اختلفوا في الهمز «٣» من قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة/ ٣].
فكان «٤» ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يهمزون (يؤمنون) وما أشبه ذلك؛ مثل: (يأكلون) و(يأمرون) و(يؤتون) «٥». ساكنة الهمزة كانت «٦» أو متحركة، مثل (يؤخّره) «٧» و(يؤدّه). إلا أنّ حمزة كان يستحب ترك الهمز في كل القرآن إذا أراد أن يقف، والباقون يقفون بالهمز.
وروى ورش عن نافع ترك الهمز الساكن في مثل:
(يؤمنون) وما أشبهه وكذلك المتحرك مثل يُؤَدِّهِ [آل عمران/ ٧٥] وَيُؤَخِّرْكُمْ [نوح/ ٤] ولا يُؤاخِذُكُمُ [البقرة/ ٢٢٥] وما كان مثله.
وأمّا أبو عمرو فكان إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة لم يهمز كلّ همزة ساكنة مثل: (يؤمنون) و(يؤمن) و(يأخذون) وما أشبه ذلك.
_________________
(١) في (ط): إرادة الفاعل الضم.
(٢) به ساقطة من (ط).
(٣) في (ط): الهمزة.
(٤) في (ط): كان.
(٥) في البقرة/ ١٧٤ وآل عمران/ ٢١ والمائدة/ ٥٥.
(٦) في (ط): ساكنة كانت الهمزة.
(٧) في (ط): يؤخركم.
[ ١ / ٢١٤ ]
وقال أبو شعيب السوسي «١» عن اليزيدي عن أبي عمرو:
إنّه كان إذا قرأ في الصلاة لم يهمز كل همزة ساكنة إلّا أنه كان يهمز حروفا من السواكن بأعيانها، أذكرها إذا مررت بها، إن شاء الله.
فإذا كان سكون الهمزة علامة للجزم لم يترك همزها، مثل: ننسأها [البقرة/ ١٠٦] وتَسُؤْكُمْ [المائدة/ ١٠١] وهيئ لنا [الكهف/ ١٠] ويهيئ لكم [الكهف/ ١٦] واقْرَأْ كِتابَكَ [الإسراء/ ١٤] وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ [الأنعام/ ٣٩] وأَنْبِئْهُمْ [البقرة/ ٣٣] وما أشبه ذلك.
وروى الشمونيّ محمد بن حبيب «٢» عن الأعشى «٣» عن أبي بكر «٤» عن عاصم أنّه لم يكن يهمز الهمزة الساكنة، مثل (يؤمنون) وما أشبهه.
أخبرنا أحمد بن موسى قال: حدثنا محمد بن عيسى بن
_________________
(١) هو صالح بن زياد السوسي، مقرئ ضابط ثقة، وكان من أجل أصحاب أبي محمد اليزيدي، وأخذ عنه القراءة عرضا وسماعا، توفي ٢٦١، انظر طبقات القراء: ١/ ٣٣٢.
(٢) محمد بن حبيب أبو جعفر الشموني مقرئ كوفي ضابط، أخذ القراءة عرضا عن أبي يوسف الأعشى، وكان أجل أصحابه، قال عبد الله بن محمد الزعفراني: قرأت عليه سنة أربعين ومائتين. انظر طبقات القراء: ٢/ ١١٤.
(٣) هو يعقوب بن محمد التميمي الكوفي أخذ القراءة عرضا عن أبي بكر شعبة، وتوفي في حدود المائتين، انظر طبقات القراء: ٢/ ٣٩٠.
(٤) هو أبو بكر شعبة بن عياش تقدمت ترجمته ص ١٧٧.
[ ١ / ٢١٥ ]
حيّان المقرئ «١» قال: حدثنا أبو هشام «٢» قال: سمعت أبا يوسف الأعشى يقرأ على أبي بكر فهمز (يؤمنون).
قال ابن مجاهد «٣»: وحدثني محمد بن عيسى بن حيّان المقرئ قال: حدثنا أبو هشام عن سليم «٤» عن حمزة أنّه كان إذا قرأ في الصلاة لم يكن يهمز.
أخبرنا أحمد بن موسى قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفريابيّ «٥» قال: حدّثنا منجاب بن الحارث «٦» قال: حدثنا شريك بن عبد الله «٧» قال: كان عاصم صاحب همز ومدّ وقراءة شديدة «٨».
_________________
(١) هو أبو جعفر البغدادي محمد بن عيسى بن حيان، مقرئ متصدر مشهور، أخذ القراءة عن أبي هشام الرفاعي، وروى عنه ابن مجاهد، وانظر طبقات القراء: ٢/ ٢٢٤.
