وثبتَ في النهار عند قاضي القضاة الشافعي بشهادة جماعة من أهل مكة والغرباء.
وفي عصره وصل الخبر إلى مكة أن جلبة من زيْلع وصلتْ إلى جدة فأخبرتْ كتُبُها أنّ خلْفهم عدة جلاب، ونزل سعر الحب المصرية إلى أربعة محلّقة.
وفي ليلتها دخل الخواجا بركات الحلبي على زوجته البكر البالغ السيدة أم الحسين ابنة قاضي القضاة نور الدين علي بن الضياء الحنفي المكي في منزله. وقصده الناس للتهنئة بها. واستقلّ الناس عقْل أمّها بما وقع منها في زواج الأولى على الغريب ثم الثانية، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الخميس ثالث الشهر وصل قاصد الأمير قاسم الشرواني ممسك مملوك ترسن بن رجب الرومي لكونه أرسل إلى اليمن فكاتَب في قتل قاصده إليهم، وهو
[ ١ / ١٠٩ ]
يوسف الجاركسي التاجر، فإنه بلغَه مقتله في اللحيّة (^١)، ويقال إن الأمير إسكندر متملك زبيد جهّزه من بلده بعد الإنعام عليه بمائتي دينار ورسم له بعشرة ورق حَبِّ في اللحيّة وأمره أن لا ينزل إلى الساحل خوفا عليه من الأتراك الذين من جهة قاصده الذي أرسل في موسم سنة ٩٢٣ هـ وقتله الأمير مصلح الدين الرومي. فقدّر أنه كان في جلبة فتبعه جماعة وأنزلوه من الجلبة وقتلوه بالحديْدة (^٢) وأخذوا ما معه وقدرها مبلغ سبعة آلاف دينار. فلما سمع رجب بهذا الخبر اختفى، وأشيع أن الأمير إسكندر الجاركسي متملك اليمن وصل إلى جازان لنجدة صاحبها المهدي لرأي القرائر (^٣) على قتال البغاة القُرب (^٤) أهل حلي، وصُحْبته مائة مملوك خيالة وثلاثمائة راجل.
وأشيع أنّ الشريف بركات صاحب الحجاز قصد أهل حلي ووصل إلى محل يقال له دوقه (^٥) وصار بينه وبينهم ثلاثة أيام وأن القرب راسلوا في الصلح فطلب منهم إعطاء الخيل والدروع، فتوقّفوا في ذلك وقالوا: نعطيك مالًا مُقَسّطًا في كل عام، فما رضي بذلك وأرسل إلى مكة لطلب راناه لحفله (^٦) فالله تعالى يلطف به وينصره على عدوه (^٧) فإنه (^٨) بركة الحجاز، والمرجع إليه في الحقيقة لا المجاز.
_________________
(١) اللحية: مدينة وميناء صغير بتهامة اليمن، المقحفي: معجم المدن والقبائل اليمنية ص ٣٥٦.
(٢) الحديدة: أشهر مدن وموانئ تهامة في اليمن، المقحفي: معجم المدن والقبائل اليمنية ص ١١٣ - ١١٤.
(٣) كذا بالأصل.
(٤) القرب: قبائل يمنية.
(٥) دوقة: بلدة جنوب الليث من أرض غامد في طريق الحاج من صنعاء، ياقوت: معجم البلدان ٢: ٤٨٥؛ البلادي: معجم معالم الحجاز ٣: ٢٤٠.
(٦) كذا وردت الجملة بالأصل.
(٧) بالأصل: عدّه.
(٨) كلمة مكررة بالأصل.
[ ١ / ١١٠ ]
وفي يوم تاريخه نزل سعر الحب محلقا وبيعت الربعية المصرية بأربعة محلقة بسبب إشاعة وصول ثلاثة جلاب إلى جدة فيها حب من زيْلع، وأنه وصل إلى عدن ثلاثون جلبة من الهند مشحون سفلها حبًا (^١) فبيع فيها كل ثلاثة رباعي بمحلق، فالله تعالى يحقق ذلك ويُرخّص أسعار المسلمين بجاه سيد الأولين والآخرين (^٢).
وفي صبح يوم الجمعة رابع الشهر شَنَق في المدعى الحاكم بمكة مبارك بن بدر عبْدًا للعرب يقال إنه قتل صغيرًا في الوادي كان يرعى بقرة وأخذها منه وذبحها.
