اعلموا أن التجويد لا يتمكن والتحقيق لا يتحصل إلا بمعرفة حقيقة النطق بالمتحرك، والمسكن، والمختلس، والمرام، والمشم، والمهموز، والمسهل، والمحقق، والمشدد، والمخفف، والممدود، والمقصور، والمبين، والمدغم والمخفى، والمفتوح، والممال. وأنا أبين ذلك كله، وأدل على حقيقته، وأكشف عن خاص سره، وأنبه على موضع غموضه، من غير إطناب ولا إسهاب، إن شاء الله تعالى.
فأما المحرك من الحروف بالحركات الثلاث: الفتحة والكسرة والضمة فحقه أن يلفظ به مشبعًا، ويؤتى بالحركات الثلاث كوامل، من غير اختلاسٍ ولا توهينٍ يؤولان إلى تضعيف الصوت بهن، ولا إشباعٍ زائدٍ ولا تمطيطٍ بالغٍ يوجبان الإتيان بعدهن بألف وياء وواو غير ممكناتٍ فضلًا عن الإتيان بهن ممكنات.
وأما المسكن من الحروف فحقه أن يخلى من الحركات الثلاث ومن بعضهن، من غير وقفٍ شديدٍ، ولا قطعٍ مسرفٍ عليه سوى احتباس اللسان في موضعه قليلًا في حال الوصل.
وأما المختلس حركته من الحروف فحقه أن يسرع اللفظ به إسراعًا يظن السامع
[ ٩٧ ]
أن حركته قد ذهبت من اللفظ لشدة الإسراع، وهي كاملة في الوزن، تامةً في الحقيقة، إلا أنها لم تمطط لا ترسل بها، فخفي إشباعها ولم يتبين تحقيقها.
وأما المرام حركته من الحروف عند الوقف أو في حال الوصل فحقه أن يضعف الصوت بحركته، أي حركةٍ كانت، ولا يتم النطق بها، فيذهب بذلك معظمها، ويسمع لها صويتٌ خفي، يدركه الأعمى بحاسة سمعه، وهو مع ذلك في الوزن محركٌ.
وكذا المخفى حركته من الحروف سواء، قال سيبويه: المخفى بوزن المظهر. وقال غيره: هو بزنته إلا أنه أنقص صوتًا منه. وحقيقته في اللغة السترة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إن الساعة آتيةٌ أكاد أخفيها﴾، أي أسترها. والمخفى شيئان حرفٌ وحركةٌ، فإخفاء الحرف نقصان صوته، وإخفاء الحركة نقصان تمطيطها.
وأما المشم من الحروف في حال الوصل أو الوقف فحقه أن يخلص سكون الحرف ثم يومى بالعضو، وهما الشفتان، إلى حركته ليدل بذلك عليها من غير صوت خارج إلى اللفظ، وإنما هو تهيئةٌ بالعضو لا غير، ليعلم بالتهيئة أنه يراد المهيأ له، ولا يعرف ذلك الأعمى، لأنه لرؤية العين. ويختص به من الحركات الرفع والضم، لا
[ ٩٨ ]
غير، لأنهما من الواو، والواو تخرج من الشفتين وفيهما تعالج.
قال أبو عمرو: فأما الإشمام في قوله: قيل: وسيء، ونظائرهما، على مذهب من أشم أوله الضم دلالةً على الأصل، فحقه أن ينحى بكسرة فاء الفعل المنقولة من عينه نحو الضمة، كما ينحى بالفتحة من قوله: (من النار) و(من نهار) وشبههما، إذا أريدت الإمالة المحضة نحو الكسرة، فكذلك ينحى بالكسرة إذا أريد الإشمام نحو الضمة، لأن ذلك كالممال سواء. وهذا الذي لا يجوز غيره عند العلماء من القراء والنحويين.
وأما المهموز فحقه أن تخرج همزته مع النفس إخراجًا سهلًا، بغير شدةٍ ولا كلفةٍ ولا عنفٍ ولا صعوبة، وذلك لا يتحصل للقراء إلا بالرياضة الشديدة والدرس المشبع.
والهمزة إذا سهلت وجعلت بين بين أشير إليها بالصدر إن كانت مفتوحة، وإن كانت مكسورة جعلت كالياء المختلسة الكسرة، وإن كانت مضمومةً جعلت كالواو المختلسة الضمة، من غير إشباعٍ. وتلك الكسرة والضمة هي التي كانت مع الهمزة، إلا أنها مع الهمزة أشبع منها مع الحرف المجعول خلفًا منها.
ومعنى بين بين أي بين الهمزة المحققة وبين الحرف الساكن الذي منه حركتها، فالمفتوحة بين الهمزة والألف، والمكسورة بين الهمزة والياء الساكنة، والمضمومة بين الهمزة والواو الساكنة، فهي ضعيفةٌ ليس لها تمكن المحققة ولا خلوص الحرف الذي منه حركتها، وهي في الوزن محققةٌ، إلا أنها بالتوهين والتضعيف تقرب من
[ ٩٩ ]
الساكن، ولذلك لا يبتدأ بها كهو، فإن أبدلت ثبت المبدل منها دونها إما مظهرًا وإما مدغمًا، وإن ألقي حركتها على ساكن قبلها تحرك بها، وذهبت هي من اللفظ رأسًا، لسكونها وتقدير سكون الحرف المحرك بحركتها، فكانت بالحذف أولى لاستثقالها وزوال حركتها.
