قال أبو عمرو: اعلموا أن كل حرف من حروف القرآن يجب أن يمكن لفظه، ويوفى حقه من المنزلة التي هو مخصوص بها، على ما حددناه وما نحدده، ولا يبخس شيئًا من ذلك، فيتحول عن صورته ويزول عن صيغته، وذلك عند علمائنا في الكراهة والقبح كلحن الإعراب الذي يتغير فيه الحركات وينقلب به المعاني. كما حدثني الحسين بن شاكر السمسار، قال: حدثنا أحمد بن نصر، قال: سمعت ابن مجاهد يقول: اللحن في القرآن لحنان: جلي وخفي، فالجلي لحن الإعراب، والخفي ترك إعطاء الحرف حقه من تجويد لفظه.
[ ١١٨ ]
قال الحسين، قال لنا أحمد: كان ابن مجاهد، ﵀، لعلمه بتفاوت الناس في العلم بالقراءة وقصور أفهامهم يستثبت كثيرًا ممن يقرأ عليه في قوله ﴿قمطريرا﴾ وأشباهه، لأن منهم من يجعل الميم نونًا، قال: وغنة الميم والنون عند الباء تشتبه، ولا يكاد من لا يعرف أن يفرق بينهما في قوله تعالى: ﴿من أنبأك هذا﴾، وقوله ﴿كنتم به﴾ ونحوها في اللفظ.
قال لي الحسين، قال لي أحمد: وجدت جماعةٌ قرأوا على شيخنا وعلى غيره من القراء لا يفرقون بين (ألنا) و(أسلنا). قال أبو عمرو: والفرق بينهما أن لام الفعل في (ألنا) نون، وفي (أسلنا) لام. وكانتا قبل اتصالهما بالضمير الذي هو النون والألف متحركتين، وقبلهما ألف منقلبة عن ياء، لأن الأصل كان فيهما (ألان وأسال)، فلما اتصلتا بالضمير سكنتا تخفيفًا وسقطت الألف قبلهما لسكونها وسكونهما، واندغمت في النون في (ألنا) لتماثلهما، كما اندغمت فيها كذلك في (لعنا، وآمنا، ولكنا) وشبهه، ولم يندغم فيها لذلك في (أسلنا) لاختلافهما وكون سكون اللام عارضًا، كما لم يندغم فيها لذلك في (أرسلنا، وبدلنا، وقلنا) وشبهه، فتشديد النون في (ألنا) وتخفيفها في (أسلنا) هو الفرق بينهما في اللفظ كما بيناه، ومثلهما في البيان والإدغام والتخفيف والتشديد في
[ ١١٩ ]
قوله: ﴿فزيلنا بينهم﴾ و﴿كذلك زينا﴾ سواء، فاعلمه.
قال أبو عمرو: وقد أودعت هذا الباب من حروف التجويد جملةً سائرةً، وألفاظًا دائرةً، تخفى حقيقتها على أكثر القراء، وتعزب كيفية النطق بها على جماعة من أهل الأداء، ورتبتها على مخارجها حرفًا حرفًا، وكشفت عن خاص سرها، ونبهت على موضع غموضها ليقاس ما لم أذكره عليها، وترد نظائرها إليها، إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.
ذكر الهمزة:
وهي حرف مجهورٌ، بعيد المخرج، شديدٌ، لا صورة له، وإنما تعلم بالشكل والمشافهة، ولبعد مخرج الهمزة لا يكون قارئًا من لا يستشعر بيانها في قراءته، ولثقلها صار فيها التحقيق والتخفيف بين بين والبدل والحذف، وليس ذلك لشيء من الحروف غيرها، فينبغي للقارئ إذا همز الحرف أن يأتي بالهمزة سلسلةً في النطق، سهلةً في الذوق، من غير لكزٍ ولا ابتهارٍ لها، ولا خروجٍ بها عن حدها، ساكنةً كانت أو متحركةً.
والناس يتفاضلون في النطق بالهمزة على مقدار غلظ طباعهم ورقتها فمنهم من يلفظ بها لفظًا تستبشعه الأسماع وتنبو عنه القلوب، ويثقل على العلماء بالقراءة، وذلك مكروهٌ، معيبٌ من أخذ به، وقد حدثني الحسين بن علي البصري، حدثنا
[ ١٢٠ ]
أحمد بن نصر، حدثنا ابن مجاهد، حدثنا محمد بن عيسى المقرئ، حدثنا محمد بن يزيد، قال: سمعت أبا بكر بن عياشٍ يقول: إمامنا يهمز (مؤصدة) فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته يهمزها.
حدثنا عبد العزيز بن أبي غسان، حدثنا عبد الواحد بن عمر، حدثنا أحمد بن إسحاق التنوخي، قال حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود عن ابن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش، أنه كان يكره شدة النبر، يعني الهمز في القراءة.
ومنهم من يخرج الهمزة مع النفس إخراجًا سهلًا، بغير كلفة، يألفه طبع كل أحدٍ، ويستحسنه أهل العلم بالقراءة، وذلك المختار، ولا يقدر القارئ عليه إلا برياضة شديدة.
وحدثني الحسين بن علي السمسار، حدثنا أبو بكر الشذائي، قال: سمعت ابن مجاهدٍ قال: حفظت عن عبد الله بن محمد بن شاكر، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: سمعت الحسين بن علي الجعفي يقول: سمعت حمزة يقول:
[ ١٢١ ]
إنما الهمز رياضة. قال: قال أبان بن تغلب: فإذا أحسنها الرجل سهلها، أي تركها بعد، إن شاء الله تعالى.
ذكر الألف:
وهو حرفٌ هاوٍ، مجهورٌ، لا معتمد له في شيء من أجزاء الفم، كالنفس، وإنما هو صوتٌ في الهواء، ولذلك نسب إلى الجوف.
فإذا لم يلق همزةً ولا حرفًا ساكنًا، مظهرًا أو مدغمًا، أشبع اللفظ به، وأعطي من المد والتمكين بمقدار ما فيه من ذلك، مما هو صيغته من غير زيادة في الإشباع ولا تكلفٍ في التمطيط. وذلك نحو قوله: ﴿وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾، و﴿الحمد لله رب العالمين ﴿، و﴿أوذينا﴾، و﴿أوتينا﴾، و﴿العادون﴾، و﴿العالين﴾، و﴿من القالين﴾، وما أشبهه.
وكذلك إن وقع في حروف الهجاء طرفًا نحو الراء من (الر)، و(المر)، والهاء والياء من ﴿كهيعص﴾، والطاء والهاء من ﴿طه﴾، والياء من ﴿يس﴾ والحاء من ﴿حم﴾، وما أشبهه.
[ ١٢٢ ]
وإن لقي همزةً أو حرفًا ساكنًا، مظهرًا أو مدغمًا، زيد في تمكينه وإشباع مده، بيانًا للهمزة لخفائها، وليتميز بذلك الساكنان أحدهما من الآخر ولا يجتمعا.
وكذلك حكم الياء المكسور ما قبلها، والواو المضموم ما قبلها، مع الهمزة والساكن ومع غيرهما كحكم الألف سواء. وذلك نحو قوله: ﴿أولئك﴾، و﴿خائفين﴾، و﴿شاء الله﴾، و﴿يا أيها﴾، و﴿ثلاثة قروءٍ﴾، و﴿قالوا آمنا﴾، و﴿بريءٌ﴾، و﴿بريئون﴾، و﴿يا بني إسرائيل﴾، وما أشبهه، هذه الهمزة.
وأما الحرف الساكن المظهر فنحو: الكاف والصاد والعين في ﴿كهيعص﴾، واللام والميم في ﴿الم﴾، والسين من ﴿يس﴾، والنون من ﴿ن والقلم﴾، وما أشبهه من حروف الهجاء إذا كان الحرف على ثلاثة أحرف، والأوسط منها ألف أو واو أو ياء.
وأما الساكن المدغم فنحو ﴿ولا الضالين﴾ و﴿العادين﴾ و﴿لا آمين﴾، ﴿ولا جان﴾، و﴿الدواب﴾، و﴿صواف﴾، و﴿من يشاق الله﴾، و﴿ومن حاد الله﴾ وما أشبهه. وكذلك ﴿واللذان﴾، و﴿أتعدانني﴾،
[ ١٢٣ ]
و﴿أتحاجوني﴾، و﴿فبم تبشرون﴾، و﴿أتمدونن﴾، و﴿تأمروني﴾، وما أشبهه، على قراءة من شدد. وقد زعم بعض أهل الأداء أن هذا الضرب من الممدود أنقص مدًا، لأنه يعدل حركة.
وبعض أهل الأداء يجعل ما كان مدغمًا من حروف الهجاء في غيره أشبع مدًا مما هو مظهر منها بحال الإدغام، إذ كان الصوت يتصل فيه وينقطع في المظهر، وذلك نحو اللام من (الم، والمر، والمص) وكذلك السين والنون من (طسم) و﴿يس والقرآن﴾ و﴿ن والقلم﴾ في مذهب من أدغمه في الميم والواو. وكذلك الصاد من ﴿كهيعص﴾، في مذهب من أدغم الصاد في الذال.
وبعضهم يسوي بين المدغم والمظهر في الإشباع لكون الموجب له موجودًا في الضربين، وهو التقاء الساكنين.
[ ١٢٤ ]
ومن أهل الأداء أيضًا من يشبع مد الميم في قوله ﴿الم الله﴾، في أول آل عمران، على مذهب الجميع، غير عاصم من رواية الأعشى، عن أبي بكر عنه. وفي أول العنكبوت، على مذهب ورش عن نافع، اعتمادًا على تقدير سكونها، ومنهم من لا يشبع مدها اعتدادًا بحركتها. وكذا منهم من لا يبالغ في إشباع مد العين في قوله ﴿كهيعص﴾، و﴿عسق﴾ لانفتاح ما قبل يائها، ومنهم من يبالغ في إشباع مدها لأجل الساكنين، والمذهبان في الكل جيدان صحيحان.
