اختلفوا في قوله تعالى: «٤» بِالْهُدى «٥» [البقرة/ ١٦] وما أشبه ذلك فكان نافع لا يفتح ذوات الياء ولا يكسر مثل قوله: (الهدى، والهوى «٦» والعمى، واستوى وأعطى، وأكدى)
_________________
(١) في (ط): ولو.
(٢) في (ط) المنقلبة، وهو تحريف.
(٣) في (م) تعلم.
(٤) في (ط): ﷿.
(٥) كذا في (ط): وفي (م) الهدى.
(٦) الهوى ساقطة في (ط).
[ ١ / ٣٧٤ ]
وما أشبه ذلك، كانت «١» قراءته وسطا في «٢» ذلك كله، وكذلك (يحيى، وموسى، وعيسى، والأنثى، واليسرى، والعسرى، ورأى، ونأى).
وقال المسيّبي: «٣» كان نافع يفتح ذلك كلّه، والأول قول قالون وورش عن نافع.
وكان ابن كثير يفتح ذلك كلّه.
وأما أبو عمرو فكان يقرأ من ذلك ما كان من رءوس «٤» الآي بين الفتح والكسر «٥» مثل آيات سورة طه، والنجم و(عبس وتولى، «٦» والضحى، والليل إذا يغشى، والشمس وضحاها، ودحاها وطحاها) «٧»، فإذا لم يكن رأس آية فتح، مثل: قَضى أَجَلًا [الأنعام/ ٢] والهدى، «٨» واسْتَوى إِلَى السَّماءِ [البقرة/ ٢٩] و(أزكى) و(فسواهن)، و(أحيا) فإنّه بالفتح كلّه.
_________________
(١) كانت ساقطة من (ط).
(٢) في (ط): من.
(٣) المسيبي: هو إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المسيب المخزومي وأبو محمد المسيبي المدني إمام جليل عالم بالحديث قيم في قراءة نافع، ضابط لها محقق فقيه، قرأ على نافع وغيره، أخذ القراءة عنه ولده محمد، وأبو حمدون الطيب إسماعيل وخلف بن هشام. قال أبو حاتم السجستاني: إذا حدثت عن المسيبي عن نافع، ففرغ سمعك، وقلبك، فإنه أتقن الناس، وأعرفهم بقراءة أهل المدينة، وأقرؤهم للسنة، وأفهمهم للعربية توفي سنة ست ومائتين. (طبقات القراء: ١/ ١٥٧، ١٥٨).
(٤) في (ط): ما كان رءوس الآي.
(٥) في (ط): بين الكسر والفتح.
(٦) في (ط): عبس بدون تولى.
(٧) في (ط): وضحاها وطحاها.
(٨) في (ط): أجلا، واستوى.
[ ١ / ٣٧٥ ]
فإذا كان الاسم مؤنثا على فعلى أو فعلى أو فعلى مثل (ذكرى) «١» وضِيزى [النجم/ ٢٢] وأنثى «٢» وشتّى «٣» وما أشبه ذلك فهو بين الفتح والكسر، وإذا كانت راء بعدها همزة وبعد الهمزة ياء كسر الهمزة وفتح الراء مثل رَأى كَوْكَبًا [الأنعام/ ٧٦] ورَأى أَيْدِيَهُمْ [هود/ ٧٠] وإذا «٤» جاءت راء بعدها ياء كسر الراء مثل قوله: هل ترى، ويرى والنصارى وأرى. فإذا سقطت الياء في الوصل لساكن لقيها لم يمل الراء كقوله تعالى «٥»: حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة/ ٥٥] والنَّصارى الْمَسِيحُ [التوبة/ ٣٠] وتَرَى الَّذِينَ [الزمر/ ٦٠]، لأنّ الإمالة إنّما كانت من أجل الياء فلما زالت الياء زالت الإمالة.