(٢) هو أبو هشام محمد بن يزيد بن رفاعة الكوفي القاضي، إمام مشهور، روى عن الكسائي كل الحروف، وله كتاب الجامع في القراءات، كما روى عنه مسلم في صحيحه، والترمذي وابن ماجة، وتوفي سنة ٢٤٨. انظر طبقات القراء: ٢/ ٢٨٠.
(٣) سقطت عبارة «ابن مجاهد» من (ط).
(٤) هو سليم بن عيسى بن سليم، مقرئ ضابط محرر حاذق، كان أخص أصحاب حمزة الزيات وأضبطهم لقراءته، وتوفي سنة ١٨٨ هـ، انظر طبقات القراء: ١/ ٣١٨.
(٥) من شيوخ ابن مجاهد، ولم يذكره ابن الجزري في الطبقات.
(٦) هو أبو محمد الكوفي، من رجال الحديث وثقه ابن حيان. وكانت وفاته سنة ٢٣١. وانظر الخلاصة: ٣٤١.
(٧) هو أبو عبد الله الكوفي، قاضي الكوفة والأهواز من الثقات في الحديث. ومات سنة ١٤٠ هـ.
(٨) السبعة ١٣٠ - ١٣٣ مع اختصار للنقل في القسم الأخير منه.
[ ١ / ٢١٦ ]
قال أبو زيد: الأمون: الناقة القويّة الظهيرة «١». والأمانة:
خلاف الخيانة، والأمن خلاف الخوف. قال أحمد بن يحيى:
أمن فهو أمين، فهذا بمنزلة ظرف فهو ظريف. وقالوا: أمنته فهو أمين، فهذا فعيل بمعنى مفعول، فتقول من هذا: امرأة أمين، ومن الأول: أمينة مثل ظريفة، وقال الشاعر:
وكنت أمينه لو لم تخنه ولكن لا أمانة لليماني
«٢» فهذا كأنّه المأمون، أي: أمنك فخنت. «٣» وقول حسان:
وأمين حدثته سرّ نفسي فوعاه حفظ الأمين الأمينا
«٤» قال بعضهم: كأنّه قال: حفظ المؤتمن المؤتمن: وقالوا أمّان في معنى الأمين، قال الأعشى:
ولقد شهدت التاجر ال أمّان مورودا شرابه
«٥» فأمين وأمّان ككريم وكرّام ومثله حسّان وحسّانة ورجل قرّاء. «٦». وأنشد غيره:
وعنس أمون قد تعلّلت جهدها على صفة أو لم يصف لي واصف
«٧»
_________________
(١) في (ط): القوية الظهر، والمعنى واحد.
(٢) للنابغة في الديوان/ ١٥٠ من قصيدة يهجو بها يزيد بن عمرو بن خويلد.
(٣) في (ط): فخنته.
(٤) انظر الديوان: ١/ ٢٣٧.
(٥) التاجر الأمان على وزن رمان هو الأمين، وذكر في اللسان هذا البيت في مادة «أمن». وانظر الديوان/ ٢٨٩.
(٦) جاء في (ط) بعد كلمة قراء قوله: «قال أبو زيد: الأمون: الناقة القوية الظهر» وهي مكررة آنفا.
(٧) العنس: الناقة الصلبة. وروي الشطر الثاني في مجالس ثعلب: ٣٨٠
[ ١ / ٢١٧ ]
فأمون يمكن أن يكون من الذي هو خلاف الخوف، كأنّه يؤمن عثارها في سيرها، أو يؤمن كلالها وونيّها فيه. ويكون أمون في معنى مأمون، أي غير مخوف، كقولهم: طريق ركوب، أي يركب، وحلوب وقتوب أي: تحلب وتركب وتقتب.
ويكون أمون مثل أمين: لأنّك قد تقول: خانت في سيرها: إذا قصّرت عمّا أراد منها راكبها في المسير.
وقال- جل من قائل-: «١» لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال/ ٢٧]، فيجوز أن يكون لا تخونوا ذوي أماناتكم وهو أشبه بما قبله، وذوو الأمانة نحو المودع والمعير والموكّل والشريك ومن يدك في ماله يد أمانة لا يد ضمان.
ومن هذا الباب الكافر الموادع، قال تعالى: «٢» وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال/ ٥٨].
ويجوز أن تكون الأمانات لا يراد معها حذف المضاف، لأنّ خنت من باب أعطيت يتعدّى إلى مفعولين، ويجوز أن يقتصر على أحدهما. فإذا قدّرت حذف المضاف كان بمنزلة أعطيت زيدا، وإذا لم تقدّره كان بمنزلة أعطيت درهما. وعلى هذا قول كثير «٣»:
فأخلفن ميعادي وخنّ أمانتي وليس لمن خان الأمانة دين
_________________
(١) والبيت لأوس بن حجر في ديوانه/ ٦٤.
(٢) في (ط): وقال الله تعالى.
