قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٩) .
ورسول الله ﷺ هو سيد الحفاظ وأولهم للقرآن الكريم ومن بعده أصحابه ﵃ وهناك قواعد معينة على الحفظ تتمثل في الآتي:
إخلاص النية، وإصلاح القصد، وجعل حفظ القرآن الكريم والعناية به من أجل الله ﷾، والفوز بالجنة، وحصول مرضاة الله تعالى، ثم يأتي تصحيح النطق والتلاوة ومن أهم الطرق الفعالة في ذلك السماع من قارئ مجيد، أو حافظ متقن وأخذ القرآن منه بالتلقي مشافهة، ثم تأتي تحديد نسبة الحفظ كل يوم، حسب القدرة والاستطاعة وعزم الطالب المتعلم ومستواه العلمي، ثم لا يجوز للحافظ أن ينتقل إلى مقرر جديد في الحفظ إلا إذا أتم تمامًا حفظ المقرر القديم، وذلك ليثبت ما حفظه تمامًا في الذهن، ومما يعين تمامًا على الحفظ فهم الآيات المحفوظة، ومعرفة وجه ارتباط بعضها ببعض، وربطها بالحياة والسلوك اليومي، ثم لا يتجاوز الحافظ سورة حتى يربط أولها بآخرها، ويتدرب على تسميعها بصورة كاملة أي يهتم بالمراجعة والتسميع الدائم لما حفظه من القرآن الكريم. وهذا الأمر يتطلب من الحافظ المتابعة الدائمة، إنه بهذه المتابعة الدائمة لما هو محفوظ من القرآن يستمر
[ ١٧ ]
الحفظ ويحصل الأجر والثواب في ازدياد ثم الاهتمام والعناية بالمتشابهات حيث القرآن متشابه في معانيه وألفاظه وآياته (١) .
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الزمر:٢٣) .
والأسلوب التربوي الفعال في حفظ القرآن الكريم يركز على تلك القواعد السابقة مع تشويق الطلاب لحفظ كتاب الله تعالى، وقراءته دائمًا دون كلل أو ملل، واحتساب الأجر من الله تعالى، مع الاهتمام بتشجيع الطلاب وتقديم الجوائز المادية والمعنوية وربط ذلك بمدى حفظ المتعلم وإتقان التلاوة والفهم لمعاني الآيات وربطها بالحياة اليومية.
وعلى المعلم الاهتمام بالتفسير والفهم للآيات القرآنية وربطها بشؤون الحياة كلها مع ضرب الأمثال وذكر القصص والحكايات وكل ما يؤدي إلى التشويق وتحبيب القرآن إلى النشء.
إضافة الى التركيز على الأخلاق الحميدة، والسلوك القويم والترتيب والنظام والمحافظة على الوقت ولكن في حدود العدل والرحمة والعطف على المتعلم والتسامح معه حسب ما يراه المعلم من تحقيق الهدف من حفظ القرآن واستمرار المتعلم على حفظه ومساعدته على مداومة الدراسة، وذلك بحسب ما يراه المعلم من ظروف المتعلم ومتطلبات العصر.
_________________
(١) عبد الرحمن بن عبد الخالق، القواعد الذهبية لحفظ القرآن الكريم، الرياض: مطابع لينه، ١٤٠٧هـ، ص ٨ – ١١.
[ ١٨ ]
ومنتهى الشرف، وغاية المجد والسبق هو حفظ القرآن الكريم كاملًا لوجه الله تعالى مع العمل به والتمسك بحبله المتين، فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: " يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند أخر آية تقرؤها " (١) .
وكما يذكر الخطابي وكما جاء في الأثر أن درج الجنة بعدد آي القرآن العظيم، فمن قرأ جزءًا من القرآن كان رقيه في درج الجنة على قدر ذلك، ومن قرأ القرآن كله استولى في رقيه على أقصى درج الجنة في يوم الآخرة، وبذلك يكون منتهى ثواب القارئ للقرآن الكريم عند منتهى قراءته (٢) .
ومما يساعد على الحفظ لكتاب الله تعال تقوى الله ﷿ في السر والعلن يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٨٢) .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ «الطلاق: ٢-٣) .
وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (الطلاق: ٤–٥) .
وحفظ القرآن يشمل إقامة حدوده كما جاء عن ابن مسعود ﵁ (٣) لأن إقامة الحدود تشمل فعل المأمورات، وترك المنهيات.
_________________
(١) أحمد بن حنبل، مسند أحمد، مرجع سابق، جـ٢، ص ١٩٢.
(٢) المنذري، الترغيب والترهيب، مرجع سابق، جـ٢، ص٣٥٠.
(٣) مجد الدين أبو السعادات المبارك، النهاية في غريب الحديث والأثر، بيروت: المكتبة الإسلامية، ١٤٠٠هـ، ص ٢٧٤.
[ ١٩ ]
ولهذا فإن الأسلوب التربوي الفعال في حفظ القرآن الكريم هو المبنيُّ على تقوى الله تعالى ورجاء مغفرته وعطائه فالأمر والخلق له ﷾.
وعلى المسلم صغيرًا كان أم كبيرًا، رجلًا أم امرأة الحرص على ما يستطيع من حفظ القرآن الكريم، وإن كان الحفظ على يد حافظ فهو أولى، وأجدر للحفظ، مع الاستفادة من الأشرطة المسجلة للقرآن العظيم، ولأن في حفظ كتاب الله تعالى خيرًا كثيرًا، وأجرًا عظيمًا، إذ ما لا يدرك كله لا يترك كله، فالقرآن نور وشفاء لما في الصدور، فقد جاء في الحديث الشريف: "إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (١) .
_________________
(١) محمد بن عيسي الترمذي، مرجع سابق، أخرجه الترمذي في ثواب القرآن، جـ٥، ص ١٧٧، ورقم الحديث ٢٩١٣.
[ ٢٠ ]