اختلفوا في ضمّ الهاء من (عَلَيْهِمْ) «٣» [الفاتحة/ ٧] فقرأ حمزة وحده (عليهم) بضم الهاء وكذلك (لديهم)، (وإليهم) هذه الثلاثة الأحرف بالضم وإسكان الميم وقرأ الباقون: (عَلَيْهِمْ) وأخواتها بكسر الهاء.
واختلفوا في الميم:
فكان عبد الله بن كثير يصل الميم بواو، انضمّت الهاء قبلها أو انكسرت، فيقول: عليهمو غير المغضوب عليهمو ولا الضالين، وعلى قلوبهمو، وعلى سمعهمو، وعلى أبصارهمو غشاوة [البقرة/ ٧].
واختلف «٤» عن نافع في الميم. فقال إسماعيل بن جعفر «٥» وابن جمّاز «٦» وقالون «٧» والمسيّبي «٨»: الهاء مكسورة،
_________________
(١) في (ط): هاهنا.
(٢) انظر الكتاب ٢/ ٤٢٧.
(٣) انظر السبعة في القراءات ص/ ١٠٨.
(٤) في (ط): واختلفوا.
(٥) ستأتي ترجمته ص ٤١٣.
(٦) هو سليمان بن مسلم بن جماز، أبو الربيع الزهري مولاهم المدني، مقرئ جليل ضابط، عرض على أبي جعفر المدني وشيبة ثم على نافع، مات بعد السبعين ومائة انظر طبقات القراء: ١/ ٣١٥.
(٧) هو عيسى بن مينا بن وردان، أبو موسى المري مولى بني زهرة، قارئ المدينة ونحويها، كان ربيب نافع واختص به كثيرا، وهو الذي سماه قالون لجودة قراءته. توفي سنة ٢٢٠ هـ انظر طبقات القراء: ١/ ٦١٥.
(٨) ستأتي ترجمته ص ٣٧٥.
[ ١ / ٥٧ ]
والميم مضمومة، أو منجزمة، أنت فيها مخيّر. وقال أحمد بن قالون عن أبيه: كان نافع لا يعيب ضمّ الميم، فهذا يدلّ على أن قراءته كانت بالإسكان. قال أحمد بن موسى «١»: والذي قرأت به الإسكان. وقال ورش «٢»: الهاء مكسورة والميم موقوفة إلّا أن تلقى الميم ألف أصلية، فإذا لقيتها ألف أصلية ألحق في اللفظ واوا، مثل قوله: سواء عليهموء أنذرتهمو أم لم تنذرهمو «٣» [البقرة/ ٦].
وكان أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، والكسائي يكسرون الهاء، ويسكّنون الميم، فإذا لقي الميم حرف ساكن اختلفوا: فكان ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر يمضون على كسر الهاء، ويضمّون الميم إذا لقيها ساكن، مثل قوله:
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [البقرة/ ٦١، آل عمران/ ١١٢]، ومِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ [القصص/ ٢٣]، وما أشبه ذلك.
وكان أبو عمرو يكسر الهاء أيضا ويكسر الميم، فيقول:
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ [يس/ ١٤] وما أشبهه.
وكان حمزة والكسائي يضمّان الهاء والميم معا، فيقولان: عليهم الذلة ومن دونهم امرأتين وما أشبه ذلك.
_________________
(١) هو أبو بكر بن مجاهد، وتقدمت ترجمته ص/ ٦.
(٢) هو عثمان بن سعيد، أبو القاسم القرشي مولاهم القبطي المصري شيخ القراء المحققين، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه، وهو أشهر رواة نافع ولد سنة ١١٠ بمصر وتوفي سنة ١٩٧ هـ فيها، انظر طبقات القراء: ١/ ٥٠٢.
(٣) في (ط): سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ.
[ ١ / ٥٨ ]
وقال «١» أبو بكر أحمد بن موسى: وكل «٢» هذا الاختلاف في كسر الهاء وضمها إنّما هو في الهاء التي قبلها كسرة، أو ياء ساكنة، فإذا جاوزت هذين لم يكن في الهاء إلا الضّم. وإذا لم يكن قبل الميم هاء قبلها كسرة أو ياء ساكنة لم يجز في الميم إلّا الضم أو التسكين مثل قوله: (مِنْكُمْ)، و(أَنْتُمْ).
قال أبو بكر: فيمن «٣» قرأ عليهم بكسر الهاء ووصل الميم بالواو «٤» - وهو قول ابن كثير ونافع في أحد قوليه-: قال سيبويه «٥»: قال بعضهم: (عليهمو) أتبع الياء ما أشبهها، وترك ما لا يشبه الياء ولا الألف على الأصل. وقال أبو حاتم «٦»: هي قراءة الأعرج «٧». قال أبو بكر «٨»: وقال بعض من احتجّ لذلك:
إن الهاء من جنس الياء، لأنّ الهاء تنقطع إلى مخرج الياء، فوجب لذلك إتباع الهاء الياء.
وحجّة من قرأ عليهم- فكسر الهاء وأسكن الميم «٩» - وهو قول عاصم، وأبي عمرو، والكسائي، وابن عامر «١٠» - أن يقول: إنّه أمن اللبس، إذ كانت الألف في التثنية قد
دلّت على
_________________
(١) في (ط): قال.
(٢) في (ط): كل.
(٣) في (ط): في حجة من قرأ. وعبارة السبعة في القراءات (ص ١٠٩ - ١١٠) فيها اختلاف عمّا هنا.
(٤) في (ط): فكسر الهاء، ووصل الميم بواو.
(٥) انظر الكتاب ٢/ ٢٩٤.
(٦) هو السجستاني وتقدمت ترجمته ص: ٥١.
(٧) هو عبد الرحمن بن هرمز المدني وتقدمت ترجمته ص/ ١١.
(٨) هو ابن السراج النحوي وتقدمت ترجمته ص/ ٦، وسقط هذا الاسم من (ط).
(٩) في (ط): بكسر الهاء وإسكان الميم.
(١٠) في (ط): وابن عامر والكسائي.
[ ١ / ٥٩ ]
الاثنين، ولا ميم في الواحد، فلما لزمت الميم الجمع حذفوا الواو، وأسكنوا الميم طلبا للتخفيف، إذ كان لا يشكل.
قال: وقال: لمّا كانت الهاء في (عَلَيْهِمْ) هي الهاء التي كانت «١» في عليه وجب إقرارها «٢» على ما كانت عليه من الكسر قبل دخول الميم «٣»، إذ كانت العلة واحدة.
وحجة من قرأ عليهم- وهو قول حمزة- أنّهم قالوا: ضمّ الهاء هو الأصل، وذلك أنّها إذا انفردت من حروف تتّصل بها قيل: هم فعلوا. والواو هي القراءة القديمة، ولغة قريش، وأهل الحجاز، ومن حولهم من فصحاء اليمن.
قالوا: وإنّما خصّ حمزة هذه الحروف الثلاثة بالضم- وهي (عليهم) و(إليهم) و(لديهم) - لأنّهنّ إن أولاهنّ ظاهرا صارت ياءاتهنّ ألفات مثل: على القوم، ولدى القوم، وإلى القوم، ولا يجوز كسر الهاء إذا كان قبلها ألف.
وحجّة من ضمّ الميم إذا لقيها ساكن بعد الهاء المكسورة أن يقول: إني لمّا احتجت إلى الحركة رددت الحرف إلى أصله فضممت، وتركت الهاء على كسرها، لأنّه لم تأت ضرورة تحوج إلى ردّها إلى الأصل، ولأنّ الهاء إنّما تبعت الياء، لأنّها شبّهت بها ولم تتبعها الميم لبعدها منها. قال أبو حاتم:
وهي «٤» لغة فاشية بالحرمين.
_________________
(١) سقطت من (ط) كانت.
(٢) في (ط): إقرارهما.
(٣) : كذا في (ط)، وفي (م): قبل دخول الميم عليه.
(٤) في (ط): هي.
[ ١ / ٦٠ ]
وحجّة من كسر الميم للساكن الذي لقيها والهاء مكسورة أن يقول: أتبعت الكسر الكسر، لثقل الضم بعد الكسر، كما استثقلوا ضمّ الهاء بعد الكسرة، وكذلك استثقلوا ضمّة الميم بعد الهاء «١». ألا ترى أنه ليس في كلامهم مثل فعل، وأنّهم يضمون ألف الوصل في مثل: اقتل، فرارا من الضم بعد الكسر.
وحجّة من كسر الهاء إذا لم يلق الميم ساكن، وضمّها إذا لقي الميم ساكن- وهو قول الكسائي- أنّه يقول: إذا ردّ الميم إلى أصلها ردّ الهاء أيضا إلى أصلها، وأتبع الضمّ الضمّ استثقالا للخروج من الكسر إلى الضمّ.
قال: والاختيار (عَلَيْهِمْ) بالكسر، لأنّها أخفّ على اللسان، وهي قراءة الأكثر.
قال سيبويه: الهاء تكسر إذا كان قبلها ياء أو كسرة، لأنّها خفيّة، كما أن الياء خفيّة، وهي من حروف الزيادة، كما أن الياء من حروف الزيادة، وهي من موضع الألف، وهي أشبه الحروف بالياء. فكما أمالوا الألف في مواضع استخفافا، كذلك كسروا هذه الهاء وقلبوا الواو ياء، لأنّه لا تثبت واو ساكنة وقبلها كسرة. وذلك قولك: مررت بهي [قبل]، ولديهي مال، ومررت بدارهي قبل، وأهل الحجاز يقولون: مررت بهو قبل، ولديهو مال، ويقرءون: فخسفنا بهو وبدارهو «٢» الأرض [القصص/ ٨١]، فإن لحقت «٣» الهاء الميم في علامة الجمع
_________________
(١) في (ط): بعد كسر الهاء.
(٢) في (ط): وبداره.
(٣) في (ط): ألحقت.
[ ١ / ٦١ ]
كسرتها كراهية «١» الضمة بعد الكسرة. ألا ترى أنّهما لا تلزمان «٢» حرفا أبدا؟ - يعني أنّه ليس في الكلام مثل فعل- فإذا كسرت الميم قلبت الواو ياء كما فعلت ذلك في الهاء. ومن قال: (وبدارهو الأرض) قال: عليهمو مال «٣».