(٣) سقطت هذه الكلمة من (ط).
(٤) البيت في الأغاني ٥/ ٨٩ لكثير.
[ ١ / ٢١٨ ]
ويدلّك على تعدّي خنت إلى مفعولين قول أوس:
خانتك ميّة ما علمت كما خان الإخاء خليله لبد
«١» وأنشد أبو زيد:
فقال مجيبا والّذي حجّ حاتم أخونك عهدا إنني غير خوّان
«٢» والعهد كأنّه الأمانة، فأخونك «٣» عهدا كقولك: أخونك أمانة. وقال أبو ذؤيب:
فسوف تقول إن هي لم تجدني أخان العهد أم أثم الحليف
«٤» ومما يدلّك «٥» على تقارب الكلمتين استعمالهم إياهما في القسم، نحو: عهد الله وأمانة الله. وتقول: أمنت الرجل: إذا لم تخفه، آمنه قال: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ
عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ
[يوسف/ ٦٤]. وأمنته وائتمنته إذا لم تخش خيانته. قال﷿ «٦» -: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ [البقرة/ ٢٨٣]. فهذا كقوله تعالى: «٧» إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النساء/ ٥٨].
قال أبو عبيدة: «٨» وقالوا في مصدره: الأمن والأمنة
_________________
(١) انظر الأساس (خون) والديوان/ ٢٢.
(٢) من ثلاثة أبيات للعريان بن سهلة. انظر النوادر/ ٦٥.
(٣) في (ط): وأخونك.
(٤) من قصيدة له في ديوان الهذليين: ١/ ٩٨ وشرحه ١/ ١٨٤.
(٥) في (ط): ومما يدل.
(٦) في (ط): قال، فقط.
(٧) سقطت هذه الكلمة من (ط).
(٨) انظر مجاز القرآن له ١/ ٢٤٢.
[ ١ / ٢١٩ ]
والأمان. وفي التنزيل: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال/ ١١] «١». وقال أيضا: أَمَنَةً نُعاسًا [آل عمران/ ١٥٤].
وقولهم: آمن زيد يحتمل غير وجه: يجوز أن يكون أمنته فآمن، فجاء المطاوع على أفعل، كقولك: «٢» كببته فأكبّ، وفي التنزيل: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل/ ٩٠]، وفيه:
أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ [الملك/ ٢٢].
وقال:
كما أكبّ على ساعديه النّمر «٣» ومما يدلّك على ذلك تعدّيه «٤» بالحرف.
وقال أبو عثمان: أجفل الغيم إذا انقلع، وجفلته الريح، ولا يقال: أجفلته. ويجوز في آمن أن يكون المعنى: صار ذا أمن، مثل: أجرب وأقطف وأعاه، أي: صار ذا عاهة في ماله، فكذلك «٥» آمن صار ذا أمن في ماله ونفسه بإظهار الشهادتين، كقولهم: أسلم، أي صار ذا سلم بذلك، وخرج عن أن يكون حربا مستحل المال والنفس. فهذا كأنّه الأصل في اللغة ثم صار المؤمن والمسلم من أسماء المدح في الشرع. وسوّت الشريعة بين التسمية بالمؤمن والمسلم لقوله: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
_________________
(١) في الآية ١١ من سورة الأنفال. ويغشاكم قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر الإتحاف: ١٤٢.
(٢) في (ط): كقوله.
(٣) عجز بيت لامرئ القيس تقدم في ص (١٢٤).
(٤) في (ط): تعديته.
(٥) كذا في (ط). وفي (م): «فلذلك».
[ ١ / ٢٢٠ ]
[الذاريات/ ٣٥، ٣٦].
وقال أبو زيد: قالوا: ما آمنت أن أجد صحابة إيمانا، أي: ما وثقت أن أجد صحابة، والإيمان: الثقة.
وقال أبو الصقر: «١» ما آمنت أن أجد صحابة إيمانا، معناه: ما كدت أجد صحابة.
وقال أبو الحسن في قوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة/ ٦١]، أي: يصدّقهم، كما تقول: أما تؤمن لي بأن أقول كذا وكذا، أي أما تصدقني؟.
وقال أحمد بن يحيى: قالوا: رجل أمنة: إذا كان يثق بكل ما سمعه. «٢»
قال أبو علي: فثقته بما يسمعه إنّما هو لأمنه الكذب في المستمع، وإذا «٣» أمن كذبه فقد صدّقه. فيجوز «٤» في آمن أن يكون مما حكيناه عن أبي زيد وغيره من معنى الثقة والتصديق.