وفي ليلة الأحد سادس الشهر نعي على يوسف الجاركسي زوجته الجديدة زبيدة ابنة إمام الحنفية شهاب الدين البخاري، ودخلتْ العدّة، وذكر أهلها أنه اختلى بها قبل سفره، ولم يُسمع بذلك قبل تاريخه، بل أشيعت (^٣) عنها قبائح، الله تعالى يستر الأحوال، وذلك انتقامًا من الله لأبويها، وأنّ من شقّ جيوب الناس شقّ الناس جيوبه، فنسأل الله السلامة.
وفي ليلة الثلاثاء ثامن الشهر دخل الخواجا المحترم الرئيس تقي الدين أبو بكر بن قرموط الحلبي، الذي والده معلم دار الضرب، على زوجته البنت البالغ كمالية ابنة القاضي تقي الدين محمد ابن قاضي القضاة برهان الدين بن ظهيرة بمنزله في الجمعة الماضية، ونصتْ على أقاربها الرجال والنساء، وألصقوا عليها، ولم يحضر الزوج ذلك بل صلّى العشاء في المسجد الحرام وتوجّه إلى منزلها بحارة بني ظهيرة من السويقة وصُحْبته جميع التجّار من الشاميين والحلبيين في موكب حفل، ودخل عليها بمفرده عند انصراف
_________________
(١) بالأصل: حب
(٢) بالأصل: سيد الأولين والأولين.
(٣) بالأصل: أشيع.
[ ١ / ١١١ ]
النساء.
وفي صباح تاريخه قصده الناس للتهنئة، فالله تعالى يجعل كلًا منهما مباركًا على الآخر بمحمد وآله.
وفي يوم الخميس عاشر الشهر ارتفعت الأسعار في الحسب بل عُدِم في السوق وظهر شيء من اللقيمية (^١) كل ربعية (^٢) بسبعة محلقة، والتخلية والدخن والذرة كل ربعية بخمسة محلقة ونصف.
وسبب ذلك وصول قافلة من جدة وأخبروا بوصول (^٣) جلاب إليها من اليمن فيها حب وأن الوزير بها الجمالي محمد بن راجح احتكرها ومنع بيعها حتى ينفق حَبّه الذي خَزَنه في حواصله، فرماه على السوقة كلّ ربعية بأربعة محلّقة وهم يبيعونه بزيادة نصف، فتضرَّر الناس بذلك، فالله تعالى يزيل ضررهم ويُرخّص أسعارهم.
وفي يوم السبت ثاني عشر الشهر وصل إلى مكة قفل من اليمن فيه سمن كثير بيع المنّ (^٤) بأربعة أشرفية ونصف يستقيم كل رطل بأربعة محلقة إلّا ربعا، وباع السوقة بذلك أول النهار ثم طلّعوا سعره آخر النهار بأربعة محلقة. وظهر في السوق لحم كثير سمين وبيع الرطل الضاني بمحلق والماعز رطل وربع، وكثُر اللبن لكنه غال، وهو أنقص من العادة يسيرًا. وأخبر العرب أن المرعى كثير والخصب مربع لكن غلو الحب أوجبَ غلو الأقوات، فإن المتسببين لها يطلبون نَفَاق ما معهم لدورانه حبا يبيعونه (^٥).
_________________
(١) اللقيمية: نوع من حبوب القمح الجيد ذات سعر مرتفع.
(٢) الربعية: مكيال أكبر من الصاع. الزهراني: أسعار المواد الغذائية بمكة المكرمة ١٠٦.
(٣) بالأصل: وصول.
(٤) المنّ: وحدة للوزن تساوي رطلين.
(٥) كذا وردت الجملة بالأصل.
[ ١ / ١١٢ ]
وفي ثاني تاريخه وصل الخبر إلى مكة أن الشريف بركات وصل إليه الشيخ الطواشي وليّ أهل حلي وأميرهم قيس في طلب الصلح بينه وبين القرب، فقال لهم: لا بد لي مِن دخول بلادهم وأخذ الخيل والدروع منهم، فتوقفوا في إعطائها له حتى تسافر الأتراك من عندهم ويعطونه (^١) عوضها نقدًا، فما رضيَ بذلك، فالله يقدر له وللمسلمين خيرًا.
