حدثنا أبو الفتح شيخنا، حدثنا عمر بن محمد، حدثنا الحسن بن أبي الحسن العسكري، حدثنا محمد بن الحسن بن عمير، حدثنا عبد الرحمن بن داود بن أبي طيبة، قال: قرأت على أبي التحقيق، وأخبرني أنه قرأ على ورش التحقيق، قال: وأخبرني ورش أنه قرأ على نافع التحقيق، قال نافع: إنه قرأ على الخمسة التحقيق، قال: وأخبرني الخمسة أنهم قرأوا على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة التحقيق، وأخبرهم عبد الله أنه قرأ على أبي بن كعب -﵁- التحقيق، وأخبره أنه قرأ على رسول الله - ﷺ - التحقيق، قال: وقرأ النبي - ﷺ - علي التحقيق.
[ ٧٩ ]
قال أبو عمرو: هذا الخبر الوارد بتوقيف قراءة التحقيق من الأخبار الغريبة والسنن العزيزة التي لا توجد روايته إلا عند المكثرين الباحثين، ولا يكتب إلا عن الحفاظ الماهرين، وهو أصل كبير في وجوب استعمال قراءة التحقيق وتعلم الاتقان والتجويد، لاتصال سنده وعدالة نقلته، ولا أعلمه يأتي متصلًا إلا من هذا الوجه.
حدثنا عبد الرحمن بن خالد الفرائضي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا البخاري، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة، قال: سئل أنس -﵁- كيف كانت قراءة رسول الله - ﷺقال: كانت مدًا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد (بسم الله)، ويمد (الرحمن)، ويمد (الرحيم).
قال أبو عمرو: وهذا حديث مخرج من الصحيح، وهو أصل في تحقيق القراءة، وتجويد الألفاظ، وإخراج الحروف من مواضعها، والنطق بها على مراتبها، وإيفائها صيغتها، وكل حق هو لها، من تلخيصٍ وتبيينٍ ومد وتمكينٍ وإطباقٍ
[ ٨٠ ]
وتفش وصفيرٍ وغنةٍ وتكريرٍ واستطالة وغير ذلك، على مقدار الصيغة وطبع الخلقة، من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ، وسترى ذلك محدودًا ممثلًا مشروحًا في ما بعد، إن شاء الله تعالى.
حدثنا محمد بن أحمد بن علي البغدادي، حدثنا أبو بكر بن مجاهد، قال: حدثني محمد بن سهل، حدثني إسحاق بن أحمد بن إبراهيم المروزي، عن عمر بن عمران العدوي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عاصم بن بهدلة، قال: قلت للطفيل بن أبي بن كعب -﵃- إلى أي معنى ذهب أبوك في قول رسول الله - ﷺ -: أمرت أن أقرأ عليك القرآن، قال: ليقرأ علي فآخذ ألفاظه.
قال أبو عمرو: وهذا الحديث أيضًا أصل كبير في وجوب معرفة تجويد الألفاظ وكيفية النطق بالحروف على هيئتها وصيغتها، وأن ذلك لازم لكل قراء القرآن أن يطلبوه ويتعلموه وواجبٌ على جميع المتصدرين أن يأخذوه ويعلموه، اقتداء
[ ٨١ ]
برسول الله - ﷺ - في ما أمر به، واتباعًا له على ما أكده بفعله، ليكون سنة يتبعها القراء، ويقتدي بها العلماء.
حدثنا عبد الرحمن بن عثمان الزاهد، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا محمد بن أبي غالب، حدثنا هشام، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه، عن جده، أنه كان عند عمر بن الخطاب -﵁- فسمع رجلًا يقرأ في سورة يوسف ﴿ليسجننه عتى حين﴾، فقال له عمر: من أقرأكها؟ قال أقرأنيها ابن مسعود، فكتب عمر إلى ابن مسعود -﵁- سلامٌ عليك، أما بعد فإن الله أنزل هذا القرآن فجعله قرآنًا عربيًا مبينًا، وأنزله بلغة هذا الحي من قريشٍ، فإذا جاءك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريشٍ، ولا تقرئهم بلغة هذيلٍ، والسلام.