قال: والاختيار- إذا لقيها ساكن- كسر الميم، وذلك أنه أخفّ، وهذه الكسرة ليست بالكسرة التي تأتي لالتقاء الساكنين، ولا أصل لها في الكلمة، لأن هذا الحرف له حركة في الأصل فحقّه أن يردّ- متى احتيج إلى حركته- إلى الأصل، وكأنّ من يكسر يقدّر أن أصل الحرف: (عليهمي)، روي عن الحسن «٤» أنه كان يقرأ (عليهمي) بكسرتين ويثبت الياء في الوصل. وقال أبو حاتم «٥»: لم أسمع أحدا يقرأ بكسر الميم إلّا ألحق الياء في الوصل، ولا أحدا يضمّ الميم إلّا ألحق واوا في الوصل، والواو والياء تسقطان في الوقف. انتهت الحكاية عن أبي بكر.
قال أبو علي: الحجّة لمن قرأ: (عَلَيْهِمْ) بكسر الهاء أن الهاء من مخرج الألف وهي في الخفاء نحوها، فكما أنّ الكسرة أو الياء إذا وقعت إحداهما قبل الألف أميلت الألف نحوها، وقرّبت منها، كذلك إذا وقعت قبل الهاء قرّبت الهاء منها بإبدال ضمّتها كسرة، كإمالتهم الألف نحو الياء. وممّا يؤكّد شبهها بالألف، أنّهم قد قالوا: أخذت أخذه «٦» وضربت ضربه،
_________________
(١) في (ط): كراهة.
(٢) في (ط): لا يلزمان.
(٣) انتهى النقل عن سيبويه ٢/ ٢٩٤ وما بين معقوفين منه.
(٤) هو الحسن البصري وتقدمت ترجمته ص/ ٣٣.
(٥) هو السجستاني وتقدمت ترجمته ص/ ٥١.
(٦) في (ط) رسم الإمالة هكذا (أخذه). أي بفتحة مقلوبة وهكذا فعل بالأمثلة الآتية.
[ ١ / ٦٢ ]
فأمالوا الفتحة التي قبلها نحو الكسرة، كما أمالوها إذا كانت قبل الألف نحو الكسرة، لتميل الألف نحو الياء.
فإن قلت: إنّه لا شيء في قولهم: ضربت ضربه، يوجب الإمالة «١» من كسرة ولا ياء ولا غيرهما مما يوجب الإمالة، فكيف استدللت بقولهم: ضربت ضربه على ما يوجب كسر الهاء في عليهم، وليس في «ضربه» شيء يوجب الإمالة؟ قيل:
إنّ ذلك يشبه من الإمالة ما أميل لغير سبب موجب للإمالة «٢»، كقولهم في العلم: الحجّاج، والناس، وكقولهم: طلبنا، ورأيت عنتا. فعلى هذا الحد أمالوا في قولهم: ضربت ضربه، ألا ترى أنهم لم يميلوا إذا جاوزت الياء والكسرة حرفا سوى الهاء.
وكان إمالة الفتحة مع الهاء ساكنة أكثر في الاستعمال من باب طلبنا، وأقيس، لأنّ الهاء قد أجريت متحركة مجرى الألف فيما ستراه بعد، إن شاء الله، فإذا كانت ساكنة كانت أن تجرى مجرى الألف أجدر وأسهل.
وممّا يؤكّد شبه الهاء بالألف اجتماعهما في تبيين الحركة نحو: (أنا) و(حيّ هلا) كتبيينهم إيّاها بالهاء في: (كِتابِيَهْ) و(حِسابِيَهْ). ولو لفظت بالباء من ضرب، لقلت في قول الخليل إن شئت: به وإن شئت با. فكما جرتا مجرى واحدا في هذا، كذلك جعل في عليهم بمنزلة الألف في أن أبدل من ضمتها كسرة ليوفّق بين الصوتين فيكونا من جهة واحدة.
فإن قلت: ما وجه استجازة الخليل التخيير بين الهاء
_________________
(١) في (ط): يوجب إمالة الألف.
(٢) في (ط): يوجب الإمالة.
[ ١ / ٦٣ ]
والألف في إلحاق الحرف الملفوظ به «١»، وهلّا ألحق الهاء دون الألف، لقلة إلحاق الألف في الوقف، وكثرة إلحاقهم الهاء فيه؟ قيل: جمع بينهما لمشابهة كلّ واحد منهما الآخر فيما ذكرنا، ولقيام كل واحد منهما مقام الآخر، ولأنّهم قد ألحقوا هذه الحروف الألف في قولهم با، تا، ثا ونحوه، فكثر في هذا الباب وإن لم يكثر في غيره.
فإن قلت: فإنّ الهاء لا يجري فيها الصوت كما يجري في الألف وأختيها. فإنّها وإن كانت كذلك، فإنّها توافقها في الخفاء، والضعف، واتّفاق المخرج، فلا ينكر- وإن اختلفا من حيث ذكرت- أن يتفقا في تقريب إحداهما من الأخرى، كما قربت الباء من الميم في قولهم: (اصحب مطرا)، لاتفاقهما في المخرج، وإن كانتا قد اختلفتا في غير ذلك.
ومما يبيّن شبه الهاء بالألف أنّهم قد غيّروا بها بعض الحروف في الوقف، وأبدلوها منه كما فعلوا ذلك بالألف في:
رأيت رجلأ «٢».
وممّا يدلّ على خفاء الهاء ومشابهتها الألف والياء أنّها إذا كانت إضمار مذكّر بعد حرف ساكن أو مجزوم، حرّكوا الساكن، أو المجزوم بالضمّ، وذلك قولهم في الوقف: «لم يضربه، وقده، ومنه» «٣» وقد كسروا أيضا قبله التاء التي
_________________
(١) سقطت: «به» من (ط).
(٢) في سيبويه ٢/ ٢٨٥: زعم الخليل أن بعضهم يقول: رأيت رجلأ فيهمز فهمز لقرب الألف من الهمزة.
(٣) قال زياد الأعجم شعره ص ٦٩: عجبت والدهر كثير عجبه من عنزيّ سبني لم أضربه وانظر سيبويه ٢/ ٢٨٧.
[ ١ / ٦٤ ]
للتأنيث، وذلك قولهم: ضربته. ومثل هذا في قول أبي الحسن قول بعضهم: ادعه، فكسروا العين للساكن الثاني الذي هو هاء الوقف، فإذا وصلت أسكنت كلّ ذلك، لأنّك تحرك هاء الضمير فتبيّن الحركة «١».
قال أبو زيد: قال- يعني رجلا عربيا-: لم أضربهما، فكسر الهاء مع الباء. قال أبو علي: فهذا على أنّه أجرى الوصل مجرى الوقف نحو: «سبسبّا» «٢»، ولا تحمله على «٣» أجوءك «٤» ونحوه، لأنّ سكون الإعراب مثل حركته، فلا يتبع «٥» غيره، كما أن حركة الإعراب لا يبدل «٦» منها للإتباع، كما لا تسكن في حال السعة والاختيار، ألا ترى أن من قال:
لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا [البقرة/ ٣٤] لم يكن مصيبا، ولم يجز كما جاز «منتن» وكما جاز وَعَذابٍ ارْكُضْ «٧» [ص/ ٤١ - ٤٢]،
_________________
(١) في (ط): فتبين بالحركة.
(٢) إشارة إلى بيت نسبه ابن السيرافي وغيره إلى رؤبة في أبيات وردت في زيادات ديوانه ص ١٦٩ منها: لقد خشيت أن أرى جدبّا في عامنا ذا بعد ما اخصبّا وفيها: وهبت الريح بمور هبّا تترك ما أبقى الدبا سبسبا المور بضم الميم: الغبار، والسبسب: القفر، والدّبا بتشديد الدال المفتوحة الجراد، انظر شرح شواهد الشافية: ٢٥٤ وما بعدها. وسيبويه ٢/ ٢٨٢ وشرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٣٧٩.
(٣) في (ط): على باب.
(٤) أجوءك يريد: أجيئك انظر سيبويه ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٥) كذا في (ط): وفي (م): «تتبع».
(٦) في (ط): سقطت كلمة «الاعراب»، وفي (م) «تبدل».
(٧) في (م): «بعذابن اركض».
[ ١ / ٦٥ ]
وليس قوله: لم أضربهما مثل:
لم يلده أبوان «١» لأنّ التحريك لالتقاء الساكنين، وذلك أنّه لمّا أسكن العين التي وليت حرف المضارعة حيث كان مثل: كبد، كما أسكن «تفخا» من قوله: أراك منتفخا، التقى ساكنان فحرّك لذلك، ومثل ذلك قوله سبحانه: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور/ ٥٢] ومثل «لم يلده» ما أنشده أبو زيد:
أجرّه الرّمح ولا تهاله «٢»
_________________
(١) إشارة إلى بيت لرجل من أزد السراة، وتمامه: ألا ربّ مولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان قال ابن السيرافي: أراد بالمولود الذي لا أب له عيسى، وبذي الولد الذي لم يلده أبوان آدم، ﵉، انظر الكتاب: ١/ ٣٤١، ٢/ ٢٥٧، ٢٥٨ باب ما يسكن استخفافا وهو عندهم متحرك. وشرح شواهد الشافية ٤/ ٢٢.
(٢) صدره: «مهلا فداء لك يا فضاله» أجره: طعنه وترك الرمح فيه يجره. ولا تهاله، أراد: لا تهل بالجزم على البناء للمجهول، أي: لا يفزعك شيء، والهاء للوقف. وروى هذا البيت ابن يعيش في شرح المفصل: ٩/ ٢٩ وانظر نوادر أبي زيد/ ١٣. وسر الصناعة ص ٩٢. واللسان/ هول وفدى/. قال أبو زيد: كسر الراء لالتقاء الساكنين، ولو فتح كان أجود. وقال: قال أبو حاتم. ولا تهاله: فتح اللام، أراد النون الخفيفة فحذفها. وفي سر صناعة الإعراب: قالوا فتح اللام لسكونها وسكون الألف قبلها. واختار الفتحة لأنها من جنس الألف التي قبلها، فلما تحركت اللام لم يلتق ساكنان، فتحذف الألف لالتقائهما. وانظر شرح أبيات المغني ٧/ ٣٥٨ ففيه فضل بيان.
