بسم الله «٢»: قال: حمزة «٣» يقف على: (مستهزءون) بغير همز، وكأنّه يريد الهمز، ويشير إلى الزاي بالكسر كما كان يفعل في الوصل، وهذا لا يضبطه الكتاب «٤». وكذلك كان يفعل بقوله: لِيُواطِؤُا [التوبة/ ٣٧] وَيَسْتَنْبِئُونَكَ [يونس/ ٥٣] ومُتَّكِؤُنَ [يس/ ٥٦]، وفَمالِؤُنَ [الصافات/ ٦٦] والْخاطِؤُنَ [الحاقة/ ٣٧] والصَّابِئِينَ [البقرة/ ٦٢، والحج/ ١٧] والصَّابِئُونَ [المائدة/ ٦٩] والباقون يصلون بالهمز ويقفون أيضا كما يصلون «٥».
قال أبو زيد: هزئت به هزءا ومهزأة، وأنشد غيره:
ألا هزئت بنا قرشي ية يهتز موكبها
«٦» وقالوا: هزئت منه. أنشدنا علي بن سليمان:
وهزئت من ذاك أم موأله «٧»
_________________
(١) في (ط): من الواو، والأخرى من الياء.
(٢) بسم الله و(قال) زيادة في (م).
(٣) في (ط): قوله تعالى: مستهزءون. حمزة يقف على مستهزءون.
(٤) في كتاب السبعة: ولا يضبط إلا باللفظ.
(٥) السبعة ١٤٢.
(٦) لابن قيس الرقيات. انظر الديوان/ ١٢١.
(٧) لرجل من بني تميم اسمه صحير بن عمير، ويقال فيه أيضا: صخير بن عمير، وصخر بن عمير وغير ذلك. وقبل الشاهد من أول الأرجوزة: هزأ مني أخت آل طيسلة
[ ١ / ٣٥١ ]
ومعنى يستهزءون يهزءون، كما أن قوله: وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات/ ١٤] يسخرون، ومثل هذا قرّ، واستقر، وقالوا: علا قرنه واستعلاه، وقال أبو زيد: استعلى عليه، وقال أوس:
ومستعجب ممّا يرى من أناتنا ولو زبنته الحرب لم يترمرم
«١» وقد جاء استفعل في معنى أفعل، كما جاء في معنى فعل. قالوا: استجاب وأجاب، وأنشد أبو زيد.
فلم يستجبه عند ذاك مجيب «٢» أي لم يجبه.
وقالوا: استخلف لأهله، وأخلف لأهله. قال:
_________________
(١) قالت: أراه مملقا لا شيء له انظر الأصمعيات: ٢٣٤، ورواية الشاهد فيها: مني بنت، مكان: من ذاك أم، وورد كذلك في هامش (ط).
(٢) زبنته: دفعته يترمرم: يحرك فاه للكلام. انظر ديوان أوس/ ١٢١ واللسان، والصحاح (رمرم).
(٣) صدره: وداع دعا هل من مجيب إلى الندى والبيت من مرثية لكعب بن سعد بن مالك الغنوي، يرثي بها أخاه، واسمه شبيب، وقيل: هرم، وكنيته أبو المغوار. وتروى لسهم الغنوي، وهو من قومه وليس بأخيه، ويروى شيء منها لسهم. انظر النوادر/ ٣٧، وجمهرة أشعار العرب/ ٢٧٦، والخزانة: ٤/ ٣٧٠. وشرح أبيات المغني ٥/ ١٦٧.
[ ١ / ٣٥٢ ]
ومستخلفات من بلاد تنوفة لمصفرّة الأشداق حمر الحواصل
«١» وقال آخر:
سقاها فروّاها من الماء مخلف
«٢» وقال: «٣» مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا [البقرة/ ١٧] وقال: كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ [المائدة/ ٦٤].
قال أبو زيد: وقالوا: «٤» رجل هزأة: يهزأ بالناس، وهزأة:
يهزأ به الناس. «٥»
اختلف النحويون في تخفيف الهمزة في: (يستهزءون).
فقال سيبويه: تجعلها إذا خففتها بين بين، فتقول:
(يستهزوون).
وزعم أن جعلها بين بين، قول العرب والخليل. وكذلك
_________________
(١) البيت لذي الرمة. والمستخلفات: المستسقيات، أو المستبقيات، ويعني بها القطا، لأنها تستسقي الماء في حواصلها لفراخها. التنوفة: الأرض الواسعة البعيدة الأطراف. ومصفرة الأشداق حمر الحواصل يعني بها صغارها. ورواية (ط): في بلاد، مكان من بلاد. وانظر اللسان (خلف) والديوان: ٢/ ١٣٤٥.
