بسم الله «١»
قوله، ﷿: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة/ ١٠].
قرأ حمزة فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا بكسر الزاي. وكذلك شاء وجاء وطاب وخاف وضاق «٢» وضاقت، وفتح الزاي من:
زاغَتِ الْأَبْصارُ [الأحزاب/ ١٠] وكسر الزاي من قوله: فَلَمَّا زاغُوا [الصف/ ٥] وفتح الزاي في أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف/ ٥] وكسر الراء من: بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [المطففين/ ١٤] وفتح الجيم من فَأَجاءَهَا [مريم/ ٢٣].
وكان ابن عامر يكسر من ذلك كلّه ثلاثة أحرف:
(فزادهم، وشاء وجاء).
وكان نافع يشمّ الزاي من (فزادهم) الإضجاع في رواية خلف «٣» عن إسحاق وابن جماز وإسماعيل بن جعفر عنه «٤»، وكذلك أخوات (فزادهم) لا مفتوح ولا مكسور.
قال ابن سعدان عن إسحاق: كل ذلك بالفتح.
قال ابن سعدان. وكان إسحق إذا لفظ «فزادهم» كأنه
_________________
(١) زيادة في (م).
(٢) في (ط): ضاق وخاف.
(٣) هو خلف بن هشام بن ثعلب أبو محمد الأسدي البزار- بالراء- البغدادي، أصله من فم الصلح- بكسر الصاد- أحد القراء العشرة، وأحد الرواة عن سليم عن حمزة، ولد سنة ١٥٠، وروى الحروف عن إسحاق المسيبي وإسماعيل بن جعفر وغيرهما. مات ببغداد سنة ٢٢٩. طبقات القراء: ١/ ٢٧٢. وتقدمت ترجمته في ص: (٢٨٥) من هذا الجزء.
(٤) سقطت عنه من (ط).
[ ١ / ٣٢٠ ]
يشير إلى الكسر قليلا، فإذا قلت له: إنك تشير إلى الكسر، قال: لا، ويأبى إلا الفتح.
وقال ابن جماز: كان نافع يضجع من ذلك كله قوله:
خابَ [طه/ ٦١].
حدثنا «١» ابن مجاهد قال: أخبرني عبد الله بن أحمد «٢» بن حنبل عن أبي موسى الهروي، عن عباس «٣»، عن خارجة «٤»، عن نافع، مكسورة يعني (خاب).
وقال خلف وابن سعدان عن إسحاق عن نافع: (بل ران)، الراء بين الفتح والكسر.
قال محمد بن إسحاق عن أبيه عن نافع: (بل ران) مفتوحة الراء.
وكان عاصم لا يميل شيئا من ذلك إلّا قوله: بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ في رواية أبي بكر عنه، وروى عنه حفص «٥» الفتح.
وكان الكسائي يقول في ذلك كلّه كقول عاصم ويميل (بل ران).
_________________
(١) في (ط): وحدثنا.
(٢) هو عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الرحمن البغدادي الحافظ عن أبيه المسند والتفسير. ولم يكتب عن أحد إلا بأمر أبيه. وثقه الخطيب. ومات سنة ٢٩٠. خلاصة تذهيب الكمال/ ١٩٠.
(٣) (هو العباس بن الفضل البصري والأنصاري) تقدمت ترجمته ص ٢٨٩.
(٤) هو خارجة بن مصعب أبو الحجاج الضبعي السرخسي. أخذ القراءة عن نافع وأبي عمرو. توفي سنة ١٦٨. طبقات القراء: ١/ ٢٦٨.
(٥) في (ط): حفص عنه.
[ ١ / ٣٢١ ]
وروى أبو عبيد «١» عن الكسائي في: شاءَ [البقرة/ ٢٠] وجاءَ [النساء/ ٤٣] بين الفتح والكسر.
وقال نصير بن يوسف «٢» وغيره عنه: إنّه فتحها.
