واختلفوا «٢» في بارِئِكُمْ [البقرة/ ٥٤] في كسر الهمز واختلاس «٣» حركتها.
فكان عبد الله بن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ يكسرون العين من غير اختلاس ولا تخفيف.
واختلف عن أبي عمرو، فقال العباس بن الفضل الأنصاريّ «٤»: سألت أبا عمرو كيف «٥» تقرأ: إِلى بارِئِكُمْ مهموزة مثقّلة، أو إِلى بارِئِكُمْ مخففة؟ فقال: قراءتي مهموزة غير مثقّلة بارِئِكُمْ.
وروى اليزيديّ وعبد الوارث عنه: إِلى بارِئِكُمْ ولا يجزم الهمزة.
_________________
(١) في (ط): وفي أختيها.
(٢) في (ط): اختلفوا.
(٣) الاختلاس: ترك إكمال الحركة بأن يأتي القارئ بثلثيها فقط. شرح ابن القاصح على الشاطبية ص ١٩٢ (ط مصطفى محمد) وسيورد المصنف زيادة بيان للمعنى.
(٤) العباس بن الفضل بن عمرو بن عبيد بن الفضل بن حنظلة أبو الفضل الواقفي الأنصاري البصري (١٠٥ - ١٨٦ هـ) قاضي الموصل أستاذ حاذق ثقة، من أكابر أصحاب أبي عمرو في القراءة، روى القراءة عرضا وسماعا عن أبي عمرو بن العلاء وضبط عنه الإدغام، ناظر الكسائي في الإمالة. قال الذهبي: لم يشتهر لأنه لم يجلس للإقراء. (انظر غاية النهاية ١/ ٣٥٣). وسبقت ترجمته ١/ ٣٧٦.
(٥) كذا في (ط) وسقطت من (م).
[ ٢ / ٧٦ ]
قال أحمد: وقال سيبويه: كان أبو عمرو يختلس الحركة من «١»: بارِئِكُمْ ويَأْمُرُكُمْ [البقرة/ ٦٧] وما أشبه ذلك، مما تتوالى فيه الحركات، فيري من يسمعه أنه قد أسكن ولم يكن يسكن، وهذا مثل رواية عباس «٢» بن الفضل عنه التي ذكرتها أنه لا يثقّلها. وهذا القول أشبه بمذهب أبي عمرو، لأنه كان يستعمل التخفيف في قراءته كثيرا. من ذلك ما حدثني «٣» عبيد الله بن عليّ الهاشميّ عن نصر بن علي عن أبيه «٤» عنه أنه كان يقرأ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ [البقرة/ ١٢٩] وَيَلْعَنُهُمُ [البقرة/ ١٥٩] يشمّ الميم والنون التي قبل الهاء الضمّ من غير إشباع. وكذلك: عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ [النساء/ ١٠٢] يشمّ التاء فيها شيئا من الخفض. أخبرني «٥» بذلك أبو طالب عبد الله بن أحمد بن سوادة قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد الزّهراني، قال: حدثنا عبيد بن عقيل عن أبي عمرو بذلك.
قال: وكذلك: وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ [البقرة/ ١٥١] يشمّها شيئا من الضم، وكذلك: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ [التغابن/ ٩] يشمّ العين شيئا من الضم، وكذلك قوله: وَأَرِنا مَناسِكَنا [البقرة/ ١٢٨] لا يسكن الراء ولا يكسرها.
روى ذلك عنه علي بن نصر وعبد الوارث واليزيديّ وعباس بن الفضل وغيرهم، أعني: وَأَرِنا وكذلك قراءته
_________________
(١) في (ط): في.
(٢) في (ط): العباس.
(٣) في (ط): ما حدثني به.
(٤) علي بن نصر بن علي بن صهبان أبو الحسن الجهضمي البصري مات سنة ١٨٩ هـ. (انظر ترجمته في غاية النهاية ١/ ٥٨٢).
(٥) في (ط): قال أخبرني.
[ ٢ / ٧٧ ]
في: يَأْمُرُكُمْ [البقرة/ ٦٧] ويَأْمُرُهُمْ [الأعراف/ ١٥٧] ويَنْصُرْكُمُ [آل عمران/ ١٦٠] وما أشبه ذلك من الحركات المتواليات.
