اختلفوا في قوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة/ ٨١]، فقرأ نافع وحده: خطيئاته، وقرأ الباقون:
خَطِيئَتُهُ واحدة «١».
قال أبو علي: قوله: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون المعنى أحاطت بحسنته خطيئته أي:
أحيطتها من حيث كان المحيط أكبر «٢» من المحاط به فيكون بمنزلة قوله: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [العنكبوت/ ٥٤]، وقوله أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [الكهف/ ٢٩]، أو يكون المعنى في: أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ:
أهلكته، من قوله «٣»: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يوسف/ ٦٦] وقوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [يونس/ ٢٢] وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف/ ٤٢] فهذا كلّه في معنى البوار والهلكة.
ويكون للإحاطة معنى ثالث وهو: العلم. كقوله «٤»:
_________________
(١) السبعة ص ١٦٢.
(٢) في (ط): أكثر.
(٣) من قوله سقطت من (ط).
(٤) في (ط): تعالى.
[ ٢ / ١١٤ ]
كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا [الكهف/ ٩١] و: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ [الجن/ ٢٨].
وقال: وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ «١» [الأنفال/ ٤٧] أي: عالم.
وأما «٢» الخطيئة: فقال أبو زيد: خطئت، من الخطيئة.
أخطأ خطئا «٣» والاسم الخطء، وأخطأت إخطاء، والاسم الخطاء «٤».
وقال أبو الحسن: الخطء: الإثم، وهو ما أصابه متعمّدا والخطأ: غير التعمّد. ويقال من هذا: أخطأ يخطئ وقال:
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب/ ٥] واسم الفاعل من هذا مخطئ.
فأمّا خطئت: فاسم الفاعل فيه «٥»: خاطئ، وهو المأخوذ به فاعله، وفي التنزيل: لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ [الحاقة/ ٣٧] وقد قالوا: خطئ في معنى أخطأ، قال:
يا لهف نفسي إذ خطئن كاهلا «٦» المعنى: أخطأتهم، ويدلّك على هذا قول الأعشى:
_________________
(١) في (ط): وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج/ ٢٠].
(٢) في (ط): فأما.
(٣) في (ط): خطأ.
(٤) الخطء والخطأ والخطاء: ضد الصواب (القاموس).
(٥) في (ط): منه.
(٦) من أرجوزة لامرئ القيس في ديوانه ص/ ١٣٤ يقولها عند ما بلغه أن بني أسد قتلت أباه، وفي اللسان. والتاج/ خطأ/ برواية: يا لهف هند بدل: يا لهف نفسي. ويريد بقوله: إذ خطئن: الخيل. وكاهل: هي من بني أسد. اللهف واللهف: الأسى والحزن والغيظ، وقيل: الأسى على شيء يفوتك بعد ما تشرف عليه. وانظر شرح أبيات المغني ٣/ ١٠٥.
[ ٢ / ١١٥ ]
فأصبن ذا كرم ومن أخطأنه جزأ المقيظة خشية أمثالها
«١» يصف أيضا خيلا.
ومما جاء فيه: خطئ في معنى أخطأ قول الشاعر «٢»:
والناس يلحون الأمير إذا هم خطئوا الصّواب ولا يلام المرشد
فأما الخطيئة فتقع على الصغير وعلى الكبير، فمن وقوعها «٣» على الصغير قوله: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء/ ٨٢] ومن وقوعها «٣» على الكبير قوله: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة/ ٨١].
فأمّا قولهم: خطيئة يوم لا أصيد فيه «٥»، فالمعنى فيه:
قلّ يوم لا أصيد فيه.
وأما قوله: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [البقرة/ ٢٨٦] فالمعنى أن يكون أخطأنا في معنى: خطئنا،
_________________
(١) انظر الديوان/ ٣٣ والمقيظة: نبات يبقى أخضر إلى القيظ يكون علفة للإبل إذا يبس ما سواه. انظر اللسان (قيظ) وجزأ بالشيء: اكتفى.
(٢) هو عبيد بن الأبرص، اللسان/ أمر/ المحتسب ٢/ ٢٠ وقد ورد البيت في ديوان عبيد ص/ ٤٢/ برواية أخرى: لا شاهد فيها: والناس يلحون الأمير إذا غوى خطب الصواب ولا يلام المرشد يلحون: يلومون، غوى: ضل. الخطب: الأمر والشأن. ويريد بخطب الصواب: الصواب نفسه.
