بسم الله «٣» اختلفوا في ضم الياء وفتحها وإدخال الألف في قوله جلّ وعزّ: «٤» يُخادِعُونَ [البقرة/ ٩]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (يخادعون وما يخادعون) بالألف فيهما.
_________________
(١) انظر الكامل- ٢٨٩ - ٣٢٤ - ٦٥٦ - الخصائص ٢/ ٤٣١ وشرح أبيات المغني ٦/ ٩٢، ٩٣. وشواهد الكشاف ٤/ ٣٦٤.
(٢) عجز بيت للعجاج- انظر الكامل ٢٨٩ - ٣٢٤ - ٦٥٦ الأقط: شيء يتخذ من المخيض الغنمي، يطبخ، ثم يترك حتى يمصل (يخرج ماؤه).
(٣) لا يعرف قائله، وقيل لذي الرمة، وليس في ديوانه. ويورد بعضهم لهذا الشطر صدرا، هكذا: لما حططت الرحل عنها واردا ويجعله بعضهم صدرا، ويورد له هذا العجز: حتى شتت همالة عيناها والبيت مع هذا العجز من شواهد شرح أبيات المغني ٧/ ٣٢٣. والخصائص ٢/ ٤٣١. وانظر الخزانة: ١/ ٤٩٩، والكشاف: ٣/ ٤٢٢، وتنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات الملحق به: ٤/ ٣٦٤. قال الفراء في تفسيره ١/ ١٤: أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه وأنشد البيت، شتت: أقامت شتاء. همالة: من هملت العين إذا صبت دمعها.
(٤) هذه البسملة زائدة في (م).
(٥) في (ط): ﷿.
[ ١ / ٣١٢ ]
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ (يخادعون
وما يخدعون) بفتح الياء بغير ألف.
قال أبو علي: قال أبو زيد: «١» خدعت الرجل أخدعه خدعا، الخاء كسر، وخديعة. قال: وقالوا: «إنك لأخدع من ضبّ حرشته». «٢».
وقال أبو زيد أيضا يقال: «لأنا أخدع من ضبّ حرشته»، وقد حرش الرجل الضبّ يحرشه حرشا: إذا مسح بيده على فم جحره يتسمّع «٣» الصوت، فربما أقبل وهو يرى أنّ ذلك حية، وربّما أروح ريح الإنسان، فخدع في جحره يخدع خدعا: إذا رجع في الجحر فذهب ولم يخرج.
وقال أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابيّ: الخادع: الفاسد من الطعام ومن كلّ شيء، وأنشد:
أبيض اللون لذيذ طعمه طيّب الريق إذا الريق خدع
«٤»
_________________
(١) في (ط): قال أبو زيد، بإسقاط: قال أبو علي.
(٢) مثل يضرب في مخاطبة العالم بالشيء، من يريد تعليمه، يقول له: «أتعلمني بضب أنا حرشته» ويقال إنك لأخدع من ضب حرشته، أي: بلغت غاية الخبث، وانظر اللسان «حرش». والأمثال لأبي عبيد/ ٢٠٢.
(٣) في (ط): فيسمع.
(٤) البيت من قصيدة لسويد بن أبي كاهل اليشكري في الغزل والفخر، وهي القصيدة رقم ٤٠ في المفضليات ص ١٩١، ورواية البيت بها مع ما قبله: حرة تجلو شتيتا واضحا كشعاع الشمس في الغيم سطع صقلته بقضيب ناضر من أراك طيب حتى نصع أبيض اللون لذيذا طعمه طيب الريق إذا الريق خدع
[ ١ / ٣١٣ ]
خدع: فسد وتغيّر.
وقال أبو عبيدة: يُخادِعُونَ اللَّهَ [البقرة/ ٩] يخدعون، «١» وأنشد أبو زيد:
وخادعت المنيّة عنك سرّا فلا جزع الأوان ولا رواعا
«٢» وقال أبو عبيدة أيضا: يخادعون الله والذين آمنوا فيما يظهرون: مما يستخفون خلافه.
قال الله تعالى: وما يخادعون إلا أنفسهم [البقرة/ ٩] إنما تقع الخديعة بهم والهلكة.
والعرب تقول: خادعت «٣» فلانا إذا كنت تخادعه، وخدعته إذا ظفرت به.
قال بعض المتأولين أظنّه الحسن «٤» قال: (يخادعون الله) وإن خادعوا نبيه لأن الله تعالى «٥» بعث نبيّه «٦» بدينه، فمن أطاعه فقد أطاع الله (تعالى) «٥» كما قال: «٨» مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء/ ٨٠]
_________________
(١) والشتيت: الواضحة الأسنان المفلجة البيضاء، والأراك: شجر السواك.