وروى عبد الوارث «٦» وعباس بن الفضل «٧» عن أبي
_________________
(١) ذكرى (انظر مثلا سورة الأنعام آية ٦٨).
(٢) أنثى: انظر مثلا سورة النحل آية ٥٨، ٩٧.
(٣) شتى: انظر مثلا سورة طه آية ٣.
(٤) في (ط): فإذا.
(٥) في (ط): كقوله بدون تعالى.
(٦) هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان أبو عبيدة التنوري العنبري مولاهم البصري إمام حافظ مقرئ ثقة، ولد سنة اثنتين ومائة، وعرض القرآن على أبي عمرو. روى القراءة عنه ابنه عبد الصمد، وبشر بن هلال. وكان ثقة حجة موصوفا بالعبادة والدين والفصاحة والبلاغة، ولكنه اتهم بالقدر. قال عنه أبو عمر الجرمي: ما رأيت فقيها أفصح من عبد الوارث إلا حماد بن سلمة. مات سنة ثمانين ومائة بالبصرة، وله ثمان وسبعون سنة. (طبقات القراء: ١/ ٤٧٨).
(٧) العباس بن الفضل بن عمرو بن عبيد بن الفضل بن حنظلة أبو الفضل الواقفي الأنصاري البصري، قاضي الموصل، أستاذ حاذق ثقة جليل المنزلة في العلم والدين والورع. كان من أكابر أصحاب أبي عمرو في
[ ١ / ٣٧٦ ]
عمرو إمالة ذلك كلّه، استقبله ساكن «١» أو لم يستقبله.
والمعروف عن أبي عمرو ترك الإمالة في مثل: نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة/ ٥٥].
وكان عاصم يفتح في رواية أبي بكر ذلك كلّه إلّا: (رأى، ورمى ورآه)، و(نأى) في سورة بني إسرائيل [الآية/ ٨٣] وفتح التي في السجدة [فصلت/ ٥١] وأَعْمى [الإسراء/ ٧٢] فإذا سقطت الياء لساكن لقيها في الوصل أمال الراء وفتح الهمزة مثل: رَأَى الْقَمَرَ [الأنعام/ ٧٧].
وروى خلف عن يحيى بن آدم «٢» عن أبي بكر عن عاصم أنّه كان يميل الراء والهمزة من «٣» قوله تعالى «٤»: رأى الشمس [الأنعام/ ٧٨] ورأى القمر [الأنعام/ ٧٧] ورأى
_________________
(١) القراءة. روى القراءة عرضا وسماعا عن أبي عمرو بن العلاء وضبط عنه الإدغام، كما روى عن خارجة بن مصعب عن نافع وأبي عمرو وعن مطرف بن معقل الشقري عن ابن كثير وجاء عن أبي عمرو أنه قال: لو لم يكن في أصحابي إلا عباس لكفاني ولد سنة خمس ومائة وتوفي سنة ست وثمانين ومائة. (طبقات القراء: ١/ ٣٥٣).
(٢) في (ط): الساكن.
(٣) يحيى بن آدم بن سليمان بن خالد بن أسيد أبو زكريا الصلحي، إمام كبير حافظ. روى القراءة عن أبي بكر بن عياش سماعا. وروى أيضا عن الكسائي روى القراءة عنه الإمام أحمد بن حنبل. وخلف بن هشام البزار وسئل الإمام أحمد بن حنبل عنه فقال: ما رأيت أحدا أعلم، ولا أجمع للعلم منه، وكان عاقلا حليما. توفي سنة ثلاث ومائتين بفم الصلح قرية من قرى واسط. (طبقات القراء: ٢/ ٣٦٣).
(٤) في (ط): في.
(٥) في (ط): قوله بدون تعالى.
[ ١ / ٣٧٧ ]
الذين ظلموا [النحل/ ٨٥] وما كان مثله.
وكان غير خلف يروي عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم في ذلك بفتح الهمزة بعد كسر الراء، مثل حمزة.