(٣) في (ط): وقوعه.
(٤) ويقال: خطيئة يوم يمر بي أن لا أرى فيه فلانا. انظر اللسان (خطأ).
[ ٢ / ١١٦ ]
ونسينا في معنى تركنا. لأن الخطأ والنسيان موضوعان عن الإنسان وغير مؤاخذ بهما. فيكون أَخْطَأْنا بمنزلة خطئنا كما جاء خطئنا في معنى أخطأنا.
ويجوز أن تكون أَخْطَأْنا في قوله: أَوْ أَخْطَأْنا على غير التعمّد. والنّسيان: خلاف الذّكر، وليس التّرك، ولكن تعبّدنا بأن ندعو لذلك، كما جاء في الدعاء: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الأنبياء/ ١١٢] والله سبحانه لا يحكم إلا بالحقّ.
وكما قال: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ [آل عمران/ ١٩٤] وما وعدوا به على ألسنة الرّسل يؤتونه. وكذلك قول الملائكة في دعائهم للمسلمين: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ [غافر/ ٧] وكذلك قوله: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [البقرة/ ٢٨٦] يكون على ما يكرثهم «١» ويثقل على طباعهم، وتكون الطاقة: الاستطاعة.
وقد يكون: أخطأنا: أتينا بخطإ. كقولك: أبدعت: أتيت ببدعة. ونحو هذا مما يراد به هذا النّحو.
وتقول: خطّأته فأخطأ. فيكون هذا كقولهم: فطّرته فأفطر.
فأمّا ما روي عن ابن عباس من قوله: خطّ الله نوءها «٢».
_________________
(١) يكرثهم من كرثه الأمر يكرثه ويكرثه كرثا، وأكرثه: ساءه واشتد عليه، وبلغ منه المشقة ويقال: ما أكترث له أي ما أبالي به. اللسان/ كرث/.
(٢) يشير إلى جواب عبد الله بن عباس ﵄ عند ما سئل عن رجل جعل أمر امرأته بيدها فقالت: أنت طالق ثلاثا، فقال: خطّأ الله نوءها ألّا طلقت نفسها. يقال لمن طلب حاجة فلم ينجح: أخطأ نوؤك، أراد جعل
[ ٢ / ١١٧ ]
فقال أبو عبد الله اليزيديّ وغيره. ليس ذلك من الخطأ، وإنّما هو خطّ «١» مثل ردّ، من الخطيطة قال: وهي أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين.
السيئة في قوله «٢»: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة/ ٨١] يجوز أن يكون. الكفر. ويجوز أن يكون: كبيرا يوتغ «٣» ويهلك، ويجوز أن يكون: من للجزاء الجازم، ويجوز أن يكون «٤» للجزاء غير الجازم، فتكون: السيّئة. وإن كانت مفردة، تراد بها الكثرة فكذلك تكون خطيئة «٥» مفردة وإنما حسن أن تفرد لأنه مضاف إلى ضمير مفرد، وإن كان يراد به الكثرة كما قال «٦»: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [البقرة/ ١١٢] فأفرد الوجه والأجر، وإن كان في المعنى جمعا في الموضعين. فكذلك المضاف إليه: الخطيئة، لما لم يكن جمعا لم تجمع كما جمعت في قوله: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة/ ٥٨]
_________________
(١) الله نوءها مخطئا لها لا يصيبها مطره. ويروى: خطى الله نوءها، بلا همز. ويكون من خطط، وسيجيء في موضعه. ويجوز أن يكون من خطى الله عنك السوء، أي: جعله يتخطاك، يريد يتعداها فلا يمطرها، ويكون من باب المعتل اللام. قاله في النهاية ٢/ ٤٥ (خطأ). وقال في خطط، ص ٤٨: وفي حديث ابن عباس: «خط الله نوءها» هكذا جاء في رواية، وفسر أنه من الخطيطة، وهي الأرض التي لا تمطر بين أرضين ممطورتين، وانظر اللسان/ خطأ، خطط/.
(٢) في (ط): من خط.