فأما قولهم: رجل أمنة، فوصف «٥» بالمصدر. وحكي رجل أمنة. فهذا: وصف مثل هزأة ونكحة. وقال: وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [النساء/ ١٦٢]، فهذا من أجل قوله:
_________________
(١) الظاهر أنه أبو الصقر الكفرتوني مقرئ دمشق الذي أخذ القراءة عن علي بن عبد الله الأزدي وإبراهيم بن حميد الكلابزي، أخذ الأخير القراءة عن أبي حاتم السجستاني، واسم أبي الصقر المذكور رحمة بن محمد بن أحمد، وانظر ترجمته في طبقات القراء: ١/ ٢٨٣.
(٢) في (ط): بكل من يسمعه.
(٣) في (ط): فإذا.
(٤) في (ط): وقد يجوز.
(٥) في (ط): فوصف وصف.
[ ١ / ٢٢١ ]
مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة/ ٤١]. فأمّا قوله: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات/ ١٤]، فنفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام، فلأنّ الإيمان على التصديق والثقة. وكأنّ المعنى: أنّهم، وإن صاروا ذوي سلم وخرجوا من أن يكونوا حربا بإظهار الشهادتين، فإنّهم لم يصدّقوا ولم يثقوا بما دخلوا فيه، فلم يطابق اعتقاداتهم ما أظهروه من الشهادتين، ولم يوافقه.
فهذا في المعنى مثل قوله: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة/ ٤١]. وإيمان المنافقين من هذا الضرب لإظهارهم بألسنتهم ما أمنوا به على دمائهم وأموالهم، والباطن منهم خلاف الظاهر. ولذلك قرأ من قرأ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً «١» [المنافقون/ ٢]، فهؤلاء وإن كانوا قد أظهروا الإسلام، وجرت عليهم أحكامه، فليسوا مسلمين مخلصين، ولا واثقين بما دخلوا فيه، كمن وصف في قوله: «٢» الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد/ ٢٨].
فأمّا جمع من جمع بين هذه الآية وبين الأخرى وهي قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال/ ٢] وقوله: إنّهما متدافعتان- لأنّ الوجل خلاف
_________________
(١) قال في البحر ٨/ ٢٧١: قرأ الجمهور: أيمانهم بفتح الهمزة جمع يمين. والحسن بكسرها مصدر «آمن».
(٢) في (ط). قوله تعالى.
[ ١ / ٢٢٢ ]
الطمأنينة- فجهل وذهاب عمّا عليه الآيتان وما أريد بهما، وذلك أنّ الاطمئنان إنّما يكون عن ثلج القلب وشرح الصدر بمعرفة التوحيد والعلم به وما يتبع ذلك من الدرجة الرفيعة والثواب الجزيل. والوجل إنّما يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى وما يستحق به الوعيد فتوجل القلوب لذلك. فكلّ واحد من الحالين غير صاحبتها، فليس هنا «١» إذا تضادّ ولا تدافع.
وهذان المعنيان المفترقان في هاتين الآيتين قد اجتمعا في آية واحدة، وهي قوله: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ [الزمر/ ٢٣]، لأنّ هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به، فانتفى عنهم الشكّ، والارتياب الذي يعرض لمن كان خلافهم ممن أظهر الإسلام تعوّذا، فحصل له حكمه دون العلم الموجب لثلج الصدر «٢» وانتفاء الريب والشكّ.
وقال: «٣» الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف/ ٦٩] كأنّه: صدّقوا ووثقوا، ثم قال: وَكانُوا مُسْلِمِينَ؛ لأنّ بعض من يعلم صدق ما أتى به النبي ﷺ «٤» لم يدخلوا في دينه وسلمه: كاليهود الذين علموا صدقه وجحدوه، وكفروا بما أتى به، قال: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة/ ٨٩] وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى [البقرة/ ١٥٩]
_________________
(١) كذا في (ط)، وفي الأصل هما، وهو تحريف.
(٢) في (ط): الصدور.
(٣) في (ط): وقال تعالى.
(٤) في (ط): النبي ﵇.
[ ١ / ٢٢٣ ]
فهؤلاء وإن كانوا قد علموا واستيقنوا فقد دخلوا في جملة من ذمّ بقوله: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل/ ١٤]. وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة/ ٢٠٨] وقال: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الحجرات/ ١٧]. فهذا يدلّ على أنّ الإيمان من الأمن، أي هداكم لما تحرزون به أنفسكم وأموالكم في العاجلة، ولا تخسرون معه أنفسكم وأهليكم في الآجلة.
ويجوز أن يكون هداكم للصدق وإن كان قد قال: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ألا ترى أنّه ليس كل من هدي إلى الصدق يصدّق كالمعاند الجاحد لما عرف؟.