وأما الممدود فعلى ضربين: طبيعي ومتكلفٍ، فالطبيعي حقه أن يؤتى بالألف والياء والواو التي هي حروف المد واللين ممكناتٍ على مقدار ما فيهن من المد الذي هو صيغتهن، من غير زيادة ولا إشباع. وذلك إذا لم تلق واحدة منهن همزةً ولا حرفًا ساكنًا، ويسمي هذا الضرب القراء مقصورًا، لأنه قصر عن الهمزة الموجبة لزيادتها في الإشباع لخفائها وشدتها، أي حبس عنها ومنع منها. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حورٌ مقصوراتٌ في الخيام﴾، أي محبوسات. ويقدرونه مقدار ألفٍ إن كان ألفًا، ومقدار ياء إن كان ياء، ومقدار واو إن كان واوًا.
والمتكلف حقه أن يزاد في تمكين الألف والياء والواو على ما فيهن من المد الذي لا يوصل إلى النطق بهن إلا به، من غير إفراط في التمكين ولا إسراف في التمطيط. وذلك إذا لقين الهمزات والحروف السواكن لا غير. وحقيقة النطق بذلك أن تمد الأحرف الثلاثة ضعفي مدهن في الضرب الأول. والقراء يقدرون ذلك مقدار ألفين إن كان حرف المد ألفًا، ومقدار ياءين إن كان ياء، ومقدار واوين إن كان واوًا، لما دخلته من زيادة التمكين، وإشباع المد دلالةً على تحقيقه وتفاضله.
[ ١٠٠ ]
أما المبين من الحروف فحقه إذا التقى بمثله وهما متحركان أو بمقاربه وهو متحركٌ أو ساكنٌ أن يفصل بينهما، ويبان عنهما، من غير قطعٍ مسرفٍ ولا سكتٍ شديدٍ، مع إخلاص سكون الساكن وإشباع حركة المتحرك.
وأما المدغم من الحروف فحقه إذا التقى بمثله أو مقاربه، وهو ساكن، أن يدخل فيهما إدخالًا شديدًا، فيرتفع اللسان بالحرفين ارتفاعةً واحدة، لا فصل بينهما بوقف ولا بغيره، ويعتمد على الآخر اعتمادةً واحدة، فيصيرا بتداخلهما كحرف واحد لا مهلة بين بعضه وبعضه، ويشد الحرف ويلزم اللسان موضعًا واحدًا، غير أن احتباسه في موضع الحرف، لما زيد فيه من التضعيف، أكثر من احتباسه فيه بالحرف الواحد.
والحرفان المتقاربان إذا أدغم أحدهما في الآخر قلب الأول منهما إلى لفظ الثاني قلبًا صحيحًا، وأدغم فيه إدغامًا تامًا، هذا ما لم يكن للأول صوتٌ يبقى، نحو صوت النون والتنوين إذا أدغم في الياء والواو، وصوت الطاء إذا أدغمت في التاء، وبقي ذلك الصوت مع الإدغام، فإن الأول لا يقلب قلبًا صحيحًا، ولا يدغم إدغامًا
[ ١٠١ ]
تامًا، إذ لو فعل ذلك به لذهب ذلك الصوت بذهابه لعدم وجوده في غيره.
ويخرج كل حرف مدغم من مخرج المدغم فيه، لا من مخرجه، وذلك من حيث القلب إلى لفظه، فاعتمد اللسان عليه دونه.
ومعنى الإدغام إدخال شيء في شيء وتغييبه فيه، مأخوذٌ من قول العرب: أدغمت الفرس اللجام، إذا أدخلته في فيه. وقال بعض أهل اللغة: الدغم التغطية وقد دغمه إذا غطاه.
وأما المخفى فعلى نوعين: إخفاء الحركات، وإخفاء النون والتنوين. فأما إخفاء الحركات فحقه أن يضعف الصوت بهن ولا يتم، وقد بينا ذلك قبل. وأما إخفاء النون والتنوين فحقه أن يؤتى بهما لا مظهرين ولا مدغمين، فيكون مخرجهما من الخياشيم لا غير، ويبطل عمل اللسان بهما، ويمتنع التشديد لامتناع قلبهما، وذلك إذا لقيا حروف اللسان غير الراء واللام، وسترى هذا مبينًا ممثلًا -إن شاء الله- في موضعه.
وقال لي الحسين بن علي، قال لنا أحمد بن نصر: المخفى ما تبقى معه غنة.
وأما المفتوح فحقه أن يؤتى به بين منزلتين، بين التفخيم الشديد الذي يستعمله أهل الحجاز في نحو: الصلاة والزكاة فينحون بالألف نحو الواو، من شدة التفخيم، وهذه اللغة لا تستعمل في القرآن لأنه لا إمام لها، وبين الإمالة المحضة
[ ١٠٢ ]
التي يستعملها القراء، وهي التي دون الكسر الصحيح.
وأما الممال فعلى ضربين: مشبعٍ وغير مشبع. فالمشبع حقه أن يؤتى به بين الكسر الشديد الذي يوجب القلب لشدته وليس له إمامٌ، وبين الفتح الوسط الذي ذكرناه ووصفنا حقيقته. وغير المشبع حقه أن يؤتى به بين الفتح الوسط وبين الإمالة التي دون الكسر. ويسمي القراء هذا الضرب بين اللفظين، وهما المذكوران.
قال أبو عمرو: فجميع ما ذكرناه ووصفنا حقيقته من الأصول التي تتكرر، والفروع التي تتردد، فالقراء مضطرون إلى علمه ومعرفته، ولا يتحقق لهم ذلك بالمشافهة ورياضة الألسن، لغموضه وخفي سره، وبالله التوفيق.
[ ١٠٣ ]