وأشيع أن الأتراك وأميرهم إسكندر قتلوا صاحب جازان الهندي، ويقال أخوه عز الدين، لكونه طلبهم لنجدة أخيه ومساعدته على القرب، فلما وصلوا لبلد جازان بلغهم أن الشريف ما جاء لليمن إلا لمحاربتهم، فتشوّشوا من صاحب جازان من ذلك. ويقال إنهم قصدوا مواجهة الشريف، فالله تعالى يخذلهم وينصره عليهم.
وسمعتُ أن الشريف أرسل لنائب جدة قاسم الشرواني يطلبه إليه لقتالهم وأنه أشحنَ غرابين بجدة لسفره لليمن. أعانه الله على ذلك وقدّرَ للمسلمين خيرا.
وفي يوم الإثنين رابع عشر الشهر وصل قفل مِن ينبع ومعهم حبّ وتمر وسمن فوجدوا سعر الجميع ناقصًا (^٢) عن رأس مالهم، فإنهم اشتروا الحب من سعر الربعية المصرية بخمسة محلقة وهي في مكة بذلك وخسروا الكراء، والرطل التمر بمحلق وفي مكة رطل وربع، والمن من السمن بستة أشرفية وفي مكة بأربعة ونصف، فخيّبَ الله ظنهم وإنه اجتمع جماعة من المتسبّبين بالخان (^٣) وأولاد العرب فتوجهوا بحرًا لينبع لأجل شراء القوت وتحْكيره، فالله تعالى يخذلهم ولا يربح متجرهم.
_________________
(١) بالأصل: ويعطوه.
(٢) بالأصل: ناقص.
(٣) وردت الكلمة بالأصل غير معجمة.
[ ١ / ١١٣ ]
ووصل معهم من بعض أهل المدينة الشريفة أوراق فيها إخبار بأنّ الحاج الشام الشامي تعرّض له بعض شيوخ بني لام (^١) ويقال له جغيمان (^٢) قريب بلد العُلا ووقعت (^٣) بينهما محاربة ثم اصطلحوا على ثلاثة آلاف دينار، وقيل ثلاثين ألفا يدفعونها (^٤) له عوض ضرره في السنين الماضية. وكان طلب منهم ذلك في مجيئهم فلم يدفعوها، فخاط الناس في ذلك وماطوا وزادوا ونقصوا، فالله تعالى لا يّحقق ذلك ويكتب سلامتهم.
وفي يوم الأربعاء سادس عشر الشهر سافر قفل إلى ينبع وامتاروا من مكة سمنًا كثيرًا فطلع السعر بها كل رطل بأربعة محلقة وربع، وصار لا يوجد في السوق وذلك من عدم الْتِفاتِ الحكّام لهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وسافر صحبتهم جماعة من أهل مكة للسفر إلى القاهرة بحرا لتَعَبهم من جهة غلُو الأقوات، فالله تعالى يرخيها.
وفي يوم الجمعة ثامن عشر الشهر وصل إلى مكة الخبر بأن ثلاثة جلاب من القصير دخلوا بندر جدة فيها حب فنزل السعر بها كل ربعية إلى ثلاثة محلقة ونصف، والإردب باثني عشر أشرفيًا، وبيع الحب بمكة، المصرية الربعية بأربعة محلقة بعد أن بلغت خمسة، والدخن بخمسة محلقة بعد أن بلغ ستة، وكذا غيرهما من الحبوب، فالله تعالى يزيد من رخص الأسعار، فإن الناس هلكوا من غلائها.
_________________
(١) بنو لام: من القبائل التي كانت تعترض الحاج الشامي فلا يتمكنون من الحج إلّا بعد أن يأخذ بنو لام "علوفتهم" وهي أموال يأخذونها حتى يسمحوا للحاج بالمرور. انظر أخبارهم مثلا في كتاب غاية المرام للعز بن فهد وهي كثيرة انظر فهارس الكتاب؛ الجزيري: الدرر الفرائد ص ١٣٧٥.
(٢) بالأصل: جنغمان، وهو خطأ، ففي المصادر الكثيرة ورد اسمه "جغيمان" وهو رئيس قبيلة بني لام المذكورة أعلاه. عُرف جغيمان بقطع الطريق على الحجيج، وتصدى له أمير الشام مرارًا. انظر أخباره في مفاكهة الخلان لابن طولون ٢: ٩١، ٩٦، ٩٧، ١٠٤.