وقال بعض المتأوّلين في قوله في صفة التابوت: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة/ ٢٤٨] معنى مؤمنين:
مصدّقين لي، «١» وذلك أنّه لا يخلو من أن يراد به: أهل الإيمان بالله، أو يراد به: إن كنتم مصدقين «٢» لي. فلا يجوز الأول لكفرهم بالله في تكذيبهم نبيهم لقوله: أَنَّى
يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا
[البقرة/ ٢٤٧]، فأنكروا أن يملّكوا من ملّكه نبيّهم قال: فإذا لم يجز هذا الوجه ثبت الوجه الآخر الذي هو التصديق به.
وأمّا قوله: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
_________________
(١) في (ط): مؤمنين مصدقين، وحذف الكلمتين: (معنى) و(لي).
(٢) سقطت (لي) في (ط).
[ ١ / ٢٢٤ ]
[يوسف:/ ١٠٦] فليس المؤمن هنا المطابق معتقده ما يظهره باللسان، ولكن المعنى: أن أكثرهم مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم مشركون. وقد يطلق على المظهر ذلك بلسانه اسم مؤمن، ولا يجوز أن يراد بذلك المدح، ولكن الاسم الجاري على الفعل. وعلى هذا قوله: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة/ ١٠] ألا ترى أن هذا على ما يظهرنه بألسنتهن من الشهادتين.
ومثل قوله: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ قوله: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها [النحل/ ٨٣] ومثله:
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام/ ٨٢] في قول من ذهب إلى أنّ الشرك الظلم، واحتجّ بقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان/ ١٣]. والمعنى فيهما: أنّهم إذا سئلوا: من خلقهم، قالوا: الله. ثم يجعلون له شريكا. وقال السدّيّ «١» في قوله: وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء/ ٤٦]: القليل قولهم: الله ربنا، والجنة حقّ، والنار حقّ. فهذا قليل من إيمانهم، والقليل ليس بشيء.
فهذا مثل ما تقدّم من أنّه عبارة عن الفعل وليس بمدح كقوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب/ ٤٧]، فقليلا على قول السّدّيّ وصف مصدر محذوف تقديره: فلا يؤمنون إلّا إيمانا قليلا. وهذا أوجه من أن
_________________
(١) هو إسماعيل بن عبد الرحمن مولى قريش. والسدى نسبة إلى سدة مسجد الكوفة لبيعه المقانع فيها. مستقيم الحديث صدوق. توفي سنة ١٢٧. الخلاصة: ٣٠، والقاموس (سد).
[ ١ / ٢٢٥ ]
يحمل القليل على أنّهم ناس، لأن (قليلا) مفرد، وفي التنزيل:
إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء/ ٥٤] إلّا أنّه قد جاء فعيل مفردا يراد به الكثرة كفعول، نحو قوله: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا [النساء/ ٦٩] وقال: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج/ ١٠] فدلّ عود الذكر مجموعا إلى القبيلين على أنّه أريد بهما الكثرة، وقال رؤبة «١»:
دعها فما النحويّ من صديقها فإن جعلت القليل ناسا، وجب ألا يكونوا دخلوا في اللعن، فيكون: إلّا قليلا، استثناء من قوله: لَعَنَهُمُ اللَّهُ
إِلَّا قَلِيلًا [النساء/ ٤٦].
ويجوز أن يكون الاستثناء من قوله: فَلا يُؤْمِنُونَ، ويكون قوله: لَعَنَهُمُ اللَّهُ واقعا على الكفار منهم دون المستثنين.
وما قاله السدّي هو القول: لأنّه قد قال: «٢» فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ، وما زائدة، فالمعنى: «٣» يؤمنون قليلا، أي إيمانا قليلا.
وأمّا قوله: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ [يوسف/ ١٧] فليس المعنى على: ما أنت بمصدّق لنا ولو كنا
_________________
(١) وهو في القسم المنسوب إليه في ديوانه ١٨١ وقبله: تنح للعجوز عن طريقها قد أقبلت رائحة من سوقها والمراد بالعجوز والدة رؤبة أو امرأة من العرب، وقيل في الشاهد غير ذلك. انظر شواهد الشافية: ١٣٨. وشأن الدعاء للخطابي ص/ ١٤٩.
(٢) في (ط): لأنه قال.
(٣) في (ط): والمعنى.
[ ١ / ٢٢٦ ]
صادقين عندك، لأنّ الأنبياء لا تكذّب الصادقين، ولكن المعنى: ما أنت واثقا، ولا غير خائف الكذب في قولنا، ولو كنّا على الحقيقة صادقين عندك لما خلونا من ظنّة منك وتهمة «١» لك أنّا قد «٢» كذبناك، لفرط محبّتك ليوسف وإشفاقك عليه. وهذا المعنى متعالم في استعمال الناس. فمؤمن هنا من آمن، أي صار ذا أمن أو صار ذا ثقة، فنفى ذلك، أي: لا تثق بأن الأمر كما تخبر ولا تسكن نفسك إليه.