(٢) صدره: كأن دموعي سح واهية الكلى والبيت للحطيئة. واهية الكلى، يعني بها المزادة، والكلى: جمع كلية أو كلوة، وهي من المزادة رقعة مستديرة، تخرز عليها تحت العروة. المخلف: المستسقي (انظر اللسان/ خلف/، والديوان/ ٣٨٢).
(٣) في (ط): وقال ﷿.
(٤) في (ط): قالوا.
(٥) النوادر/ ١٣٤.
[ ١ / ٣٥٣ ]
قال في الهمزة المكسورة إذا كان ما قبلها مضموما نحو مرتع إبلك «١» تجعلها بين بين.
ويذهب أبو الحسن في يستهزءون إلى أن يقلب الهمزة ياء قلبا صحيحا، ولا يجعلها بين بين كما ذهب إليه سيبويه والخليل.
فأمّا إذا كانت مكسورة وقبلها ضمة فإنّه لا يخلو من أن يكون «٢» في كلام متصل أو منفصل، فإن كان متصلا قلبها واوا مثل بأكموك، «٣» وإن كان منفصلا قلبها ياء مثل: عبد يخوتك «٤» وسنذكر قوله بعد ذكر ما احتج به لسيبويه.
قال أبو عثمان: سأل مروان بن سعيد المهلبيّ «٥» أبا عمر الجرمي في مجلس أبي الحسن الأخفش، «٦» فقال:
كيف تخفف همزة جؤن؟ فقال: جون، فجعلها واوا خالصة.
فقال له مروان: لم لا جعلتها بين بين، فنحوت بها نحو الألف؟
_________________
(١) انظر الكتاب: ٢/ ١٦٤.
(٢) في (ط): من أن تكون.
(٣) أكمؤ: جمع كمء، وهو نبات ينقض الأرض فيخرج كما يخرج الفطر.
(٤) في (ط): عبد يخوانك. وورد في (م) بعدها زيادة: (عبد إخوتك) لبيان أصل الكلمة.
(٥) نحوي مبرز من أصحاب الخليل. معجم الأدباء: ١٩/ ١٤٦.
(٦) هو سعيد بن مسعدة، مولى مجاشع. أخذ عن سيبويه، وكان أحذق أصحابه. توفي سنة ٢١٥. الإنباه: ٢/ ٣٦.
[ ١ / ٣٥٤ ]
قال: فقال: من قبل أن الألف لا تقع بعد ضمة فكذلك «١» ما قرب منها.
فقال: فكيف تخفف همزة مئر؟ «٢» فقال: مير، فجعلها ياء خالصة مثل الأولى في العلة.
فقال له مروان: فكيف تخفف همزة يستهزءون؟
فقال: أبو عمر يستهزوون، فجعلها بين بين، ونحا بها لانضمامها نحو الواو.
قال أبو عثمان: وهو قول سيبويه.
فقال «٣» له مروان: لم لا صيرتها ياء لأن الواو المضمومة لا تقع بعد كسرة.
قال أبو علي: يريد مروان أن الكسرة لا تقع بعدها الواو المضمومة فكذلك ينبغي ألا يقع بعدها ما قرب من الواو المضمومة بالتخفيف، كما أنّ الضمة والكسرة، لمّا لم تقع بعدهما الألف فكذلك لم يقع بعدهما ما قرب منهما «٤» بالتخفيف، فقلبت الهمزة بعدهما قلبا، فكذلك كان يلزم أن نبدل من الهمزة المضمومة بعد الكسرة ياء إذا لم تقع بعد الكسرة واو مضمومة في موضع، فكذلك ما قرب من الواو المضمومة من الهمز بالتخفيف ينبغي ألا تقع «٥» بعدها.
(رجع إلى كلام أبي عثمان):
_________________
(١) في (ط): وكذلك.
(٢) مئر: ككتف وعنب: مفسد.
(٣) في (ط): قال فقال.
(٤) في (ط): منها وهو تحريف.
(٥) في (ط): يقع.
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال أبو عثمان: فقال أبو عمر وأجاد عندي: هي وإن لم يكن مثلها في الكلام فأنا أقدر أن «١» ألفظ بها، وتلك الأولى لا أقدر على أن ألفظ بها إذا نحوت بها نحو الألف وقبلها كسرة أو ضمة.