قال أبو عمرو: وقد جاء عن حمزة في تمييز المد مع الهمزة ما لا يؤخذ به، إذ لا يصح عنه أداء.
ذكر الهاء:
وهي حرفٌ خفيٌ، مهموسٌ، فإذا أتت ساكنةٌ أو متحركةٌ فينبغي للقارئ أن ينعم بيانها، من غير تكلف ولا ابتهار، وذلك نحو قوله: ﴿مستهزؤون الله يستهزئ بهم﴾، و﴿عهدًا﴾، و﴿من اهتدى﴾، و﴿ليهلك من هلك﴾، و﴿زهرة﴾، و﴿جهرةً﴾، و﴿اهتزت﴾، و﴿كالعهن﴾، وما أشبهه.
وكذا إن وقع بعدها حرف من حروف الحلق، نحو قوله: ﴿إن الله على﴾، و﴿ما قدروا الله حق قدره﴾، و﴿آلله خير أما﴾، ﴿ولله غيب السماوات﴾، وما أشبهه. وكذلك ﴿كتابيه إني
[ ١٢٥ ]
ظننت﴾، و﴿سلطانيه خذوه﴾، على مذهب من أثبت الهاء في الوصل، بناء على الوقف.
فإن سكنت والتقت بمثلها من كلمة أو كلمتين أدغمت من غير تكلف شديد، وذلك نحو قوله ﴿أينما يوجهه﴾، ﴿ومن يكرههن﴾، وكذا ﴿ماليه. هلك عني سلطانيه﴾ على مذهب من جعلها كالأصلية وأثبتها في الحالين.
فإن جاءت ضمير المذكر ولم تلق ساكنًا وانضمت وصلت بواو في اللفظ، وإن انكسرت وصلت بياءٍ تقويةً لها لخفائها، ثم حذفت تلك الصلة، إذا وقف عليها، لأنها زائدة، فلو أثبتت لاشتبهت بالحرف الأصلي اللازم، وذلك كالتنوين الذي يصحب الاسم في الوصل ويفارقه في الوقف، لذلك المعنى. فالموصولة بالواو نحو قوله ﴿خلقه﴾، و﴿أمره﴾، و﴿رسله﴾، و﴿نجعله﴾، و﴿يخلفه﴾، وما أشبهه. والموصولة بالياء نحو ﴿بمزحزحه﴾، و﴿أمه﴾، و﴿به﴾، و﴿برسوله﴾ وما أشبهه.
فإن كانت غير ضمير لم يجز أن توصل، نحو ﴿ما نفقه﴾، و﴿فواكه﴾ وما أشبهه.
وحال الهاء من قوله (هذه) حال هاء المذكر، توصل بياء، وتحذف عند الوقف،
[ ١٢٦ ]
لشبهها من جهة الإضمار والزيادة.
والمثلان إذا التقيا في كلمة أو كلمتين وتحركا أنعم تفكيكهما، ولخص بيانهما من غير هذرمةٍ ولا تمطيطٍ، كقوله تعالى: ﴿جباههم﴾ و﴿على وجهها﴾، و﴿وجهه﴾، و﴿فيه هدى﴾. وكذا ﴿لا أبرح حتى﴾، و﴿وقع عليهم﴾، و﴿من يبتغ غير الإسلام﴾، وكذا ما أشبه من سائر الحروف.
ذكر العين:
وهو حرف مجهور، فإذا جاء ساكنًا أو متحركًا أنعم بيانه وأشبع لفظه، من غير شدة ولا تكلف، نحو قوله: ﴿يعمهون﴾ و﴿فرجعناك﴾، و﴿رفعناه﴾، و﴿لا تعتذروا﴾، و﴿الأعمى﴾، و﴿فاخلع نعليك﴾، و﴿يعرفونه﴾، و﴿تعرفهم﴾، وما أشبهه.
وكذا إن التقى بشيء من حروف الحلق، نحو قوله: ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾ و﴿ارجع إليهم﴾، ﴿ودع أذاهم﴾، و﴿فاتبعها﴾، و﴿فلا تطعهما﴾، و﴿ولا تطعه﴾، و﴿ألم أعهد إليكم﴾، و﴿كأن لم يسمعها﴾، و﴿فأتبعه﴾، و﴿ومن يتبع خطوات الشيطان﴾، و﴿فبايعهن﴾، ﴿ويتبع غير﴾، ﴿واسمع غير مسمعٍ﴾ وما أشبهه.
وكذا إن التقى بالثاء والفاء والتاء والشين والصاد وسائر حروف الهمس لخص وبين، وإلا ربما انقلب حاء، لما بين الحاء وبينهن من المشاركة في الهمس، نحو
[ ١٢٧ ]
قوله تعالى: ﴿يوم البعث﴾، و﴿لا بعثكم﴾، و﴿ولا تعثوا﴾، و﴿أعثرنا﴾، و﴿فاعفوا﴾، ﴿وليعفوا﴾، و﴿يعفون﴾، و﴿فاعترفوا﴾، و﴿فاعتلوه﴾، و﴿يعتدون﴾، و﴿ولا تعتدوا﴾، و﴿يا معشر﴾، ﴿ومن يعش﴾، و﴿معشار﴾، ﴿ومن يعص﴾، و﴿إعصار﴾، و﴿المعصرات﴾، و﴿يعصرون﴾، و﴿أمتعكن﴾، و﴿يمتعكم﴾، وشبهه.
فإن التقى بمثله، وهو ساكن، أدغم من غير تكلف، كقوله: ﴿ما لم تستطع عليه﴾، وشبهه.
ذكر الحاء:
وهو حرف مهموس، فإذا التقى بشيء من حروف الحلق، ساكنًا كان أو متحركًا، لخص وبين، [لشبهه بها]، كقوله: ﴿لا تفرح إن الله﴾ ﴿واصفح إن الله﴾، و﴿فاصفح عنهم﴾، ﴿وسبحه ليلًا﴾، و﴿فأصبح هشيمًا﴾، و﴿زحزح عن النار﴾، و﴿لا يصلح عمل المفسدين﴾، و﴿المسيح عيسى﴾، وما أشبهه.
وحروف الحلق لا يدغم منها شيءٌ، إلا ما تماثل في اللفظ لا غير لقلتها.
[ ١٢٨ ]
ذكر الغين:
وهو حرف مجهورٌ، مستعلٍ، فإن التقى بشيء من حروف الحلق أنعم بيانه وتكلف إشباعه وتلخيصه، من غير شدةٍ ولا تعسفٍ، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ربنا أفرغ علينا صبرًا﴾، و﴿أفرغ عليه قطرًا﴾، ﴿ثم أبلغه﴾، وما أشبهه.
وكذا إن أتى بعده قاف، أو سين، أو شين، أو تاء، أو ثاء، أو فاء، فينبغي أن ينعم بيانه ولا يتساهل في ذلك فربما انقلب مع الحروف المذكورة غير القاف خاء، لما بين الخاء وبينهن من الاشتراك في الهمس، واندغم في القاف للمقاربة التي بينهما، كقوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾، و﴿فاغسلوا﴾، و﴿يستغشون﴾، و﴿استغشوا﴾، ﴿والليل إذا يغشى﴾، و﴿كالذي يغشى عليه﴾، و﴿نظر المغشي عليه﴾، و﴿فأغشيناهم﴾، و﴿مغتسل﴾، و﴿بغتةً﴾، و﴿إلا من اغترف﴾، و﴿فإذا فرغت﴾، و﴿ولا يغتب بعضكم﴾، و﴿لو تغفلون﴾، و﴿من أغفلنا﴾، و﴿يغفر لكم﴾، و﴿يغفرون﴾، و﴿فاغفر لنا﴾، و﴿ضغثًا﴾، وشبهه.
وكذا حكمه في جميع القرآن، نحو ﴿بغيًا بينهم﴾، و﴿فأغرينا﴾، و﴿فأغرقناه﴾، و﴿لا يغني﴾، و﴿فأغنى﴾، ﴿وأغلالًا﴾، ﴿وأغطش ليلها﴾، وما أشبهه. والله
[ ١٢٩ ]
الموفق والمعين.
ذكر الخاء:
وهو حرف مهموس، مستعلٍ، وحكمه في إنعام البيان والتلخيص حكم الغين.
فإن التقى بالشين أو التاء تعمل بيانه، وإلا ربما انقلب غينًا، كقوله: ﴿ولا تخشى﴾، و﴿مختلفٌ﴾، و﴿أن تخشاه﴾، ﴿واختار موسى﴾، ﴿ويختار﴾، و﴿مختالًا﴾، و﴿ما اختلط بعظمٍ﴾، و﴿يختم على قلبك﴾، ﴿ولقد اخترناهم﴾، وما أشبهه.
ذكر القاف:
وهو حرفٌ مجهورٌ، مستعلٍ، فيلزم تعمل بيان جهوره واستعلائه، وإلا صار كافًا، وذلك نحو ﴿فيقتلون ويقتلون﴾، و﴿أقسموا﴾، ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾، و﴿مقرنين﴾، و﴿من يقطين﴾، و﴿لو أنفقت﴾، و﴿لمن خلقت﴾، و﴿مقتحمٌ﴾، و﴿مقتًا﴾، و﴿اقترب﴾، و﴿لا تقنطوا﴾، و﴿يقنطون﴾، و﴿مقتصدٌ﴾، ﴿واقصد﴾، و﴿فاقصص﴾، و﴿لا تقصص﴾، و﴿فلا تقهر﴾، و﴿ليقض﴾، و﴿أن يقضى﴾، و﴿تقشعر﴾، وما أشبهه. ألا ترى أنه متى لم ينعم بيانه في قوله تعالى: ﴿فالموريات
[ ١٣٠ ]
قدحًا﴾ صار اللفظ بها كاللفظ بقوله تعالى: ﴿إلى ربك كدحًا﴾، وكذا ﴿ومن يقتل﴾، و﴿أخانا نكتل﴾، و﴿مشرقين﴾، و﴿مشركين﴾، ﴿ولا تقف﴾، و﴿أو لم يكف﴾، و﴿كتابٌ مرقومٌ﴾، و﴿سحابٌ مركومٌ﴾، وشبهه، فتغير اللفظ وانقلب المعنى.
