هذا الحديث الشّريف لم يَعْنِ به النَّبيُّ - ﷺ - عائشة ﵂، وإنّما قاله - ﷺ - لمّا بلغه أنّ فارسًا ملّكوا ابنة كسرى بعدما هلك كسرى، فقد أخرج البخاري عن أبي بكرة، قال: " نفعني الله بكلمة أيّام الجمل، لمّا بلغ النّبيَّ أنّ فارسًا ملّكوا ابنة كسرى، قال: لن يفلحَ قومٌ ولّوا أمرهم امرأة " (^١).
وظاهر الكلام يوهم بأنّ أبا بكرة ﵁ يُضَعِّفُ رأي عائشة ﵂ في خروجها، وليس الأمر كذلك؛ فالمشهور أنّه كان على رأي عائشة في طلب الإصلاح، لكنّه لمّا رأى ما آلت إليه الأمور اعتزل القتال مستفيدًا من حديث النَّبيِّ - ﷺ - في حَقِّ ابنة كسرى، وغلب على ظنّه أنّهم سَيُغْلَبُون على أمرهم.
فإن قال قائل: لكنَّ الحديث يفهم منه العموم؛ لأنّ كُلًّا من كلمة (قوم) وكلمة (امرأة): نكرة وقعت في سياق النَّفي فتعمّ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب، كما هو معلوم في الأصول؟ فالجواب: أنّ المراد بالولاية: الولاية العامّة لا الولاية الخاصة، والصّحابة لا يجهلون أنّ المرأة لا تتولى الإمارة، وعائشة لم تكن تتولى إمرة أحد من المسلمين لا ولاية عامّة ولا خاصّة! والرّوايات الّتي تصّور عائشة أنّها كانت تقود جيشًا لا تصحّ.
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٤/ج ٨/ص ٩٧) كتاب الفتن.
[ ١٦٢ ]
فإنْ قالوا: لكنّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: " يخرج قوم هلكى لا يفلحون قائدهم امرأة " فالجواب أنّ هذا حديث منكر لا يصحّ عن رسول الله - ﷺ - والهلكى هم الّذين وضعوا هذا الحديث الهالك، فقد ذكره الألباني في " سلسلة الأحاديث الضّعيفة "، وقال: " منكر " (^١). وذكره الهيثمي في " مجمع الزّوائد " وقال: " رواه البزّار، وفيه عمر بن الهجنع ذكر الذّهبي في ترجمته هذا الحديث في منكراته " (^٢).