قال أبو عثمان: وهذا قولي، وحجتي فيه هذه. «٢»
وأما الأخفش فكان يقول: (يستهزيون) إذا خفف فيجعلها ياء خالصة من أجل الكسرة التي قبلها. انتهت حكاية أبي عثمان.
قال أبو علي: إن قال قائل: إذا لم يجعلها بين بين فلم قلبها ياء للكسرة التي قبلها، وهلّا قلبها واوا لتحركها بالضمة؟
قيل: إنّه إذا ترك أن يجعلها بين بين، فلا يخلو من أن يقلبها ياء أو واوا، فلا يجوز أن يقلبها واوا وقبلها «٣» كسرة، لخروجه إلى ما لا نظير له، «٤» ألا ترى أنّه ليس واو مضمومة قبلها كسرة؟
وإذا لم يجعلها بين بين كما جعلها غيره لكراهته تقريبها من واو مضمومة قبلها كسرة فأن يرفض قلبها إلى نفس الواو المضمومة المكسور ما قبلها أجدر، فإذا لم يجز قلبها واوا صارت نحو «٥»: شيوخ وفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ [النور/ ٣٦] على أنّ (يستهزيون) أسوغ في هذا «٦» لأن الضمة فيها إعراب فليست
_________________
(١) في (ط): على أن.
(٢) في (ط): فيه ذلك.
(٣) في (ط): قبلها.
(٤) كذا في (ط). وفي (م): عما لا نظير له.
(٥) في (ط): مثل.
(٦) في (ط): من هذا.
[ ١ / ٣٥٦ ]
بثابتة ثبات عين فعول، فهو مثل فخذ في الرفع ليس مثل فعل المرفوض من كلامهم.
ويقوي قلبها إلى الياء أنّها في جون ومير «١» قد قلبت إلى الحرف المجانس لما قبلها من الحركة وهي متحركة، فكذلك في (يستهزيون) تقلب إلى الحرف المجانس لما قبلها من الحركة مع كونها متحركة.
فإن قال قائل: فهلا قلبها إلى الحرف الذي منه حركتها كما قلبها إلى الحرف الذي منه حركتها في أيمّة، ولم يقلبها إلى ما يجانس الحركة التي قبلها كما لم تقلبها «٢» في أئمة إلى ما يجانس الحركة التي قبلها، ألا ترى أنّك لم تقل أامّة ولكن «٣» قلبتها إلى الياء لما تحركت بالكسرة؟
قيل: لم يجز أن تقلب إلى ما ذكرت في يستهزءون «٤» لخروجها إلى ما لا مثل له في كلامهم.
وجاز في أئمة أن تقلب إلى الحرف الذي منه حركتها من حيث لزم إلقاء حركة المدغم فيه على ما قبله، ولولا ذلك لقلبتها على ما قبلها من الحركة كما قلبتها في إناء وآنية، ولكن لما لزم إلقاء حركة المدغم عليها كما لزم في أخلّة ونحوه وجب تحركها، «٥» ولما وجب تحركها، «٥» وجب قلبها إلى الياء لتحركها بالكسرة إذ لم يمكن قلبها إلى الحرف المجانس
_________________
(١) في (ط): جؤن، ومئر.
(٢) في (ط): لم يقلبها.
(٣) في (ط): لكن.
(٤) في (ط): يستهزيون.
(٥) في (ط): تحريكها.
[ ١ / ٣٥٧ ]
للحركة التي قبلها، ولم يجز إسكانها وقلبها ألفا لأنها فاء كالفاء في أخلّة ونحوه، وليس في يستهزءون حركة لمدغم يلزم أن تلقيها عليها، فتقلبها إلى ما يجانس حركتها دون ما يجانس الحركة التي قبلها.
فإن قلت: كيف استجاز أن يقلب الهمزة ياء محضة في يستهزءون ويحركها بالضم، وليس ياء هي لام على هذا الوصف تتحرك بالضمة؟ فإن ذلك فيما أصله الهمزة لا يمتنع، وإن لم يجز فيما أصله غير الهمز، لأنّ الهمزة لما كانت منويّة كانت في تقدير الثبات، ألا ترى أنّه وإن «١» خففها تخفيفا قياسيا لم يقلبها قلبا إلى الياء، وإذا كان كذلك لم يمتنع ثباتها وتحريكها، وإن لم يجز ذلك في الياءات التي ليس أصلها همزات، كما لم تمتنع الواو الساكنة من أن تقع قبل الياء مبيّنا غير مدغم «٢» إذا كان أصلها الهمزة نحو نؤي، ورؤيا وإن كان فيما يمتنع ذلك فيما أصله غير الهمز من الواوات.