وأما حفص فروى عن عاصم ذلك كلّه بالفتح، إلّا قوله:
مَجْراها [هود/ ٤١] فإنه أمالها.
وكان حمزة يميل ذوات الياء، مثل: (أعطى واتقى) و(استوى). وما أشبه ذلك، وأَماتَ وَأَحْيا [النجم/ ٤٤] ويَحْيى مَنْ حَيَّ [الأنفال/ ٤٢] ولا يميل (أحياكم) و(أحيا) إلّا إذا كان قبل الفعل واو. ويميل موسى، وعيسى، ويحيى، ولا يميل ذوات الواو مثل قوله: وَاللَّيْلِ إِذا سَجى [الضحى/ ٢] و(دَحاها)، و(طَحاها)، و(تَلاها)، ويميل ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ [النور/ ٣٠] والْأَعْلَى [الأعلى/ ١] وكلّ فعل من ذوات الواو زيدت في أوله ألف فإنه يميله.
وكان الكسائي يميل ذلك كلّه، ويميل، (فأحياكم) و(أمات وأحيا)، ويميل ذوات الواو إذا كنّ مع ذوات الياء مثل:
(وضحاها) و(الضحى)، لا يفتح شيئا من ذلك، وكذلك (دحاها).
واتفقا في ترك «١» الإمالة في قوله تعالى: «٢» ثُمَّ دَنا [النجم/ ٨] وما زكا منكم [النور/ ٢١] ودَعا [آل عمران/ ٣٨] وَعَفا [البقرة/ ١٨٧]، وما أشبه ذلك.
وابن عامر يفتح ذلك كلّه.
_________________
(١) في (ط): واتفقا على ترك. وفي السبعة زيادة: يعني حمزة والكسائي.
(٢) في (ط): قوله بدون تعالى.
[ ١ / ٣٧٨ ]
أبو عمرو يميل الكاف من (الكافرين) في موضع الخفض والنصب إذا كان جمعا، وإذا كان واحدا، كقوله تعالى: «١» أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة/ ٤١] أو جمعا في موضع رفع مثل قوله: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [الكافرون/ ١] لم يمل.
وكذلك روى أبو عمر الدّوري، ونصير بن يوسف النحوي جميعا عن الكسائي ولم يرو ذلك عن الكسائي إلا أبو عمر ونصير والباقون لا يميلون «٢».
قال أبو علي: أما إمالة نافع (الهدى، والهوى، «٣» والعمى، واستوى، وأعطى، وأكدى، ويحيى، وموسى، وعيسى، والأنثى، واليسرى، والعسرى، ورأى، ونأى) فحسنة، لأنّها ألفات منقلبة عن الياء، أو في حكم المنقلب عنها.
فأمالوها ليدلوا على أن أصلها الياء، أو في حكم ذاك. وإذا كانوا قد أمالوا شيئا من الأسماء التي على ثلاثة أحرف نحو:
العشا والكبا والمكا «٤» مع أنها منقلبة عن الواو، فلا نظر في حسن إمالة ما كان انقلابه من هذه الألفات عن الياء، أو كان في حكم ذلك لتدل الإمالة والانتحاء بالألف نحو
الياء على الياء.
ومثل ذلك في إلزام الكلمة ما يدل على الحرف الذي وقع الانقلاب عنه إبدالهم من الهمزة المعترضة في الجمع الواو
_________________
(١) في (ط): قوله بدون تعالى.
(٢) انظر السبعة ١٤٣ - ١٤٦.
(٣) «والهوى» ساقطة من (ط).
(٤) العشا: سوء البصر بالليل والنهار. «الكبا»: الكناسة. المكا: هو جحر الثعلب. (انظر الكتاب: ٢: ٢٦٠، وشرح الشافية لابن الحاجب: ٣: ٨).
[ ١ / ٣٧٩ ]
ونحو هراوى وأداوى، ليدل ذلك على الواو التي كانت اللام في إداوة وهراوة.
