لم يقف الباحث في حدود بحثه الضيق على بحث متأصل تناول ضَوَابِطَ تَسْجِيِلِ القُرْآنِ ببحث علمي مستقل متكامل من جميع الجوانب، ولكن جاء تناول بعض تلك الضوابط ضمن جمع القرآن في مراحله الثلاث في عدد من البحوث العلمية، أو ذكره تنويهًا لا دراسة ومناقشة وتحقيقًا في البعض الآخر منها.
ومن أبرزها تلك الدراسة ما يلي:
الدراسة الأولى: الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم، أو، المصحف المرتل: بواعثه ومخططاته، المؤلف: الدكتور/ لبيب السعيد، الناشر: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر-القاهرة، تاريخ النشر: ١٣٨٧ هـ، ١٩٦٧ م، (د. ط).
وصف البحث:
يُعد هذا البحث هو طليعة باكورة أعمال الجمع الصوتي للقرآن الكريم في هذا العصر، وهذه المرحلة تعد المرحلة الرابعة لجمع القرآن، بعد
[ ٧١ / ١٠ ]
جمعه في عهوده الثلاثة.
ويعود تاريخ هذا الجمع لأكثر من ستة عقود مضت من الزمان، حين تبلورة فكرته في قلب وعقل الدكتور النبيل/ لبيب السعيد (ولد سنة: ١٩١٤ م
_________________
(١) وتوفي سنة: ١٩٨٨ م)، والذي قام على الفور بعرض فكرته ومشروعه العملاق-الذي لم يسبق له أحد في تاريخ الإسلام- على مجلس إدارة الجمعية العامة للمحافظة على القرآن الكريم بالقاهرة، والتي كان وقتها رئيسًا لمجلس إدارتها، وكان ذلك تحديدًا في أواخر فبراير أو أوائل مارس ١٩٥٩ م، والذي جاء بحثه (الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم) ترجمة علمية وعملية لهذا المشروع الأول في نوعه في تاريخ الإسلام، والذي تولت طباعته دار الكتاب العربي بالقاهرة سنة ١٣٨٧ هـ كما أسلفنا. والحقيقة أيضًا أن هذا البحث مع كونه بحثًا تاريخيًا يحكي قصة أول جمع صوتي للقرآن في تاريخ الإسلام، ويبين فيه الباحث قصة جمعه وبواعثه وأسبابه وأهدافه وغاياته، والمعوقات التي واجهته حتى تحقق حلمه وخرج مشروعه إلى النور، ومع أنه قدم أئمة الإقراء في تسجيل تلاوات مشروعه، غير إنه - ﵀- لم يتعرض لضوابط تسجيل القرآن، غير إن لب بحثه وباكورة عمله فيه تترجم الكثير من هذه الضوابط عمليًا ولو لم يشر إليها لفظًا وخطًا. الدراسة الثانية: "جمع القران في مراحله التاريخية من العصر النبوي إلى العصر الحديث"، تأليف: محمد شرعي أبو زيد، رسالة ماجستير، كلية الشريعة، جامعة الكويت، سنة النشر: ١٤١٩ هـ. وصف البحث: هذا البحث يُبرِز عناية المسلمين بحفظ القرآن من عهد النبوة إلى الآن، ويُؤكِّد أن نقل القرآن حظِيَ بأقصى درجات العناية من المسلمين، ويرُدُّ على شبهات الطاعِنِين من أعداء الإسلام على نقل القرآن الكريم، ولجودة البحث وحسن صياغته وجودة عرضه وسبك أسلوبه وقوة حجته قد أفاد منه الكثير من الباحثين ونهلوا منه. والباحث قد تناول الجمع الصوتي للقرآن في الباب الخامس من بحثه، فناقش فيه: فكرته وأهدافه وقيمته وخطته وتنفيذه وتقويمه -فحسب- وذلك لأنه بحث فرعي وجزء من أطروحة علمية، وأما ضوابط تسجيله وشروطه فلم يتعرض لها، لأن أهداف بحثه متعلقة بمسماه: "جمع القران في مراحله التاريخية من العصر النبوي إلى العصر"، وقصد من مناقشة الجمع الصوتي بداية فكرته وخطة تنفيذه إلخ الدراسة الثالثة: التسجيل الصوتي للقرآن- دراسة نقدية-، بقلم: الدكتور/ كمال قده،
[ ٧١ / ١١ ]
أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية وآدابها،، بحث منشور- بمجلة البحوث والدراسات، العدد السابع، لعام: ٢٠٠٩ م، التابعة لمعهد اللغات والآداب، المركز الجامعي - جامعة حمه لخضر- بالوادي- الجزائر.