فإن التقت القاف بالكاف وهي ساكنةٌ قلبت مثلها، وأدغمت فيها، وذهبت قلقلتها بالقلب والإدغام، وذلك في قوله تعالى: ﴿ألم نخلقكم﴾، وإن التقت بمثلها وهي مشددة أو مخففة أنعم بيان جهورها واستعلائها، نحو ﴿حق قدره﴾، و﴿إلا الحق قد جئتكم﴾، ﴿وهو الحق قل﴾. و﴿فلما أفاق قال﴾، وما أشبهه.
ذكر الكاف:
وهو حرفٌ مهموسٌ، مستفلٌ، وحكمه في تعمل البيان والتلخيص كحكم القاف، لئلا ينقلب إلى لفظه، فيزول عن صورته ويتغير معناه، كقوله: ﴿يكسبون﴾، و﴿ما اكتسب﴾، و﴿اكتتبها﴾، و﴿يكتمون﴾، و﴿يكتبون﴾، ﴿ولا نكتم﴾، وما أشبهه.
فإن التقى بمثله وهو ساكن أدغم بتسهيل وتيسير، كقوله تعالى: ﴿يدرككم الموت﴾، وكذلك حكم سائر المثلين إذا التقيا وسكن الأول منها، ما لم يكن ياء مكسورًا ما قبلها، أو واوًا مضمومًا ما قبلها، فإن إدغامهما في مثلهما في المنفصل لا يجوز للمد فيهما، كقوله تعالى: ﴿الذي يوسوس﴾، و﴿في يوسف﴾، و﴿آمنوا واتقوا﴾، و﴿فولوا وجوهكم﴾
[ ١٣١ ]
، وشبهه. فإن انفتح ما قبلهما أدغما في مثلهما لنقصان مدهما، كقوله: ﴿اتقوا وآمنوا﴾، و﴿عصوا وكانوا﴾، و﴿آووا ونصروا﴾، و﴿أو وزنوهم﴾. وكذلك في الكلام: اخشي يحيى، وتعالي يا امرأة، إذا أمرت المؤنث [وكذلك ما أشبهه].
ذكر الجيم:
وهو حرفٌ مجهور، فإذا أتى ساكنًا وبعده زاي أو سين فينبغي أن يبين جهوره، وإلا اندغم، وينبغي أن يلخص الزاي والسين بعده بتؤدة، وإلا انقلبت الزاي سينًا والسين زايًا، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿رجزًا من السماء﴾، و﴿الرجز فاهجر﴾، و﴿ليجزي الذين﴾، و﴿يجزيهم﴾، و﴿لنجزينهم﴾، و﴿لتجزى﴾، و﴿تجزون﴾، و﴿رجسًا إلى رجسهم﴾، و﴿عنكم الرجس﴾، و﴿رجسٌ وغضبٌ﴾، و﴿أجسامهم﴾ وما أشبهه.
وكذلك ينبغي أن يتعمل بيانه عند التاء والحاء والدال، ومتى لم يفعل ذلك صار شينًا لما بين التاء والشين من الهمس، ولمؤاخاة التاء الدال في المخرج، وذلك في نحو قوله: ﴿فاجتباه﴾، و﴿اجتبيناهم﴾، و﴿اجتنبوا﴾، و﴿حاججتم﴾، و﴿خرجتم﴾، و﴿مجتمعون﴾، ﴿ولو اجتمعوا﴾، و﴿يجحدون﴾، ﴿وما يجحد﴾، و﴿من الأجداث﴾، ﴿وأجدر﴾،
[ ١٣٢ ]
و﴿النجدين﴾، و﴿من وجدكم﴾، وما أشبهه.
وكذلك يبين ويلخص في نحو قوله: ﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾، و﴿زجرةٌ واحدةٌ﴾، و﴿أجرموا﴾، و﴿لخرجنا معكم﴾، و﴿على وجه أبي﴾، و﴿مجذوذٍ﴾، وما كان مثله.
ذكر الشين:
وهو حرفٌ متفش، مهموسٌ، فإن أتى ساكنًا فيلزم تلخيصه وبيان تفشيه، وذلك نحو قوله: ﴿لمن اشتراه﴾، ﴿ولا تشتروا﴾، و﴿لا نشتري﴾، ﴿ولا تشطط﴾، و﴿يشربون﴾، و﴿في مشيك﴾، و﴿اشدد﴾، و﴿الرشد﴾، وما أشبهه.
وكذا إن كان مشددًا فليشبع تفشيه كقوله: ﴿فبشرناه﴾، و﴿بشرناك﴾، و﴿نبشرك﴾، ﴿وبشروه﴾، وما أشبهه.
والحروف المهموسة إذا لقيت الحروف المجهورة، والحروف المجهورة إذا لقيت الحروف المهموسة فيلزم تعمل تلخيصها وبيانها، لئلا ينقلب المهموس إلى لفظ المجهور، والمجهور إلى لفظ المهموس، فتختل بذلك ألفاظ التلاوة وتتغير معانيها.
ذكر الياء:
وهو حرفٌ مد مجهورٌ، يخرج من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك، ثم يهوي إلى الحلق، فينقطع آخره عند مخرج الألف، فإذا لم يلق همزة ولا حرفًا ساكنًا مد
[ ١٣٣ ]
على مقدار ما فيه من المد الذي هو صيغته من غير زيادة، كقوله تعالى: ﴿ميراث﴾، و﴿ميقات﴾، و﴿الميعاد﴾، و﴿الميثاق﴾، و﴿الميزان﴾، وكذلك ما أشبهه.
وإن لقي همزةٌ أو حرفًا ساكنًا زيد في تمكينه، كما بيناه في الألف، وكذا حكم الواو المضموم ما قبلها في التمكين وزيادة المد سواء، فإن انفتح ما قبلهما زال عنهما معظم المد وأنبسط اللسان بهما، وصارا بمنزلة سائر الحروف الجامدة، وألقي عليهما حركات الهمزات، في مذهب من رأى ذلك، وأدغما في مثلهما بإجماع كما شرحناه قبل.
وإذا تحركت الياء بالكسر والواو بالضم، وسواء كانت تلك الحركة عارضة أو أصلية، فينبغي أن يشبعا من غير زيادة ولا اختلاس، فالياء نحو ﴿ووحينا﴾، و﴿بالوحي﴾، و﴿في مشيك﴾، و﴿كغلي الحميم﴾، و﴿عذاب الخزي﴾، و﴿البغي﴾، و﴿الرأي﴾، و﴿من الهدي﴾، و﴿لسعيه﴾، و﴿لسعيها﴾، و﴿يبايعونك﴾، و﴿يبايعنك﴾، و﴿يبايعون الله﴾، و﴿فإما ترين﴾، و﴿من ثلثي الليل﴾، و﴿معايش﴾، و﴿يا صاحبي السجن﴾، و﴿طرفي النهار﴾، وما أشبهه.
[ ١٣٤ ]
والواو نحو قوله ﴿ووفيت﴾، ﴿وتشاور﴾، و﴿تحاوركما﴾، و﴿من تفاوتٍ﴾، و﴿الوحوش﴾، و﴿الوجوه﴾، و﴿ولد﴾، و﴿لتبلون﴾، و﴿لترون﴾، و﴿ثم لترونها﴾، و﴿اشتروا الضلالة﴾، و﴿لولوا الأدبار﴾، و﴿رأوا العذاب﴾، وما أشبهه.
وكذا إن تحركتا بالفتح. نحو ﴿سعيًا﴾، و﴿بغيًا﴾، و﴿عميًا﴾، و﴿تعيها﴾، و﴿سعيها﴾، و﴿سعيكم﴾، و﴿فأذاقهم الله الخزي﴾، و﴿معه السعي﴾، و﴿خذ العفو﴾، و﴿فأدلى دلوه﴾، و﴿سمعوا اللغو﴾، و﴿لهوًا﴾، و﴿عدوًا﴾، وما أشبهه.
وكذا إن انضمت الياء وانكسرت الواو نحو ﴿إنما بغيكم على أنفسكم﴾، و﴿إليك وحيه﴾، و﴿حتى يبلغ الهدي﴾، و﴿لهم خزيٌ﴾، و﴿عميٌ﴾، و﴿باللغو﴾، و﴿من اللهو﴾، و﴿من البدو﴾، وما أشبهه.
فإن أتى بعد الياء المتحركة ياء ساكنةٌ وبعد الواو المتحركة واوٌ ساكنةٌ، وحذفتا من الخط اختصارًا أو أثبتتا فيه على الأصل، أشبعت حركتهما، وأتي بالياء والواو بعدهما ممكنتين، فالياء نحو: ﴿لا يستحي﴾، و﴿يحيي ويميت﴾، و﴿يحيين﴾، و﴿يحييكم﴾، و﴿يحييها﴾،
[ ١٣٥ ]
و﴿الأميين﴾، و﴿الربانيين﴾، و﴿للحواريين﴾، و﴿لفي عليين﴾، و﴿أفعيينا﴾. وما أشبهه. والواو نحو ﴿يا داود﴾، و﴿ما ووري﴾، و﴿الغاوون﴾، و﴿لا تلوون﴾، و﴿هل يستوون﴾، و﴿لتستووا﴾، و﴿إن تلووا﴾، و﴿فأووا إلى الكهف﴾، وما أشبهه.