وروى عبد الوهاب بن عطاء «١» وهارون الأعور «٢» عن أبي عمرو: وَأَرِنا ساكنة الراء. وقال اليزيدي في ذلك كله:
إنه كان يسكّن اللام من الفعل في جميعه. والقول: ما خبرتك من إيثاره التخفيف في قراءته كلها، والدليل على إيثاره التخفيف أنه كان يدغم من الحروف ما لا يكاد يدغمه غيره، ويليّن الساكن من الهمز، ولا يهمز همزتين وغير ذلك.
وقال عليّ بن نصر: عن أبي عمرو: وَلا يَأْمُرَكُمْ [آل عمران/ ٨٠] برفع الراء مشبعة «٣».
قال أبو علي: حروف المعجم على ضربين: ساكن ومتحرك. والساكن على ضربين:
أحدهما: ما أصله في الاستعمال السّكون مثل راء برد، وكاف بكر.
والآخر: ما أصله الحركة في الاستعمال فيسكن عنها.
وما كان أصله الحركة يسكن على ضربين، أحدهما: أن تكون حركته «٤» حركة بناء، والآخر: أن تكون حركة الإعراب.
_________________
(١) عبد الوهاب بن عطاء بن مسلم أبو نصر الخفاف العجلي البصري ثم البغدادي ( - ٢٠٦ هـ؟) ثقة مشهور، روى القراءة عن أبي عمرو وإسماعيل بن كثير وأبان بن يزيد عن عاصم. روى الحروف عنه أحمد بن جبير وخلف بن هشام وغيرهم، وحدث عنه بالحروف محمد بن عمر الواقدي (طبقات القراء ١/ ٤٧٩).
(٢) سبقت ترجمته ١/ ٦.
(٣) السبعة ص ١٥٥ - ١٥٦.
(٤) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٧٨ ]
وحركة البناء التي تسكن على ضربين:
أحدهما: أن يكون الحرف المسكن من كلمة مفردة، نحو: فخذ وسبع وإبل، وضرب وعلم. يقول من يخفف:
سبع، وفخذ، وعلم وضرب.
والآخر: أن يكون هذا المثال من كلمتين، فيسكن على تشبيه المنفصل بالمتصل، كما جاء ذلك في مواضع من كلامهم نحو الإمالة والإدغام، وذلك قولهم: «أراك منتفخا» «١» وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور/ ٥٢] ومن ذلك قول العجاج «٢»:
فبات منتصبا وما تكردسا ألا ترى أنّ نفخا من منتفخ، مثل كتف، وكذلك تقه من يتّقه، وكذلك ما أنشده أبو زيد من قوله «٣»:
قالت سليمى اشتر لنا سويقا فنزّل مثل كتف. فأما حركة البناء فلا خلاف في تجويز إسكانها في نحو ما ذكرنا من قول العرب والنحويين. وأما حركة الإعراب فمختلف في تجويز إسكانها، فمن الناس من ينكره فيقول إن إسكانها لا يجوز من حيث كان علما للإعراب.
وسيبويه يجوّز ذلك، ولا يفصل بين القبيلين في الشعر، وقد روى ذلك عن العرب، وإذا جاءت الرواية لم تردّ بالقياس، فمن ما أنشده في ذلك قوله «٤»:
_________________
(١) انظر ١/ ٦٦ و٤٠٨ من هذا الكتاب.
(٢) سبق الكلام عنه. انظر ١/ ٤٠٨.
(٣) سبق في الجزء الأول ص ٤١٠.
(٤) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٧٩ ]
وقد بدا هنك من المئزر «١» وقوله «٢»:
فاليوم أشرب غير مستحقب وقال «٣»: إذا اعوججن قلت صاحب قوّم ومما جاء في هذا النحو قول جرير «٤»:
سيروا بني العمّ فالأهواز منزلكم ونهر تيرا ولا تعرفكم العرب
ومن ذلك قول وضاح اليمن «٥»:
_________________
(١) عجز بيت صدره: رحت وفي رجليك ما فيهما وهو في سيبويه ٢/ ٢٩٧ بغير نسبة والخصائص ٢/ ٣١٧ وفي الخزانة ٢/ ٢٧٩ ونسبه للأقيشر الأسدي- وخطأ ابن الشجري في نسبته الأبيات التي فيها الشاهد إلى الفرزدق. انظر أماليه ٢/ ٣٧.
(٢) سبق في ١/ ١١٧ و٤١٠.
(٣) رجز لأبي نخيلة وبعده: بالدوّ أمثال السفين العوّم انظر سيبويه ٢/ ٢٩٧ والخصائص ١/ ٧٥ و٣١٧ اللسان (عوم).
