وفي صباحها عُمل عقد مجلس في المسجد الحرام بأمر الحاكم مبارك بن بدر حضره القاضي محب الدين بن ظهيرة الشافعي وجماعة من فضلاء الشافعية في زيادة دار الندوة، منهم الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد النشيلي وشهاب الدين أحمد بن يوسف الزبيدي والفقيه جمال الدين ابن شيخنا عبد الله باكثير الحضرمي والعفيف عبد الله البخاري إمام الحنفية وغيرهم. بسبب دعوى الشيخ
[ ١ / ٣١٢ ]
عبد المعطي بن … (^١) الفوي صهر الشيخ عبد الكبير الحضرمي المكي على جابي بيوت السلطان قانصوه الغوري التي بباب إبراهيم لكونه قرره ولده الناصري محمد في قراءة مصحف وجعل له معلوما في كل سنة أربعة وعشرين (^٢) أشرفيا، ولم يصرفها له المتكلم على الجهات الزيني جعفر ابن الشيخ كمال الدين الفضل بن عبد القوي لكون مُستنيبه قاضي المالكية بالديار المصرية الشرفي يحيى الدميري لم يأمره بها مدة ثلاث سنين واشتكى الجابي عليها النوري علي بن أبي بكر الفيومي جابي أوقاف الزمام عند النوري علي ابن قاضي المالكية بمكة الزيني عبد الحق النويري فأمر الحاكم بدفع المعلوم له فقال: ليس تحت يدي شيء من الجهات وأخذها مني نائب الناظر الزيني جعفر، فحكم بسجنه في سجن الحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر مع خصومته له ولأستاذه القاضي تاج الدين المالكي. فلما وصل إلى الحاكم تكلم على محضر منه له فقال: الشريف أمرني بفصل هذه الخصومة عند القاضي محب الدين بن ظهيرة، فتشوش المالكي وابنه لذلك وكثرت قالاتهم بسببها، فتكلم الجماعة الحاضرون في القضية بعد استئناف الدعوى عند القاضي محب الدين على الجابي فأجاب بما أجاب به أولا عند الحاكم الأول، فرأى القضية لا يفصلها إلّا الصلح وتكلموا مع نائب الناظر والشاهد والجابي في دفع مبلغ ستة عشر دينارا … (^٣) حُملاء الجابي بأربعة والباقي توازعه الحاضرون وأعطوها لعبد المعطي الفوي. وانفضّ المجلس على ذلك وحُمِد القاضي محب الدين على فعله هذا، فالله تعالى يزيده من الخير ويُكثر من أمثاله.
وفي يوم الإثنين ثالث الشهر ولدت سُتيتة ابنة الزيني جعفر بن عبد القوي وأمّها فاطمة ابنة الرئيس بالحرم المكي فخر الدين أبي بكر بن عبد الله الكازروني
_________________
(١) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
(٢) بالأصل وعشرون.
(٣) بالأصل: دينار في.
[ ١ / ٣١٣ ]
الأصل الحنبلي، ولم يرْض والدها بها لكونها بنتا، وتشوّش أهلها لها لكونه تزوج بأمها سرا، لكن الأمر لله تعالى ما شاء فعل، ويؤجر المرء على رغم أنفه.