فإن التقيا مع مثلهما من كلمتين، وهما متحركتان، فيلزم تفكيكهما بتسهيلٍ وبيانٍ، من غير تمطيطٍ ولا عجلةٍ، نحو ﴿ومن خزي يومئذٍ﴾، و﴿البغي يعظكم﴾، و﴿إلا هو والملائكة﴾، ﴿وهو وليهم﴾، و﴿من اللهو ومن التجارة﴾، و﴿خذ العفو وأمر﴾.
وكذلك إن كانتا مشددتين نحو ﴿علي يوم ولدت﴾، و﴿إلي يدك﴾، و﴿الغي يتخذوه﴾، و﴿لأي يومٍ أجلت﴾، و﴿العشي يريدون﴾، و﴿بالغدو والآصال﴾، وما أشبهه.
[ ١٣٦ ]
وكذلك إن كانتا في كلمة واحدة، نحو ﴿لنحيي به﴾، و﴿على أن يحيي الموتى﴾، و﴿فلنحيينه﴾، و﴿إن وليي الله﴾، ﴿ووفيت﴾، ﴿ووضع﴾، ﴿وورثه﴾، ﴿وودوا﴾، وما أشبهه.
وكذلك إن كانت الثانية منهما ساكنة، نحو ﴿الحسنيين﴾، و﴿الأنثيين﴾، و﴿فأحييناه﴾، و﴿أحييناها﴾، و﴿آووا﴾، و﴿لووا﴾، وما أشبهه، فيلزم بيان الياءين والواوين من غير مد.
وكذا حكم المثلين من سائر الحروف، فإن كان الأول من المثلين مشددًا فينبغي أن يؤتى به على حقه، وأن يلخص من غير قطع شديد عليه، كقوله: ﴿وأحل لكم﴾، و﴿مس سقر﴾، و﴿من اليم ما﴾، و﴿صواف فإذا﴾، و﴿الحق قالوا﴾، و﴿لتعلمن نبأه بعد حينٍ﴾، و﴿أسس﴾، وما أشبهه.
وكذا إن كان راءً فلينعم تشديده من غير تكريرٍ ولا عسرٍ، كقوله ﴿وخر راكعًا﴾، و﴿محررًا﴾. وكذا حكم سائر الراءات المشددات كقوله: ﴿مر كأن لم﴾، و﴿إلى ضر﴾، و﴿ضراء﴾، و﴿الرحمن﴾، و﴿الرحيم﴾، وما أشبهه.
وكذا ينبغي أن يعطى كل مشدد حقه من الإدغام، من غير إفراط ولا سكتٍ وقطعٍ على أول المدغم، نحو ﴿من ورائهم محيطٌ﴾، و﴿من نور﴾، و﴿اتقوا وآمنوا﴾، و﴿عصوا وكانوا﴾، و﴿إياك﴾،
[ ١٣٧ ]
و﴿إياي﴾، و﴿إياه﴾، و﴿أيام﴾، و﴿أيما الأجلين﴾، و﴿أيا ما تدعوا﴾، و﴿وليهم﴾، و﴿أي منقلب﴾، و﴿يدعون﴾، و﴿يدع اليتيم﴾، و﴿دعًا﴾، و﴿دكًا﴾، و﴿غلًا﴾، و﴿كلًا﴾، وما أشبهه.
وكذلك يلزم إنعام الإدغام نحو قوله: ﴿في بحرٍ لجيٍ يغشاه﴾، و﴿وليًا يرثني﴾، وهي أربع ياءات، أصليها ومنقلبها.
وكذا ﴿عدوًا وحزنًا﴾، و﴿عدو ولكم﴾، وهي أربع واوات، أصليها ومنقلبها.
وكذا ﴿من رب رحيمٍ﴾، وهي أربع راءات، أصليها ومنقلبها ..
وكذا ﴿على أممٍ ممن معك﴾، وهي ثماني ميمات، أصليها ومنقلبها.
وكذا ﴿ممن منع﴾، وهي خمس ميمات، أصليها ومنقلبها.
وكذا ﴿فويلٌ للذين﴾، وهي خمس لامات، أصليها ومنقلبها.
وكذا ﴿غلًا للذين آمنوا﴾، وهي ست لامات، أصليها ومنقلبها.
وكذا يلزم إنعام التشديد في قوله ﴿لنصدقن﴾ وشبهه، وفي ذلك ثلاثة شدات، شدة الصاد وشدة الدال والنون.
[ ١٣٨ ]
وكذا ﴿الربانيون﴾، وكذا ﴿إن مكناهم﴾، و﴿أن من الله﴾، و﴿أن يصدقوا﴾، وكذا ﴿أن يطوف﴾، و﴿أن يذكر﴾، و﴿يومئذٍ يصدعون﴾ وشبهه، وفيه ثلاث شدات.
[وكذلك أيضًا ﴿بحرٍ لجيٍ يغشاه﴾، وفي ذلك أربع شدات] متصلات، وكذلك ما أشبهه.
وإذا توالت الحركات ترسل بهن من غير تمطيط ولا هذرمةٍ، كقوله: ﴿أحد عشر كوكبًا﴾، وهي ست فتحات، وفتحة الكاف سابعة. وكذا ﴿تسعة عشر وما﴾، ﴿ووجدك﴾، ﴿ويذرك﴾، و﴿لفسدتا﴾، وهي خمس فتحات، سوى فتحة الحرف المتصل بهن، وكذا ﴿رسلهم﴾، و﴿رسلكم﴾، و﴿نزلهم﴾، وهي أربع ضمات في قراءة من أسكن الميم، وخمسٌ في قراءة من ضمها، وكذا ما أشبهه.
ذكر الطاء:
وهو حرفٌ مجهورٌ، مستعلٍ، مطبقٌ، فيلزم إنعام بيانه وبسط اللسان به، كقوله: ﴿يلتقطه﴾، و﴿من نطفةٍ﴾، و﴿قطراٍ﴾،
[ ١٣٩ ]
و﴿ليطغى﴾، و﴿نطمع﴾، و﴿بطشًا﴾، و﴿البطشة﴾، وشبهه.
وكذا حكم سائر حروف الإطباق، ولولا الإطباق الذي في الطاء لصارت دالًا، ولولا الجهر الذي في الدال لصارت تاء.
فإن التقت الطاء، وهي ساكنةٌ بتاءٍ أدغمت فيها بيسرٍ وبين إطباقها مع الإدغام، وإذا بين امتنعت من أن تنقلب تاءً خالصة. لأنها بمثابة النون والتنوين، إذا أدغما وبقيت غنتهما، هذا مذهب القراء.
وقد يجوز إدغامها وإذهاب صوتها كما جاز ذلك في النون والتنوين، وذلك نحو ﴿فرطتم﴾، و﴿أحطت﴾، و﴿بسطت﴾، وما أشبهه.
ذكر الدال:
وهو حرفٌ مجهورٌ، فإذا التقى بالتاء في كلمة وهو ساكن أدغم من غير عسرٍ، كقوله: ﴿حصدتم﴾، و﴿عدتم﴾، و﴿راودته﴾، و﴿راودتن﴾، و﴿مهدت له﴾، وما أشبهه، وكذا إن التقى بها من كلمتين نحو ﴿قد تبين﴾، و﴿لقد تاب الله﴾، ﴿وقد تعلمون﴾، ﴿لقد تركناها﴾، وما أشبهه.
وكذلك إن التقى باللام والراء لخص بيانه، وإلا ربما اندغم فيهما، نحو ﴿لقد لقينا﴾، و﴿لقد لبثتم﴾، و﴿لقد راودته﴾، و﴿لقد رأى﴾، وما أشبهه.
[ ١٤٠ ]
وكذلك إن التقى بالنون فيلزم أن يمكن جهوره، ولا يتساهل في ذلك، فيصير غنةٌ مدغمةٌ في النون، نحو ﴿قد نرى تقلب﴾، ﴿ولقد نصركم الله﴾، ﴿ولقد نادانا﴾، وما أشبهه.
وكذا إن التقى بالحاء والخاء والراء والقاف والفاء وغيرهن، فينبغي أن يتعمل جهوره، وإلا صار تاء، كقوله ﴿يدخلون﴾، و﴿ندخلهم﴾، و﴿مدخلًا﴾، و﴿مدخل صدق﴾، و﴿لا تدري﴾، و﴿يدرؤون﴾، و﴿يدرأ عنها﴾، و﴿المدحضين﴾، و﴿ليدحضوا﴾، و﴿مدحورًا﴾، و﴿كدحًا﴾، و﴿الودق﴾، و﴿يدمغه﴾، و﴿ادفع﴾، وما أشبهه.
ذكر التاء:
وهو حرفٌ مهموسٌ، فإن التقى بالطاء أو بالدال أدغم فيها إدغامًا سهلًا من غير عنف، كقوله: ﴿وقالت طائفةٌ﴾، و﴿إذ همت طائفتان﴾، و﴿أجيبت دعوتكما﴾، و﴿فلما أثقلت دعوا الله﴾، وما أشبهه.
وإذا اجتمع مع حروف الإطباق في كلمة فيلزم تعمل بيانه وتلخيصه من لفظة الطاء، وإلا انقلب طاء، كقوله تعالى: ﴿فاختلط﴾، و﴿ما اختلط﴾، و﴿فإن استطعت﴾، ﴿وما استطاعوا﴾، و﴿أفتطمعون﴾، و﴿تطلع﴾، ﴿ولا تطغوا﴾،
[ ١٤١ ]
و﴿لا تطرد﴾، و﴿تطمئن﴾، و﴿تطهيرًا﴾، و﴿تطلع﴾، و﴿استطعما﴾، و﴿يتطهرون﴾، و﴿المتطهرين﴾، و﴿مستطيرًا﴾، وما أشبهه.