(٤) ديوانه/ ٤٨ - وفيه: فلم تعرفكم العرب. نهر تيرى: نهر قديم نواحي الأهواز حفره أردشير ملك الفرس.
(٥) هو وضاح بن إسماعيل بن عبد كلال أحد أبناء الفرس الّذين قدموا مع وهرز الفارسي فقتلوا الحبشة وأقاموا بصنعاء، وكان شاعرا ظريفا غزلا جميلا، فعشقته أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان زوجة الوليد بن عبد الملك، فقتله الوليد (انظر نوادر المخطوطات: أسماء المغتالين ٢/ ٢٧٣).
[ ٢ / ٨٠ ]
إنما شعري شهد قد خلط بالجلجلان
فأسكن الفتحة في مثال الماضي، وهذه الفتحة تشبه النصبة. كما أن الضمة في: صاحب قوّم، تشبه الرفعة. وجاز إسكان حركة الإعراب، كما جاز تحريك إسكان البناء، فشبّه ما يدخل على المعرب من المتحركات من الحركة بما يدخل على المبني، كما شبهوا حركات البناء بحركات الإعراب، فمن ثمّ أدغم نحو: ردّ، وفرّ، وعضّ ونحو ذلك، كما أدغموا نحو:
يردّ، ويشدّ. وذلك أن حركة غير الإعراب لما كانت تعاقب على المبني، كما تعاقب حركة الإعراب على المعرب أدغموه، كما أدغموا المعرب، والحركات المتعاقبة على
ذلك، نحو:
حركة الهمزة إذا سكن ما قبلها، نحو: اضرب أخاك، ونحو:
حركة التقاء الساكنين، وحركة النونين الخفيفة والشديدة فكما شبهوا تعاقب هذه الحركات التي للبناء على أواخر الكلم بتعاقب حركات الإعراب، حتى أدغم من أدغم نحو: ردّ، واستعدّ، كما يدغم نحو: يردّ، ويستعدّ، كذلك شبهوا حركة الإعراب بالبناء في نحو ما ذكرنا فأسكنوا.
فأما من زعم أن حذف هذه الحركة لا يجوز من حيث كانت علما للإعراب، فليس قوله بمستقيم، وذلك أن حركات
_________________
(١) والبيت في الضرائر لابن عصفور ص/ ٨٧ وعبث الوليد ص/ ٣١٥ وفي اللسان (جلل) مع اختلاف في الرواية. وانظر شرح أبيات المغني ٨/ ٣٧. والجلجلان: حب السمسم. قال أبو العلاء: وبعضهم يرويه: قد حشي.
[ ٢ / ٨١ ]
الإعراب قد تحذف لأشياء، ألا ترى أنها تحذف في الوقف، وتحذف من الأسماء والأفعال المعتلّة. فلو كانت حركة الإعراب لا يجوز حذفها من حيث كانت دلالة الإعراب، لم يجز حذفها في هذه المواضع، فإذا جاز حذفها في هذه المواضع لعوارض تعرض، جاز حذفها أيضا في ما ذهب إليه سيبويه وهو التشبيه بحركة البناء، والجامع بينهما: أنهما جميعا زائدان. وأنها قد تسقط في الوقف والاعتلال، كما تسقط التي للبناء للتخفيف.
فإن قلت: إن سقوطها في الوقف إنما جاز لأنه إذا وصلت الكلمة ظهرت الحركة ويستدل عليه بالموضع.
قيل: وكذلك إذا أسكن نحو: هنك «١»، استدلّ عليه بالموضع، وإذا فارقت هذه الصّيغة التي شبّهت «٢» لها بسبع، ظهرت كما تظهر التي للإعراب في الوصل.
ومما يدل على أن هذه الحركة إذا أسكنت كانت مرادة، كما أن حركة الإعراب مرادة، قولهم: رضي، ولقضو الرجل، فأسكنوا، ولم يرجعوا الياء والواو إلى الأصل، حيث كانت مرادة. كذلك تكون حركة الإعراب لمّا كانت مرادة، وإن حذفت لم يمتنع حذفها، وكان حذفها بمنزلة إثباتها في الجواز كما كانت الحركة فيما ذكرنا كذلك.
فإن قلت: إنّ حركات الإعراب تدل على المعنى، فإذا
_________________
(١) في الشاهد السابق: وقد بدا هنك من المئزر. (ص ٨٠).
(٢) في (ط): هذه الصنعة التي أشبهت.