وفي عشاء ليلة الجمعة سابع الشهر مات صهري زوج أختي العلامة المفتي قاضي المسلمين عين الأماثل المعتبرين محيي الدين أبو المفاخر عبد القادر ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام الجلالي أبي السعادات الأنصاري المالكي بعد توعّكه زمانًا طويلًا بالحمى والسعلة والإسهال، وكان غائبًا في العام الماضي بالديار المصرية فوصل مع الركب بمكة وهو مريض فمكث بها ثلاثة أشهر ويبرز في أثنائها، إلى أن قدّر الله تعالى وفاته شهيدًا بالبطن وهو موقن بالموت وينطق بالشهادة بحضرة أبويه، وتأسّفوا على فقده وفجعوا به مع زوجته وكذا جميع أهله ومعارفه لما كان مشتملًا (^١) عليه من المحاسن الكثيرة والفضائل الشهيرة، فجهز في ليلته وصلّى عليه والده بعد صلاة الصبح أمام باب الكعبة بعد أن نادى له الرئيس بألقاب حسنة، وسجَعات مُتقنَة، بكي لها السامعون، واعتبر بها المعتبرون، لموت مثله في سن الشباب، وكونه صار من العلماء ذوي الألباب. وشيّعه خلق من الأعيان وغيرهم من الفقراء والعامة والغلمان. فكانت جنازته مشهودة، وروحه الزكية الشهيدة مسعودة، فدُفن على قبر جدّته بالمعلاة بالشعب الأقصى، فعُدّ ذلك سعده في الدنيا والأخرى.
وعُملت له ربعة ثلاثة أيام وختم له بالمعلاة على الوجه التام وفاز بالوفاة في ليلة الجمعة الغراء ووقي فتنة القبر وجاء عليه طائع الشهداء كما رواه أحمد والترمذي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر التقي. فالله تعالى يتغمّده بالرحمة والرضوان، ويُسكنه أعالي الجنان، ويرزق والديه وزوجته الصبر عليه ويعظم لهم الأجر ويبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله، فإنه حقيق بذلك لاشتماله على المحاسن كما يعلمه كل قاطن وسالك.
_________________
(١) بالأصل: مشتمل.
[ ١ / ٣١٤ ]
وفي هذه الجمعة طلعت الأسعار في الحب بحيث بيعت الربعية الحجازية بخمسة محلّقة ونصف والدخن والذرة بأربعة محلقة وزيادة. ونادى الحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر بأمر الشريف بركات أن لا يسافر أحد إلى اليمن من العرب البادية ومن دخل منهم إليها يقف عليه في فريقه ليأخذ خطه بالفسحة له. وذلك أنه رأى بعض عرب الليث وأهل فريقه محتاجين الحب لغلوه عندهم، فتضرر العرب لذلك وتركوا ميرة الحب لأهل مكة وقلّ الواصل به من جدة، فالله تعالى يُرخّص الأسعار ويلهم ولاة الأمر العدل والإنصاف.
وفي يوم الإثنين عاشر الشهر وصلت أوراق من الشريف لقاضي المسلمين محب الدين بن ظهيرة يأمره في المشي في زفة المولد على العادة وقال: من حضر معك من الفقهاء حضر، ومن تأخر ما عليك منه. وفي ورقة الحاكم مبارك بن بدر قال في تعريضه فكان ذلك اعتناؤه (^١). وأمر الحاكم ومماليكه المشي معه فتعبّأ لذلك. وسمعنا أنّ سيدي الشيخ العارف بالله تعالى محمد بن عراق، نفع الله به، أرسل ورقة من منى لسكنه بها لشاه بندر جدة الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي يأمره في تبطيل الزفة لكونها بدعة واختلاط الرجال بالنساء مع إيقاد الشموع. فأرسل للقاضي محب الدين بذلك وقال له: جاءتني ورقة الشريف بالفعل ولا يمكنني مخالفة ولي الأمر خصوصًا وهي غرضه، فسكت عن ذلك الخواجا شرف الدين وشرع القاضي محب الدين في ذلك.
وفي (^٢) يوم الثلاثاء حادي عشر الشهر أمر النوري علي بن أبي الوفاء نائب الحسبة أن يُباع الحب بخمسة محلقة، فخالفه بعض السوقة، فضرب بعضهم وحرسه (^٣) فشالوا الحب المليح وباعوا الحب الوطي بالسعر الذي أمر به. فالله تعالى
_________________
(١) كذا وردت الجملة بالأصل.
(٢) كامل هذه الفقرة وردت قبل الفقرة السابقة وعليها علامة تأخير.