وأمّا قوله: فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يونس/ ٨٨] «٣» فإنّ قوله: لا يؤمنوا في موضع نصب بالعطف على قوله: ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا. ولم يعطوا الأموال ليضلوا ويكفروا ولكن لمّا اختاروا ذلك فصار إليه عاقبة أمرهم كان بمنزلة قوله تعالى: «٤» فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص/ ٨]، لمّا أدى التقاطهم
إيّاه إلى ذلك، وإن كان الالتقاط لغيره.
وأمّا قوله: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ [آل عمران/ ١١٩]، ففي قوله: تُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ «٥» إنباء عن كون المؤمنين على خلاف صفة من ذكر في
_________________
(١) في (ط): من ظنة منك في تهمة لك.
(٢) في (ط): بأنا.
(٣) في الآية ٨٨ من سورة يونس: وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ.
(٤) سقطت لفظ: تعالى، من (ط).
(٥) سقطت من (ط) هذه الجملة: ففي قوله: «تؤمنون بالكتاب كله».
[ ١ / ٢٢٧ ]
قوله: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء/ ١٥٠]، وفي قوله: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الحجر/ ٩١].
وأمّا قولنا في وصف «١» القديم سبحانه: «المؤمن المهيمن» فإنّه يحتمل تأويلين:
أحدهما: أن يكون من «أمن» المتعدي إلى مفعول، فنقل بالهمزة فتعدى إلى «٢» مفعولين، فصار من «أمن» زيد العذاب وآمنته العذاب، فمعناه المؤمن عذابه من لا يستحقه. وفي هذه الصفة وصف القديم سبحانه «٣» بالعدل «٤» كما قال: قائِمًا بِالْقِسْطِ «٥» [آل عمران/ ١٨].
والآخر: أن يكون معناه المصدق، أي المصدق الموحدين له على توحيدهم إياه، يدل على ذلك قوله:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران/ ١٨]. ألا ترى أنّ الشاهد مصدق لما يشهد به، كما أنّه مصدق من يشهد له، فإذا شهد سبحانه بالتوحيد فقد صدّق الموحدين.
فأمّا قوله «المهيمن» فقال أبو الحسن في قوله: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة/ ٤٨] إنّه الشاهد، وقد روي في التفسير أنه الأمين.
_________________
(١) في (ط): صفة.
(٢) كذا في (ط): وفي الأصل: بإلى، وهو تحريف.
(٣) في (ط): ﷿.
(٤) بالعدل، سقطت من (ط).
(٥) وتمام الآية ١٨ من سورة آل عمران شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
[ ١ / ٢٢٨ ]
حدثنا أحمد بن محمد البصري «١» قال: حدثنا المؤمل «٢» قال: حدثنا إسماعيل «٣» عن أبي رجاء «٤» قال سألت الحسن «٥» عن: «٦» مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة/ ٤٨] قال: مصدقا بهذه الكتب وأمينا عليها.
والمعنيان متقاربان، ألا ترى أن الشاهد أمين فيما يشهد به؟ فهذا التأويل موافق لما جاء في التفسير من أنّه الأمين.
وإن جعلت الشاهد خلاف الغيبة كان بمنزلة قوله: لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [غافر/ ١٦]، ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ [سبأ/ ٣]،
_________________
(١) يبدو أن هذا الحديث من رواية أبي الحسن الأخفش ومن تتمة كلامه، كما يبدو أن كلامه متصل بعد ذلك إلى قول المؤلف: قال أبو علي: وليست الياء للتصغير إلخ. وأحمد بن محمد البصري الذي يروي عن مؤمل هو أحمد بن محمد بن إبراهيم الكندي كما في تهذيب الكمال ص ١٣٩٦. طبعة دار المأمون للتراث.
(٢) والمؤمل: هو مؤمل بن هشام اليشكري البصري أبو هشام ختن إسماعيل بن علية، روى عن إسماعيل بن علية. وروى عنه البخاري وأبو داود والنسائي. مات في ربيع الأول سنة ٢٥٣ هـ. انظر تهذيب الكمال ص ١٣٩٦
(٣) وإسماعيل، هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، أسد خزيمة مولاهم، أبو بشر البصري المعروف بابن علية، وهي أمه- مولاة بني أسد بن خزيمة أيضا، كان ثقة أمينا. قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت، توفي سنة ١٩٣، وانظر تهذيب الكمال: ص ٩٥.
(٤) وأبو رجاء، هو: محمد بن سيف الأزدي الحداني بضم المهملة الأولى أبو رجاء البصري، روى عن الحسن وعكرمة وجماعة، ووثقه ابن معين والنسائي وابن سعد، انظر تهذيب الكمال ص ١٢٠٩.