[ ١ / ٦٦ ]
ألا تراه حرّك اللام المنجزمة بالفتح، لالتقاء الساكنين، كما فعل ذلك في «لم يلده». إلّا أنّ اللام في «تهاله» حرّكت للساكن الثاني فكان القياس ألّا تردّ الألف التي هي ردف،
كما لم تردّ فيما حكاه سيبويه من قولهم: لم أبله. وليس قول من قال: (ويتقه) كما أنشده أبو زيد «١»:
قالت سليمى اشتر لنا سويقا لأنّ هذا إمّا أن يكون على سبسبّا «٢» أو على: لم يك «٣».
ووجه ثالث: وهو أن يجرى الوصل في قوله: اشتر لنا، مجرى الوقف.
ومن ذلك «٤» أنّهم حذفوها لاما كما حذفوا الياء وأختها، وذلك نحو: شاة وشفة وسنة فيمن «٥» قال: سنهاء، وفم.
فبحسب كثرة الشبه يحسن إجراؤها مجرى ما قام فيها الشبه منه، ألا ترى أنّ الشيء إذا أشبه في كلامهم شيئا من وجهين
_________________
(١) في النوادر ص ٣٠٨ وهو من رجز لرجل من كندة يقال له: العذافر- بضم العين وكسر الفاء- وبعده وهات برّ البخس أو دقيقا والبخس بفتح الباء: أرض تنبت من غير سقي، وانظر شرح شواهد الشافية: ٢٢٦ للبغدادي.
(٢) أي: على أنه وقف ثم وصل.
(٣) أي: حذف الآخر تخفيفا.
(٤) ومن ذلك، أي: ومما يدل على خفاء الهاء ومشابهتها الياء، وهو عطف على قوله: ومما يدل ص/ ٦٤.
(٥) كذا في (ط): وفي (م): فمن: وهو تحريف.
[ ١ / ٦٧ ]
فقد تجري عليه أيضا «١» أشياء من أحكامه، نحو أبواب ما لا ينصرف، ونحو شبه «ما» ب «ليس». فإذا زاد على ذلك كان تشبيهه بالمشابهة له «٢» من جهات كثيرة أجدر.
ومن ذلك أنهم «٣» أبدلوها من الياء، كما أبدلوا منها الألف في «طائيّ» ونحوه. وذلك قولهم: ذه أمة الله «٤». في ذي «٥». تسكن في الوصل كما أسكنت ميم عليهم وعليكم فيه، من حيث لزم ما قبلها ضرب واحد من الحركة، وتلحق هذه الهاء التي هي بدل من الياء في الوصل الياء، وذلك قوله تعالى: قل هذهي سبيلي [يوسف/ ١٠٨] فإذا وقفت قلت:
هذه تحذفها كما حذفتها في عليه وبه في الوقف، وهذا على لغة أهل الحجاز، فأما بنو تميم فإنهم يقولون في الوقف «٦»:
هذه، فإذا وصلوا قالوا: هذي فلانة.
ومن ذلك أنهم أبدلوا الياء منها في التضعيف، كما أبدلوا الألف من الياء في حاحيت، وذلك قولهم في دهدهت «٧»:
دهديت، وقالوا: دهدوهة كدحروجة. وقالوا: دهديّة، فأبدلوا. ومن ذلك أنّهم أبدلوا الهمزة منها لاما كما يبدلونها من حروف اللين، وذلك قولهم: ماء. قال أبو زيد: قالوا: ماهت الركيّة تموه وتميه وأماهها صاحبها إماهة. وأنشد أحمد بن يحيى «٨»:
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من (ط).
(٢) في (ط): بالمشابه له.
(٣) في (ط): كما أنهم.
(٤) انظر سيبويه ٢/ ٢٩٥.
(٥) في (ط): ذي أمة.
(٦) في (ط): فإنهم في الوقف يقولون.
(٧) كذا في (ط)، وسقطت «في» من (م).
(٨) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار النحوي الشيباني
[ ١ / ٦٨ ]
إنّك يا جهضم ماه القلب ضخم عريض مجرئشّ الجنب
«١» ومما يقوّي شبهها بالألف أنّ ناسا كسروها مع حجز الحرف بينها وبين الكسرة، فقالوا: منهم، كأنّهم لمّا رأوها جارية مجرى الألف جعلوها بمنزلة جلباب وحلبلاب «٢»، فإذا كانوا قد كسروا مع هذا الحاجز فأن يكسروا إذا لم يحجز بين الكسرة والياء شيء أجدر، وهذه اللغة وإن كان سيبويه «٣» قد سماها اللغة الرديئة فلها من وجه القياس ما ذكرته.
ويقوّيه أيضا من جهة القياس قول الجميع: هو ابن عمي دنيا فقلب «٤» من أجل الكسرة، وإن كانت العين قد حجزت، وقولهم: قنية، وزيد من العلية.
ويقويه أيضا ما حكاه أبو زيد من أن رجلا من بني «٥» بكر بن وائل قال: أخذت هذا منه ومنهما ومنهمي. قال أبو زيد: فكسر الاسم المضمر في الإدراج والوقف.
_________________
(١) بالولاء، المعروف بثعلب، وتقدمت ترجمته ص/ ١١.
(٢) رواه في اللسان في مادة «جرش». إنك يا جهضم ما هي القلب جاف عريض مجرئش الجنب كما رواه أيضا في مادة «موه»: ما هي القلب، وقال في معناه: جبان كأن قلبه في ماء، ورواه فيها أيضا: ماه القلب بضم الهاء كما هنا، ومعناه: كثير ماء القلب، وماه القلب: بليد. والمجرئش المنتفخ الجنبين.
(٣) حلبلاب بكسر الحاء واللام: اللبلاب بفتح اللام، والمراد أنهم أمالوا الالف في كلا اللفظين مع الحاجز بينهما وبين الكسرة، فكذلك الهاء.
(٤) انظر الكتاب ٢/ ٢٩٤.
(٥) أي: فقلب الواو ياء لأن أصله دنوا.
(٦) سقطت كلمة بني من (ط).
[ ١ / ٦٩ ]
قال أبو زيد: وقال يعني هذا الرجل: عليكم، فضمّ الكاف.
ومما يؤكد كسر الهاء أن ناسا من بكر بن وائل قالوا:
بكم، و«فضل أحلامكم» «١»، فكسروا تشبيها لها بالهاء من حيث اجتمعا في الهمس وعلامة الضمير، فإذا أجروا هذا مجرى الهاء لقيام شبهين من الهاء فيه، فإتباع الهاء الكسرة للمشابهات التي فيها من حروف اللين وكثرتها أولى، واستجازة غيره أبعد.
ومن ثمّ ألحق الكاف حرف اللين من ألحق، فقال:
أعطيتكاه للمذكّر، وأعطيتكيه للمؤنث، كما ألحقه الهاء في أعطيتهاه، وأعطيتهوه، لاجتماعهما فيما ذكرت لك «٢»، فكسرهم للكاف في بكم «٣» يدلّ على استحكام الكسرة في الهاء وكثرتها فيها.
فإن قال قائل: إنّ الضمة هي الأصل في عليهم وبهم ونحو ذلك بدلالة أن علامة المضمر المجرور كعلامة المضمر المنصوب المتصل، وأنّ ما جاز فيه الكسر جاز فيه الضمّ، نحو (بهو وبدارهو الأرض) وليس كل ما جاز فيه الضم يجوز فيه الكسر، تقول: هذا له، وسكنت داره، ولا يجوز كسر الهاء في شيء من ذلك. وإذا كان استعمال الضمّ فيه أعمّ وكان الأصل، وجب أن يكون أوجه من الكسر. قيل: إن كون الضمّ الأصل ليس ممّا يجب من أجله أن يختار على الكسر مع مجاورة الكسرة أو الياء، لأنّه قد تحدث أشياء توجب تقديم غير الأصل
_________________
(١) قطعة من بيت للحطيئة في ديوانه ص ١٤٠، والكامل للمبرد ص ٥٣٤، وتمامه: وإن قال مولاهم على جلّ حادث من الدهر ردّوا فضل أحلامكم ردّوا
(٢) سقطت هذه الكلمة من (ط).
(٣) في (ط): في نحو بكم.
[ ١ / ٧٠ ]
على الأصل، طلبا للتشاكل وما يوجب الموافقة، ألا ترى أنّ الأصل الذي هو السين في الصراط الصاد أحسن منه، وأن النون التي هي الأصل في شنباء قد رفضت وترك استعمالها، وكذلك الأصل في شقرة «١» ونمر «٢» في باب الإضافة «٣» قد رفض، وكذلك الأصل في حنيفة وجديلة فيها «٤» قد رفض، ولم يستعمل إلّا في أحرف يسيرة. والأصل في يرى قد رفض مع جميع حروف المضارعة في حال السعة والاختيار.
والأصل في عيد كذلك أيضا، ومن ثمّ كسّر على أعياد، ولم يكن كالأرواح. والأصل في الدنيا قد رفض في جميع بابه إلا في القصوى، كما رفض الأصل في تقوى وشروى، والأصل في فاء آدم وآخر أن يكون «٥» همزة، وقد ترك ذلك بدلالة أوادم وأواخر، وإجرائهم إيّاه مجرى ضوارب. وكذلك جاء في قولي «٦» الخليل والنحويين.
والأصل في قسيّ أن يكون على فعول، وأن يكون في الفاء الضم والكسر مثل حقي وعصيّ. وحقيّ وعصيّ. ولم نعلم أحدا ممّن يوثق بروايته حكى الضمّ في فاء هذه الكلمة، والأصل تقديم حرف العلة على السين التي هي لام، وأن تكون الواو مصحّحة كما صحت في العتوّ ونحوه من المصادر، فترك
_________________
(١) الشّقر ككتف: شقائق النعمان، واحدتها: شقرة.
(٢) في (ط): ونمرة.
(٣) أي النسب.
(٤) في (ط): فهذا.
(٥) كذا في (ط). وفي (م): «تكون».
(٦) في (ط): قول، ويريد بقول الخليل أن الأصل: جايئ فقدم الهمزة، وبقول النحويين أن الأصل: جائئ، ثم قلبت همزة اللام ياء.
[ ١ / ٧١ ]
ذلك إلّا في نحو ونحو ونحوّ. فهذه كلمة قد ترك الأصل فيها في ثلاثة مواضع. وهذا ممّا يقوّي قراءة حمزة في (بيوت) «١» ونحو ذلك «٢» على أن سيبويه حكى في تحقير
بيت: بييت «٣»، فإذا جاز إبدال الضمة كسرة في التحقير لمكان الياء، فكذلك يجوز أن تبدل من ضمّة فاء فعول، في الجمع، الكسرة من أجل الياء. ألا ترى أنه قد قال: إنّ التحقير والتكسير من واد واحد.