(٣) كذا وردت الجملة بالأصل.
[ ١ / ٣١٥ ]
يصلح الأحوال [فإن الرأس إذا صلح صلح الجسد كله] (^١).
وفي ليلة الأربعاء ثاني عشر الشهر كانت زفة المولد الشريف، على العادة، من المسجد الحرام إلى محل المولد الشريف بسوق الليل، وأوقدت شموع الحرم ومفرّعاته وجميع فوانيسه وقْدَة حسنة، واجتمع الفقهاء والعامة ومماليك الشريف فيها أمام القاضي محب الدين الشافعي، فكان على يمينه قريبه القاضي الحنبلي المحيوي عبد القادر بن نجم الدين بن ظهيرة وبجانبه عمّه القاضي بدر الدين وعلى يساره الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري، فلم يتخلف عنه من الأكابر إلّا من له عنده غرض، وفي قلبه مرض، فسلم الناس عليه من مصلاه ومصلّى سلفه خلف مقام الحنفية ومشوا أمامه إلى المولد الشريف، فخطب فيه خطبة العادة ودُعي له فيها، بعد سلطان الروم وملك الأمراء بالديار المصرية والسيد بركات وولده الشريف أبي نمي (^٢) أصحاب الأقطار الحجازية، بقاضي المسلمين ببلد الله الحرام استقلالا، وقاضي القضاة بها - إن شاء الله - مآلا - وناظر المسجد الحرام، والربط والأوقاف والأيتام. وصلّى في المحراب كعادة أسلافه ثم عاد إلى المسجد الحرام وصلّى العشاء أمام باب الكعبة الشريفة بجانب قبة الفراشين ودعا له الرئيس مع تقدم ذكره بدعاء عظيم مشتمل على وصف كريم، فابتهج السامعون به وقرّت أعينهم بسببه، فالله تعالى يزيده من الخير، ويدفع عنه كل شر وضير، فإنه حقيق بالخيرات، لا سيما على المحاسن العديدات.
وفي ليلة الجمعة رابع عشر الشهر عقد الشيخ العلامة الزاهد شهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم النشيلي ثم المكي الشافعي بابنته البكر عائشة على الفقيه العالم الأوحد القاضي محب الدين محمد ابن شيخنا العلامة مفيد الطالبين، زين الدين
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٢) بالأصل: أبو نمي.
[ ١ / ٣١٦ ]
أيوب بن عبد السلام الأزهري الأصل الشافعي وسط الحجر الشريف وحضره جماعة من المباركين والأعيان، وباشر العقد بنفسه والد الزوجة على خمسين مثقالا مقسّطة في كل عام مثقال واحد (^١) فحصلت في العقد حالات مباركة وهي المحل والوقت في الليلة والشهر وحضور الجماعة ووالد الزوج والزوجة وغير ذلك، فالله يجعله مباركا ميمونا.
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه دخل الزوج بزوجته في منزل والده وهنأه الناس بها، فالله تعالى يؤلف بينهما، ويطرح البركة في نسلهما، بمحمد وآله آمين.
وفي عصر يوم الجمعة المذكورة عُملت تهليلة بالمعلاة على قبر محيي الدين عبد القادر المالكي، رحمه الله تعالى، حضرها جماعة من الأعيان والفقراء والإخوان، وأنْشِدَتْ في المجلس مرثية فيه قالها خاله الفقيه العالم الوجيه كمال الدين أبو (^٢) البركات محمد ابن الشيخ العلامة مفتي المسلمين خير الدين أبي الخير بن أبي السعود بن ظهيرة القرشي الشافعي، كان الله له، وكان حاضرا في المجلس، وهي:
يعز على بيت الرئاسة والعلم … وأهل المعالي والفضائل والحلم
رحيل إمام يُتمَ العلم بعده … وكان له أصل منيع من اليتم (^٣)
وحلّ بأهل الفضل بعد غيابهم … بطلعته الغراء كاسفة النجم
وأصبح عقد الدرس منه معطلا … وكان به تالله واسطة النظم
فما المسجد السامي بمكة واجد … نظيرا له فيه يقرّر للعلم
ولا المنبر الأسنى يفوز بمثله … عليه إذا يقري الحديث وفى الختم
ولا ربعه العالي ومن فيه قاطن … بهم بهجة دون الإضاءة بالرسم
_________________
(١) بالأصل: مثقالا واحدا.