(٣) في (ط): تعالى.
(٤) وتغ يوتغ وتغا: فسد وهلك وأثم، والموتغة: المهلكة. والوتغ: الوجع والوتغ: الإثم وفساد الدين، وقيل: الوتغ: قلة العقل في الكلام، اللسان/ وتغ/.
(٥) في (ط): أن تكون من.
(٦) في (ط): خطيئته.
(٧) في (ط): تعالى.
[ ٢ / ١١٨ ]
لأنه مضاف إلى جماعة لكل واحد منهم خطيئة. وكذلك قوله: إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا [الشعراء/ ٥١] وقوله «١»: إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ [طه/ ٧٣] وكذلك قوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة/ ٥٨] لأن كل لفظة من ذلك مضافة إلى جمع. فجمعت كجمع ما أضيف إليه.
فأمّا قوله: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ. فمضاف إلى مفرد.
فكما أفردت السيئة ولم تجمع، وإن كانت في المعنى جمعا، فكذلك ينبغي أن تفرد الخطيئة، وأنت إذا أفردته لم يمتنع وقوعه على الكثرة وإن كان مضافا. ألا ترى أنّ في التنزيل:
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم/ ٣٤] فالإحصاء إنما يقع على الجموع والكثرة، وكذلك ما أثر في الحديث من قوله: «منعت العراق درهمها وقفيزها. ومصر إردبّها» «٢» فهذه أسماء مفردة مضافة، والمراد بها الكثرة فكذلك الخطيئة. ومما يرجّح به قول من أفرد ولم يجمع لأنه مضاف إلى مفرد، فأفرد لذلك وكان الوجه: قوله: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [البقرة/ ١١٢]
_________________
(١) في (ط): تعالى.
(٢) رواه مسلم في كتاب الفتن برقم ٢٨٩٦ من حديث أبي هريرة، وأبو داود في الإمارة رقم ٣٠٣٥ وأحمد ٢/ ٢٦٢ الدرهم والدرهم لغتان فارسي معرب ملحق ببناء كلامهم وجمعه دراهم وجاء في تكسيره دراهيم. قاله ابن سيده. القفيز: مكيال يتواضع الناس عليه، وهو عند أهل العراق ثمانية مكاكيك معروف عندهم. انظر النهاية لابن الأثير ٤/ ٩٠ واللسان/ درهم/. قفز/ الإردب: مكيال لهم يسع أربعة وعشرين صاعا. والهمزة فيه زائدة. انظر النهاية لابن الأثير ١/ ٣٧.
[ ٢ / ١١٩ ]
فأفرد الأجر لما كان مضافا إلى مفرد، ولم يجمع كما جمع قوله: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء/ ٢٥] فكما لم يجمع الأجر في الإضافة إلى الضمير المفرد، كما جمع لمّا أضيف إلى الضمير المجموع، كذلك ينبغي أن تكون الخطيئة مفردة إذا أضيفت إلى الضمير المفرد، وإن كان المراد به الجميع «١». ومن قال «خطيئاته» فجمع، حمله على المعنى، والمعنى: الجمع والكثرة. فكما جمع ما كان مضافا إلى جمع كذلك جمع ما كان مضافا إلى مفرد، يراد به الجمع من حيث اجتمعا في أنهما كثرة، ويدلّك على أنّ المراد به الكثرة. فيجوز من أجل ذلك أن تجمع خطيئة على المعنى لأن الضمير المضاف إليه جمع في المعنى.
قوله: فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ [البقرة/ ٨١] فأولئك خبر المبتدأ الذي هو: مَنْ في قول من جعله جزاء غير مجزوم كقوله: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل/ ٥٣] أو مبتدأ في قول من جعله جزاء مجزوما. وفي كلا الوجهين يراد به: مَنْ في قوله: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة/ ٨١].
ومما يدلّ على أن مَنْ يراد به الكثرة فيجوز لذلك أن تجمع خطيئة لأنها مضافة إلى جمع في المعنى. قوله بعد هذه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة/ ٨٢]، ألا ترى أن الَّذِينَ جمع، وهو معادل به من. فكذلك المعادل به يكون جمعا مثل ما عودل به.
_________________
(١) في (ط): الجمع.
[ ٢ / ١٢٠ ]