ومما يدلك على صحة ذلك من قوله: إنّها في قولهم جميعا تثبت ساكنة في الجزم. فكما جاز أن يخالف «٣» الياءات التي هي لامات عند الجميع في السكون للجزم، كذلك جاز عنده أن يخالفهن «٤» في الحركة أيضا.
وقال أبو الحسن في كتابه في القرآن: من زعم أن الهمزة المضمومة لا تتبع الكسرة إذا خففت دخل عليه أن يقول: هذا قارو، وهؤلاء قاروون، ويستهزوون، قال: وليس
هذا من كلام من خفف من العرب.
_________________
(١) سقطت من (ط).
(٢) في (ط): مبينة غير مدغمة.
(٣) في (ط): تخالف.
(٤) في (ط): تخالفهن.
[ ١ / ٣٥٨ ]
قال أبو علي: وجه دخول هذا عليه ولزومه له عنده أن الهمزة إذا كانت مفتوحة وكان ما قبلها مفتوحا فخففت جاز تخفيفها، فكذلك إذا كانت مكسورة وما قبلها مفتوح، وكذلك إذا كانت مضمومة وما قبلها مفتوح، وذلك أنّها إذا كانت مفتوحة، وما قبلها مفتوح أو مضمومة أو مكسورة وما قبلها مفتوح، فإنّك في ذلك كله تقرب الهمزة من الحرف الذي منه حركتها، فتقرب المفتوحة من الألف، والمكسورة من الياء الساكنة، والمضمومة من الواو الساكنة، فكما أن الألف والواو والياء الساكنين يجوز أن يقع كل واحد «١» منها بعد الفتحة نحو: دار وبيت، وثوب، كذلك جاز أن تخفّف الهمزة بعدها فتقربها بالتخفيف من هذه الحروف السواكن.
فإذا كانت الهمزة مفتوحة وقبلها ضمة أو كسرة خففتها بالقلب إلى الحروف التي حركتها منها بلا خلاف. وذلك نحو التّودة، وجون ومير، وذيب، وإنما قلبتها إليهما لأنك إذا «٢» خففت المفتوحة بعد الكسرة في مير قربتها من الألف، والألف لا تكون قبلها كسرة، وكذلك جون إذا خففتها قربتها من الألف، والألف لا تكون «٣» قبلها ضمة، فلما لم تكن «٤» بعد الكسرة ألف ولا بعد الضمة كذلك، لم يكن بعدهما ما قربته منه فقلبت قلبا لذلك إلى الواو أو إلى الياء.
فإن كانت مضمومة وقبلها كسرة فخففتها مثل يستهزءون، ومن عند أختك، فلا يخلو إذا خففتها من أن تنحو بها نحو
_________________
(١) في (ط): أن تقع كل واحدة.
(٢) إذا: ساقطة من (ط).
(٣) في (ط): لا يكون.
(٤) في (ط): لم يكن.
[ ١ / ٣٥٩ ]
الحرف الذي منه حركتها.
فإن قلت: أقربها منه فأقول: يستهزوون «١»، لم يستقم لأنّك تقربها من واو ساكنة والواو الساكنة لا تكون «٢» قبلها كسرة، فلا يجوز إذا أن تقربها من الواو الساكنة فتجعلها بين بين، كما لم يجز ذلك في جون ومير، ولزمك قلبها ياء على حسب الحركة التي قبلها كما قلبتها ياء أو واوا في جون، ومير، بحسب الحركة التي قبلها إذ لم يجز أن تكون بين بين لتقريبك إياها بالتخفيف من الواو الساكنة، والواو الساكنة لا تكون قبلها كسرة.
وإذا لم تكن قلبتها إلى الياء فقلت: يستهزءون حيث لم تكن بعد الكسرة واو ساكنة كما قلبتها بعد الكسرة أو الضمة إذا كانت مفتوحة إلى الياء أو إلى الواو حيث لم يجز أن يكون «٣» بعد الكسرة والضمة ألف فقد بان أن جعلها بين بين غير مستقيم للكسرة التي قبلها مع كونها مضمومة.