(٢) بالأصل: أبي.
(٣) بالأصل: وكان له أصلا منيعا من اليتم.
[ ١ / ٣١٧ ]
فلا غرو أن أضحت عليه مدامع … تفيض من الأجفان من لوعة تضمي
لقد فطر الأكباد داعيه إذ دعا … وأنفذ في الأحشاء سهما لها يدمي
وأسهرت الأجفان غمضة طرفه … وحل بها في الظهر قاصمة العظم
فيالك من خطب سطوتَ على الذي … تفرَّدَ في حوز الفضائل والفهم
فمن بعده للمشكلات وحلّها … أصولًا وتفريعًا وللألغاز في النظم (^١)
وواحسرتي أين المحاسن تلتقي … وصحبته سارت إلى اللحد بالرغم
لقد عزّ وجدان التصبُّر والأسى … عليه مذيب للعظام وللّحم
عليه بكت أم القرى وجهاتها … وسكانها لا بالتصنع والرغم
بكاء على الجدين أثر وقعه … وعارضه المعتاد من ناظري يهمي
فوا أسفي أدري المدافع وهي لا … تفيد إيانا للذي جدّ في العزم
ولا حيلة للمرء في دفع ما قضى … عليه به الرحمن في سابق العلم
فبالمصطفى المختار أوفى تأسيا … لأصليه فيما حلَّ من واقع الحكم
وآجرهما فيه وللأهل كلهم … وأعظمه يا ذا الفضل من فيصل الحلم
وصِنويه أيضا ثم يا رب حُطهما … بفاتحة القرآن واحفظهما واحم
وأوسع لمحيي الدين يا رب نزله … وبالعفو والتكريم إلقه وبالحلم (^٢)
وأسكنه في جناتك الخلد منزلا … عليّا ومن رحماك وفيه في القسم
وأزكى صلاة مع سلام مجدد … على سيّد الرسل الكرام أولي العزم
محمد الهادي ثم حُماته … مع الآل والأصحاب من قائل النظم
وفي يوم الأحد سادس عشر الشهر وصلت لمكة أوراق من جدة فيها الإخبار أنّ معلم الدلالين علي العباسي وصل إلى بندر ينبع وتوجّه لزيارة المدينة الشريفة
_________________
(١) كذا بالأصل. ولعل صوابها وللغز في النظم.
(٢) كذا بالأصل.
[ ١ / ٣١٨ ]
وأخبر أنه ولي وظيفته على عادته وأنّ القاضي زين الدين المحتسب ولي الحسبة والنظر بجدة على عادته وفارقه من السويس، وكذا الخواجا أبو البقاء السكري صهر القاضي تاج الدين المالكي، وهو الذي سعى له في قضاء المالكية بمكة.
وأشيع أنه ولي شاه بندر جدة وأخذ قضاء المالكية لصهره ففرح لذلك جماعة كثيرون واغتم المتولي لذلك، فالله تعالى يريح المسلمين منه ومن أفعاله. ويقال إن شخصا وصل لمكة بحرا وأخبر بموت شيخ الإسلام زكريا، وقد جاوز عمره المائة، في رابع ذي الحجة عام ست وعشرين (٩٢٦ هـ) (^١).
