"من الأحاديث التي رويت في الأحرف السبعة":
فصل: نذكر فيه جملا من الأحاديث، التي رويت في الأحرف السبعة تدل على صحة ما قدمنا ذكره
الذي نكره في هذا الباب هو ما اشتهرت الرواية به، وذكره اسماعيل القاضي١، وأبو جعفر الطبري٢.
وغيرهما ممن هو أعلى درجة منهما.
نقتصر في ذلك على متون الأحاديث، دون الأسانيد، اختصارا وإيجازا، إن شاء الله.
قد ذكرنا ما روى من قصة "عمر ﵁"، مع هشام بن حيكم بن حزام٣، وأن عمر سمعه يقرأ سورة الفرقان على غير قراءته، التي أقرأه رسول الله "ﷺ" / ١١ش إياها.
قال عمر: فكدت أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه، فجئت به إلى النبي "ﷺ"، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ سبقت ترجمته. ٣ سبقت ترجمته.
[ ١٠٥ ]
قال عمر: فقال له رسول الله "ﷺ": "اقرأ"، فقرأ القراءة التي سمعته يقرؤها.
فقال رسول الله "ﷺ": "هكذا أنزلت".
ثم قال لي: "اقرأ"، فقرأت، فقال: "هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا بما تيسر منه".
وروى قيس مولى عمرو بن العاص: أن رجلا قرأ آية على عهد رسول الله "ﷺ"، فقال عمر: إنما هي كذا وكذا بغير ما قال الرجل. فقال الرجل: كذا أقرأناها، رسول الله "ﷺ"، فقال عمر: وهكذا أقرأناها رسول الله "ﷺ".
فخرجا إلى النبي "ﷺ" حتى أتياه. فقال أحدهما: يا رسول الله، آية كذا وكذا، فقرأ عليه، فقال:
"صدقت".
وقال الآخر: يا رسول الله، قد أقرأتناها على نحو ما أقرؤها. فقال رسول الله "ﷺ":
"بلى، إن هذا القرآن أنزل على سبعة حرف، فبأي ذلك
[ ١٠٦ ]
قرأتم أصبتم، فلا تماروا فيه ١، فإن مراء فيه كفر".
وروى أبو جهم: أن رجلين اختلفا في آية في كتاب الله، فقال أحدهما: تلقيتها من رسول الله "ﷺ"، وقال الآخر: تلقيتها من رسول الله.
فأتيا النبي "﵇"، فذكرا ذلك له فقال:
"إن القرآن يقرأ على سبعة أحرف، إياكم والمراء، فإن المراء في القرآن كفر".
وعن ابن أبي ليلى٢: أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ"، قرأ أحدهما آية، فأنكرها الآخر فقال له:
من أقرأكها؟ فقال: رسول الله.
فقال الآخر: النبي أقرأني كذا وكذا.
فقال أحدهما: اذهب بنا إلى أبي بن كعب فذهبنا إليه فسألاه، فقرأ أبي خلاف ما قرأ، فقال: من أقرأكما؟.
فقالا: النبي "ﷺ".
_________________
(١) ١ فلا تماروا فيه: فلا تشكوا فيه. والمراء الشك. ٢ هو، عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، الكوفي عرض القرآن على أبيه عن علي. وعرض عليه أخوه محمد بن عبد الرحمن القاضي. وثقه ابن معين "طبقات القراء: ١-٦٠٩".
[ ١٠٧ ]
قال أبي: فدخلني الشيطان، فقال:
اذهبا بنا إلى رسول الله "ﷺ". فجاءوا إلى النبي "ﷺ".
فقال لأحدهما: "اقرأ"، فقرأ. ثم قال للآخر: "اقرأ"، فقرأ:
فقال: "أحسنتما".
قال أبي: فدخلني أمر الجاهلية، حتى عرف النبي ذلك في وجهي، فضرب في صدري، وقال:
"اخسأ عنك الشيطان".
قال أبي ففضت عرقا، ولكأني أنظر إلى ربي فرقا١.
قال النبي: "إني أتاني آت من ربي، فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد
فقلت: يا ربي خفف عن أمتي.
ثم أتاني آت من ربي فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد.
فقلت: يا ربي خفف عن أمتي".
ثم كذلك في الثالثة والرابعة، فقال:
_________________
(١) ١ فرقا: خوفا.
[ ١٠٨ ]
"اقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكل ردة ١ مسألة".
فقلت: "يارب، اغفر لأمتي، يارب اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة شفاعة لأمتي".
وفي رواية أخرى: /١٢ ى أنه قال:
"ما من أحد إلا يطمع فيها حتى إبراهيم خليل الرحمن".
وعن المقبري٢، عن أبي هريرة٣، أن النبي "ﷺ" قال:
"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر ﵀ بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة".
_________________
(١) ١ الردة بالكسر الاسم من الارتداد وهو الرجوع، وبالفتح المرة الواحدة من الارتداد. ٢ المقبري: هو، أبو سعيد كيسان. وهذ النسبة إلى المقبرة كان يسكن بالقرب منها فنسب إليها، انظر: "للباب في تهذيب الأنساب ١-٣٦٨". ٣ هو، عبد الرحمن بنصخر أبو هريرة الدوسي الصحابي الكبير "﵁" أسلم هو وأمه سنة سبع، وأخذ القرآن عرضا عن أبي بن كعب، وعرض عليه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وأبو جعفر، وتنتهي إليه قراءة أبي جعفر ونافع، توفي سنة سبع وقبل سنة ثمان وخمسين. وله ثمان وسبعون سنة "طبقات القراء: ١-٣٧٠".