[ ٢ / ٨٢ ]
حذفت اختلّت الدّلالة عليه، قيل: وحركات البناء أيضا قد تدل على المعنى وقد حذفت، ألا ترى أن «١» تحريك العين بالكسر في نحو: ضرب يدل على معنى، وقد جاز إسكانها، فكذلك يجوز إسكان حركة الإعراب. وكذلك الكسر في مثل «٢» حذر، والضمة «٣» في نحو: حذر «٤».
واعلم أن الحركات التي تكون للبناء والإعراب يستعملون في الضمة والكسرة منهما ضربين، أحدهما: الإشباع والتمطيط، والآخر: الاختلاس والتخفيف، وهذا الاختلاس والتخفيف إنما يكون في الضمة والكسرة، فأما الفتحة فليس فيها إلا الإشباع ولم تخفّف الفتحة بالاختلاس، كما لم تخفّف بالحذف، في نحو: جمل، وجبل، كما خفّف «٥» نحو: سبع وكتف، وكما لم يحذفوا الألف في الفواصل والقوافي من حيث حذفت الياء والواو فيهما، نحو: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [الفجر/ ٤] وقوله:
ثم لا يفر «٦» وكما لم يبدل الأكثر من التنوين الياء ولا الواو في الجر والرفع كما أبدلوا الألف في النصب، وهذا الاختلاس، وإن كان الصوت فيه أضعف من التمطيط، وأخفى، فإن الحرف المختلس حركته بزنة المتحرك، وعلى هذا المذهب حمل
_________________
(١) سقطت أن من (ط).
(٢) في (ط): نحو.
(٣) في (ط): والضم.
(٤) في اللسان: رجل حذر وحذر: متيقظ.
(٥) في (ط): حذف وهو تصحيف.
(٦) سبق في ١/ ٤٠٥.
[ ٢ / ٨٣ ]
سيبويه قول أبي عمرو: إِلى بارِئِكُمْ [البقرة/ ٥٤] «١» فذهب إلى أنه اختلس الحركة ولم يشبعها فهو بزنة حرف متحرك.
فمن روى عن أبي عمرو الإسكان في هذا النحو، فلعلّه سمعه يختلس فحسبه لضعف الصوت به والخفاء إسكانا، وعلى هذا يكون قوله: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ [البقرة/ ١٢٩] ويَلْعَنُهُمُ اللَّهُ [البقرة/ ١٥٩] وكذلك عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ [النساء/ ١٠٢] وكذلك يُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ [البقرة/ ١٥١] ويَوْمَ يَجْمَعُكُمْ [التغابن/ ٩] وَلا يَأْمُرَكُمْ [آل عمران/ ٨٠] هذا كله على الاختلاس مستقيم حسن «٢»، ومن روى عنه الإسكان فيها، وقد جاء ذلك في الشعر، فلعله ظن الاختلاس إسكانا.
فأمّا قوله «٣»: وَأَرِنا مَناسِكَنا [البقرة/ ١٢٨] فالإسكان فيه حسن على تشبيه المنفصل بالمتصل، والاختلاس حسن، وليس إسكان هذا مثل إسكان: يَأْمُرَكُمْ، وأَسْلِحَتِكُمْ لأن الكسرة في: أَرِنا ليست بدلالة إعراب، ومثل ذلك قول من قال: وَيَتَّقْهِ ومن روى الإسكان في حروف الإعراب فقال:
تسكن لام الفعل، فعلى تجويز ما جاء في الشعر وفي «٤» الكلام، وقد تقدم ذكر ذلك.
فإن قال قائل: فهلا لم تسكن أَرِنا لأنّ الراء «٥» متحركة بحركة الهمزة «٦» فإذا حذفها لم تدلّ على الهمزة كما تدلّ إذا
_________________
(١) انظر سيبويه ٢/ ٢٩٧ باب الإشباع في الجر والرفع وغير الإشباع والحركة كما هي.
(٢) سقطت من (ط).
(٣) في (ط): قوله تعالى.
(٤) في (ط): في.
(٥) في (ط): لأن النون، وهو خطأ.
(٦) في هامش (ط): معنى الهمزة التي في أصل الكلمة، لأن أصلها، أرئنا زيادة.
[ ٢ / ٨٤ ]
أثبتها عليها، قيل: ليس هذا بشيء، ألا ترى أن الناس أدغموا: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف/ ٢٨] فذهاب الحركة في أَرِنا في التخفيف ليس بدون ذهابها في الإدغام.