وإن سبقت الطاء التاء لخص صوت الطاء، وإلا صار تاء، نحو ﴿فرطت﴾، و﴿أحطت﴾، و﴿أحاطت﴾، و﴿كشطت﴾، و﴿حبطت﴾، وشبهه.
فإن التقى بالقاف تعمل تلخيصهما معًا، وإلا زال كل واحد منهما عن صورته، وانقلب إلى غير لفظه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فلم تقتلون﴾، و﴿فلم تقتلوهم﴾، و﴿لا تقربوا﴾، و﴿لتقرأه﴾، ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾، و﴿تقديرًا﴾، وشبهه.
وكذلك إن جاء ساكنًا قبل القاف تعمل بيانه وتلخيصه، وإلا انقلب طاء لما بين القاف والطاء من الاشتراك في الجهر والاستعلاء، وذلك نحو قوله: ﴿كانتا رتقًا﴾، و﴿أتقاكم﴾، و﴿الأتقى﴾، و﴿الذي أتقن كل شيء﴾، وشبهه.
وكذا إن وقع قبله سين وبعده حرف مجهور فينبغي أن يلخص ويبين ويمنع من الإطباق، لئلا يصير طاء، كقوله تعالى: ﴿نستعين﴾، و﴿المستقيم﴾، و﴿فإن استطعت﴾، ﴿وأن لو استقاموا﴾، وما أشبهه
[ ١٤٢ ]
ذكر الظاء:
وهو حرفٌ مجهورٌ، مستعلٍ، مطبقٌ.
فإن التقى بالتاء بين وأعطي حقه من الإطباق والاستعلاء، وذلك في قوله تعالى: ﴿أوعظت﴾، في سورة الشعراء وليس في القرآن غيره وقد جاء فيه عن أبي عمرو والكسائي ما لا يصح في الأداء ولا يؤخذ به في التلاوة.
وكذلك إن التقى بالفاء لخص وبين، وإلا انقلب ثاء، للاشتراك الذي بين الفاء وبين الثاء في الهمس، [وذلك في قوله: ﴿أن أظفركم﴾، وكذا حكمه في البيان والتلخيص إذا التقى بالنون، وإلا اندغم]. وذلك في قوله تعالى: ﴿وحفظناها﴾، ﴿ويحفظن﴾، وكذا يلزم تلخيصه وبيانه ساكنًا كان أو متحركًا حيث وقع.
ذكر الذال:
وهو حرفٌ مجهورٌ.
فإذا التقى بالظاء أدغم وأشبع إدغامه، وذلك في قوله: ﴿إذ ظلموا أنفسهم﴾ في
[ ١٤٣ ]
النساء، و﴿إذ ظلمتم أنكم﴾ في الزخرف، وليس في القرآن غيرهما.
فإن التقى بالراء فيلزم إنعام بيانه، وتكلف تلخيصه، ويلفظ به رقيقًا وبالراء بعده مفخمةً، ولا يتساهل في ذلك، وإلا ربما انقلبت الذال ظاءً. إذا اجتمعت، إذا فخمت الراء، أو رققت الراء إذا لخصت هي ومنعت من الإطباق والاستعلاء كما يجب، وكلا الأمرين لحنٌ لا يجوز، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أنذرتكم﴾، و﴿إذ أنذر قومه﴾، ﴿ونذر ما كان يعبد﴾، و﴿نذرت للرحمن﴾، و﴿ذرأكم﴾، ﴿وما ذرأ﴾، و﴿يذرؤكم﴾، و﴿يذرك﴾، و﴿مثقال ذرةٍ﴾، و﴿ذرعها﴾، و﴿ذرعًا﴾ وما أشبهه، ومثله ﴿حذر الموت﴾، و﴿يحذر الآخرة﴾، و﴿من ذريتي﴾، وشبهه.
وكذا ينبغي أن يتعمل بيانه عند النون في نحو قوله: ﴿وإذ أخذنا﴾،
[ ١٤٤ ]
﴿وأخذن منكم﴾، و﴿أخذنا منكم﴾، و﴿فأخذناه﴾، و﴿فنبذناه﴾، ﴿وإذ نتقنا﴾، و﴿إذ نادى﴾ وشبهه، وإلا ربما اندغم.
وكذا ينبغي تلخيصه عند الكاف في نحو ﴿الذين يذكرون الله قيامًا﴾، و﴿أولا يذكر﴾، ﴿واذكر في الكتاب﴾، ﴿واذكرن ما يتلى﴾، و﴿إذ كنتم﴾ وشبهه، وإلا انقلب ثاء. للمؤاخاة التي بين الثاء والكاف في الهمس.
وكذا يجب أن يلخص في نحو ﴿مذعنين﴾، و﴿جذع [النخلة﴾، و﴿جذوع] النخل﴾، و﴿فأنقذكم﴾ وشبهه.
وكذا يلزم أن يلخص الذال من الظاء، ويؤتى بها مستفلةً منفتحةً، وبالظاء مستعليةً مطبقةً، وذلك في نحو ﴿عاقبة المنذرين﴾، و﴿من المنظرين﴾، ﴿وذللناها لهم﴾، ﴿وظللنا عليهم الغمام﴾، و﴿مذعنين﴾، و﴿يوم ظعنكم﴾، ﴿ونذر ما كان﴾، و﴿ثم نظر﴾، و﴿محذورًا﴾، و﴿محظورًا﴾، وما أشبهه.
[ ١٤٥ ]
وكذا يفعل بها مع الضاد في نحو قوله: ﴿أذاعوا به﴾، و﴿أضاعوا الصلاة﴾، و﴿فذاقت وبال أمرها﴾، ﴿وضاقت عليهم﴾، و﴿فأنقذكم منها﴾، و﴿الذي أنقض ظهرك﴾. ﴿ولا هم ينقذون﴾، و﴿الذين ينقضون عهد الله﴾، و﴿أني أذبحك﴾، ﴿والعاديات ضبحًا﴾، و﴿تذليلًا﴾، و﴿في تضليلٍ﴾ وما أشبه ذلك.
ذكر الثاء:
وهو حرفٌ مهموس.
فإذ وقع قبل الخاء والقاف والراء والنون لخص بيانه، ولفظ بالخاء والقاف مستعليين، وذلك في قوله: ﴿أثخنتموهم﴾، و﴿إن يثقفوكم﴾، و﴿فإما تثقفنهم﴾، ﴿وكذلك أعثرنا﴾، و﴿لا تثريب عليكم﴾، و﴿لبثنا يومًا﴾، و﴿بعثناهم﴾، وما أشبهه
[ ١٤٦ ]
ذكر الصاد:
وهو حرفٌ صفيرٍ مهموسٌ، مطبقٍ، مستعلٍ.
فإن التقى بالطاء أنعم بيانه، وأعطي حقه من الإطباق والاستعلاء، وإلا انقلب سينًا، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿اصطفى﴾، و﴿اصطفاك﴾، و﴿اصطفيتك﴾، ﴿اصطنعتك﴾، و﴿فاصطادوا﴾، ﴿واصطبر﴾، و﴿المصطفين﴾، و﴿تصطلون﴾، و﴿يصطرخون﴾ وما أشبهه.
وكذلك يلزم أن يتعمل تلخيص الصاد من السين في ما يتفق لفظه ويختلف معناه، بما تقدم، وذلك في نحو قوله: ﴿وكم قصمنا من قريةٍ﴾، و﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم﴾، ﴿ولا هم منا يصحبون﴾، و﴿يسحبون في الحميم﴾، ﴿وحين تصبحون﴾، و﴿في فلكٍ يسبحون﴾، و﴿مما تحصنون﴾، و﴿أنهم يحسنون﴾، و﴿تنكصون﴾، و﴿ثم نكسوا﴾، و﴿فيها صر﴾، و﴿سرًا وجهرًا﴾، و﴿عنهم إصرهم﴾، ﴿شددنا أسرهم﴾، ﴿وعصيتم من بعد﴾، و﴿هل عسيتم﴾، ﴿وأصروا واستكبروا﴾، و﴿على ما أسروا﴾، ﴿وكانوا يصرون﴾، و﴿ما يسرون﴾، و﴿صواع
[ ١٤٧ ]
الملك﴾، ﴿ولا سواعًا﴾، و﴿المحصنات﴾، و﴿محصنين﴾، [و﴿للمحسنات منكن﴾، و﴿المحسنين﴾]، و﴿قبل ذلك محسنين﴾، و﴿نصرًا عزيزًا﴾، ﴿ونسرًا. وقد أضلوا﴾، و﴿هذا نصبًا﴾، ﴿وبين الجنة نسبًا﴾، و﴿ابن لي صرحًا﴾، ﴿وسرحوهن سراحًا﴾، و﴿فالمغيرات صبحًا﴾، و﴿في النهار سبحًا﴾، و﴿في أي صورة﴾، و﴿بسورةٍ من مثله﴾، ﴿ونفخ في الصور﴾، و﴿بسورٍ له بابٌ﴾، و﴿فإن أحصرتم﴾، و﴿ملومًا محسورًا﴾، ﴿ولو حرصتم﴾، و﴿حرسًا شديدًا﴾، ﴿ولا وصيلةٍ﴾، و﴿إليه الوسيلة﴾، و﴿للكافرين حصيرًا﴾، ﴿وهو حسيرٌ﴾، و﴿إن السمع والبصر﴾، و﴿عبس وبسر﴾، و﴿تصير الأمور﴾، ﴿وتسير الجبال﴾ وما أشبهه.
وكذلك إن أتى بعد الصاد، وهي ساكنة، دالٌ صفي ولخص وبين إطباقه، وإلا صار زايًا. وذلك في نحو قوله: ﴿ومن أصدق﴾، و﴿تصديةً﴾، و﴿فاصدع﴾، و﴿تصديق﴾، وما أشبهه.
[ ١٤٨ ]
وذلك مذهب الجماعة ما خلا حمزة والكسائي فإنهما يلفظان بالصاد مشمومةً زايًا.