وصف البحث:
وهذا البحث لا يعد بحثًا علميًا، بل يعد مقالًا أو ورق بحثية لأنه بحث مختصر للغاية إذ يحتوي على ١٨ صفحة فقط، وهو كما يقول مؤلفه: يعالج موضوع التسجيل الصوتي للقرآن منذ بداية ظهوره إلى وقتنا الحاضر، حيث يتناول فيه مؤلِفه أهمية تلك التسجيلات التي سجلت لكبار القرآن.
كما تناولت دراسته- تلك- نقد المصاحف المرتلة فكشف فيها عن بعض الأخطاء التي وقعت في بعضها، حتى ينتبه لها السامع ولا يسلم لكل ما يسمع، كما نادى بعرض تلك التسجيلات على لجان متخصص قبل بثها ونشرها.
وهذا البحث مع صغر حجمه فقد أجاد فيه الباحث وأفاد، فقد نقد بعض الأخطاء الظاهرة التي وقع فيها بعض القراء، وقد نوه على أهمية الإفادة من تسجيلات كبار القراء، وقد أحسن وأجاد في التنبيه على عدم الاعتماد على تلك التسجيلات في التعلم لأنها وسائل معينة، ولا تعد مصدرًا لتلقي القرآن وتعلمه وحدها، ولا شك أن سماع تلك التسجيلات مفيدة غاية الإفادة للمتعلم غير إنها لا تعد مصدرًا للتلقي ولا يعتمد عليها في التعلم وحدها، إذ لابد في التعلم من التلقي مشافهة من أفواه المعلمين والمشايخ المهرة كما تلقى النبيُ -ﷺ - القرآنَ عن جبريل -﵇-، وكما تلقاه عنه أصحابُه - ﵃، وكما تلقاه التابعون عن الصحابة، وهكذا نقل القرآنُ بالتواتر والمشافهة من جيل إلى جيل حتى وصل إلينا هكذا.
وكان على الباحث وجوب مراعاة جوانب هامة والانتباه لها، ومن أبرزها ما يلي:
١ - نقده بعض الأخطاء الظاهرة التي وقع فيها قراء بأعيانهم وأسمائهم، وكان الأولى له التنويه على الأخطاء دون ذكر اسم القارئ، لأنه لا يسلم من الخطأ إلا معصوم مؤيد بالوحي.
٢ - ادعاؤه أن بحثه: "يعالج موضوع التسجيل الصوتي للقرآن منذ بداية ظهوره إلى وقتنا الحاضر"، فالناظر في بحثه يجد أن هذا القول في واقع البحث غير متطابق مع مسماه، بل يجده بعيدًا عنه كل البعد ذلك لأنه لم يتعرض لهذا الموضوع ولم يتناوله بالبحث والمدارسة غير إنه ألمح إليه إلماحًا- فحسب - والذي يبدو أن قصر البحث له دور بارز في ذلك، والله أعلم.
[ ٧١ / ١٢ ]
٣ - كان على الباحث لزامًا وجوب مناقشة ضوابط تسجيل القرآن وبحثها ومدرساتها من جميع الجوانب، لأن موضوع بحثه هو: "التسجيل الصوتي للقرآن- دراسة نقدية" والحقيقة أنه لم يتناول ضوابط تسجيل القرآن، وهذه الضوابط بينها وبين التسجيل الصوتي علاقة تلازم، غير إنه تكلم عن وجوب العناية بضبطه وقت تسجيله - فحسب-، وهذا غير كاف البتة ..