وكان ابن كثير وأبو عمرو يفتحان ذلك كلّه «٣».
قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة/ ١٠].
قالوا: زاد يزيد زيادة وزيدا، وفي التنزيل: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس/ ٢٦].
وقالوا: زيدا، أنشد أبو زيد:
كذلك زيد المرء ثم انتقاصه «٤» وزدت فعل يتعدى إلى مفعولين؛ قال: «٥» وَزِدْناهُمْ هُدىً [الكهف/ ١٣] وقال: زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ [النحل/ ٨٨]، وقال: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة/ ٢٤٧].
وأما قوله: «٦» فَزادَهُمْ إِيمانًا [آل عمران/ ١٧٣]
_________________
(١) هو أبو عبيد القاسم بن سلام، وتقدمت ترجمته في ص/ ١٣.
(٢) هو نصير بن يوسف بن أبي نصر أبو المنذر الرازي ثم البغدادي النحوي، أستاذ كامل ثقة. أخذ القراءة عرضا عن الكسائي، وهو من جلة أصحابه وعلمائهم. وروى عنه القراءة محمد بن عيسى الأصبهاني وغيره ومات في حدود سنة ٢٤٠. طبقات القراء: ٢/ ٣٤٠.
(٣) السبعة ١٣٩ - ١٤١.
(٤) في (ط): «بعد» مكان (ثم)، والشطر صدر بيت في النوادر ص ١١٢ وعجزه: (وتكراره في إثره بعد ما مضى) وهو من قصيدة لحسان السعدي.
(٥) في (ط): وقال.
(٦) في (ط): قوله تعالى.
[ ١ / ٣٢٢ ]
فالمعنى: زادهم قول الناس لهم إيمانا، أضمر المصدر في الفعل وأسند الفعل إليه، وكذلك قوله: فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا [فاطر/ ٤٢]، أي: ما زادهم مجيء النذير، وقال:
وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا [الأحزاب/ ٢٢] أي: ما زادهم نظرهم إليهم أو رؤيتهم «١» لهم إلّا إيمانا.
ومثل ذلك من إضمار المصدر في الفعل لدلالة الفعل عليه قوله تعالى: «٢» وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ [الأنفال/ ٧٣] أي: إلا تفعلوا هذه الموالاة.
ومثل ذلك كثير في التنزيل وغيره.
وقال: «٣» وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [الكهف/ ٢٥] أي: ازدادوا لبث تسع، فحذف المصدر وأقيم المضاف إليه مقامه، فانتصاب تسع على هذا انتصاب المفعول به لا انتصاب الظرف، كما أن المضاف لو ظهر وأضيف إلى التسع كان كذلك.
وأما المرض فقال أبو عبيدة في تأويله: شك ونفاق، «٤» كأنه جعل ما في قلوب المنافقين من ذلك خلاف ما في قلوب المؤمنين من اليقين والإيمان.
وقيل: إن «٥» قوله: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب/ ٣٢] أي فجور.
_________________
(١) في (ط): ورؤيتهم.
(٢) في (ط): قوله، بدون تعالى.
(٣) في (ط): وقال تعالى.
(٤) انظر مجاز القرآن ١/ ٣٢.
(٥) في (ط): وقيل في قوله وتعالى.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وقال سيبويه: أمرضته: جعلته مريضا، ومرّضته: قمت عليه ووليته.
وقال «١» السدي: «٢» فزادهم الله مرضا، أي زادهم عداوة الله مرضا. وهذا في حذف المضاف كقول من قال في (يُخادِعُونَ اللَّهَ): إنّ المعنى يخادعون رسول الله، ومثله في حذف المضاف قوله: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر/ ٢٢] المعنى من ترك ذكر الله، كما قال في صفة المنافقين: يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء/ ١٤٢].
ويجوز أن يكون المعنى أنّهم إذا ذكر الله قست قلوبهم خلاف المؤمنين الذين قيل فيهم: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال/ ٢].