فإن قلت: لا أقلبها ياء ولا أتبعها الحركة التي قبلها ولكن أتبعها الحركة التي عليها وهي الضمة، فأقلبها واوا إذ لم يجز أن أتبعها الكسرة التي قبلها- لزمك أن تقول: هذا قارو، فتصحح الواو بعد الكسرة إذ لم يكن سبيل إلى أن تجعلها بين بين، وأنت قد قلت: لا أتبعها الكسرة التي قبلها فأقلبها إلى الياء فأقول: قاري، ويستهزيون، فبقي أن تقلبها واوا، فتجعلها من جنس الحركة التي تحركت بها فتقول: قارو، لتكون قد خففتها إذ
_________________
(١) في (م): يستهزيون.
(٢) في (ط): لا يكون.
(٣) في (ط): أن تكون.
[ ١ / ٣٦٠ ]
لا سبيل إلى أن تجعلها بين بين، ولا تنقلب ياء عندك، فهذا وجه لزوم قلبه إياها واوا وهذا ليس عليه أحد ممن يخفف الهمز، فإن لم يقلبها ياء خرجت بترك قلبها ياء عن قول العرب فيها إذا قلبتها واوا فقلت: قاروون ويستهزوون.
وكذلك إذا كانت الهمزة مكسورة وقبلها ضمة عكس قولك قارئ ويستهزءون فإنك تقلبها واوا، فتقول: مررت بأكموك، فقلبت الهمزة على الحركة التي قبلها كما أتبعتها في يستهزءون الحركة التي قبلها بأن قلبتها ياء كذلك في أكموك تتبعها الحركة التي قبلها، بأن تقلبها واوا فتجعلها من جنس الضمة التي قبلها، فتقول بأكموك، ولا يجوز بأكميك فتجعلها على حركتها كما لم يقولوا: قارو، فيجعلوها على حركتها، ولا يتبعوها «١» ما قبلها.
ولا يجوز أن تجعل: بأكموك بين بين، لأنّك تقربها من الياء الساكنة، فكما لا تكون الياء الساكنة بعد الضمة كذلك لا تكون الهمزة المكسورة بعد الضمة بين بين على قياس
قولهم:
جون ومير، والاتفاق الواقع في ذلك.
فإن قلت: فإذا لم تجعلها بين بين لما قلت من أنّها تقرّب من الياء الساكنة، والياء الساكنة لا تكون بعد الضمة فهلّا قلبتها ياء ولم تقلبها واوا لأنّك قد تجد الياء المكسورة في كلامهم تقع بعد ضمة، ألا ترى أنّك لو قلت: صيد في هذا المكان لجاز كما يجوز عور، في هذا المكان؟ فما الذي جعل قلبها
_________________
(١) في (ط): فلا يتبعوها.
[ ١ / ٣٦١ ]
إلى الواو عنده في أكموك من قلبها إلى الياء في أكميك لما أريناك من صيد.
فالقول: إن قلبها إلى الواو أولى، لأنّك قد وجدتهم في تخفيف الهمز يتبعون الهمزة حركة ما قبلها كثيرا، وقد وجدتهم قلبوا عكس هذا على ما قبلها، وذلك قولهم: (يستهزيون)، وقاري، فكما أتبعوا هذه الهمزة حركة ما قبلها كذلك يتبعون الهمزة في أكموك حركة ما قبلها ويقلبونها إليه، فيكون لذلك أولى وأقوى في القياس من قلبها إلى الياء على حركة نفسها.
ومما يدلّ على أن قلبها إلى الواو في المتصل أقوى من قلبها إلى الياء أن ما جاء فيه الواو من المتصل مصححة أكثر مما جاء فيه الياء، ألا تراهم قالوا: عور في هذا المكان، وحول فيه، واجتور، واعتون، «١» واعتور، والياء إنّما جاء في صيد فيه وحيي به وعيي به فيمن بيّن ولم يدغم، ومع ذلك، فإنّ أبا الحسن قد جوّز على قياس أكميك في المنفصل فقال:
إلّا أن تكون المكسورة مفصولة فتكون على موضعها لأنّها قد بعدت، يريد بقوله على موضعها أنّها تقلب إلى جنس حركتها.
والواو قد تقلب إلى الياء مع هذا وذلك نحو غلام «٢» يخوانك، والمكر السيئ يلا [فاطر/ ٤٣] فلما وجد لقلبها إلى الياء طريقا بدلالة صيد فيه كما وجد لقلبها إلى الواو طريقا ألزم الواو المتصل لتكون على ما قبلها مثل جون ومير وقاري. فإنّها قلبت على ما قبلها وجعل المنفصل بالياء وقال: لأنّ الواو تقلب إلى
_________________
(١) «اعتون» زيادة في (م).