[ ١٠٩ ]
وعن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه، أن جبريل "﵇" قال:
يا محمد، اقرأ القرآن على حرف.
قال ميكائيل: استزده، فاستزاده، حتى بلغ سبعة أحرف.
فقال:
اقرأ القرآن على سبعة أحرف، وكل شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب برحمة، وآية رحمة بعذاب.
وعن زر بن حبيش١ عن أبي بن كعب أنه قال:
لقى رسول الله "ﷺ" جبريل، ﵉ عند أحجار المر٢، فقال له النبي:
"إني أرسلت إلى أمة أميين، فمنهم الشيخ الكبير، والعجوز، والشيخ الفاني"، فقال له جبريل:
إن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
_________________
(١) ١ زر بن حبيش بن حباشة، أبو مريم ويقال: أبو مطرف الأسدي الكوفي، أحد الأعلام، أدل الجاهلية ولم ير النبي ﷺ، وهو من كبار أصحاب ابن مسعود، وكان عالما بالقرآن قارئا فاضلا، توفي سنة ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وعشرين سنة. "انظر طبقات القراء جـ٢-٢٩٤ والاستيعاب جـ٢-٢٦٣". ٢ في المخطوطة "المرمى" والصواب ما أثبته، والمرا: موضع بقباء "انظر ص: ١٨ من فضائل القرآن لابن كثير الملحق بالجزء الثاني من تفسيره".
[ ١١٠ ]
وعن ابن شهاب١ عن سلمة، عن أبيه أن النبي "ﷺ" قال لابن مسعود: "إن الكتب كانت تنزل من باب واحد، وعلى حرف واحد، وإن هذا القرآن أنزل من سبعة أبواب، وعلى سبعة أحرف"، الحديث.
وعن أبي هريرة، أن النبي "ﷺ" قال:
"أنزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء فيه كفر، ثلاث مرات، فما قرأتم منه، فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه".
وقال علقمة النخعي٢:
_________________
(١) ١ هو، محمد بن مسلم بن شهاب أبو بكر الزهري، المدني أحد الأئمة الكبار، وعالم الحجاز الأنصاري تابعي، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، قرأ على أنس بن مالك، ولد سنة أربع عشرين ومائة بشغب آخر حد الحجاز وأول حد فلسطين "انظر طبقات القراء: جـ٢-٢٦٢". ٢ علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك، أبو شبل النخعي الفقيه الكبير، ولد في حياة النبي ﷺ، وأخذ القرآن عرضا عن ابن مسعود، وسمع من علي وعمر وأبي الدرداء وعاشة. وأن أشبه الناس بابن مسعود سمتا وهديا وعلما، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن مات سنة اثنتين وستين "طبقات القراء: ١-٥١٦".
[ ١١١ ]
لما خرج عبد الله بن مسعود من الكوفة، اجتمع إليه أصحابه فودعهم، ثم قال:
لا تنازعوا في القرآن، فإنه لا يختلف، ولا يبلى، ولا ينفد لكثرة الرد. وإن شريعة الإسلام، وحدوده وفرائضه واحدة.
ولو كان شيء من الحرفين ينهى أحدهما عن شيء، ويأمر به الآخر لكان ذلك اختلافا، ولكنه جامع ذلك كله، لا تختلف فيه الحدود، ولا الفرائض، ولا شي من شرائع الإسلام.
ولقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول الله "ﷺ"، فيأمرنا فنقرأ عليه فيجيزنا، أن كلنا محسن.
ولو أعلم أحدًا أعلم بما انزل الله على رسوله مني، لطلبته حتى أزداد علمه إلى علمي.
ولقد قرأت من لسان رسول الله "ﷺ"، سبعين سورة، وقد كنت أعلم أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان، حتى كان عام قبض، فعرض عليه القرآن مرتين، فكان إذا فرغ أقرأ عليه فيجيزني أني محسن. فمن قرأ على قراءتي فلا
[ ١١٢ ]
يدعنها رغبة عنها. ومن قرأ على شيء من هذه الحروف، فلا يدعنه رغبة عنه، فإنه من جحد آية جحد به كله.
وعن ابن عباس: أن رسول الله "ﷺ"، قال:
"أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده، فيزيدني حتى أنتهي إلى سبعة أحرف".
-/ ١٢ ش قال ابن شهاب:
بلغني أن تلك السبعة الأحرف، إنما هي الأمر الذي يكون واحدا، لا يختلف في حلال ولا حرام.
وروت أم أيوب١ أن رسول الله "ﷺ".
قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، أيها قرأت أصبت".
_________________
(١) ١ أم أيوب: بنت قيس بن سعد بن قيس بن عمر بن امرئ القيس بن مالك الأغر، ذكر محمد بن عمر أنها أسلمت، وبايعت رسول الله "ﷺ" "طبقات ابن سعد ٨-٣٦٢".
[ ١١٣ ]