ومثله أيضا قول من قال: قيل «١» فانتحى بالكسرة نحو الضمة ليدل على أن الأصل فعل.
ومثل ذلك قولهم: أنت تغزين يا هذه. فأشموا الزاي الضمة لتدل على الواو المحذوفة التي هي لام الفعل، فكذلك إمالة الألف نحو الياء لتدل على أنّ انقلابها عن الياء دون الواو.
ومما يؤكد ذلك أنّ قوما قالوا هذا ماشّ وهذا «٢» جادّ، فأمالوا ليدلوا على الكسرة التي تكون في إظهار المثلين وفي عين الفعل في الدّرج.
وأما قصده في الإمالة بها نحو الياء وتوسطه في ذلك فلأنّه كره أن يبالغ في الانتحاء نحو الياء، فيصير كأنّه عائد إلى الياء التي كرهوها حتى أبدلوا منها الألف، وهكذا ينبغي أن تكون الألف في الإمالة.
قال وكان ابن كثير يفتح ذلك كلّه. وحكي عن ابن عامر أنّه كان يفتح ذلك كلّه.
قال أبو علي، «٣» الحجة له أنّه كره الإمالة في نحو:
هدى، وعمى، واستوى، لأنّه كره أن ينحو نحو الياء، وقد كان
_________________
(١) في (ط): قيل فيشم فانتحى.
(٢) انظر الكتاب: ٢/ ٢٦٦ والماش: وصف من المش، وهو مسح اليد بالشيء لتنظيفها وقطع دسمها.
(٣) «قال أبو علي» ساقطة من (ط).
[ ١ / ٣٨٠ ]
كرهها وفرّ منها حتى قلبها ألفا، فكره أن يعود إلى مقاربة ما كان رفضه، وهو قول الأكثر فيما زعم سيبويه، أعني ألا يميل ما كان انقلابه من الألفات عن الياء كما أن الأكثر من يقول ردّ، فيصحح الضمة ولا ينحو بها نحو الكسرة، لأنّه قد كان كرهها حتى أذهبها بالإدغام.
ومما يؤكد ترك الإمالة في هذا الضرب، لأنّ فيها انتحاء نحو ما كان كرهه، تركهم الإمالة في جادّ ومجادّ ونحوه من المضاعف لأنّه فربّما تحقّق فيه الكسرة التي كانت تقع بعد الألف لو لم تدغم فلم يعد إلى ما يدل عليها من الإمالة بعد رفضه لها، ولم يميلوا في الجر فقالوا: مررت برجل جادّ.
فأمّا من أمال ذلك في الجر فكما أمال: مررت بماله، لا على ما يمال من نحو: عابد وعالم، وهذا قول الأكثر.
قال سيبويه: وكثير من العرب وأهل الحجاز لا يميلون هذه الألف. «١»
قال: وأما أبو عمرو فكان يقرأ من ذلك ما كان من رءوس الآي بين الكسر والفتح، مثل آيات سورة طه، والنجم، وعبس وتولى، والضحى والليل، والشمس وضحاها، ودحاها، وطحاها، «٢» فإذا لم تكن «٣» رأس آية فتح.
قال أبو علي: إنّما أمال الألفات في رءوس الآي، لأنّ الفواصل بمنزلة القوافي في أنّها مواضع وقوف، كما أنّ أواخر
_________________
(١) انظر الكتاب: ٢/ ٢٦١.
(٢) «طحاها» ساقطة من (ط).
(٣) في (ط): يكن.
[ ١ / ٣٨١ ]
البيوت كذلك، وقد فصلوا بين الوصل والوقف، فأمالوا إذا وقفوا، ولم يميلوا إذا وصلوا، وذلك قولهم في الوقف: يريد أن يضربها ومنّا، ومنها «١» وبنا، ونحو ذلك.