(٥) أي الحسن البصري وتقدمت ترجمته ص/ ٣٣.
(٦) كذا في (ط)، وسقطت: عن، من (م).
[ ١ / ٢٢٩ ]
وقال: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ [الأنبياء/ ٧٨].
وقالوا: إنه مفيعل من الأمان، مثل مبيطر «١»، وأبدلت من الفاء التي هي همزة الهاء كما أبدلت منها في غير هذا الموضع. وروى اليزيدي أبو عبد الله عن أبي عبيدة قال: لا يوجد مثل «٢» هذا البناء إلا أربعة «٣» أشياء: مبيطر ومصيطر ومبيقر «٤» ومهيمن.
قال أبو علي: وليست الياء للتصغير، إنما هي التي لحقت فعل وألحقته «٥» بالأربعة، نحو دحرج وإن كان اللفظ قد وافق اللفظ.
وأما قولهم: الأمان فإنّه، وإن كان اسم حدث، وكان بزنة الجمال والذّهاب والتّمام، فقد صار كأنّه لكثرته في الاستعمال خارجا عن أحكام المصادر. ألا ترى أن قولهم: أعطيته أمانا، ولك الأمان صار بمنزلة الكف والمتاركة، فكأنّه لما خرج بذلك عن بابه صار بمنزلة قولهم: لله درّك. الذي زعم أنّه بمنزلة قولهم: لله بلادك. فلذلك لا تكاد تجده معملا إعمال المصادر.
قال بعض المتأولين في قوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة/ ٣]، أي: يؤمنون إذا غابوا عنكم، ولم يكونوا
_________________
(١) المبيطر، كالبيطر والبيطار، معالج الدواب، وصنعته البيطرة.
(٢) مثل ساقطة من (ط).
(٣) في (ط): في أربعة.
(٤) مبيقر: اسم فاعل من بيقر الفرس إذا صفن بيده، أي: وقف على ثلاثة أرجل وحافر الرابعة، ويقال أيضا: بيقر الرجل: هاجر من أرض، وخرج إلى حيث لا يدري، ونزل الحضر، وغير ذلك.
(٥) في (ط): فألحقته.
[ ١ / ٢٣٠ ]
كالمنافقين الذين يقولون: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة/ ١٤]. ويقوي ما ذهب إليه هذا المتأول قوله: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [الأنبياء/ ٤٩] وقوله: وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [يس/ ١١] وقال الهذلي:
أخالد ما راعيت من ذي قرابة فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي
«١» فالجار والمجرور في موضع حال، أي تحفظني غائبا، ويخشون ربّهم غائبين عن مرآة الناس لا يريدون بإيمانهم تصنعا لأحد، ولا تقربا إليه رجاء المنالة «٢»، ولكن يخلصون إيمانهم لله تعالى «٣».
ويجوز فيها وجه آخر، وهو أن هذه الآية كأنّها إجمال ما فصل في قوله: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة/ ٢٨٠] والموصوفون فيها خلاف من وصف في قوله:
وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء/ ١٣٦]، فكفرهم بالملائكة ادعاؤهم إياهم بنات، كما وبّخوا في قوله: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ [الزخرف/ ١٦] وقوله: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا [الزخرف/ ١٩] وكفرهم بالكتب إنكارهم
_________________
(١) البيت من قطعة لأبي ذؤيب الهذلي يخاطب فيها ابن أخته خالد بن محرث الذي بعثه رسولا إلى صديقته فأفسدها عليه، انظر ديوان الهذليين: ١/ ١٥٩ وشرحه للسكري ١/ ٢١٩. وقصة الأبيات في شرح أبيات المغني ٧/ ١٣٥.
(٢) في (ط): رجاء لمنالة، والمنالة: النيل والعطاء.
(٣) سقطت هذه الكلمة من (ط).
[ ١ / ٢٣١ ]
لها في قوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام/ ٩١] وكفرهم بإرسال الرسل [إنكارهم] «١» إرسالهم بنحو قوله: «٢» وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ [المؤمنون/ ٣٤] وقوله: «٣» أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان/ ٤١]، وكفرهم بالآخرة قولهم: لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي [سبأ/ ٣]. فكل هذه الأمور غيب قد أنكروه ودفعوه فلم يؤمنوا به ولم يستدلوا على صحته، فقال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة/ ٤] أي بهذه الأشياء التي كفر بها هؤلاء الذين ذكر كفرهم بها عنهم وخصهم بالإيقان بالآخرة في قوله: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة/ ٤] وإن كان الإيمان بالغيب قد شملها لما كان من كفر المشركين بها «٤» وجحدهم إياها في نحو ما حكى عنهم من قولهم: «٥» وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا [الجاثية/ ٢٤] فكان في «٦» تخصيصهم بذلك مدح لهم.