فإذا رأيت هذه الأشياء وغيرها قد تركت فيها الأصول، واطّرحت في كثير منها، واختير عليها غيرها لمشابهات تعرض، أو تخفيف يطلب أو غير ذلك، لم ينكر أن يترك الأصل الذي هو الضمّ في عليهم، ويؤثر عليه الكسر ليتشابه الصوتان ويتّفقا ويكون مع ذلك أخفّ في اللفظ.
فإن قال: إنّ الألف التي شبّهت بها الهاء في عليهم ودارهم لا تكون إلا ساكنة، وهذه الهاء متحركة فكيف وفّقت بينهما مع اختلافها من حيث ذكرنا؟ قيل: إنّ هذا الذي ذكرت من الخلاف بينهما لا يوجب لهما اختلاف حكم بينها وبين الألف فيما ذكرنا، لأنّهم قد جعلوا الهاء متحركة بمنزلة الألف الساكنة، ألا ترى أن قول الأعشى «٤»:
رحلت سميّة غدوة أجمالها اللام فيه حرف الرويّ، والهاء وصل، فجعلت الهاء مع
_________________
(١) من قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ في الآية ٣٦ من سورة النور.
(٢) في (ط): ونحوه.
(٣) بكسر الباء انظر الكتاب: ٢/ ١٣٦.
(٤) صدر بيت في ديوانه ص ٢٧، وعجزه: غضبى عليك فما تقول بدا لها
[ ١ / ٧٢ ]
تحركها بمنزلة الألف والواو والياء والهاء والسواكن في نحو:
عاذل والعتابا «١» ونحو:
حبيب ومنزلي «٢» وإن لام لائمو «٣» والهاء في:
أعارتكهما الظبية «٤» وبكّي النساء على حمزة «٥»
_________________
(١) إشارة إلى مطلع قصيدة لجرير في ديوانه ٢/ ٨١٣، وتمامه: أقلي اللوم عاذل والعتابا وقولي إن أصبت لقد أصابا والبيت من شواهد سيبويه ٢/ ٢٩٨، ٢٩٩ ومن شواهد شرح المغني للبغدادي ٦/ ٤٦.
(٢) إشارة إلى مطلع معلقة امرئ القيس في ديوانه ص ١٤٣، وتمامه: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل والبيت من شواهد شرح أبيات المغني ٤/ ٢١.
(٣) من مطلع قصيدة للأعشى، وتمامه: هريرة ودّعها وإن لام لائم غداة غد أم أنت للبين واجم واستشهد به سيبويه في الكتاب: ٢/ ٢٩٨، وانظر الديوان/ ٧٧. وشرح أبيات المغني ٧/ ٩٤.
(٤) من قوله: رميتيه فأقصدت وما أخطأت الرميه بسهمين مليحين أعارتكيهما الظبية والأكثر أن يقال: رميته بكسر التاء دون ياء. وأنشد البيتين أبو حيان في تذكرته عن أبي الفتح بن جني. قاله البغدادي في الخزانة ٢/ ٤٠١.
(٥) عجز بيت لكعب بن مالك من أبيات يبكي بها حمزة، وصدره: صفية قومي ولا تعجزي انظر سيرة ابن هشام: ٢/ ١٥٨.
[ ١ / ٧٣ ]
فكما جرت وهي وصل متحركة مجرى السواكن بدلالة أنّه لا شيء في هذه الحروف يكون متحركا وصلا إلّا إيّاها، وما كان منها متحركا غيرها كان رويّا، ولم يكن وصلا كالواو في قوله:
وعينيك تبدي أنّ قلبك لي دوي «١» والياء في:
وإنّما يبكي الصّبا الصّبيّ «٢» وكقوله «٣»:
فقد كان مأنوسا فأصبح خاليا «٤» كذلك يكون في قولهم «٥»: بهي وعليهي، وإن كانت متحركة بمنزلة الألف فتتبع الياء أو الكسرة كما تتبعها الألف.
وليست الهاء في قول القائل «٦»:
_________________
(١) عجز بيت ليزيد بن الحكم الثقفي، مطلع قصيدة له، وتمامه في رواية القالي والفارسي في المسائل البصرية، كما ذكره البغدادي: تكاشرني كرها كأنك ناصح وعينك تبدي أن صدرك لي دوي والدوي: المريض، وهنا بالحقد والكراهية، انظر الأمالي: ١/ ٦٨. وشرح المفصل لابن يعيش ٣/ ١١٩ وشرح أبيات المغني ٥/ ١٨١ وقد أورد له القصيدة بتمامها عن الفارسي.
(٢) من أرجوزة للعجاج أولها: بكيت والمحتزن البكيّ وإنّما يأتي الصّبا الصبيّ انظر ديوانه ١/ ٤٨٠، وأراجيز العرب للبكري ص ١٧٤. وشرح أبيات المغني ١/ ٥٥.
(٣) في (ط): ونحو.
(٤) لم نعثر على قائله.
(٥) في (ط): قوله.
(٦) البيتان من مشطور الرجز في الخصائص ٢/ ٢٤٦ عن أبي علي الفارسي وبعدهما:
[ ١ / ٧٤ ]
شلّت يدا فارية فرتها وفقئت عين التي أرتها
كالتي في قوله:
غدوة أجمالها «١»:
وإنّما هي بمنزلة التاء فيما أنشده أبو زيد:
ألا آذنتني بالتّفرّق جارتي وأصعد أهلي منجدين وغارت
«٢» فالألف في الأبيات تأسيس، وليست «٣» بردف، وإن كان قد لزم الراء التي لا تلزمه [في الأبيات] «٤»، ألا ترى أنّه لو قال: عاجت مع غارت كان مستقيما.
ومما يدل على أنّ الهاء وإن كانت متحركة لم تخرج بحركتها عن الخفاء ومشابهة الألف والياء الساكنة: أنّهم لم
_________________
(١) مسك شبوب ثم وفّرتها لو خافت النزع لأصغرتها وفي الصحاح واللسان والتاج (صغر- فرى) ما عدا قوله: «وفقئت عين التي أرتها» وزاد الصاغاني في التكملة (صغر) مشطورين آخرين، وذكر الشعر أيضا في (فرى) من دون زيادة، والأبيات منسوبة عند الصاغاني وصاحب التاج إلى صريع الركبان. قال الصاغاني: واسمه جعل. وفي بعضها اختلاف في الرواية. والأبيات في وصف دلو. قوله: فرتها، أي: عملتها. والشبوب: الشاب من الثيران. والمسك: الجلد. وأصغرتها، من قولهم: أصغرت القربة: إذا خرزتها صغيرة.
(٢) سبق تخريجه ص ٧٢.
(٣) من أبيات خمسة لزهير بن مسعود. في نوادر أبي زيد/ ٣٨.
(٤) في (ط): وليس.
(٥) زيادة من (ط).
[ ١ / ٧٥ ]
يعتدّوا بها وهي متحركة، فصلا، بل جعلوا ثباتها كسقوطها.
وذلك قولهم: يريد أن يضربها وينزعها وبيني وبينها، فأمالوا الفتحة التي قبل الهاء كما يميلها إذا قال: يريد أن ينزعا، وعلى هذا قالوا: مهاري فأمالوا فتحة الميم كما يميل إذا قال ماري، فإذا لم يعتدّ بها متحركة في هذا الموضع، فأن تجرى مجرى الألف في دارهم «١» وعليهم وبهم، فتقرّب من الياء أو الكسرة بأن تكسر بعد كل واحد منهما، أسهل من ذلك.
ويدل «٢» على ذلك أيضا أنّ من قال: ردّ أو ردّ إذا قال:
ردّها، اجتمعوا على فتح الدال فيما حكى من يوثق به، كما يجمعون على فتحها إذا لم يحل بينها وبين الألف شيء في ردّا، فإذا صنع بها هذا وما ذكرته قبل، علمت أن إجراءها مجرى الألف في السكون أسهل. ومن هاهنا كان الوجه في القراءة:
فِيهِ هُدىً [البقرة/ ٢]، وخُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ [الحاقة/ ٣٠ - ٣١] أن يحذف «٣» الحرف اللّين اللاحق للهاء، لأن الاعتداد في هذين الموضعين لم يقع بها متحركة وفي «أجمالها» «٤» لم يقع الاعتداد بحركتها فيحصل من اعتبار كلا الموضعين أنّك كأنّك جمعت بين ساكنين.
فإن قال: فما وجه حذف حرف الليّن بعد الميم واختياره على وصلها بحرف اللين؟ فإن وجه ذلك أن هذه الحروف قد تستثقل فتحذف في مواضع لا يحذف فيها غيرها، ألا ترى أنّهم حذفوا اللام من قولهم: ما باليت به بالة، وحانة. ولا تجد هذا
_________________
(١) في (ط): دراهم، وهو تحريف.
(٢) في (ط): ويدلك.
(٣) في (ط): يحذف معه الحرف.
(٤) من بيت الأعشى السابق ص ٧٢.
[ ١ / ٧٦ ]
الحذف إلا فيه وفيما جانسه، وأجمعوا على حذف ما انقلب «١» عن اللام في نحو مرامى في الإضافة. وحذفوا الياء عندنا من نحو: جوار وغَواشٍ [الأعراف/ ٤١] وحذفوا الياء والواو من نحو: حنيفة، وشنوءة في الإضافة، وجعلوا الأصل في تحيّة فيها «٢» بمنزلتهما، ورفضوا فيها الإتمام الذي هو في الأصل فيمن قلب «٣» فقالوا: أسيدي، وحذفوهما في الفواصل والقوافي. ولما استمر ذلك فيها وكثر، جعلوا ما كان اسما بمنزلة غيره في استجازة حذفها. قال:
لا يبعد الله أصحابا تركتهم لم أدر بعد غداة الأمس ما صنع
«٤» وقال:
لو ساوفتنا بسوف من تحيّتها سوف العيوف لراح الرّكب قد قنع
«٥» رواية الكتاب: ساوفتنا، وقد روي: لو ساعفتنا،
_________________
(١) أي: حذف الألف التي أصلها ياء لام الكلمة.
(٢) أي في الإضافة، يريد أن ياء تحية الأصلية حذفت في النسب كياء حنيفة.
(٣) المراد عند من قلب في تصغير أسود فقال: أسيّد، وإلا فبعضهم يقول: أسيود، في تصغيره فلا يحذف في الإضافة.