وفي ليلة الثلاثاء ثامن عشر الشهر وصلت أوراق من فريق الشريف الجماعة من التجار فيها الإخبار بوصول المركب الفتحي من كنبايه ونزل منه جماعة قريب الليث وذكروا أنّ خلفهم سبعة مراكب، ثلاثة من كنبايه وأربعة من الديو. فتباشر التجّار بذلك، فالله تعالى يُرخّص أسعار المسلمين، ويُسمعنا ما يسرّ، ويدفع عنّا ما يضرّ، بمحمد وآله آمين.
وفي يوم الجمعة حادي عشري الشهر وصل لمكة قاصد للسيد بركات صاحب مكة يقال له مُسَلَّم بعدّة مراسيم ولشاه بندر جدة الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة علي بن حمزة الحلبي ثلاثة مراسيم أحدها فيه الإخبار بهزيمة نائب الشام جان بردي الغزالي من حلب بعد محاصرة أهلها ثلاثة عشر يوما ورميه مدافع عليهم فأحرق باب المقام، ثم بلغه وصول علي بن سوار في عشرين ألف نفر وبعدد كثير من العساكر الرومية نحو سبعين ألفا عليهم أربع باشات هم فرحات باشا والياس باشا وخسرو باشا وغيرهم وتوجّه إلى جهة الشام وقصدنا ملاقاته بها مع العساكر الواصلة إليه. وثانيها أمره بمساعدة نائب جدة في بناء البرج الشامي بها
_________________
(١) هو زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري القاهري (ت ٩٢٦ هـ / ١٥٢٠ م) من كبار علماء عصره، فقيه محدِّث نحوي جامع لشتى المعارف، له مؤلفات عديدة، العيدروسي: النور السافر ١٢٠ - ١٢٥؛ الزركلي: الأعلام ٣: ٤٦.
[ ١ / ٣١٩ ]
وكذا باب البَرّ منها. وثالثها الوصية بالخواجا أبي البقاء السكري المتولي عوضه شاه بندر جدة.
ووصلت للناس عدة أوراق فيها أن ملك الأمراء نائب الديار المصرية أشيع بعصيان نائب الشام أرسل له قاصدا إلى حلب اسمه فرحات لنائبها فرحات باشا الرومي يأمره بحفظ البلد وكذا الأمير علي بن سوار. ففعلوا ما أمرَهم به قبل وصول نائب الشام لهم، وأن بعض الجراكسة الذين (^١) بمصر كثُر كلامه فقُتل وكذا غيرهم من الأعوان، ونودي في الشوارع بعدم الكلام فيما لا يفيد، واضطربت مصر لذلك وغليت الأسعار، فالله تعالى يُرخّصها على المسلمين.
وفي يوم السبت ثاني تاريخه سافرت قافلة المدينة الشريفة وكبيرها شخص يسمى الخواجا عبد القادر القاري وفيها الكمالي أبو الفضل العُليف وأختاه وزوجة والده، كتب الله سلامتهم وتقبّل مجاورتهم.
وفي هذه الجمعة نودي بالزينة لأخذ جان بردي الغزالي فزينت أسواق مكة ففُعلت، وعبث أتراك الشريف بالمارة فيها وتجاهروا بالمعاصي وتعدّى الضرر في الشوارع، فلا حول ولا قوة إلّا بالله.
وفي صبح يوم الثلاثاء خامس عشري الشهر وصل قاصد من نائب جدة الرومي لأخذ السفرة التي لنائب الشام جان بردي الغزالي المودعة في بيت الخواجا عباس، فاجتمع شاه بندر جدة الخواجا شرف الدين ابن [شيخ] (^٢) الدهشة والقضاة الأربعة بالمسجد الحرام وطلبوا البدري محمد أخا (^٣) عباس وسألوه عنها فقال لهم: في حاصل عليها ختم أمير الشامي، فتهدّدوه بكلمات انزعج لها مع ضعفه، ثم توجهوا معه إلى المنزل وفتحوا الحاصل وأخذوا ما فيه من الصناديق
_________________
(١) بالأصل: الذي.
(٢) كلمة سقطت من الأصل.
