ولم تصحّ الروايات في أنّ عليًّا وعمّارًا ﵄ حَضَّا أهل الكوفة إلى الخروج لقتال أمّ المؤمنين عائشة، وأنّه خرج إلى البصرة لملاقاتها ، وأُضْرِبُ عن هذه الرّوايات علمًا منّا ببطلان سندها ومتنها، إذ لا فائدة تُرجَى من ذكرها، وما صحّ ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن زياد الأسديّ، قال: " لمّا سار طلحة والزّبير وعائشة إلى البصرة بعث عليّ عمّار بن ياسر، وحسن بن عليّ، فقدما علينا الكوفة، فصعدا المنبرَ، فكان الحسنُ ابنُ عليّ فوقَ المنبر - في أعلاه - وقام عمّار أسفل من الحسن، فاجتمعنا إليه، فسمعتُ عمّارًا يقول: إنّ عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنّها لزوجةُ نبيّكم - ﷺ - في الدّنيا والآخرة، ولكنّ الله ﵎ ابتلاكم ليعلم إيّاه تطيعون أم هي " (^٥).
وكانت خطبته هذه قبل حادثة الجمل ليكفّهم عن الخروج معها ﵂، ولعلَّ الضَّميرَ في الحديث " إيّاه " يعود على الله تعالى، والمراد اتّباع حكمه، فهو القائل: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (٣٣)﴾ [الأحزاب] ليمنعهم من الخروج معها. فإذا كان يعود على
_________________
(١) الأدبب: الكثير وبر الوجه.
(٢) ابن حجر " فتح الباري " (م ١٣/ص ٤٥).
(٣) ابن حجر " المطالب العالية " (م ١٨/ص ١٢٣/رقم ٤٤٠٠).
(٤) " مختصر إتحاف السّادة المهرة " (م ٥/ص ٤٥١/رقم ٨٣١٠) كتاب الفتن.
(٥) البخاري " صحيح البخاري " (م ٤/ج ٨/ ص ٩٧) كتاب الفتن.
[ ١٥٣ ]
عليّ ﵁ فالمعنى اتّباع حكم الله في طاعة الخليفة، وليس في الحديث دعوة للخروج مع عليّ ﵁ لمقاتلة أحد.
وأخرج عن الحكم عن أبي وائل قال: " قام عمّار على منبر الكوفة فذكر عائشةَ، وذكر مسيرها، وقال: إنّها زوجةُ نبيّكم - ﷺ - في الدّنيا والآخرة، ولكنّها ممّا ابتُليتُم " (^١).
ومراد عمّار ﵁ أنّ الحقّ مع عليّ ﵁، وأنّ عائشة ﵂ مخطئة في خروجها واجتهادها، ومع ذلك ما بَدَّلتْ وما خرجت عن الإسلام بما يجعلها تفارق النَّبيَّ - ﷺ -، ويمنعها من أن تكون زوجته - ﷺ - في الدّنيا والآخرة، وما كان عمّار ليشهد لها أنّها زوجة النَّبيِّ - ﷺ - في الآخرة إلاّ لشيء سمعه أو علمه، فضلًا عن علمه بحسن نيّتها، وأنّها متأوّلة مجتهدة مصيبة لأجر الاجتهاد، وأنّ خروجها ابتلاء من الله تعالى، وأنّ العبد يبتلى على قَدْر دينه.
وهذا القول من عمّار وشهادته بالفضل لعائشة ﵂ واعتذاره عنها، وعدم بخسها حقّها يدلّ على علمه وورعه وتقواه وإنصافه لعائشة ﵂ وتحرّيه الحقّ قولًا وعملًا؛ فمع أنّه كان يدعو لعليّ إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من التّحدّث بمنقبة عائشة ﵂، وفي ذلك مدّكر لمن أراد أن يدّكر؛ فهذا يكشف عن معادن أصحاب رسول الله - ﷺ - الخيّرة، فقد قال النَّبيُّ - ﷺ -:
" النّاسُ معادنُ كمعادِنِ الفضّة والذّهب، خِيَارُهُم في الجاهليّة خِيارُهُم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنودٌ مُجنّدةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " (^٢).
أمّا مَنْ يتعلّل بما رواه البخاري عن عمرو أنّه سمع أبا وائل يقول: " دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمّار حيث بعثه عليّ إلى أهل الكوفة يستنفرهم " (^٣) ويظنّ أنّ عليًا - رضي الله
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري" (م ٤/ج ٨/ ٩٧) كتاب الفتن.