(٤) البيت لتميم بن مقبل من قصيدة في ديوانه ١٦٨ وهو من شواهد سيبويه ٢/ ٣٠١ وشرح شواهد الشافية ٤/ ٢٣٦.
(٥) أنشده سيبويه في الكتاب: ٢/ ٣٠١، وهو لتميم في ديوانه ١٧٢ والبيت مع سابقة من قصيدة واحدة له، وساوفتنا أي: وعدتنا وعدا مستأنفا، وبسوف: من التسويف، أي: لو وعدتنا بتحية فيما يستقبل وإن لم تف بها لقنعنا بذلك.
[ ١ / ٧٧ ]
السوف: الشمّ والعيوف تسوف ولا تشرب. يريد: صنعوا قنعوا «١». وقال:
يا دار عبلة بالجواء تكلم «٢» فكما حذفوهما في هذه المواضع، كذلك حذفوهما في عليهم ونحوه، للخفّة في اللفظ، وأمن اللبس، ألا ترى أن هذه الميم إنّما تلحقها الألف أو الواو أو الياء المنقلبة عنها [و] «٣» الألف لا تحذف كما تحذفان، لأنّ من قال «ما صنع» يريد صنعوا «٤» قالوا: ومن قال «٥» «تكلم» يريد: تكلمي. يقول:
خليليّ طيرا بالتفرّق أوقعا «٦» فلا يحذف الألف كما حذف الواو والياء، ومن قال:
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [الفجر/ ٤] وذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ [الكهف/ ٦٤] قال: واللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى [الليل/ ١ - ٢] فلا يحذف الألف من الفواصل كما يحذف الياء، وكذلك لا يحذفها من القوافي في نحو:
داينت أروى، والدّيون تقضى فمطلت بعضا، وأدّت بعضا
«٧»
_________________
(١) وهما رواية الديوان.
(٢) من معلقة عنترة، وتمامه: «وعمي صباحا دار عبلة واسلمي» ديوانه/ ١٨٣ وانظر الكتاب لسيبويه ٢/ ٣٠٢ وشرح القصائد السبع الطوال الجاهليات للأنباري/ ٢٩٦.
(٣) سقطت الواو من (م).
(٤) كلمة «صنعوا» مطموسة في (م).
(٥) في (ط): وقال.
(٦) أنشده سيبويه ٢/ ٣٠٢ عن الخليل، وانظر شرح شواهد الشافية/ ٢٣٩.
(٧) من أرجوزة لرؤبة بن العجاج في ديوانه/ ٧٩ وورد في الكتاب: ٢/ ٣٠٠ بدون عزو، وانظر شرح شواهد الشافية ٢٣٣.
[ ١ / ٧٨ ]
فكما لا تحذف ألف «بعضا» كذلك لا تحذف ألف «تقضى» «١». فأمّا ما حذفه من قوله:
رهط مرجوم ورهط ابن المعل «٢» فللضّرورة، والتشبيه بالياء لإقامة القافية، وليس ذلك ولا ما أشبهه ممّا يستقيم الاعتراض به. فإذا كانت هذه الميم لا تلحقها إلا الألف أو الواو، أو الياء. والألف لا تحذف، علم أنّ الذي يلحقه الحذف الواو أو الياء المنقلبة عنها من أجل الكسرة، فلم يقع لبس، وحصل التخفيف في اللفظ، ولم تخل هذه الواو أو الياء في عليهم ونحوه من أن تكون بمنزلة ما هو من نفس الكلمة، أو ممّا لحق لمعنى، فإذا كانوا قد حذفوا القبيلين جميعا، وحذفوا التي للضمير، ولم «٣» يبق في لفظ الكلمة المحذوف منها شيء يدلّ عليها، كان أن يحذف من نحو: «عليهم» للدلالة عليه أحسن وأولى.
فإن قلت: فإذا حذفت الواو والياء اللتان كانتا تتصلان
_________________
(١) في (ط): فكما لا تحذف ألف تقضى، كذلك لا تحذف ألف بعضا.
(٢) في (ط): من رهط مرجوم ونسب هذا البيت في اللسان والتاج/ رجم/ إلى لبيد، ونسبه أبو علي في هذا الكتاب في ص ١٤١ له، وليس في ديوانه، وتمامه: وقبيل من لكيز شاهد رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ يريد: ابن المعلّى انظر الكتاب: ٢/ ٢٩١، والخصائص: ٢/ ٢٩٣. وشرح شواهد الشافية ص ٢٠٧. والقبيل: العريف والكفيل. لكيز: أبو قبيلة. مرجوم وابن المعلى: سيدان من لكيز.
(٣) في (ط): وإن لم.
[ ١ / ٧٩ ]
بالميم فلم حذفت حركة الميم في الوصل من نحو: عليهم وبهم؟ قيل: لمّا حذفت الواو والياء «١» للتخفيف ولما قام على لزوم حذفهما من الدلالة، كره أن تبقى الكسرة أو الضمة، لأنّهما قد يكونان بمنزلة الياء والواو، في باب الدلالة عليهما، ألا ترى أنّك تقول في النداء: يا غلام أقبل، فيكون ثبات الكسرة كثبات الياء وتقول: أنت تغزين يا هذه، فتشمّ الزاي ليكون ذلك دلالة على الواو المحذوفة، فكما كانتا في هذه المواضع بمنزلة الياء والواو، كذلك لو لم تحذفا مع الميم من عليهمي «٢» وعليهمو كان إثباتهما بمنزلة إثباتهما، ودالّا عليهما، فيصير بإثباتهما كأنّه لم يحذف الحرفين، كما كان إثباتهما حين ذكرتا بمنزلة إثبات الحرفين.
ويدلّ على وجوب إسكان الميم أنّ الحركة لو أثبتت، ولم تحذف كان فيها استجلاب بإثباتهما للمحذوف، ألا ترى أن الضمة والكسرة إذا ثبتتا «٣» قد يشبعان «٤» فيلحقهما الواو والياء، فمن إشباع الضمة قول الشاعر- أنشده أحمد بن يحيى-:
وأنّني حوثما يسري الهوى بصري من حوثما سلكوا أثني فأنظور
«٥»
_________________
(١) في (ط): أو الياء.
(٢) في (ط): في عليهمي.
(٣) في (ط): إذا أثبتتا.
(٤) في (ط): قد تشبعان.
(٥) قال ابن جني في سر الصناعة (١/ ٢٩) أنشدني أبو علي: الله يعلم أنا في تلفتنا يوم الفراق إلى أحبابنا صور وأنني حيثما يثني الهوى بصري من حوثما سلكوا أدنو فأنظور يريد فأنظر فأشبع ضمة الظاء، فنشأت عنها واو. وانظر شرح أبيات المغني للبغدادي ٦/ ١٤٠.
[ ١ / ٨٠ ]
ومن إشباع الكسرة:
لما نزلنا نصبنا ظلّ أخبية وفار للقوم باللحم المراجيل
«١» فلو أتيت ما يجلبهما في بعض الأحوال كان ذلك كالنقض لما قصد من التخفيف بحذفهما. وقد جرت الفتحة في ذلك مجرى أختيها، قال ابن هرمة «٢»:
وأنت من الغوائل حين ترمى ومن ذمّ الرجال بمنتزاح
وإذا أسكن أمن هذا، ألا ترى أنهم لم يصلوا القوافي الساكنة، ومن ثم كانت الهاء رويّا في: «فرتها» «٣» ولم تكن وصلا كما كانت إيّاه في: «أجمالها» «٤».
فإن قلت: فهلّا أثبتت حركتها، كما أثبتت حركة الهاء في
_________________
(١) من مفضلية عبدة بن الطبيب الشاعر المخضرم، ورواية المفضليات: لما وردنا رفعنا ظلّ أردية وفار باللحم للقوم المراجيل والمراجيل جمع مرجل وهو القدر، وانظر المفضليات ص ١٤١ وشرحها ص ٢٨٤.
(٢) من قصيدة له يمدح بها عبد الواحد، أحد القرشيين، وكان قاضيا لجعفر بن سليمان. وأولها: أعبد الواحد المحمود إني أغص حذار سخطك بالقراح وانظر الحماسة البصرية ١/ ١٩٠، وشرح شواهد الشافية: ٢٥.
(٣) إشارة إلى البيت: «شلت يدا فارية فرتها» وتقدم في ص/ ٧٥.
(٤) إشارة إلى البيت: رحلت سمية غدوة أجمالها وقد تقدم في ص/ ٧٢.
[ ١ / ٨١ ]
عليه ونحوه بعد حذف حرف اللين «١»، ليتفقا في التحرك، كما اتفقا في حذف حرف اللين منهما وكما اتفقا في الحذف في الوقف. قيل: الفصل بينهما أن الميم في عليهم، وعليكم، ودارهم، وبهم، لا يخلو ما قبلها من أن يكون ضما أو كسرا فما يستثقل لازم له، والهاء في الإفراد لا تكون كذلك، لأن ما قبلها قد يكون مفتوحا في نحو: رفعت حجره، وقدت جمله.
وقد يكون ساكنا في نحو: عصاه، وعليه، واضربه، فهذه الهاء إذا تصرف ما قبلها هذا التصرف، علمت أنّها لا تكون بمنزلة هاء الجميع التي لا تخلو من الضمة والكسرة وهما يستثقلان فخفّف بحذف الحركة وإلزامها ذلك كما خفّف نحو: عضد وكتف، ولم يخفّف نحو: جمل.
فأمّا اتّفاقهما في الحذف في الوقف فلأنّهما قد حذفا في الوصل في: عليهم وعليكم، فلما اتفقا في الحذف في الوصل وكان الوقف يحذف فيه ما لا يحذف في الوصل نحو الحركات، وجب أن يلزم فيه الحذف ما يحذف في الوصل، لأنّ الوقف موضع تغيير.
وممّا يقوّي حذف هذه الحركة من الميم في «عليهم» ونحوه أنّها لو أثبتت ولم تحذف لأدّى ذلك إلى اجتماع أربع متحركات وخمس، وذلك ممّا قد كرهوه حتى لم يأخذوا به في أصول أبنيتهم، إلا أن يكون قد حذف منه شيء «٢»، ولا في أوزان الشعر إلّا أن يلحقه ذلك أيضا، وقد رفضوا أن تجتمع
_________________
(١) في (ط): بعد حذف اللين.
(٢) أي: في نحو علبط، وهو: الضخم. والأصل علابط.