(٣) بالأصل: أخي.
[ ١ / ٣٢٠ ]
المرجان والزبرجد (^١) وغير ذلك مما يأتي قدّره أزّيد من عشرين ألف دينار وأرسلوها لجدة، ووضعوا أخا (^٢) عباس في الحديد طول النهار ثم أطلقوه بعد المغرب وأخذوا (^٣) منه عشرة أشرفية ترسيمًا للقاصد الواصل من جدة، ونُسب هذا الفعل لشاه بندر جدة، وعند الله تجتمع الخصوم.
وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه اتفقت قضية للرئيس في بحر الإسكندرية نور الدين علي المغربي وكيل ملك الأمراء بالديار المصرية مع قاضي القضاة بديع الزمان الضياء الحنفي وهي أنّ الرئيس طلب ثبوت محضر كتبه علي في مال غرق ومشاهدة ذلك بشهوده عليه، فتوقف في ذلك وأثبته على القاضي الحنبلي محيي الدين عبد القادر بن ظهيرة، فسأله القاضي بديع عن سبب ثبوته على غيره فقال له: شاهدك قال إنه يطلب مني خمسة أشرفية، فكذّبه القاضي، فرد عليه تكذيبه، فاغتاظ منه القاضي وقام من مجلسه في المسجد وتوجّه إلى حاشية المطاف عند شاه بندر جدة الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي وحكى له سبّه له، فطلبه وسأله عن القضية فوقع بينهما كلمات أدت إلى أن القاضي أمر بكشف رأسه ورفع عمامته تعزيرا له فيما فعله معه، والمغربي يظن أنّ ذلك للصلح، فتوجّه المغربي وقال له (^٤) بعض المغرضين عند القاضي: إنه عزرك بذلك، فقام وقعد وتكلم بكلمات من التهديد وشكواه لنائب الديار المصرية، فسمع القاضي بذلك وعرف مقامه فتشوش من ذلك وصار يظهر التجلّد وتكلم مع شاه بندر جدة في مصالحته فلم يصغ المغربي لذلك وسافر في جمعة تاريخه إلى جدة، فالله تعالى يقدّر للمسلمين خيرًا.
وفي يوم تاريخه وصلت قافلة المدينة الشريفة، وأخْبِر بوصول المركب المسماري
_________________
(١) بالأصل: الزيجفر.
(٢) بالأصل: أخي.
(٣) بالأصل: أخذ.
(٤) كلمتان تكررتا بالأصل.
[ ١ / ٣٢١ ]
إلى الينبع وفيه قمح الصدقة إليها وفيه حَب كثير، فالله تعالى يرخّص أسعار المسلمين.
وفي جمعة تاريخه طلع سعر المساعيد الفينق (^١) إلى ثمانين بمحلق وتضرّر الناس بذلك لكثرتهم وبخسهم.
وفيها شرع الخواجا الكبير بيري الرومي في عمارة بركتي الحاج اللتين (^٢) بالمعلاة وصرف عليهما مالا جزيلا من عنده واشترى نورة فنوّر جدرانَها وسفلها واستمر الشغل في البركة الأولى مدة.
وفي ليلة الأربعاء سادس عشري الشهر وصل إلى مكة زيت الحرم الشريف المكي، وكان وصل بحرا في المركب المسماري إلى ينبع وأرسِل في جلبة إلى جدة، وعادته يصل مع الحاج صحبة الشمع والبطائن التي لأكفان الأموات، فتسلّمه القاضي الشافعي محب الدين بن ظهيرة ووضعه في حاصل الحرم بباب الدريبة وضبطه مع القباني فجاء وزنه ألفا وستمائة واثنين وثمانين رطلا (^٣)، وحمل شمعه وزنَتُه ثلاثمائة وثلاثة وثمانون رطلا، وستون بطانة لأكفان الأموات. وابتهج القاضي بوصوله وعد ذلك من سعدة.