(٢) مسلم بسنده إلى يزيد بن الأصمّ عن أبي هريرة بحديث يرفعه " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٨/ج ١٦/ص ١٨٥) كتاب البرّ والصّلة والأدب.
(٣) البخاري " الصحيح " (م ٤/ج ٨/ ص ٩٨) كتاب الفتن.
[ ١٥٤ ]
عنه - يستنفر أهل الكوفة لقتال عائشة ﵂ فهذا لا يَصِحُّ، فالخليفة عليّ ﵁ يعرف أنّ خروج عائشة ﵂ من أصله كان قدرًا مقدورًا، فقد حذّرها النَّبيُّ - ﷺ - في حياته من الخروج، وسمع عليّ ﵁ هذا التّحذير، وسمع طلب النَّبيِّ - ﷺ - منه أن يرفق بها، فقد أخرج الحاكم بإسناد صحيح عن سالم بن أبي الجعد عن أمّ سلمة ﵂، قالت:
" ذَكرَ النَّبيُّ - ﷺ - خروج بعض أمّهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال: انظري يا حُمَيْرَاء (^١)، ألاّ تكوني أنت، ثمّ التفت إلى عليّ، فقال: إنْ وليتَ من أمرها شيئًا، فارفقْ بها " (^٢).
فكيف يصحّ القول بأنّ عليًّا ﵁ كان يحرّض على قتالها، وقد أمره النَّبيُّ - ﷺ - بالرّفق بها؟! وإنّما استنفر عليّ ﵁ أهل الكوفة لأنّه خَشِيَ على عائشة ﵂ فخرج ومن معه إلى البصرة ليجتمع بعائشة ﵂ ويعيدها إلى مأمنها.
فقد أخرج أحمد بإسناد حسن عن أبي رافع أنّ رسول الله - ﷺ - قال لعليّ بن أبي طالب: " إنّه سيكون بينك وبين عائشة أمر، قال: أنا يا رسول الله؟! قال: نعم، قال: أنا؟! قال: نعم، قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فارْدُدْهَا إلى مَأْمَنِها " (^٣).
فالله تعالى أطلع نبيّه - ﷺ - على ما يقع بين عليّ وعائشة، فالنَّبيُّ - ﷺ - كان يعلم أنّ أمرًا (حدثًا) سيقع بينهما، وليس معركة كما يصّورون ويهوّلون! ولم ينهَ النَّبيُّ - ﷺ - عليّا ولا عائشة؛ لأنّه يعلم أنّ هذا الأمر واقع بأمر الله ليظهر عذرهما، وإنّما نبههما وأوصى عليّا بها، فالله تعالى إذا أراد شيئا هيّأ الأسباب له.
_________________
(١) تصغير حَمْراء ويفيد التحبُّب.
(٢) الحاكم " المستدرك " (ج ٣/ ص ١١٩) كتاب معرفة الصّحابة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٣) أحمد " المسند " (ج ١٨/ص ٤٦٨/رقم ٢٧٠٧٦).
[ ١٥٥ ]
ومن الرّوايات الّتي تطمئنّ القلوب لمتنها، والّتي تبيّن قصد عليّ ﵁ من الخروج إلى البصرة، ما أخرجه الطّبري بإسناد ضعيف عن محمّد وطلحة، قالا: " لمّا أراد عليّ الخروج من الرّبذة إلى البصرة قام إليه ابن لرفاعة بن رافع، فقال: يا أمير المؤمنين أي شيء تريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال: أمّا الّذي نريد فالإصلاح إن قبلوا منّا وأجابونا إليه، قال: فإن لم يجيبونا إليه؟ قال: ندعهم بعذرهم ونعطيهم الحقّ ونصبر، قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فَنَعَم إذًا " (^١).
وكان عليّ ﵁ محقًا في خروجه؛ فقد استطاع أن يعيد أمّ المؤمنين إلى مأمنها عملًا بوصيّة النَّبيِّ - ﷺ - له، أخرج الحاكم عن عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: " لمّا سار عليّ إلى البصرة دخل على أمّ سلمة زوج النَّبيِّ - ﷺ - يودّعها، فقالت: سِرْ في حفظ الله وفي كنفه، فوالله إنّك لعلى الحقّ والحقّ معك، ولولا أنّي أكره أن أعصي الله ورسوله فإنّه أمَرَنا - ﷺ - أن نقرّ في بيوتنا لسرتُ معك، ولكن والله لأرسلنّ معك من هو أفضل عندي وأعزّ عليّ من نفسي ابني عمر" (^٢).