فإذا وصلوا نصبوا فقالوا: يريد أن يضربها زيد، وأن يضربا زيدا، ومنا زيد. وإنّما حملهم على هذا الفصل بين الوقف والوصل أنّهم أرادوا في الوقف تبيين الألف، فكما بيّنوها بأن قلبوا من الألف الياء في نحو هذه أفعى، كذلك بينوها بأن نحوا بها نحو الياء. فإذا وصل ترك الإمالة كما يترك إبدال الياء منها فيقول: هذه أفعى فاعلم، لأنّ
الألف في الوصل أبين منها في الوقف، فعلى هذا فصل أبو عمرو بين رءوس الآي وغيرها.
وأما تسويته بين ضحاها، وطحاها، فليشاكل بينها في اللّفظ، لأنّ الفواصل كالقوافي، فاستحب الملاءمة بين بعض الفواصل وبعض، كما استحبوا ذلك في القوافي، وأمال طحاها ونحوها لذلك ولأنّ الامالة في نحو: طحا وغزا سائغة.
وأما إمالة ما كان آخره ألف التأنيث نحو ذكرى وأنثى وشتى، فلأن هذه الألفات تبدل منها الياء ولا تبدل منها الواو أبدا، فصارت بمنزلة ما أصلها الياء، فأمالها بذلك «٢». وإمالتها وترك إمالتها جميعا كثيران.
قال: فإذا كانت الراء بعدها همزة وبعد الهمزة ياء كسر الهمزة وفتح الراء، يريد بالياء الألف، ولعله سمّاها ياء لأنّ الكتّاب يكتبونها ياء، وذلك نحو: رَأى أَيْدِيَهُمْ [هود/ ٧٠]
_________________
(١) «منها» ساقطة من (ط).
(٢) في (ط): لذلك.
[ ١ / ٣٨٢ ]
فأمال الفتحة التي على الهمزة من رأى نحو الياء، لتميل الألف بإمالة الفتحة نحو الياء، وترك الراء مفتوحة لأنّها لم تل الألف، فتركها على فتحتها ولم يغيرها.
قال فإذا «١» جاءت راء بعدها ياء كسر الراء مثل قوله:
(ترى، ونرى، والنصارى، وأرى).
قوله: بعدها ياء، يريد بها الألف الممالة أيضا.
فإن قلت: فهلّا لم يمل الألف هنا «٢» لأنّ الراء مفتوحة، والراء إذا كانت مفتوحة منعت الإمالة كما تمنعها الحروف المستعلية. فالقول إن فتح الراء هنا لا يمنع «٣» الإمالة كما أن المستعلية أنفسها لم تمنع منها في نحو: سقى وصفا، وكذلك الراء في (النصارى).
قال: فإذا سقطت الياء في الوصل لساكن لقيها لم يمل الراء، كقوله تعالى: «٤» حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة/ ٥٥] والنَّصارى الْمَسِيحُ [التوبة/ ٣٠]، وَيَرَى الَّذِينَ [سبأ/ ٦].
قال أبو علي: هذا الذي ذهب إليه أبو عمرو مذهب، وللعرب في هذا مذهبان:
أحدهما ألّا يميلوا بالفتحة نحو الكسرة، لأنّ إمالتها إنّما كانت لتميل الألف نحو الياء، فلما سقطت الألف لالتقاء
_________________
(١) في (ط): وإذا.
(٢) في (ط): هاهنا.
(٣) كذا في (ط) وفي (م): «لم تمنع».
(٤) في (ط): قوله بدون تعالى.
[ ١ / ٣٨٣ ]
الساكنين صحح الفتحة ولم يملها «١» لسقوط الألف التي كانت الفتحة تمال لتميلها.
قال سيبويه: قالوا: لم يضربها الذي تعلم، «٢» فلم يميلوا، لأنّ الألف قد ذهبت.