[ ١ / ٨٢ ]
خمس متحركات في شيء من أوزان الشعر. ومن ثمّ تعاقبت السين والفاء في مستفعلن التي هي عروض البيت الأول من المنسرح، لأنّهما لو حذفا جميعا وقبلها تاء مفعولات لاجتمع خمس متحركات، فلما كان يؤدّي إلى ما قد تركوه، واطّرحوه، حذفوا الحركة فيه.
ألا ترى أنهم تركوا الابتداء بأنّ الثقيلة المفتوحة لما كان يؤدي إليه من اجتماع حرفين لمعنى «١» وتركوا أن يخرموا من أول الكامل كما خرموا من أول الطويل والوافر ونحوهما لما كان الخرم فيه يؤدّي إلى الابتداء بالساكن؟ فكذلك حذفت الحركة في الميم من «عليهم» ونحوه لمّا كان يؤدّي إلى ما قد رفضوه في كلامهم من توالي المتحركات، وجعل غير اللازم في هذا كاللازم، كما جعل مثله في: فعل لبيد، و(لا تناجوا) «٢» ومررت بمال لك، ونحو ذلك.
الحجة لحمزة في قراءته (عَلَيْهِمْ):
فأمّا قراءة حمزة: (عليهم) وأختيها بالضم فليس على أنّه لم يتبع الهاء الياء مع المشابهات التي بينهما، ولكنّه لمّا وجد هذه الياءات غير لازمة، وما كان غير لازم من الحروف فقد لا يقع الاعتداد به في الحكم وإن ثبت في اللفظ، وكانت الياء
_________________
(١) أي: لاحتمال أن تكون بفتح الهمزة أو كسرها، إذا صح الابتداء بأن المفتوحة فيلزم اجتماع حرفين لمعنى.
(٢) في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ في الآية ٩ من سورة المجادلة، وإدغام تاء تتناجوا في التاء بعدها قراءة ابن محيصن، وليست من السبع.
[ ١ / ٨٣ ]
بمنزلة الألف في قرب المخرج والاجتماع في اللين وإبدال إحداهما من الأخرى في نحو:
لنضربن بسيفنا قفيكا «١» أجرى الياء مجرى الألف، فضمّ الهاء بعد الياء، كما يضمّها بعد الألف، وقوّى ما رآه من ذلك عندنا أن سيبويه حكى «٢» عن الخليل: أن قوما يجرونها مع المضمر مجراها مع المظهر، فيقولون: علاك وإلاك. فهذا يقوّي أن الياء لمّا لم تلزم لم يكن لها حكم اللازم، كما أن الواو في ضوء «٣» إذا خففت الهمزة فلم تلزم لم يلزمه القلب، كما «٤» أن التاء في قائمة وطويلة لمّا لم تلزم لم يكن لها «٥» حكم اللازم، والياء لما كانت أقرب مخرجا إلى الألف من الواو إليها «٦» أبدلت هي من الألف، كما أبدلت الألف منها، ولم تبدل الألف من الواو على هذا الحدّ.
ألا ترى أنهم قالوا: حاحيت، وعاعيت، وقالوا في النسب إلى طيئ: طائيّ وفي الحيرة: حاريّ، وفي زبينة: زباني «٧»،
_________________
(١) من رجز لرجل من حمير يخاطب عبد الله بن الزبير، وتمامه: يا ابن الزبير طالما عصيكا وطالما عنيتنا إليكا لنضربن بسيفنا قفيكا انظر شرح شواهد المغني للبغدادي الشاهد رقم/ ٢٤٩ ج ٣/ ٣٤٧. وعنيتنا: اتعبتنا.
(٢) في (ط): يحكي.
(٣) أي: في لغة من يقول ضو دون همز.
(٤) في (ط): وكما أن.
(٥) في (ط): لم يكن له.
(٦) في (م): والهاء، وهو خطأ.
(٧) بنو زبينة كسفينة: حي من العرب، والنسبة إليهم زباني على غير قياس.
[ ١ / ٨٤ ]
وذهب سيبويه في آية وغاية إلى أن الألف «١» بدل من الياء الساكنة التي كانت «٢» في أيّة «٣» ولم نعلم الألف أبدلت من الواو على هذه الصورة إلّا قليلا كياجل في بعض اللغات.
فأمّا ما يقوله بعض البغداذيّين من أن الألف في داويّة بدل من الواو في دوّيّة فقد يمكن أن يكون الأمر على خلاف ما ذهب إليه، وذلك أنه يجوز أن يكون بنى من الدوّ فاعلا كالكاهل والغارب، ثم أضاف إليه على من قال: حانيّ، ويقوّي ذلك أن أبا زيد أنشد:
والخيل قد تجشم أربابها الشّقّ «٤» * وقد تعتسف الداويه «٥» فإن قلت: إنه قد يمكن أن يكون خفف ياء النسب في الداويه لأنّها قد تخفّف في الشعر، كما أنشده أبو زيد:
بكّي بعينك واكف القطر ابن الحواري العالي الذكر
«٦»
_________________
(١) في (ط): وذهب سيبويه إلى أن الألف في آية وغاية.
(٢) سقطت «كانت» من (ط).
(٣) بناء على قول سيبويه: إن أصل آية أيّة بالتشديد.
(٤) صدر البيت زيادة من (ط).
(٥) من شعر نسبه أبو زيد في النوادر ص ٦٢ إلى عمرو بن ملقط، وانظر شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٩، وشرح أبيات المغني ٢/ ٣٦٣. واللسان (شق). والمعنى: أن الخيل قد تكلف أصحابها المشقة، وقد تقطع الفلاة، فتمشي على طريق غير مسلوكة.
(٦) رواه في اللسان عن ابن دريد في مادة «حور»، ونسبه أبو زيد في النوادر:
[ ١ / ٨٥ ]
فإن الحمل على القياس والأمر العامّ أولى، حتى يحوج إلى الخروج عنه أمر يضطرّ إلى خلافه، ويخرج عن الشائع الواسع.
وممّا يؤكد ذلك أنّ أبا الحسن قال: زعم أبو زيد أنّه لقي أعرابيا فصيحا: يقول: ضربت يداه، ووضعته علاه. وحكى «١» أبو عثمان عن أبي زيد أنّه سأل الخليل عمن قال: رأيت يداك، فحمله على هذا الوجه.
ومن الدلالة على صحّة ما اعتبره حمزة في ذلك، أنّ الياء في الأواخر في غير هذا الموضع، وقعت موضع الألف في الوصل، والوقف، وذلك لغة طيئ فيما حكاه عن أبي الخطّاب «٢» وغيره من العرب، وذلك قولهم في أفعا: أفعي «٣» فكما جرت الياء مجرى الألف في هذا عندهم، كذلك أجرى الياء في «عليهم» مجرى الألف، معها، كما ضمّها مع الألف، إذ كانت الياء في حكمها، وإن لم تكن من لفظها.
وتوافق هذه اللغة في إبدال الياء من الألف قول ناس في
_________________
(١) ٢٠٥ إلى ابن الرقيات، وعنه في الديوان ١٨٣.
(٢) في (ط): ويحكي.
(٣) حكاه أي سيبويه: وأبو الخطاب هو عبد الحميد بن عبد المجيد الأخفش الأكبر مولى قيس بن ثعلبة، كان إماما في العربية، لقي الأعراب وأخذ عنهم وعن أبي عمرو بن العلاء وطبقته، وأخذ عنه سيبويه والكسائي وغيرهما، وهو أول من فسر الشعر تحت كل بيت. وأنظر البغية للسيوطي: ٢/ ٧٤.
(٤) هي إحدى لغتي طيئ، والأخرى أفعو بفتح العين وسكون الواو.
[ ١ / ٨٦ ]
الإضافة إلى الياء: (يا بُشْرى) «١». و:
سبقوا هويّ وأعنقوا «٢»
وممّا يثبت هذه اللغة التي استشهدنا له بها من القياس، أنّها على قياس ما اجتمع عليه أهل الحجاز وغيرهم من قيس، وذلك أن بني، تميم يبدلون من الياء الهاء في الوقف في «هذه» فإذا وصلوا قالوا:
فهذي شهور الصيف «٣» ..
كما أن ناسا يقولون: أفعي في الوقف، فإذا وصلوا قالوا:
رأيت الأفعى، فاعلم.
_________________
(١) في قوله تعالى: «يا بشراي هذا غلام» في الآية ١٩ من سورة يوسف، وإدغام الألف في الياء هي قراءة أبي الطفيل عن النبي ﷺ كما في طبقات القراء ١/ ١٧٧ والمحتسب ١/ ٧٦ وعن أبي الطفيل والحسن وعبد الله بن أبي إسحاق، وعاصم الجحدري كما في البحر المحيط ٥/ ٢٩٠. وأضاف في البحر ١/ ١٦٩ عيسى بن أبي عمر، وهي لغة شائعة لهذيل كما ذكرته المصادر.
(٢) من مرثية أبي ذؤيب لأولاده، وتمام البيت: سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع انظر ديوان الهذليين: ١/ ٢ وشرح أشعارهم ١/ ٧ والبحر المحيط ١/ ١٦٩. وقوله هوي: لغة هذيل، يريد: هواي. وأعنقوا: تبع بعضهم بعضا. أي: ماتوا قبلي.
(٣) لمجنون بني عامر من قوله: وخبرتماني أن تيماء منزل لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت فما للنوى ترمي بليلى المراميا؟ الأغاني: ٢/ ١٠ وديوانه/ ٣٠٠.
[ ١ / ٨٧ ]
وجعلت طيئ الحرف في الوصل والوقف ياء كما جعل أهل الحجاز وغيرهم من قيس آخر الكلمة في الوصل والوقف هاء فقالوا: هذه وهذهي أمة الله، وقالوا في الوقف: هذه، فاجتمعوا على إبدال الياء هاء كما فعلت طيئ ذلك بالألف فيهما. فإذا عضد ما ذكرنا من السماع الذي وصفناه من القياس، ثبت بذلك توجّه هذه اللغة وتقدّمها، وساغ من أجل ذلك التشبيه بها والترجيح لها على غيرها.