(٣) بالأصل: وقع.
(٤) بالأصل: يدفعوها.
[ ١ / ١١٤ ]
وفي هذه الجمعة ترك أئمة الشافعية القنوت في الصلوات مع وجود النازلة في الغلو وما عرفتُ مقصدهم في ذلك. ولعله تمام الشهر كما اتفق للنبي ﷺ في دعائه على بعض العرب شهرًا، وفي ثامن عشر الشهر كان تمام الشهر.
وفي ليلة الإثنين حادي عشريْ الشهر ماتت سعادة ابنة الشرفي أبي القاسم بن أحمد بن (^١) الدويد المكي زوجة رئيس المؤذنين فخر الدين أبي بكر أم أولاده. فجهّزت في ليلتها وصُلّي عليها عند باب الكعبة بعد صلاة الصبح وشيّعها جماعة من الفقهاء وغيرهم لأجل زوجها ودُفنت بتربة سلفه بشعب النور (^٢) من المعلاة وحزن عليها كثيرًا (^٣) وخلّفتْ ذكرين وبنتا وأخًا. ويقال إنها تركتْ مصاغًا وبعض نقد وهو من همة زوجها لأنه كثير التحصيل والإنفاق على أهله، رحمها الله تعالى وعوض زوجها وأولادها خيرًا.
وفي يوم تاريخه قُطعت يد سارق ورجله بالمسعى بأمر مرشد ابن أخت الحاكم مبارك بن بدر. فلمّا سمع خاله لم يرْضَ بذلك وتكلّم عليه. وظهر في هذه الأيام كثير من السرقة في البيوت والشوارع حتى في أخذ الأبواب والخشب وذلك لجوعهم، فلا قوّة إلا بالله.
وفي يوم الخميس رابع عشريْ الشهر وصل جماعة من المدينة الشريفة مع أوراق لجماعة فيها الإخبار بغلو الأسعار بها، بِيعتْ الربعية الحب المصرية بخمسة محلقة والرطل السمن بخمسة عشر محلقًا والرطل اللحم بمحلقين. وطلب بعض أهلها شراء سمن من مكة
_________________
(١) بياض بمقدار كلمة بالأصل.
(٢) بالأصل: بالشعب النور.
(٣) بالأصل: كثير.
[ ١ / ١١٥ ]
ويخشى من غلوه بها لذلك، فالله تعالى يفرّج عن المسلمين ويرخّص أسعارهم.
وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه ماتت أم الحسين ابنة صاحبنا الخواجا أبي الخير ابن الفريوات الدمشقي وعمرها نحو عشرة أشهر فصلّي عليها بعد صلاة الصبح ودُفنتْ بالمعلاة في تربة بيت المشيني أجداد أمّها، وشيّعها جماعة من الفقهاء والتجار، وبعد الفراغ من دفنها عمل الرئيس فخر الدين أبو بكر ختمًا لزوجته حضَره القاضيان الحنفي والمالكي وكثير من الفقهاء وغيرهم.
وفي صبح يوم الأحد سابع عشري الشهر وصلت أوراق من المدينة الشريفة لجماعة من التجار فيها أخبار شنيعة بأخذ الحاج الشامي بالقرب من العُلا. وذلك أن بعض شيوخ بني لام يقال له جغيمان جمع لهم عرب المفارجة وعنزة وجلس لهم في الطريق فلما حاذوه خرج عليهم فقاتلهم عند محفة زوجة نائب الشام المقر الكافلي جان بردى الغزالي، فقتل من الشاميين نحو سبعين نفسًا وأخذ العرب منهم ألفًا وثمانمائة جمل بحمولها للتجار الشاميين منهم القاضي بدر الدين البكري، وصالَحَ الحلبيون والأروام عن أنفسهم بخمسة عشر ألف دينار حتى سلموا من النهب وأعطوا العرب رهائن (^١) منهم حتى يجْبُوا لهم المال، فقُدّر أنهم جَبَوّا لهم ثمانية آلاف، واستفدى بعض الشاميين حمولهم وحريمهم بِنَقْدٍ غير ذلك منهم القاضي تقي الدين القاري الناظر على أوقاف الحرمين الشريفين بالشام اشترى زوجته وولده بثلاثين دينارًا. ثم بلغ العرب وصول نجدة من الشام لهم نحو خمسمائة رامٍ بالقوس والنفط على رواحل مردفة ووراء هم غير ذلك، فهربوا عنهم بما أخذوه ولم يستكملوا المال. وبعد هربهم وصل إليهم الأمير محمد بن قرقماس وصحبته العساكر المتقدم ذكرها وأخبروا أن نائب الشام وراءهم والله أعلم
_________________
(١) بالأصل: رهائنًا.