(٢) انظر مجاز القرآن ١/ ٣١.
(٣) نسبه في النوادر مع أبيات أخرى لعرفطة بن الطماح- وقد روي فيه: فلا جزع الأوان. وانظر تخريج وجوه إعرابه مفصلة في النوادر ص ١١٧.
(٤) في (ط): قد خادعت.
(٥) هو الحسن البصري، وقد سبقت ترجمته ص/ ٣٣.
(٦) زيادة في (م).
(٧) زاد في (ط): صلى الله عليه.
(٨) في (ط): كما قال تعالى.
[ ١ / ٣١٤ ]
وقال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح/ ١٠] فعلى هذا من خادعه فقد خادع الله.
فقد ذهب هذا المتأوّل إلى أن معنى يخادعون الله:
يخادعون نبيّه ﷺ «١» وفي تأويله تقوية لقول أبي عبيدة:
يخادعون: يخدعون، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ [الأنفال/ ٦٢] فجاء المثال على يفعل.
ومثل قوله: (يُخادِعُونَ اللَّهَ) في إرادة مضاف محذوف على قول من ذكرناه قوله تعالى: «٢» إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «٣» [الأحزاب/ ٥٧] التقدير يؤذون أولياء الله، لأنّ الأذى لا يصل إلى الله (سبحانه) «٤» كما أن الخداع لا يجوز عليه، فهي مثل قوله: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا «٥» [الأحزاب/ ٥٨] وفيما أنشده أبو زيد دلالة على صحة تفسير أبي عبيدة أنّ يخادعون: يخدعون، ألا ترى أنّ المنية لا يكون منها خداع كما لا يكون من الله- سبحانه- ولا من رسوله؟ «٦» فكذلك قوله: وما يخادعون إلا أنفسهم [البقرة/ ٩] يكون على لفظ فاعل وإن لم يكن الفعل إلا من واحد كما كان الأول كذلك. وإذا كانوا قد استجازوا لتشاكل الألفاظ وتشابهها أن يجروا
_________________
(١) زيادة في (م).
(٢) زيادة في (م).
(٣) تتمتها «لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا».
(٤) في (ط): تعالى.
(٥) تمامها: «فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا».
(٦) زاد في (ط): ﵇.
[ ١ / ٣١٥ ]
على الثاني طلبا للتشاكل ما لا يصح في المعنى على الحقيقة، فأن يلزم ذلك ويحافظ عليه فيما يصح في المعنى أجدر وأولى، وذلك نحو قوله:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
«١» وفي التنزيل: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة/ ١٩٤] والثاني قصاص وليس بعدوان، وكذلك وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى/ ٤٠] وقوله:
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة/ ٧٩] ونحو ذلك. فأن يلزم التشاكل في اللفظ مع صحة المعنى أولى.
ومما يؤكد ذلك قوله:
من العين الحير «٢» وقول أمّ تأبّط شرا: ليس بعلفوف تلفّه هوف. «٣»
وقد جاء هذا المثال للفاعل الواحد نحو: عاقبت اللص، وطارقت النعل، وعافاه الله.
_________________
(١) من معلقة عمرو بن كلثوم في شرح القصائد السبع الطوال ص ٤٢٦، وشرح أبيات المغني ٧/ ٣٧ والبحر ١/ ٥٧.
(٢) من العين الحير، بكسر الحاء اتباعا للعين، والأصل: الحور، جمع حوراء. وقد ورد آخر أرجوزة لمنظور بن مرثد في ثلاثة عشر بيتا وتمامه: «عيناء حوراء من العين الحور» انظر النوادر ٢٣٦ وأراجيز العرب ١٥٥ - ١٥٦. وابن يعيش ٤/ ١١٤ واللسان (حور).
(٣) من قولها في تأبينه: وا ابناه ليس بعلفوف تلفه هوف حشى من صوف» رجل علفوف: جاف كثير اللحم: والهيف- كسيف- الريح الحارة. اللسان هوف، هيف.
[ ١ / ٣١٦ ]
وحجة من قرأ: (يخدعون) أن فاعل هنا بمعنى فعل فيما فسره أهل اللغة، فإذا كانا جميعا بمعنى، وكان فعل أولى بفعل الواحد من فاعل من حيث كان أخص به، كان الأولى أليق بالموضع من فاعل الذي هو في أكثر الأمر أن يكون لفاعلين إذ كانوا قد استعملوهما جميعا، ولم يكن خادع بمنزلة عاقبت اللص الذي لم يستعمل فيه إلا فاعل ورفض معه فعل.
ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى «١» في الآية الأخرى في صفة المنافقين أيضا: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [النساء/ ١٤٢]، فكما وقع الاتفاق هنا على فاعل الجاري على فعل كذلك يكون في قوله تعالى: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ.
ولمن قرأ (يخادعون) وجه آخر، وهو أن ينزل ما يخطر بباله ويهجس في نفسه من الخدع منزلة آخر يجازيه ذلك ويقاوضه «٢» إياه، فعلى هذا يكون الفعل كأنّه من اثنين، فيلزم أن يقول: «٣» فاعل، وهذا في كلامهم غير ضيق، ألا ترى الكميت أو غيره قال في ذكره حمارا أراد الورود:
تذكّر من أنّى ومن أين شربه يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل
«٤»
_________________
(١) تعالى زيادة في (م).
(٢) في (م): يجاريه ذلك ويفاوضه.
(٣) في (ط): أن يقول فيه.
(٤) يؤامر نفسيه، أي: يشاور نفسه مترددا بين ورود الماء أو تركه، فكأنه يشاور نفسين إحداهما تريد الورود والأخرى تأباه، والهجمة الجماعة الضخمة من الإبل، وقيل: هي ما بين الثلاثين والمائة، أو ما بين السبعين
[ ١ / ٣١٧ ]
فجعل ما يكون منه من وروده الماء أو ترك الورود والتمثيل بينهما بمنزلة نفسين.
وعلى هذا قوله:
وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل؟ «١» وقولهم: أنا أفعل كذا وكذا أيها الرجل.
وعلى هذا المذهب قرأ «٢» من قرأ: قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «٣» [البقرة/ ٢٥٩]، فنزّل نفسه- عند الخاطر الذي يخطر له عند نظره- منزلة مناظر له غيره. وأنشد الطوسي «٤» عن ابن الأعرابي.
لم تدر ما لا ولست قائلها عمرك ما عشت آخر الأبد
_________________
(١) والمائة، أو هي قريب من المائة. والأبل على وزن حذر: من أبل يأبل على وزن علم يعلم أبالة، بفتح الهمزة، وأبل أبلا، فهو آبل وأبل: حذق مصلحة الإبل والشاء. وورد البيت في اللسان (أبل) للكميت أيضا.
(٢) عجز بيت للأعشى، وصدره: ودع هريرة إن الركب مرتحل انظر الديوان/ ٥٥. سبق في ص ٢٨٦.
(٣) في (ط): قراءة.
(٤) (اعلم) بلفظ الأمر قراءة أبي رجاء وحمزة والكسائي، و(أعلم) بلفظ المضارع قراءة السبعة. انظر البحر المحيط: ٢/ ٢٩٦.
(٥) هو أبو الحسن علي بن عبد الله التيمي، راوية كبير، وكان أكثر أخذه من ابن الأعرابي الفهرست/ ١٠٦.
[ ١ / ٣١٨ ]
ولم تؤامر نفسيك ممتريا فيها وفي أختها ولم تكد
«١» وأنشد بعض البصريين لرجل من فزارة:
يؤامر نفسيه وفي العيش فسحة أيستربع الذوبان أم لا يطورها
«٢» قال: «٣» الذوبان: الأعداء.
وأنشد أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي:
وكنت كذات الطّنء لم تدر إذ بغت تؤامر نفسيها أتسرق أم تزني
«٤» فهذه في المعنى كقوله:
أنخت قلوصي واكتلأت بعينها وآمرت نفسي أيّ أمريّ أفعل
«٥» إلّا أنّ من ثنّى «٦» النفس، جعل ما يهجس في نفسه من الشيء وخلافه «٧» نفسين، ونزّل الهاجس منزلة من يخاطبه وينازله في ذلك، فكذلك يكون قوله: (وما يخادعون) على هذا.
_________________
(١) انظر البحر: ١/ ٥٧.
(٢) يستربع، من استربع الأمر: أطاقه، وفي (م): يسترتع، وفي (ط): يسترفع، وكلّ تحريف. انظر البحر ١/ ٥٧ والأساس. لا أطورها، يقال: لا أطور بفلان: لا أحوم حوله، ولا أدنو منه.
(٣) في (ط): وقال.
(٤) الطنء: التهمة. اللسان (طنأ) وانظر البحر ١/ ٥٧.
(٥) لكعب بن زهير. واكتلأت منه: احترست. يريد: احترست بعينها، لأنّها إذا رأت شيئا ذعرت. انظر الأساس: كلأ. ديوانه/ ٥٥.
(٦) في (ط): ألا ترى أنه ثنى؟؟؟ النفس.
(٧) في (ط): وخلافه به.
[ ١ / ٣١٩ ]