اختلفوا في التاء والياء في قوله «١»: وَمَا اللَّهُ «٢» بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة/ ٧٤]. فقرأ ابن كثير كلّ ما «٣» في القرآن من قوله «٤»: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء، إلا
ثلاثة أحرف: قوله «٥»: لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما يعملون [البقرة/ ٧٤] بالياء «٦» وقوله «٧»: يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما يعملون [البقرة/ ٨٥] بالياء.
وقوله «٨»: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة/ ١٤٤]، بالياء. وقرأ ما كان من قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء [الأنعام/ ١٣٢ والنمل/ ٩٣].
وقرأ نافع من هذه الثلاثة الأحرف حرفين بالياء: قوله:
إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون بالياء، وكذلك:
لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء، وسائر القرآن بالتاء.
_________________
(١) في (ط): قوله تعالى.
(٢) في (م): وما ربك، وهي من سورة الأنعام/ ١٣٢.
(٣) في (ط): كل ما كان.
(٤) في (ط): قوله ﷿.
(٥) في (ط): قوله تعالى.
(٦) سقطت من (م).
(٧) في (ط): وقوله تعالى.
(٨) في (ط): وقوله تعالى.
[ ٢ / ١١٠ ]
وكذلك قرأ ما كان من قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. بالتاء، وهما حرفان في آخر سورة هود، [الآية/ ١٢٣]، وآخر سورة النّمل [الآية/ ٩٣] فهما عنده بالتاء.
وقرأ في سورة الأنعام: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء [الآية/ ١٣٢].
وقرأ ابن عامر كلّ ما جاء في القرآن من قوله: وما الله بغافل عما تعملون بالتاء. وقرأ في سورة الأنعام وآخر سورة هود وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء، وقرأ في آخر سورة النّمل، وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء فهذه حروف كذلك في كتابي عن أحمد بن يوسف عن ابن ذكوان. ورأيت في كتاب «١» موسى بن موسى الختّلي «٢» عن ابن ذكوان: بالتاء.
وفي آخر النمل: بالتاء أيضا.
وقال الحلوانيّ عن هشام بن عمار بإسناده عن ابن عامر ذلك كلّه بالتاء وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء في موضعين، قوله: يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء. وقوله: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء، وسائر القرآن بالتاء.
_________________
(١) سقطت من (م).
(٢) هو موسى بن موسى بن غالب أبو عيسى الختلي البغدادي روى القراءة عن عبد الله بن ذكوان وهارون بن حاتم روى القراءة عنه أبو بكر بن مجاهد. انظر طبقات القرّاء ٢/ ٣٢٣ برقم ٣٧٠٠.
[ ٢ / ١١١ ]
وكلّ «١» ما في القرآن من قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ فهو بالياء، وهذا «٢» قول أبي بكر بن عيّاش عن عاصم. وقال حفص عن عاصم في رأس الأربع والأربعين والمائة: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة] بالياء، هذه وحدها، وسائر القرآن بالتاء.
وقال حفص: قرأ عاصم في سورة الأنعام: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [الآية/ ١٣٢] بالياء، وقرأ في آخر هود وآخر النّمل: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء مثل قراءة نافع.
وقرأ أبو عمرو رأس الأربع والأربعين والمائة، والتسع والأربعين والمائة «٣»: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء، وسائر القرآن من قوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء.
وما كان من قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ فهو بالياء.
وقرأ حمزة والكسائيّ كلّ ما كان من قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء «٤».
وكلّ ما في القرآن من قوله «٥»: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ فهو ستّة مواضع. خمسة منها في سورة البقرة «٦»، وحرف في آل عمران عند المائة. وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ ثلاثة مواضع «٧»: في الأنعام وآخر هود وآخر النّمل.
_________________
(١) في (ط): وكل ما كان.
(٢) في (ط): هذا.
(٣) أي في سورة البقرة كلتاهما.
(٤) السبعة ١٦٠ - ١٦٢.
(٥) في (ط): قوله ﷿.
(٦) وأرقامها: ٧٤ - ٨٥ - ١٤٠ - ١٤٤ - ١٤٩.
(٧) سقطت من (ط).
[ ٢ / ١١٢ ]
قال أبو عليّ: القول في جملة ذلك أنّ ما كان قبله خطاب جعل بالتاء، ليكون الخطاب معطوفا على خطاب مثله- كقوله «١»: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ [البقرة/ ٧٤] وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، فالتاء هنا «٢» حسن، لأنّ المتقدّم خطاب. ولو كان: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ على لفظ الغيبة. أي: وما الله بغافل عما يفعل هؤلاء الذين اقتصصنا عليكم قصصهم أيها المسلمون، لكان حسنا.
وإن كان الذي قبله غيبة «٣»، حسن أن يجعل على لفظ الغيبة، ليعطف ما للغيبة على مثله، كما عطفت ما للخطاب على مثله.
ويجوز فيما كان قبله لفظ غيبة الخطاب. ووجه ذلك أن تجمع بين الغيبة والخطاب، فتغلّب الخطاب على الغيبة، لأنّ الغيبة يغلب عليها الخطاب فيصير كتغليب المذكّر على المؤنّث، ألا ترى أنّهم قد بدءوا بالخطاب «٤» على الغيبة في باب الضمير، وهو موضع يردّ فيه كثير من الأشياء إلى أصولها؟
نحو: لك، ونحو قوله:
فلا بك ما أسال ولا أغاما «٥» فلمّا قدّموا المخاطب على الغائب فقالوا: أعطاكه ولم
_________________
(١) في (ط): ﷿.
(٢) في (ط): هاهنا
(٣) في (م): «قبل غيب».
(٤) في (ط): قدموا الخطاب.
(٥) عجز بيت صدره: رأى برقا فأوضع فوق بكر وقد سبق في ١/ ١٠٦.
[ ٢ / ١١٣ ]
يقولوا: أعطاهوك. علمت أنه أقدم في الرّتبة. كما أن المذكّر مع المؤنث كذلك. فإذا كان الأمر على هذا، أمكن في الخطاب في هذا النحو أن يعنى به الغيب والمخاطبون، فيغلّب الخطاب على الغيبة ويكون المعنى: ما الله بغافل عمّا تعملون.
أي فيجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته.
ويجوز في الخطاب بعد الغيبة وجه آخر، وهو أن يراد به: قل لهم أيها النبيّ: ما الله بغافل عمّا تعملون، فعلى هذا النحو تحمل هذه الفصول.