ذكر السين:
وهو حرف صفير مهموسٌ.
فإذا أتى ساكنًا وبعده حرف من حروف الإطباق في كلمة يلزم إنعام تلخيصه والتوصل إلى سكونه في رفقٍ وتؤدةٍ، وإلا صار صادًا بالاختلاط، وذلك في نحو قوله: ﴿مسطورًا﴾، و﴿يسطون﴾، ﴿وما يسطرون﴾، و﴿فما اسطاعوا﴾، و﴿ما لم تسطع﴾، و﴿بسطةً في العلم﴾، ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾، و﴿بالقسطاس﴾، و﴿بالقسط﴾ وما أشبهه.
وكذلك إن تحرك نحو ﴿يبسط الرزق﴾، ﴿ولو بسط الله الرزق﴾، و﴿بسطت إلي﴾.
وكذلك إن أتى قبله أو بعده قافٌ توصل إلى اللفظ به حال سكونه وتحريكه
[ ١٤٩ ]
برقةٍ ورفقٍ، نحو ﴿بالقسط﴾، و﴿المقسطين﴾، و﴿لا أقسم﴾، و﴿أقسموا﴾، و﴿لقسم﴾، و﴿في سقر﴾، ﴿سقاهم﴾، و﴿نسقيه﴾، وإلا انقلب صادًا.
وكذلك إن أتى ساكنًا وبعده جيم أنعم بيانه ولخص لفظه ومنع من الجهر، وإلا انقلب زايًا، لما بين الزاي والجيم من الجهر. وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿ولله يسجد﴾، و﴿يسجدون﴾، و﴿فاسجدوا﴾، و﴿من المسجونين﴾، و﴿المسجور﴾، و﴿يسجرون﴾، و﴿أن يسجن﴾، و﴿ليسجننه﴾ وما أشبهه.
وكذلك يتعمل بيانه مع التاء في نحو ﴿نستعين﴾، و﴿المستقيم﴾، و﴿فاستقم﴾، ﴿وأن لو استقاموا﴾، و﴿هل يستوون﴾، و﴿فاستحبوا﴾، و﴿استشهدوا﴾، و﴿مستطيرًا﴾، و﴿من إستبرقٍ﴾، و﴿مستقرٌ﴾، و﴿يستصرخه﴾، وما أشبهه.
وإن اتصل براء توصل إليه برقةٍ ورفقٍ، وأخلص تفخيم الراء، وإلا ربما انقلب
[ ١٥٠ ]
صادًا، وذلك نحو: ﴿سرمدًا﴾، و﴿في السرد﴾، و﴿من أسرف﴾، و﴿أسرهم﴾، و﴿فأسرها﴾، و﴿أسروا﴾، و﴿إسرائيل﴾، و﴿سراجًا﴾، و﴿سراحًا﴾، ﴿وأسررت لهم إسرارًا﴾، و﴿في السراء﴾، و﴿سرهم﴾، و﴿سرابيلهم﴾، وكذا ﴿وسخر﴾، و﴿مسخراتٍ﴾، ﴿وسار بأهله﴾، و﴿فما استيسر﴾، و﴿ما تيسر﴾، وما أشبهه.
ذكر الزاي:
وهو حرف صفير، مجهورٌ.
فإذا أتى ساكنًا لخص مما بعده، وأشبع اللفظ به، وسواء لقي حرفًا مهموسًا أو مجهورًا. وذلك نحو: ﴿ما كنزتم﴾، و﴿أعجزت﴾، و﴿للذين تزدري﴾، و﴿ليزدادوا﴾، و﴿ثم ازدادوا كفرًا﴾، و﴿أزكى لكم﴾، و﴿مزجاةٍ﴾، و﴿مزدجرٌ﴾، و﴿ازدجر﴾، و﴿أزلفنا﴾، و﴿ليزلقونك﴾، و﴿وزرك﴾، و﴿وزرًا﴾، و﴿يزجي سحابًا﴾، وما أشبهه.
[ ١٥١ ]
ذكر النون:
وهو حرفٌ أغن، مجهورٌ.
وقد تقدم ذكر أحكامه في البيان والإدغام والقلب والإخفاء، فأغنى ذك عن الإعادة.
قال أبو عمرو: وإشمام النون المدغمة في مثلها في قوله: ﴿مالك لا تأمنا﴾ يحتمل أن يكون إشارةً بالشفتين إلى الحركة بعد الإدغام، وبعد السكون، فعلى هذا يكون إدغامًا تامًا، ويحتمل أن يكون إشارة إلى النون بالحركة، فعلى هذا يكون إخفاء.
وإذا ألقيت حركة الهمزة على التنوين وحرك بها على مذهب ورش عن نافع، في قوله في يوسف ﴿من سلطانٍ إن الحكم﴾، لفظ بثلاث نونات مكسورات متواليات، لا فصل بينهن.
وكذلك إذا فعل ذلك في قوله في نوح ﴿مبينٌ أن اعبدوا الله﴾، لفظ أيضًا بثلاث نونات متواليات، غير أن الأولى والآخرة مضمومتان والوسطى
[ ١٥٢ ]
مفتوحة.
وكذلك يلفظ بنونين مكسورتين متواليتين في قوله تعالى ﴿مؤمنٍ إلا﴾، ﴿ويوم حنينٍ إذ أعجبتكم﴾ في التوبة، وفي قوله ﴿من سلطانٍ إن يتبعون﴾ في النجم.
وكذا يلفظ بنونين مفتوحتين متواليتين في قوله: ﴿حزنًا ألا يجدوا﴾ في براءة، وفي قوله: ﴿عجبًا أن أوحينا﴾ في يونس، وفي قوله: ﴿قرآنًا أعجميًا﴾ في فصلت، على مذهبه.
ذكر الراء:
وهو حرفٌ مجهورٌ، شديدٌ، مكررٌ، حركته تعد حركتين لتكريره. قال سيبويه: والراء إذا تكلمت بها خرجت كأنها مضاعفة. والوقف يزيدها إيضاحًا.
فإذا أتى مشددًا توصل إلى النطق به بيسر من غير تكرير ولا عسر، وذلك نحو: ﴿ضراء﴾، و﴿مر كأن﴾، ﴿وخر موسى﴾، و﴿السراء والضراء﴾، و﴿أشد حرًا﴾، و﴿إلى ضر﴾، و﴿لمن ضره﴾، و﴿من ضر﴾، وما كان مثله.
[ ١٥٣ ]
وإن التقى بالنون تعمل بيانه، وإلا صار نونًا مدغمة، نحو ﴿فبشرناه﴾، و﴿بشرناك﴾، و﴿فغفرنا له﴾، و﴿أمرنا﴾، و﴿أعثرنا﴾، ﴿واصبر نفسك﴾، ﴿ولتنظر نفسٌ﴾، و﴿أنظرني﴾، و﴿اذكرني عند ربك﴾، و﴿فأثرن به﴾، ﴿وقرن﴾، وما أشبهه.
وكذا حكمه عند اللام، نحو قوله تعالى: ﴿يغفر لكم﴾، و﴿ينشر لكم﴾، ﴿واصبر لحكم ربك﴾، ﴿واصطبر لعبادته﴾، و﴿أن اشكر لي﴾، وما أشبهه، على أن أبا عمرو قد أدغمه فيه لتقاربهما.
وكذا يلزم تلخيصه وبيانه إذا التقى بالضاد، نحو قوله: ﴿قرضًا﴾، و﴿عرضًا﴾، و﴿عرضها﴾، و﴿عرضةً﴾، و﴿أرضًا﴾، و﴿أرض الله﴾، و﴿ترضاها﴾، و﴿يرضى﴾، و﴿أرضعنكم﴾، و﴿أرضعيه﴾، وما أشبهه.
فأما حكمه في التفخيم والترقيق والإمالة فنذكره مشروحًا، إن شاء الله تعالى.
ذكر ذلك:
اعلموا أن الراء تحركت بالفتح أو الضم أو سكنت، ولم تقع قبلها كسرةٌ لازمةٌ من نفس الكلمة التي هي فيها، فهي مفخمةٌ، على حال ما حددناه من الفتح الخالص بإجماع من القراء.
[ ١٥٤ ]
وكذلك حالها إذا وقعت طرفًا في الكلمة في الوصل والوقف جميعًا، وسواء وقف على المضمومة بالسكون أو بالروم أو بالإشمام، فالمفتوحة نحو: ﴿فبما رحمةٍ﴾، و﴿فما ربحت﴾، و﴿إن ترك﴾، و﴿إلى ربك﴾، و﴿رسولٌ﴾، و﴿رؤوفٌ﴾، و﴿يردون﴾، و﴿يراؤون﴾، و﴿تظاهرا﴾، و﴿مسخراتٍ﴾، و﴿مغاراتٍ﴾، و﴿البحران﴾، و﴿الخسران﴾، و﴿أمرًا﴾، و﴿صبرًا﴾، و﴿نكرًا﴾، و﴿عمرًا﴾، و﴿ألم تر﴾، و﴿فطر﴾، و﴿بسر﴾، و﴿حذر﴾، و﴿اليسر﴾، و﴿العسر﴾، وشبهه.
والمضمومة نحو: ﴿رؤسهم﴾، و﴿رسله﴾، و﴿يردوكم﴾، و﴿على سررٍ﴾، و﴿ما يؤمرون﴾، و﴿تصبرون﴾، و﴿نصرٌ﴾، و﴿مزدجرٌ﴾، و﴿النذر﴾، وشبهه.
[ ١٥٥ ]
والساكنة نحو: ﴿كرسيه﴾، و﴿مرجعكم﴾، و﴿ترميهم﴾، و﴿أرسلنا﴾، و﴿يرضونكم﴾، و﴿يرتع﴾، وما أشبهه.