والآخر أن يميل الفتحة نحو الكسرة وإن كانت الألف قد سقطت، لأنّ الألف لمّا كان حذفها لالتقاء الساكنين- والتقاء الساكنين غير لازم- صارت الألف كأنّها في اللفظ.
وقد روى أحمد بن موسى هذا الوجه الثاني أيضا عن أبي عمرو، فقال: روى عبد الوارث، وعباس بن الفضل عن أبي عمرو إمالة ذلك كلّه، استقبله ساكن أو لم يستقبله.
قال أحمد: والمعروف عن أبي عمرو ترك الإمالة في مثل نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة/ ٥٥].
وقد حكى هذا الوجه أبو الحسن، وحكى الأول الذي حكيناه عن سيبويه فقال: إن شئت تركت الإمالة على حالها.
قال: وذلك نحو فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ [الأنعام/ ٧٧] وفِي الْقَتْلى الْحُرُّ [البقرة/ ١٧٨] وهُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة/ ٢].
قال: وكان عاصم يفتح في رواية أبي بكر ذلك كلّه، إلّا رأى ورمى ورآه ونأى في سورة بني إسرائيل، وفتح التي في السجدة [فصلت/ ٥١] وأَعْمى [الاسراء/ ٧٢]، فإذا سقطت الياء لساكن لقيها في الوصل أمال الراء وفتح الهمز مثل (رأى القمر).
_________________
(١) في (م): «ولم يميلها».
(٢) انظر الكتاب: ٢/ ٢٦٦.
[ ١ / ٣٨٤ ]
قال: وكان غير خلف يروي عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم في ذلك كلّه «١» بفتح الهمزة بعد كسرة الراء مثل حمزة.
وأمّا حفص فروى عن عاصم ذلك كلّه بالفتح إلّا قوله:
(مجراها)، فإنّه أمالها.
قال: أبو علي: الفتح في ذلك هو الأصل، وأمّا الإمالة في رأى ورآه ونأى فإنّه أمال فتحة الهمزة لتميل الألف المنقلبة عن الياء في رأيت ونأيت نحو الياء، فلمّا أمال فتحة الهمزة لما ذكرناه أمال فتحة الراء لإمالة فتحة الهمزة، وكما «٢» أمالوا الألف لإمالة الألف في نحو رأيت عمادا، كذلك أمالوا الفتحة في راء: «٣» رأى لإمالة فتحة الهمزة، ألا تراهم أمالوا الفتحة في الراء من نحو: من الضرر، لكسرة الراء، والفتحة في الطاء من نحو: رأيت خبط الريف «٤» لكسرة الراء، فكذلك أمالوا الفتحة للفتحة الممالة، لأنّ الفتحة الممالة منتحى بها نحو الكسرة، كما أنّ الألف الممالة منتحى بها نحو الياء، فكما أمالوا الألف الآخرة في رأيت عمادا لإمالة الألف الأولى التي أميلت للكسرة، كذلك أميلت الفتحة في راء رأى لإمالة الفتحة من «٥» همزتها.
فأمّا فتحه الهمزة إذا سقطت الألف لساكن لقيها وتبقيته الإمالة في الراء مع فتحة الهمزة، فكان القياس أن يخلص فتحة
_________________
(١) «كله» ساقطة من (ط).
(٢) في (ط): فكما.
(٣) «راء» ساقطة من (ط).
(٤) الخبط: خبط ورق العضاه من الطلح ونحوه يخبط، يضرب بالعصا فيتناثر ثم يعلف الإبل (اللسان).
(٥) في (ط): في.
[ ١ / ٣٨٥ ]
الراء ولا يميلها لزوال ما كانت «١» أميلت له كما حكاه سيبويه في «٢» قولهم: لم يضربها الذي تعلم.