فإن قلت: فقد قال بعضهم: أفعو، فأبدل الواو من الألف، كما أبدل الياء منها. فالقول أن إبدال الواو منها ليس بقويّ من جهة القياس قوة إبدال الياء لما تقدم ذكره، وليس هو أيضا من طريق السماع في كثرة إبدال الياء منها، لأنّ الياء يبدلها «١» من الألف في الوقف فيما حكاه عن الخليل وأبي الخطّاب فزارة وناس من قيس، وفي الوقف والوصل يبدلها «٢» منها طيّئ والواو يبدلها منها بعض طيئ، فما كثر في الاستعمال وعضده قياس لم يكن كما كان بخلاف هذا الوصف. على أن مشابهة بعض هذه الحروف لبعض لا تنكر «٣»، وإن كانت الألف أقرب إلى الياء منها إلى الواو.
فإن قلت: فإن الياء قد اجتمعت مع الواو في أشياء لم تجتمع الألف فيها معها، كوقوعها في الردف في نحو: صدود وعميد، وامتناع الألف من مشاركتهما «٤»، وكاجتماعهما في الإدغام في سيّد ونحو ذلك. فالقول في ذلك أن الشعر يعتبر
_________________
(١) في (ط): تبدلها.
(٢) في (ط): تبدلها.
(٣) في (ط): لا ينكر.
(٤) في (ط): مشاركتها، وهو تحريف.
[ ١ / ٨٨ ]
فيه التعديل في الأجزاء، لما يدخله من الغناء والحداء، فلمّا كان المدّ في الألف أكثر من المدّ الذي في كل واحد منهما لم تجتمع معهما الألف في الردف، كما لم تقع واحدة
منهما مع الألف في التأسيس. ويدلّك على أن امتناع الألف في الاجتماع معهما في الردف لذلك، أنّ الفتحة لمّا لم تكن في مدّ الألف، لم يمتنع أن تقع «١» قبل حرف الروي مع الضمة والكسرة في نحو:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق تفليل ما قارعن من سمر الطرق
إذا الدليل استاف أخلاق الطرق ألّف شتّى ليس بالرّاعي الحمق
«٢» ألا ترى أن الفتحة لمّا خالفت الألف فيما ذكرنا لم تمتنع «٣» في قول أبي الحسن من أن تجتمع مع الضمة والكسرة. ومما يدلّك على زيادة المدّ في الألف، استجازتهم تخفيف الهمزة بعدها في هباءة والمسائل وجزاء أمّه «٤»، ولم يفعلوا ذلك بها مع الواو والياء «٥». ولكن قلبوها إلى لفظها في: مقروّ
_________________
(١) في (ط): لم تمتنع من أن تقع.
(٢) مطلع أرجوزة لرؤبة بن العجاج، والأرجوزة بتمامها في ديوانه ص ١٠٤ - ١٠٦، وفي أراجيز العرب/ ٢٢. وقد أورد أشطارا غير متصلة في الرواية، إذ يعنيه حركة ما قبل الروي ففي الشطرين الأولين الحركة فتحة وفي الثالث ضمة وفي الرابع كسرة. والطرق: الحجارة.
(٣) في (م): بل يمتنع.
(٤) وقعت «جزاء أمه» في (ط) على الهامش.
(٥) في (ط): مع الياء والواو.
[ ١ / ٨٩ ]
والنسيّ. ومن ثم استجاز يونس إيقاع الخفيفة بعدها في فعل الاثنين وجماعة النساء، وقرأ بعضهم فيما روي لنا: وَمَحْيايَ وَمَماتِي «١» [الأنعام/ ١٦٢].
وأما امتناعها من الإدغام وجوازه فيهما فإن إدغامها لم يجز في واحدة منهما لما فيها من زيادة المد «٢»: ألا ترى أن الصاد والسين والزاي «٣» لم يدغمن في الطاء والتاء والدال، ولا في الظاء والثاء والذال، لما فيهنّ من زيادة الصوت التي ليست «٤» في هذه الستة وهو الصفير «٥»، وأدغمن فيهنّ. ولم يجز إدغام الياء والواو في الألف لأنها لا تكون إلا ساكنة والمدغم فيه تلزمه الحركة، ولأن الحروف المجانسة لها يكره فيها الإدغام.
ومما يقوّي قراءته بالضم في هذه الحروف أنّه قد اعتبر في بعض الحروف المنقلبة حكم المنقلب عنه، ألا ترى أن الألف إذا كانت منقلبة عن الياء قرّبت منها فصارت مشابهة لها، ولا يفعل بها ذلك في الأمر العام إذا كانت منقلبة عن غيرها، وكذلك هذه الياء في عليهم إذا كانت منقلبة عن الألف جعلت
_________________
(١) سكون ياء المتكلم في «محياي» هو جمع بين ساكنين، أجرى الوصل فيه مجرى الوقف، والأحسن في العربية الفتح. قال أبو علي: هي شاذة في القياس لأنها جمعت بين ساكنين وشاذة في الاستعمال. ثم قال: وروى أبو خالد عن نافع: (وَمَحْيايَ) بكسر الياء انظر البحر ٤/ ٢٦٢.
(٢) أي فلو أدغمت فيها لزال المد، وهو مزية للألف.
(٣) في (ط): والزاي والسين.
(٤) في (ط): الذي ليس.
(٥) أي: والصفير مزية لا يجوز إهدارها بالإدغام.
[ ١ / ٩٠ ]
بمنزلة الألف فضمّت معها الهاء ضمك إيّاها مع الألف، كما قرّبت الألف من الياء لمّا كانت منقلبة عنها. وقد أريتك فيما تقدم أن المقرّب من الحروف قد يكون في حكم الحرف المقرّب منه عندهم بدلالة قولهم اجدرءوا «١» واجدمعوا، وإبدالهم تاء الافتعال مع المقرب إبدالهم إياها مع الحرف المقرّب منه.
ومما يؤكد ذلك أنّهم قالوا. رويا وروية ونوي «٢» فجعلوا [حكم الواو] «٣» حكم الحرف المنقلب عنه، فلم يدغموه في الأمر العام الشائع، كما لم يدغموا في هذه الياء ما الواو بدل منه، فكذلك يكون حكم الياء في عليهم حكم الحرف المنقلب عنه.
ومن ذلك أنهم قالوا: بيس فلم يحقق الهمزة، وأقرّ مع ذلك كسرة الباء فيها، كما كان يكسرها لو حقق الهمزة، أفلا ترى أنّه جعل حكم الحرف المغير حكمه قبل أن يغيره، فكذلك يضم الهاء مع الياء المنقلبة عن الألف، كما يضمّها مع الألف.
ومن تشابه الياء والألف أنّ الياء قد أجريت مجرى الألف، فأسكنت في موضع النصب، فصارت في الأحوال الثلاث «٤» على صورة واحدة، كما أنّ الألف في مثنّى «٥» ومعلّى كذلك، وقد كثر هذا «٦» في الشعر، وجاء في الكلام منه أيضا.
وذلك قولهم: أيادي سبا، وأيدي سبا، وبادي بدا وبادي بدي «٧»
_________________
(١) في (م): اجدرءوا وانظر ص ٥٥.
(٢) يريد النؤي، وهو الحفير حول الخباء.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من ط.
(٤) يريد أن المنقوص قد تسكن ياؤه نصبا.
(٥) في (ط): كما أن ألف مثنى.
(٦) أي تسكين الياء.
(٧) انظر سيبويه ٢/ ٥٤.
[ ١ / ٩١ ]
وقالي قلا، ومعدي كرب. فالأول من هذه الأشياء في موضع فتح، لأنّه لا يخلو من أن يكون ككفّة كفّة أو كفّة كفّة. فأمّا قولهم: لا أكلمك حيري دهر، فإن شئت قلت: إن الياء للإضافة فلما حذفت المدغم فيها «١» بقيت الأولى على السكون كقوله:
أيهما عليّ من الغيث استهلّت مواطره
«٢» وإن شئت قلت: إنّه لمّا حذف الثانية جعل الأولى كالتي في أيدي سبا، ولم يجعله مثل رأيت يمانيا «٣». وإن شئت «٤» جعله فعلي «٥» وكان في موضع نصب.
فإن قلت: إنّه قد قال: إن هذا البناء لا يكون إلّا بالهاء «٦» فإن شئت «٧» جعلته مثل انقحل «٨»، وإن شئت قلت:
إن الهاء حذفت للإضافة كما حذفت معها حيث، لم تحذف مع غيرها، وأن تجعلها للنسب أولى، لأنّهم قد شدّدوها. وكما
_________________
(١) في (ط): منها. وقوله: حيري دهر: أي طول الدهر. انظر اللسان (حير). ويقال: لقيته كفة كفة، أي: استقبلته مواجهة.
(٢) بقية بيت للفرزدق في ديوانه ١/ ٣٤٧، ورواه في اللسان في مادة «حير» و«أيا» وتمامه: تنظّرت نصرا والسّماكين أيهما عليّ من الغيث استهلّت مواطره وفي (ط): سقطت عبارة: «استهلت مواطره».
(٣) في (ط): ثمانيا.
(٤) في (ط): وإن شئت قلت.
(٥) أي: بالياء المخففة دون نسبة.
(٦) أي: بتاء التأنيث على وزن «فعلية» بكسر الفاء واللام.
(٧) في (ط) فإن شئت قلت.
(٨) انقحل: وصف من قحل الشيخ كفرح يبس جلده على عظمه فهو قحل بالفتح والسكون وقحل ككتف وانقحل، والمعنى أنه نادر مثله.
[ ١ / ٩٢ ]
شبّهت الياء بالألف في هذا، كذلك شبّهت الألف بالياء في نحو ما أنشده أبو زيد:
إذا العجوز غضبت فطلّق ولا ترضّاها ولا تملّق
«١» فهذا إنما هو على تشبيه الألف بالياء، ألا ترى ما قدّر من إثبات الحركة في «ألم يأتيك » «٢» وحذفها للجزم لا يستقيم هاهنا لمنع اللام بانقلابها ألفا من ذلك، من حيث لو لم يقدّر ثبات الحركة لصحّ الحرف ولم ينقلب كما لم ينقلب في نحو كي وأي ولو وأو. فأمّا قول الشاعر:
وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم تري قبلي أسيرا يمانيا
«٣» فإنه ينشد تري وترى. فمن أنشده تري بالياء كان مثل قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ «٤» [الفاتحة/ ٤] بعد الحمد لله، وقد يكون على هذا قول الأعشى:
_________________
(١) البيتان لرؤبة بن العجاج، وبعدهما: واعمد لأخرى ذات دل مونق لينة المس كمس الخرنق والخرنق بكسر الخاء والنون ولد الأرنب، وانظر شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠٦ وشرح أبيات المغني ٢/ ٣٥٥.