فإن وقع قبل المفتوحة والمضمومة كسرةٌ لازمةٌ أو ياءٌ ساكنةٌ، نحو ﴿الآخرة﴾، و﴿فاقرة﴾، و﴿المعصرات﴾، و﴿المغيرات﴾، و﴿المدبرات﴾، و﴿الخيرات﴾، و﴿الخير﴾، و﴿لا ضير﴾، و﴿طيرًا﴾، و﴿الطير﴾، و﴿قديرًا﴾، و﴿نذيرًا﴾، و﴿خبيرًا﴾، و﴿بصيرًا﴾، و﴿ما يسرون﴾، و﴿يعتذرون﴾، و﴿منتصرٌ﴾، و﴿مستمرٌ﴾، و﴿صرٌ﴾، و﴿قديرٌ﴾، و﴿خبيرٌ﴾، و﴿غيره﴾، وشبهه. وكذا إن حال بين الراء والكسرة حرف ساكن، نحو: ﴿إخراجهم﴾، و﴿إخراج﴾، و﴿إكراههن﴾، و﴿لا إكراه﴾، و﴿حذركم﴾، و﴿سركم﴾، و﴿السحر﴾،
[ ١٥٦ ]
و﴿الذكر﴾، و﴿الشعر﴾، و﴿ذكركم﴾، و﴿ذكرٌ﴾، و﴿كبرٌ﴾، وما أشبهه - فهي مفخمةٌ للجميع أيضًا، ما خلا نافعًا، فإن ورشًا روى عنه أنه يرققها من أجل الكسرة والياء في الضربين جميعًا.
فإن كانت الكسرة الواقعة قبل الراء في حال فتحها وضمها عارضةً أو في حرف زائد ليس من نفس الكلمة خلص فتحها، نحو: ﴿برسولٍ﴾، و﴿برشيدٍ﴾، و﴿ألربك﴾، و﴿برؤوسكم﴾، و﴿بركنه﴾، و﴿لرقيك﴾، و﴿إن امرؤٌ﴾، وذلك إجماع.
وكذا إن وقع بعدها حرف من حروف الاستعلاء، أو راء مكررة مفتوحة أو مضمومة، أو كان الاسم الذي هي فيه أعجميًا أو مؤنثًا، فهي مفخمة بالإجماع أيضًا. وذلك نحو ﴿الصراط﴾، و﴿إعراضًا﴾، و﴿إعراضهم﴾، و﴿الإشراق﴾، و﴿الفراق﴾، و﴿الفرار﴾، و﴿فرارًا﴾، و﴿إبراهيم﴾، و﴿إسرائيل﴾، و﴿عمران﴾، و﴿إرم ذات﴾، وشبهه.
[ ١٥٧ ]
فإن وقع بعد المفتوحة ألف منقلبة عن ياء أو ألف التأنيث نحو ﴿يرى﴾، و﴿تتمارى﴾. و﴿يتوارى﴾، و﴿أراك﴾، و﴿أدراك﴾، و﴿أدراكم﴾، و﴿التوراة﴾، و﴿مجراها﴾، و﴿الذكرى﴾، و﴿بشرى﴾، وما أشبهه، أو وقع بعدها ألف زائدة بعدها راء مجرورة، نحو ﴿مع الأبرار﴾، و﴿من الأشرار﴾، و﴿دار القرار﴾، و﴿في قرارٍ﴾، وما أشبهه - فالقراء مختلفون في ذلك على ثلاثة ألفاظ: فمنهم من يخلص الفتح لها، ومنهم من يخلص الإمالة، ومنهم من يجعلها بين اللفظين.
فإن اتصل بالساكنة حرف مكسور من نفس الكلمة فلا خلاف في ترقيقها، نحو ﴿يغفر لكم﴾، و﴿اصبر﴾، و﴿مريةٍ﴾، و﴿شرعةً﴾، و﴿شرذمةٌ﴾، و﴿الفردوس﴾، و﴿فرعون﴾، وما أشبهه.
فإن كانت الكسرة عارضة أو وقع بعد الراء حرف استعلاء مفتوح نحو ﴿أم ارتابوا﴾، و﴿إن ارتبتم﴾، و﴿إلا لمن ارتضى﴾، و﴿يا بني اركب﴾، و﴿في قرطاسٍ﴾، و﴿إرصادًا﴾، و﴿لبالمرصاد﴾، و﴿فرقة﴾، فلا خلاف في
[ ١٥٨ ]
تفخيمها.
فأما الراء المكسورة فهي رقيقة، وذلك صيغتها في حال الوصل والوقف جميعًا. وهذا ما لم يتحرك ما قبلها بالفتح أو الضم وسكنت للوقف، نحو ﴿من مطرٍ﴾، و﴿نهرٍ﴾، و﴿بالنذر﴾، و﴿العمر﴾ فإنها مفخمةٌ حينئذ فيه خاصة.
فإن وقف عليها بالروم رققت كالوصل.
فهذه أحكام الراء مشروحةً فيقاس عليها، إن شاء الله تعالى.
ذكر اللام:
وهو حرف مجهور.
فإن التقى بالراء وهو ساكن قلب راء، وأدغم في الراء إدغامًا مشبعًا من غير تكرير، لشدة تقاربهما، وذلك نحو: ﴿قل رب﴾، و﴿فقل ربكم﴾، و﴿بل رفعه﴾، و﴿بل ربكم﴾، و﴿بل ران﴾، وما أشبهه. وجاء في ذلك عن نافع وعاصم ما لا يؤخذ به.
فإن أتى بعده نون في كلمة أو في كلمتين، وكان سكونه لجازم، أو
[ ١٥٩ ]
لتوالي الحركات تخفيفًا، أو للأمر، أو للنهي، تعمل بيانه بتؤدةٍ وتلخيص. نحو ﴿ومن يبدل نعمة الله﴾، و﴿أنزلنا﴾، و﴿أرسلنا﴾، و﴿فزيلنا﴾، ﴿وذللناها لهم﴾، و﴿فيظللن﴾، و﴿يأكلن﴾، و﴿بدلنا﴾، و﴿جعلنا﴾، ﴿وقلن قولًا﴾، و﴿فعلن﴾، و﴿أكفلنيها﴾، و﴿اجعلنا﴾، و﴿لا تجعلنا﴾ وما أشبهه.
وكذلك حكم اللام من ﴿قل﴾ عند النون والتاء والسين والصاد، نحو ﴿قل نار جهنم﴾، و﴿قل نعم﴾، و﴿قل تعالوا﴾، ﴿وقل سلامٌ﴾، و﴿قل صدق الله﴾، وشبهه. ولم تدغم هنا فرارًا من الاختلال.
وإن أتى بعده ظاء لخص بيانه. نحو قوله: ﴿وليجدوا فيكم غلظةً﴾ وشبهه.
ولام التعريف التي معها همزة الوصل تدغم في ثلاثة عشر حرفًا للزوم سكونها، وكثرة دورها، وقرب ما بينها وبينهن. فينقلب لفظها إلى
[ ١٦٠ ]
لفظهن، ويعتمد اللسان على موضعهن. وهن: الراء والنون والدال والتاء والطاء والثاء والذال والظاء والصاد والزاي والسين والشين والضاد. نحو: ﴿الرحمن الرحيم﴾، و﴿النار﴾، و﴿الدار﴾، و﴿التابوت﴾، و﴿الطاغوت﴾، و﴿الثاقب﴾، و﴿الذاكرين﴾، و﴿الظانين﴾، و﴿الصادقين﴾، و﴿الزاني﴾، و﴿السارق﴾، و﴿الشهادة﴾، و﴿الضلالة﴾، وما أشبهه.
فأما حكمه في الترقيق فنذكره مبينًا.
ذكر ذلك:
اعلموا أن اللام إذا أتت متحركة أو سكنت، وسواء وليها كسرةٌ أو حرف استعلاء، أو غير ذلك، فهي مرققةٌ في جميع القرآن، نحو ﴿ثلاثة﴾، و﴿ثلاث﴾، و﴿بغلامٍ﴾، و﴿لغلامين﴾، و﴿الأغلال﴾، و﴿أغلالًا﴾، و﴿خلا﴾، و﴿لعلا﴾، و﴿أحلامهم﴾، و﴿أقلامهم﴾، و﴿ما خلق﴾، ﴿وغلقت الأبواب﴾، و﴿خلطوا﴾، و﴿الخلطاء﴾، و﴿أخلصوا﴾، و﴿أضللتم﴾، و﴿فضلًا﴾، و﴿الضلال﴾، و﴿صلصالٍ﴾، و﴿يلبثون﴾، و﴿فليأت﴾ وما أشبهه.
قال أبو علي الحسين بن مخلد: كان القراء يكرهون تغليظ اللامات في
[ ١٦١ ]
القرآن كله. وقد روى المصريون عن ورشٍ عن نافعٍ تغليظها إذا تحركت بالفتح أو سكنت لا غير نحو ﴿الصلاة﴾، ﴿فيصلب﴾، و﴿الطلاق﴾، و﴿معطلةٍ﴾، ﴿ومن أظلم﴾، و﴿ظلموا﴾. وما أشبهه. والقراء بعد يرققونها من غير إفحاشٍ.
فأما اللام من اسم الله ﷿ فالجميع مجمعون على ترقيقها مع الكسرة من أجلها، عارضة كانت أو غير عارضة، نحو ﴿بسم الله﴾، و﴿الحمد لله﴾، و﴿بآيات الله﴾، و﴿رسل الله الله﴾، و﴿أحدٌ الله﴾، و﴿بل الله﴾، و﴿قل اللهم﴾. وما أشبهه.
فإن وليها فتحةٌ أو ضمةٌ أجمعوا على تغليظها من أجلهما، نحو ﴿قال الله﴾، و﴿ضرب الله﴾، و﴿من الله﴾، و﴿سبحانك اللهم﴾، و﴿رسل الله﴾، ﴿واسألوا الله﴾، و﴿قالوا اللهم﴾ وما أشبهه.