قال أبو عمرو: وهذا الخبر أصل كبير، ومعناه تعليم عمر عبد الله -﵄- رياضة الألسنة، وأمره إياه أن يأخذ من يقرئه بالتفرقة بين الحروف المتشابهة في اللفظ المتقاربة في المخرج، حتى يؤدي القرآن على ما أنزل عليه من القراءات
[ ٨٢ ]
واللغات دون ما يجوز من ذلك من كلام العرب ولغاتها، إذا كان مخالفًا لما أنزل عليه من الأحرف، ألا ترى أن الفرق بين العين والحاء بحة الحاء، لولا هي لكانت عينًا. وإنما كانت ذات بحةٍ لهمسها وجهر العين، فقد ميز عمر -﵁- الفرق بينهما، وأمر عبد الله -﵁- بتتبع ذلك على القارئين وتلخيص بيانه للتالين. فيلزم سائر القراء وجميع أهل الأداء استعمال ذلك وتفقده، حتى يلفظه بالحروف على هيئتها، وينطق بها على مراتبها.
حدثنا علي بن محمد الربعي، حدثنا عبد الله بن مسرور، حدثنا يوسف بن يحيى، حدثنا عبد الملك بن حبيب، قال حدثني طلق بن السمح وأسد بن موسى، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن عفان، حدثنا أحمد بن ثابت، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا نصر بن مرزوق، حدثنا علي بن معبد. وحدثنا خلف بن حمدان، حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو عبيد، حدثنا نعيم بن حماد، قالوا: حدثنا بقية بن الوليد، واللفظ لأبي عبيد، عن حصين بن مالك
[ ٨٣ ]
الفزاري، قال سمعت شيخًا يكنى أبا محمد، يحدث عن حذيفة بن اليمان، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها.
قال أبو عمرو: وهذا الخبر أصلٌ لصحة افتراق طباع أئمة القراءة في الترتيل والتحقيق والحدر والتخفيف، واختلاف مذاهبها في ما تلقته من أئمتها ونقلته عن سلفها، من الهمز وتركه، والمد وقصره، والإمالة والتفخيم، والبيان والإدغام، والروم والإشمام، إلى سائر ما ورد عنها استعماله والأخذ به من المطرد من الأصول والمفترق من الفروع، إذ معنى قول النبي - ﷺ - بلحون العرب وأصواتها يريد طباعها ومذاهبها، وذلك إجماع باتفاق من أهل العلم باللسان من طباعها ومذاهبها. ولكل ضربٍ منه حد ينتهي إليه لا يتجاوز، وغاية يبلغ إليها لا تخالف، وسنوضح ذلك ونبينه في ما بعد، إن شاء الله تعالى.
أخبرت عن محمد بن الحسن النقاش، حدثنا محمد بن جعفر الإمام، عن أبي هشام الرفاعي، عن سليم عن حمزة، قال: إن الرجل يقرأ القرآن فما يلحن حرفًا، أو قال: ما يخطئ حرفًا، وما هو من القراءة في شيء.
قال أبو عمرو: يريد أنه لا يقيم قراءته على حدها، ولا يؤدي ألفاظه على
[ ٨٤ ]
حقها ولا يوفي الحروف صيغتها، ولا ينزلها منازلها من التلخيص والتبيين والإشباع والتمكين، ولا يميز ما بين سينٍ وصادٍ ولا ظاءٍ ولا ضاد، ولا يفرق بين مشددٍ ومخففٍ، ومدغمٍ ومظهرٍ، ومفخمٍ ومرققٍ، ومفتوحٍ وممالٍ، وممدودٍ ومقصورٍ، ومهموزٍ وغير مهموزٍ، وغير ذلك من غامض القراءة وخفاء التلاوة الذي لا يعلمه إلا المهرة من المقرئين، ولا يميزه إلا الحذاق من المتصدرين الذين تلقوا ذلك أداءً، وأخذوه مشافهة، وضبطوه وقيدوه، وميزوا جليه، وأدركوا خفيه، و[هم] قليل في الناس.
وأخبرت عن محمد بن الحسن أيضًا، حدثنا علي بن عباس، حدثنا محمد ابن عمر بن وليد، حدثنا إسحاق بن منصور، عن الحسن بن صالح، قال: ربما قرأ الرجل على عاصم فيقول: ما قرأت حرفًا.
قال محمد: وحدثنا الحسن بن [أبي] مهران الجمال والحسين بن علي الأزرق قالا: حدثنا الحلواني، حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا هشام بن بكير، وكان هو وأبوه من القراء. قال: كنت عند عاصمٍ ورجلٌ يقرأ عليه، قال: فما أنكرت من قراءته شيئًا، قال: فلما فرغ قال له عاصمٌ: والله ما قرأت حرفًا.
قال أبو عمرو: يريد أنك لم تقم القراءة على حدها، ولم توف الحروف
[ ٨٥ ]
حقها، ولا احتذيت منهاج الأئمة من القراء، ولا سلكت طريق أهل العلم بالأداء. وهذا وما قدمناه دال على توكيد علم التجويد والأخذ بالتحقيق، والله ولي التوفيق.
[ ٨٦ ]