[ ١ / ١١٦ ]
بحقيقة الحال فعند سَماع هذه الأخبار تشوّش التجار المقيمون بمكة وغيرهم. فالله تعالى يلطف بالمسلمين، ويكتب سلامة المسافرين، ويختم بخير آمين.
وفي ظهر تاريخه توفي الفقيه الأصيل فخر الدين أبو بكر ابن الشيخ كريم الدين عبد الكريم بن محمد بن ظهيرة القرشي الحنبلي فجهّز في يومه وصلّي عليه عند الحجر الأسود بعد صلاة العصر كعادة بني ظهيرة قريبُه قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وشيّعه خلق من الفقهاء وغيرهم، ودُفن بالمعلاة على قبر أبيه عند تربة الشيخ علي الشولي، وحزن الناس عليه كثيرًا وأثنوا عليه خيرًا. وكان صغير السن عمره نحو ثمان وعشرين سنة، وكان كثير الحشمة والمروءة وطرح التكليف، وخلف أخًا غائبًا بجدة المعمورة وثلاث أخوات، رحمه الله تعالى وعوضهم فيه خيرًا، وعُمِلتْ له رَبعة بالمعلاة صباحًا ومساءً مدة ثلاثة أيام وختم له يوم الرابع وهو يوم الخميس.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشريْ الشهر وصل الخبر من جدة أنّ جلابًا وصلتْ إليها من ينبع فيها بعض أهل مكة، وأخبروا أن جلابًا وصلتْ الينبع من الطور فيها الشهابي أحمد المدعو شحاتة (^١) بن محمد بن عكاش المكي وأخوه بركات، وأخبر أنّ معه ورقتين من مصر مفتوحتين أرسل بهما قاضي القضاة بمكة الجمالي محمد بديع الزمان ابن الضياء الحنفي والزيني عبد الحق النويري المالكي فيهما الإخبار بولايتهما لقضاء مكة عوض مَن فيهما وغير ذلك. فوقع بمكة هرَج ومرَج وصار بعض أصحابهم يؤيد هذا الخبر وبعض الناس يكذّبه لعدم إخبار غيرهما من الحجازيين الذين مصر لذلك. وأشيع أنهما وصلا لمصر في سادس ذي الحجة الحرام من سنة ٩٢٤ التي قبل تاريخها ومعهما مرسومان من الخنكار بولايتهما، والله أعلم بحقيقة الحال.
_________________
(١) بالأصل: سحاته.
[ ١ / ١١٧ ]
وفي هذه الجمعة أشيع أنّ الأمير إسكندر الجاركسي الذي في اليمن رجع من جازان إلى زبيد بسبب ما أوحِيَ إليه بأن صاحب جازان المهدي الذي أرسل يطلبه للنجدة على القرب أهل حلي مواطئ الشريف بركات سلطان مكة على قتاله، فتشوّش منه وأمر أخاه عز الدين بقتْله وأخذ بلاده فتوجّه له إلى منزله على غفلة منه وضرب بعض أخصّائه فنزل إليه ليشفع له فمسكه ووضعه في الحديد ثم عاقبه واستصفى أمواله ثم قتَلَه. وورد بذلك عتاب الشريف بركات إلى مكة، وحصل هذا بسعده لكونه في تلك الناحية وكان يخشى مِن وقوع فتنة هناك فأخمدها الله تعالى برجوع إسكندر إلى محل ولايته. وبعد هذا (^١) الشريف بركات بأهل حلي فانهم مخالفون عليه في الباطن، وفي الظاهر يُظهرون له الطاعة، وراسلوه في ذلك فلم يقبل منهم إلّا أخذ الدرع والفرَس، فالله تعالى ينصره عليهم ويبقيه للمسلمين، فإنه رأس العنقود، وصاحب الراية التي إلى الخير تعود.