ولما فعله عاصم من إمالة فتحة الراء مع تفخيمه فتحة الهمزة وجه ظاهر، وقياس صحيح، وذلك أنهم قد قالوا:
﵀، فكسروا الراء لكسرة حرف الحلق الذي هو العين، ثم أسكنوا الحاء فبقيت الراء على كسرتها ولم يردوها إلى الفتحة التي كانت الأصل في فعل، فكذلك بقّى في رأى إمالة فتحة الراء مع زوال الإمالة عن فتحة الهمزة، ومما يثبت ذلك قوله:
وإن شهد أجدى فضله وجداوله «٣» وممّا يقوي ذلك قولهم: صعق «٤» ثم نسبوا إليه فقالوا:
صعقي، فقرروا كسرة الصاد وإن كانت كسرة العين التي لها كسرت الصاد قد زالت.
فأمّا إمالة فتحة الراء من قوله تعالى: «٥» وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال/ ١٧] فإنّ إمالة الراء في رأى، أحسن من إمالة الراء «٦» في رمى، لأنّ الراء في رأى ونأى بعدهما همزة.
_________________
(١) في (ط): ما كان.
(٢) في (ط): من.
(٣) عجز بيت للأخطل وصدره: إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا انظر الكتاب: ٢/ ٢٥٩ وديوان الأخطل ١/ ٣٤٨ وهو البيت التاسع والثلاثون من قصيدة يمدح فيها بشر بن مروان.
(٤) الصعق: لقب عمرو بن خويلد، من بني عمرو بن كلاب، لقب به لأن صاعقة أصابته في الجاهلية. الاشتقاق: ٢٩٧.
(٥) في (ط): قوله بدون تعالى.
(٦) في (ط): من إمالتها.
[ ١ / ٣٨٦ ]
والكسر [في الفاء إذا كانت بعدها همزة] «١» أو غيرها من حروف الحلق قد كثر.
قال أبو الحسن: وقد ذكروا أنّها لغة، ووجهه ما تقدم من أنّه لمّا أمال الميم أمال الراء لإمالتها.
وليس اختلاف رواية الرواة في هذه الحروف عنه بتدافع، لأنّه إذا كان لكل قراءة من ذلك وجه فقد يجوز أن يكون رأى أن يقرأ بكل واحد منها، «٢» ويجوز أن يكون رأى القراءة ببعض ذلك ثم انتقل عنه إلى وجه آخر.
ويقوي الوجه الأول ما رواه أبو بكر عنه من إمالة «نأى» في سورة بني إسرائيل، وفتح التي في السجدة.
وأمّا «٣» إمالة حمزة مثل: (أعطى، واتّقى، واستوى، وأمات، وأحيا) «٤» إلّا إذا كان قبل الفعل واو فيمكن أن يكون لمّا رأى الإمالة وتركها سائغين جائزين أخذ بهما جميعا فقرأ بعض ذلك ممالا، وبعضا غير ممال على نحو ما روي عن عاصم.
وإمالته موسى وعيسى ويحيى قد تقدّم القول في ذكر وجهه.
وترك إمالته ذوات الواو مثل: (والليل إذا سجا)، و(طحاها)، و(تلاها) حسن جميل، لأنّه لا ياء هنا ينحو بالألف نحوها: لتدلّ «٥» عليها فلم يمل الألف المنقلبة عن الواو إذ
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقطة من (ط).
(٢) كذا في (ط): وفي (م) منهما.
(٣) في (ط): فأما.
(٤) في (ط): أحيا، ويحيي، وترك إمالته أحياكم وأحيا.
(٥) في (ط): ليدل.
[ ١ / ٣٨٧ ]
كانت الإمالة في الألف المنقلبة عن الياء قد تترك، وفتح الألف في نحو رمى. فإذا جاء التفخيم في بنات الياء فبنات الواو أجدر.
والذين أمالوا نحو: طحا، أمالوا لأن اللام قد تنقلب ياء، والعدّة على ما هي عليه نحو: غُزًّى [آل عمران/ ١٥٦].
