، خصوصا بمحل البقعة المنيفة، ولا يُعتَدّ بالإنكار على فاعلها لقصد تعظيم الآثار، فالله تعالى يديم السرور، ويطفئ أهل البدع والشرور، ويعيد علينا من بركة صاحب المولد الشريف ﷺ وشرف وكرم وعلى آله الكرام، وصحبه العظام.
وفي ليلة الأربعاء رابع عشر الشهر كُسِفَ القمر في ثلث الليل الأول كسوفا قويا وصلّى له الخطيب الجديد المحيي عبد القادر العراقي بسورة البقرة في أربع ركعات وخطب بعدها خطبة طويلة بليغة جليلة، وسمعتُها منه مع ربط لسانه في تأدية بعض حروفها.