(٢) في (ط): هذا غلام
[ ١ / ٣٦٢ ]
الياء فأخذ بالأمرين، «١» ورأى القلب إلى الواو في الاتصال أولى، وجعل المنفصل بالياء، لأنّ الضمة بالانفصال قد بعدت، فجعلها على حركة نفسها.
فإن قلت: أفليس قد أتبعوها حركة نفسها في المتصل في قولهم: أيمّة، ولم يتبعوها حركة ما قبلها فيقلبوها ألفا، ويقولوا: «أامة»، فهلا جاز في قولهم: بأكموك، أن يتبعوها حركة نفسها، فيقولوا: بأكميك كما فعل «٢» في (أيمة).
فالقول: إن هذا ليس كأيمة، وذلك أنّ التي في أيمة لزم إلقاء حركة المدغم عليها فلما لزم إلقاء حركة المدغم عليها لم يجد بدّا «٣» من تحريكها، ولما لم يجد بدّا من تحريكها كانت حركتها أولى أن تقلب إليها من أن تجعل على ما قبلها مع تراخي تلك عنها وقرب الكسرة منها، ألا ترى أنّها لو قلبت على ما قبلها من الفتحة فقلبت ألفا وحركة المدغم التي يلزم إلقاؤها عليها الكسرة لم يستقم، لأنّ الألف لا تحرّك فقلبت الهمزة في أيمّة على حركتها لذلك؟
فأمّا ما حكاه محمد بن السري في كتابه في القراءات عن أبي الحسن من أنّه قال: من زعم أن الهمزة المضمومة لا تتبع الكسرة إذا خففت. دخل عليه أن يقول: هذا قاري، وهؤلاء قاريون، ويستهزيون. «٤»
_________________
(١) في (ط): بالأمرين جميعا.
(٢) في (ط): فعلوا.
(٣) في (ط): لم تجد.
(٤) في (ط): هذا قارو وهؤلاء قاروون ويستهزوون.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وقال: قال: يعني أبا الحسن: وليس هذا من كلام من خفف من العرب إنّما يقولون: يستهزيون- فخطأ في النقل، أتراه يلزم الخليل وسيبويه أن يقولوا هذا في المتصل، وقد رآهم قالوا ذلك في المنفصل نحو: من عند أختك؟ ويسمعهم يقولون: إنّه قول العرب، فيلزمهم قولهم؟ وما يقولون: إنّه قول العرب! هذا ما لا يظن.
وأبو الحسن قد فصل بين المتصل والمنفصل في أكموك وغلام يخوانك فقلب المتصل واوا، والمنفصل ياء. هذا الذي حكاه عنه غلط في النقل، وإنّما هو دخل عليه أن يقول: هذا قارو بالواو، كما حكيناه عنه، وكذلك رواه أبو عبد الله اليزيديّ «١» عنه في كتابه في «المعاني»، ثم ما حكاه عن أبي الحسن من قولهم: إنّما يقولون يستهزيون على ماذا تحمله: على التحقيق أم على جعلها بين بين؟ [فإن حمله] «٢» على التحقيق لم يجز، لأنّ الكلام ليس فيه، إنّما الكلام على التخفيف [فإن حملته] على جعلها بين بين قد أثبتّ إذا ما أنكره وما لم يقله أحد من أهل التخفيف عنه، هذا خطأ عليه فاحش في النقل.
وأمّا ما ذكره محمد بن يزيد في هذه المسألة في كتابه المترجم بالشرح من قوله: والأخفش لا يقول إلا كما يقول النحويون: هذا عبد يبلك، ولكن يخالف في يستهزءون، فهذا
_________________
(١) هو محمد بن العباس بن محمد اليزيدي البغدادي، روى القراءة عنه ابن مجاهد وغيره (طبقات القراء: ٢/ ١٥٨).
(٢) ما بين المعقوفتين منقول عن [ط]، والعبارة في (م) مضطربة.
[ ١ / ٣٦٤ ]
الإطلاق يوهم أنّه لا يفصل بين المتّصل والمنفصل، «١» وقد فصل أبو الحسن بين أكموك وعبد يخوانك، فينبغي إذا كان كذلك ألّا ترسل الحكاية عنه حتى تقيّد، ويفصل بين المتصل والمنفصل كما فصل هو.