ونظير ذلك في أنّه خصّ بعد ما عمّ قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق/ ١] فعم بقوله: «خلق» جميع مخلوقاته ثم خص فقال خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق/ ٢] ويقرب من هذا قوله: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حيث أريد تخصيص المسلمين بالكرامة في قوله: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب/ ٤٣] فالباء على هذا الوجه ليست في موضع الحال كما كانت كذلك في الوجه الأول، ولكنه في موضع نصب بأنه مفعول به، «٧» كما
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة في (ط).
(٢) في (ط): قوله تعالى.
(٣) في (ط): وقولهم.
(٤) سقطت هذه الكلمة من (ط).
(٥) في (ط): في قوله.
(٦) سقطت هذه الكلمة من (ط).
(٧) به ساقطة من (ط).
[ ١ / ٢٣٢ ]
أنها مفعول في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة/ ٨] إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ [يس/ ٢٥] والغيب: ما غاب عنك فلم تشهده. وقال: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ «١». قال «٢» أبو زيد: بدا «٣» غيّبان العود، إذا بدت عروقه التي تغيبت منه، وذلك إذا أصابه البعاق «٤» من المطر فاشتد السيل فحفر أصول الشجر حتى تظهر عروقه. وقوله: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٥» مصدر مضاف إلى المفعول على الاتساع فحذف حرف الجر، لأنّك تقول: غبت في الأرض، وغبت ببلد كذا، فتعديه بحرف الجر فحذف الحرف وأضيف المصدر إلى المفعول به في المعنى نحو مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ [فصلت/ ٤٩] وبِسُؤالِ نَعْجَتِكَ [ص/ ٢٤]. ويحتمل وجهين:
أحدهما: ذوو غيب السموات والأرض، أي ما غاب فيها «٦» من أولي العلم «٧» وغيرهم، كقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف/ ٥٤].
والآخر: أن يكون المعنى: ولله علم غيب السموات، ويدل على ذلك قوله: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا
_________________
(١) في سور: الأنعام ٧٣، التوبة ٩٤، ١٠٥، الرعد ٩، المؤمنون ٩٢، السجدة ٦، الزمر ٤٦، الحشر ٢٢، الجمعة ٨، التغابن ١٨.
(٢) في (ط): وقال.
(٣) كذا في (ط)، وفي (م): بدأ بالهمز.
(٤) غيبان بتشديد الياء المفتوحة، وقال بعضهم بسكونها، وانظر اللسان في مادة (غيب) والبعاق كغراب من المطر، هو الذي يفاجىء بوابل فيفجر الأرض ويكشف جذور النبت والشجر.
(٥) في الآية ١٢٣ من سورة هود، والآية ٧٧ من سورة النحل.
(٦) في (ط): فيهما.
(٧) كذا في (ط)، وفي (م) من أولي الغيب.
[ ١ / ٢٣٣ ]
[الجن/ ٢٦]، وعالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [المؤمنون/ ٩٢]. وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا [النساء/ ١٣٧]، يعني به المنافقين.
والإيمان «١» الأول دخولهم في الإسلام وحقنهم الدماء والأموال، «٢» وكفرهم بعد: نفاقهم، وأن باطنهم على غير ظاهرهم، وإيمانهم بعد يقيهم نفاقهم بقولهم: (إنّا مؤمنون) في قوله: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، «٣» فهذا الإظهار منهم للإيمان «٤» ثانية يدخلون به في حكم الإسلام بعد الكفر، كما أنّ من جاء من المؤمنات مظهرات للإسلام داخلات في حكمه. وقال: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ [الممتحنة/ ١٠] فعلمن مؤمنات بما أظهرنه من ذلك، فكذلك هؤلاء يكونون مؤمنين بإظهارهم الإيمان بعد ما علم منهم من النفاق. وكفرهم بعد هذا الإيمان الثاني قولهم: إذا خلوا إلى أصحابهم «٥» إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ فما ازدادوه من الكفر إنّما هو بقولهم: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ فهذا زيادة في الكفر.
ويدل على أن المستهزئ باستهزائه كافر فيزداد به كفرا إلى كفره قوله: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ، وقال: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ «٦»
_________________
(١) في (ط): فالإيمان.
(٢) في (ط): والأموال به.
(٣) في الآيتين ١٤، ٧٦ من سورة البقرة.
(٤) في (ط): الإيمان.
(٥) في (ط): إلى شياطينهم.
(٦) في الآية ٤٠ من سورة النساء: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا.
[ ١ / ٢٣٤ ]
فإذا كان المجالس «١» مثلهم وإن لم يظهر ذلك ولم يعتقده، فالقائل لذلك أشد ذهابا في الكفر.
[بسم الله] «٢»