وأمّا إمالته «١» ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ [البقرة/ ٢٣٢] و(الأعلى) وكلّ فعل من ذوات الواو زيدت في أوله همزة، «٢» فحسنة، لأنّ الألف في هذه العدّة قد صارت في حكم المنقلب عن الياء لموافقتها لها في التثنية وغيرها، ألا ترى أنّك تقول:
الأزكيان، والأعليان، وتقول: أعليت زيدا، وزكيّته، فلما صار «٣» في حكم المنقلب عن الياء أمالها كما يميل ما انقلب عن الياء.
وموافقة الكسائي له في ذلك، واختصاص الكسائي بإمالة (وأحيا) في ذلك حسن، لأنّ الواو إذا لحقت أولا في هذا النحو فلا شيء فيه يمنع الإمالة، كما لا شيء فيه يمنع منها إذا لم تلحق في قياس العربية. ولعل حمزة اتبع في ذلك أثرا، لأنّ القراءة ليست موقوفة على مقاييس العربية دون اتباع الأثر فيها، أو أحبّ أن يجمع بين الأمرين الجائزين. «٤»
وأمّا اختصاص الكسائي من «٥» دون حمزة بإمالته ذوات
_________________
(١) في (ط): إمالة.
(٢) في (ط): الهمزة.
(٣) في (ط): صارت.
(٤) في (ط): الجائزين فيها.
(٥) «من» ساقطة من (ط).
[ ١ / ٣٨٨ ]
الواو إذا كنّ مع ذوات الياء في مثل (والشّمس وضحاها)، و(الضّحى)، و(دحاها)، وأنّه لا يفتح من ذلك شيئا، بل يسوي بين ذوات الياء وذوات الواو في هذه الفواصل- فهو في ذلك موافق لأبي عمرو، وقد تقدّم ذكر وجه ذلك عند ذكرنا لقول أبي عمرو.
قال: واتفقا في ترك الإمالة في قوله: «١» ثُمَّ دَنا [النجم/ ٨]، وما زكا منكم [النور/ ٢١]، ودعا، وعفا، وقد تقدّم ذكر وجه «٢» ذلك.
قال: أبو عمرو يميل الكاف من الكافرين فى موضع الخفض والنصب إذا كان جمعا، وإذا كان واحدا مثل: أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة/ ٤١]، أو جمعا مرفوعا مثل قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [الكافرون/ ١] لم يمل، وكذلك رواه بعضهم عن الكسائي.
قال أبو علي: إمالته الكافرين في موضع النصب والخفض «٣» إنّما هي للزوم الكسرة الراء بعد الفاء المكسورة، والراء لما فيها من التكرير تجري مجرى الحرفين المكسورين، وكلّما كثرت الكسرات غلبت الإمالة وحسنت. فلمّا كانت الراء في الكافرين قد لزمتها الكسرة، والفاء قبلها مكسورة أيضا- حسنت الإمالة.
فأمّا الواحد المجرور نحو: أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة/ ٤١]
_________________
(١) في (ط): قوله تعالى.
(٢) كذا في (ط)، وفي (م): نحو.
(٣) في (ط): في موضع الخفض والنصب.
[ ١ / ٣٨٩ ]
فإنّما لم يمله كما أمال الجميع، لأنّ كسرة الإعراب غير لازمة فيه لزوم الكسرة للراء في الكافرين، فلم يلزم أن يميل الواحد من حيث أمال الجميع، ومع ذلك فإنّ الراء لما كانت مشبّهة بالمستعلي للتكرير الذي فيها، ولم يمل قوم كافرا في الرفع والنصب، كما لم يميلوا نافقا وشاحطا- لم يميلوها في الجر أيضا، وأتبعوا الجرّ الرفع والنصب، فتركوا الإمالة فيه كما تركوها «١» فيهما.
وأمّا تركه إمالة الألف في الرفع نحو: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فللزوم الراء فيه الضمة، والراء تمنع الإمالة إذا انضمت أو انفتحت كما تجلبها إذا انكسرت.