فإن كان الحرف المفتوح أو المضموم قبلها لامًا لخص ترقيقها
[ ١٦٢ ]
وفخمت هي نحو ﴿أحل الله﴾، و﴿أجل الله﴾، و﴿من أضل الله﴾، و﴿فضل الله﴾، و﴿ذلكم فضل الله﴾، ﴿ويضل الله﴾، ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ وما أشبهه.
قال أبو عمرو: والترقيق هو في الحرف دون الحركة، إذا كان صيغته. والإمالة في الحركة دون الحرف إذا كانت لعلةٍ أوجبتها، وهي تخفيفٌ كالإدغام سواء.
ذكر الضاد:
وهو حرف مستطيلٌ، مجهورٌ، مطبقٌ، مستعلٍ، فينبغي للقراء أن يلخصوا لفظه، وينعموا بيانه.
فإن التقى بتاء توصل إلى إظهاره بتؤدةٍ ويسرٍ وذلك نحو: ﴿أفضتم﴾، و﴿خضتم﴾، و﴿عرضتم﴾، و﴿فرضتم﴾، و﴿إذا مرضت﴾، وما أشبهه.
وكذا إن التقى بطاء أو جيم أو نون أو لام أو راء، نحو ﴿فمن اضطر﴾، و﴿إلا ما اضطررتم﴾، و﴿ثم أضطره﴾، ﴿واخفض جناحك﴾، ﴿وفرضناها﴾، و﴿إنا عرضنا﴾،
[ ١٦٣ ]
و﴿يغضضن﴾، و﴿لم يحضن﴾، و﴿يقبضن﴾، ﴿وليضربن﴾، و﴿فاضربوهن﴾، و﴿قلنا اضربوه﴾، و﴿إن اضرب﴾، و﴿خضرٍ﴾، و﴿نضرةً﴾، ﴿واخفض لهما﴾، و﴿نقيض له﴾، و﴿في تضليلٍ﴾، و﴿أضللن﴾، و﴿أضللتم﴾، و﴿ذي فضلٍ فضله﴾، و﴿فضلًا﴾، و﴿فضل الله﴾، و﴿أرض الله﴾، ﴿وأقرضوا الله﴾ وما أشبهه. ومتى لم يتفقد ذلك ولم ينعم بيانه وتلخيصه اندغم.
ومن آكد ما على القراء أن يخلصوه من حرف الظاء بإخراجه من موضعه وإيفائه حقه من الاستطالة، ولا سيما فيما يفترق معناه من الكلام. فينبغي أن ينعم بيانه ليتميز بذلك في نحو: ﴿ولا الضالين﴾، و﴿الظانين﴾، و﴿ضل من تدعون﴾، و﴿ظل وجهه﴾، ﴿وغيض الماء﴾، ﴿وما تغيض الأرحام﴾، و﴿الكاظمين
[ ١٦٤ ]
الغيظ﴾، و﴿كيده ما يغيظ﴾، و﴿أضللن كثيرًا﴾، و﴿فيظللن رواكد على ظهره﴾، ﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾، و﴿مثل حظ الأنثيين﴾، و﴿طلعها هضيمٌ﴾، و﴿فهو كظيمٌ﴾، و﴿كل شربٍ محتضرٌ﴾، و﴿كهشيم المحتظر﴾، و﴿ناضرةٌ. إلى ربها ناظرةٌ﴾، وما أشبهه. ألا ترى أنه متى لم يستعمل ذلك اشتبه لفظ الجميع، وتغير المعنى، وفسد المراد.
وكذا ينبغي أن ينعم بيانه إذا التقى بمثله في كلمة وبالظاء في كلمتين، نحو ﴿واغضض من صوتك﴾، و﴿يغضضن من أبصارهن﴾، و﴿يعض الظالم﴾، و﴿بعض الظالمين﴾، و﴿بعض الظن إثمٌ﴾، و﴿أنقض ظهرك﴾ وشبهه.
وكذا حكمه إذا التقى بالذال نحو ﴿لكم الأرض ذلولًا﴾، و﴿ملء الأرض ذهبًا﴾، و﴿ببعض ذنوبهم﴾، و﴿الأرض ذات الصدع﴾ وشبهه.
ذكر الفاء:
وهو حرفٌ متفش، مهموس.
فإذا التقى بالميم أو الواو لخص بيانه للتفشي الذي فيه، وذلك نحو
[ ١٦٥ ]
﴿ويستخلف من بعدكم﴾، و﴿تلقف ما صنعوا﴾، و﴿نتخطف من أرضنا﴾، و﴿لا تخف وبشروه﴾، و﴿لا تخف ولا تحزن﴾، و﴿ق. والقرآن﴾، وما أشبهه.
وإذا التقى بالباء جاز عند القراء إدغامه وبيانه، وذلك في قوله: ﴿نخسف بهم الأرض﴾.
فإن التقى بمثله أدغم فيه، وذلك إذا سكن، كقوله تعالى: ﴿فلا يسرف في القتل﴾.
وإذا وقع قبله طاء أنعم بيان الطاء لئلا ينقلب تاء لما بين التاء والفاء من الاشتراك في الهمس. وذلك نحو ﴿من نطفة﴾، و﴿الخطفة﴾، و﴿الأطفال﴾، و﴿ليطفئوا﴾، و﴿أطفأها الله﴾ وما أشبهه.
ذكر الباء:
وهو حرفٌ مجهور.
فإن التقى بمثل، وهو ساكن، أدغم إدغامًا تامًا كما تقدم، نحو ﴿فاضرب به ولا تحنث﴾، ﴿وليكتب بينكم﴾.
[ ١٦٦ ]
فإن التقى بالميم أو الفاء نحو ﴿ويعذب من يشاء﴾، و﴿يابني اركب معنا﴾، و﴿أو يغلب فسوف﴾، ﴿وإن تعجب فعجبٌ﴾ جاز إدغامه وبيانه. فالإدغام للقرب، والبيان لاختلاف اللفظ.
وإن التقى بالواو بين لقلة حروف الشفتين، ولأن الواو أدخل منه في الفم، وللمد الذي فيها. وذلك نحو ﴿فليكتب وليملل﴾، و﴿فانصب. وإلى ربك﴾ وما أشبهه.
ذكر الميم:
وهو حرف أغن، مجهور.
فإذا التقى بمثله أدغم لا غير، وإن التقى بالفاء أو الواو أنعم بيانه للغنة التي فيه، إذ كان الإدغام يذهبها فيختل بذلك. على أن أحمد بن أبي سريج قد روى عن الكسائي إدغامه في الفاء، وذلك غير صحيح ولا جائز.
فالفاء نحو ﴿هم فيها﴾، ﴿ويمدهم في﴾، و﴿لأريناكهم فلعرفتهم﴾ وما أشبهه.
[ ١٦٧ ]
والواو نحو: ﴿هم وقود النار﴾، و﴿أنتم وأزواجكم﴾. وهذا على مذهب من سكن الميم.
وكذلك ﴿قالوا نعم فأذن﴾، و﴿قم فأنذر﴾، و﴿لا تقم فيه﴾، و﴿حم والكتاب المبين﴾. ﴿ومن يسلم وجهه﴾ وشبهه.
فإن التقت الميم بالباء نحو ﴿آمنتم به﴾، ﴿وأن احكم بينهم﴾، و﴿كنتم به﴾، ﴿ومن يعتصم بالله﴾، و﴿أم بعيدٌ﴾، وما أشبهه، فعلماؤنا مختلفون في العبارة عنها معها.
فقال بعضهم هي مخفاةٌ لانطباق الشفتين عليهما، فانطباقهما على إحداهما. وهذا مذهب ابن مجاهد، في ما حدثنا به الحسين بن علي، عن أحمد بن نصر، عنه، قال: والميم لا تدغم في الباء لكنها تخفى، لأن لها صوتًا في الخياشيم، تواخي به النون الخفيفة.
وإلى هذا ذهب شيخنا علي بن بشر ﵀. قال أبو العباس محمد بن يونس النحوي المقري: في أهل اللغة من يسمي الميم الساكنة عند الباء إخفاء قال: وقال سيبويه: المخفى بوزن المظهر.
وقال آخرون: هي مبينةٌ للغنة التي فيها. قال أبو الحسين بن المنادي: أخذنا عن
[ ١٦٨ ]
أهل الأداء بيان الميم الساكنة عند الواو والفاء والباء، في حسنٍ من غير إفحاشٍ.
وقال أحمد بن يعقوب التائب: أجمع القراء على تبيين الميم الساكنة وترك إدغامها إذا لقيتها باء في جميع القرآن. قال: وكذلك الميم عند الفاء.
وذهب إلى هذا جماعة من شيوخنا، وحكاه أحمد بن صالح عن ابن مجاهد، وبالأول أقول.
ذكر الواو:
وهو حرف مد، مجهورٌ، ويخرج من الشفة، ثم يهوي في الفم فينقطع آخره عند مخرج الألف. قال الخليل - ﵀: ولذلك ألحقوا الألف بعده في الخط في نحو: آمنوا، وظلموا، وولوا، ولووا، وما أشبهه.
وكذا حال الياء يخرج من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك ثم يهوي، فينقطع هناك.
وقد مضى القول في أحكام الواو في التمكين والإشباع والتلخيص والبيان فأغنى ذلك عن الإعادة.
[ ١٦٩ ]
قال أبو عمرو: فهذه حروف التجويد بأصولها وفروعها، على مراتبها ومخارجها، قد شرحناها، وبينا حقائقها، لتحفظ بكمالها، ويقاس عليها أشكالها.
وجميع ذلك يضطر في تصحيحه إلى الرياضة، ويحتاج في أدائه إلى المشافهة، لينكشف خاص سره، ويتضح طريق نقله، وبالله التوفيق.
[ ١٧٠ ]