(٢) من قول قيس بن زهير العبسي: ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد انظر الكتاب: ٢/ ٥٩ والبيت من شواهد شرح أبيات المغني للبغدادي ٢/ ٣٥٣.
(٣) من قصيدة عبد يغوث بن وقاص الحارثي، وأولها: ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا فما لكما في اللوم خير ولا ليا وانظر القصيدة في ذيل الأمالي/ ١٣٣، والخزانة ١/ ٣١٦ وشرح أبيات المغني ٥/ ١٣٣ - ١٣٨ والبيت من شواهده.
(٤) أي: فهو من قبيل الالتفات.
[ ١ / ٩٣ ]
حتى تلاقي محمدا بعد قوله:
فآليت لا أرثي لها من كلالة «١».
وقد تكون على: هي تفعل، إلّا أنّه أسكن اللام في موضع نصب «٢». ومن أنشد: كأن لم ترى، كان مثل لا ترضّاها.
فإن قلت: فلم لا «٣» يكون على التخفيف «٤» على قياس من قال: المراة والكماة. قيل إن التخفيف على ضربين:
تخفيف قياس وتخفيف قلب على غير القياس «٥» وهذا الضرب حكم الحرف فيه حكم حروف اللين التي ليست أصولهن الهمز، ألا ترى أن من قال: أرجيت قال: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ [التوبة/ ١٠٦] مثل معطون، ومن لم يقلب جعلها بين بين، فكذلك: «لم ترى» إذا لم يكن تخفيفه تخفيف قياس كان كما قلنا، فلا يجوز لتوالي الإعلالين ألا ترى أنّهم قالوا: طويت وقويت وحييت فأجروا الأول في جميع ذلك مجرى العين من
_________________
(١) من قصيدة الأعشى في مدح النبي ﷺ، وتمام البيت: فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من حفى حتى تلاقي محمدا انظر الديوان/ ١٣٥، وفيه: تزور مكان تلاقي، وانظر شرح أبيات المغني ٥/ ١٠٤. واستشهد به في البحر ٣/ ١٨٨ على معنى «كلالة».
(٢) في (ط): في موضع النصب. أي بدلا من فتحها، والأصل حتى تلاقي بفتح الياء.
(٣) في (ط): لم لا.
(٤) أي والأصل: لم ترأ بالهمز، ثم خففها.
(٥) في (ط): على غير قياس.
[ ١ / ٩٤ ]
اخشوا، وقالوا: نوا وحيا، فجعلوه بمنزلة قطا، وقالوا: آية. فإن قلت: فقد قالوا: استحيت. فإن ذلك من النادر الذي لا يحمل عليه «١». فإن قلت: فلم لا تجعله مثل لم يك ولم أبل كأنه حذف أولا اللام للجزم، كما حذف الحركة من «٢» يكون، ثم خفف على تخفيف الكماة والمراة، وأقرّ الألف كما أقرّ في «لا ترضّاها». فإن ذلك يعرض فيه ما ذكرنا من توالي الإعلالين، ويدخل فيه شيء آخر لا نظير له، وهو أنّه إذا حذف الألف من «لم ترى» على هذا الحدّ، فقد حذف للجزم حرفين، وليس لم يك ولم أبل كذلك، لأنّه إنّما حذف فيه «٣» حركة وحرف. وممّا يبعد التخفيف في «ترى» على حد الكماة والمراة، أنّهم قد حذفوا الألف من هذه الكلمة في قولهم: ولو تر أهل مكّة، لكثرة الاستعمال، كما حذفوها «٤» في قول من قرأ:
حاشَ لِلَّهِ «٥» [يوسف/ ٣١ - ٥١]. فإذا حذف الألف كما حذف من حاش لله «٦» وجب أن تكون العين في حكم الصحيح والتخفيف القياسي ليكون كحاش لله.
الحجة لابن كثير في قراءته: (عليهمو ولا) «٧» وأما قول ابن كثير: «عليهمو ولا الضالين» فوجهه أنّه أتبع
_________________
(١) أي لا يحمل على استحيت لأن فيه الجمع بين إعلالين: النقل والحذف.
(٢) في (ط): في.
(٣) في (ط): منه.
(٤) كذا في (ط)، وفي (م): حذفوا الهاء، وهو خطأ.
(٥) قرأ أبو عمرو بألف بعد الشين لفظا في حالة الوصل. وقرأ الباقون بحذفها انظر النشر ٢/ ٢٩٥ وفي البحر ٥/ ٣٠٣: قرأ الجمهور «حاش لله» بغير ألف بعد الشين.
(٦) في (ط): من حاش وجب؟؟؟.
(٧) في (ط): ولا الضالين.
[ ١ / ٩٥ ]
الياء ما أشبهها، والذي يشبهها الهاء، وترك ما لا يشبه الياء والألف- وهو الميم- على أصله وهو الضم، كما أنّ الذين قالوا: شعير، ورغيف، ورجل جئز «١» وماضغ لهم «٢»، وشهد.
ولعب أتبعوا الفتحة الكسرة في جميع ذلك لقربها منها كقرب الألف من الياء، وشبهها بها. ولم يتبعوا الفتحة الضمّة فيقلبوها «٣» ضمّة في رءوف ورؤف «٤» كما أتبعوا الفتحة الكسرة في جئز وشعير حيث لم تقرب الواو من الألف قرب الياء منها، فكذلك أتبع الهاء الياء لما قرب «٥» منها، ولم يتبعها الميم لما لم تقرب منها، كما لم يتبع الفتحة في رءوف الضمة حيث لم تقرب الفتحة من الضمة قربها من الكسرة.
فأما قولهم: مغيرة ومغير فليس على حدّ شعير ورغيف، ولكن على قولهم. منتن في منتن وأجوءك في أجيئك «٦».
ومما يقوّي قوله في ذلك، أنّهم قالوا: قرأ يقرأ، وجأر يجأر، فأتبعوا الهمزة وأخواتها ما جانسها من الحركات، وما كان من حيزها، وهي الفتحة، ولم يفعلوا ذلك مع الحروف المرتفعة عن الحلق. حيث لم يقربن من الفتحة قرب الحلقيّة منها.
فكذلك أتبع في قوله: (عليهمو ولا) الياء ما قرب من الياء «٧»، وهو الهاء، ولم يتبعه ما لم يقرب منها وهو الميم.
_________________
(١) جئز بالماء يجأز، إذا غص به فهو جئز وجئيز. اللسان (جأز).
(٢) لهم: أكول، والفعل كسمع.
(٣) في (م) فقلبوها.
(٤) في (ط): في رؤف، ورءوف.
(٥) في (ط): لما قربت منها.
(٦) انظر ص ٦٥ وانظر سيبويه ٢/ ٢٥٥.
(٧) في (ط) منها.
[ ١ / ٩٦ ]
ومثل قوله: (عليهمو) - في أنّه أتبع الياء ما يشبهها، وترك ما لا يشبهها على أصله- قولهم (يُصْدِرَ) «١» فقرّب الصاد من أشبه الحروف من موضعها بالدال وهو الزاي. ألا ترى أنهما يجتمعان في الجهر؟ فلما أراد تقريب الأول من الثاني، ولم يجز ذلك بالإدغام لما يدخل الحرف من انتقاص صوته، قرّبه من هذا الوجه الذي قرّب منه دون الإدغام.
ولو كان موضع الدال في (يُصْدِرَ) حرف آخر لا يقرب من الصاد قرب الدال منها- كاللام والراء ونحوهما- لم تغيّر الصاد له كما غيرت من أجل الدال لقربها منها، فكذلك قرّب الهاء في عليهمو من الياء، لقربها منها ولم يغير الميم لبعدها منها، كما لم تقرّب الصاد من الزاي مع اللام ونحوها، لمّا لم يقربن منها قربها من الدال.
فإن قلت: هلّا رغب عن ذلك لما يعترض في قراءته «٢» من ضم بعد كسر، والضم بعد الكسر في كلامهم مكروه؟ قيل له «٣»: إن الضم بعد الكسر على ضربين، أحدهما: أن يكون في بناء الكلمة وأصلها، كالضم بعد الفتح في عضد، (والآخر: أن يكون عارضا في الكلمة غير لازم لها) «٤»، فما كان من الضرب الأول فهو مرفوض في أبنية الأسماء والأفعال كما كان فعل في أبنية الأسماء مرفوضا. وما كان من الضرب الثاني فمستعمل، نحو قولهم: فرق، ونزق في الرفع، وقالوا في
_________________
(١) في قوله تعالى من سورة القصص/ ٢٣: (حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ) انظر ص ٥٦.
(٢) في (ط): به.
(٣) سقطت كلمة «له» من ط.
(٤) كذا في (ط)، والعبارة في (م) مضطربة.
[ ١ / ٩٧ ]
الوقف على الرّدء في الرفع في قوله: فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي [القصص/ ٣٤] هو الرّدؤ مثل الرّدع «١»، كما قالوا في البطء: من البطىء فحرّكوه- كراهة لالتقاء الساكنين- بالحركة التي كانت تكون للإعراب، كما قال:
إذ جدّ النّقر «٢».
وقد أعلمتك فيما تقدّم أن كثيرا ممّا لا يلزم الكلمة لا يقع الاعتداد به. فإذا كان الأمر في وقوع الضمة بعد الكسرة على ما ذكرنا لم يصحّ أن يرغب عن قراءته (عليهمو ولا) من حيث لحقت فيها ضمة بعد كسرة. لأن هذه الضمة تشبه ما ذكرنا. من ضمة الإعراب وما استعملوه في الوقف، وذلك أنّها غير لازمة، ألا نرى أنّ الكسرة في الهاء إنّما تكون إذا جاورت الكسرة أو الياء، فإذا زالت هذه المجاورة زالت الكسرة. كما أن ضمّة الإعراب في قولهم: هذا نزق يا فتى «٣» إذا زال عاملها زالت. وكما أن الرّدؤ إذا زال الوقف فيه في الرفع زالت الضمة
_________________
(١) انظر سيبويه ٢/ ٢٨٧. والردء: الصاحب.
(٢) قطعة من بيت من الرجز وتمامه: أنا ابن ماوية إذ جدّ النّقر وبعده: وجاءت الخيل أثابيّ زمر وفي سيبويه (٢/ ٢٨٤): أنه لبعض السعديين، وفي اللسان (نقر): أنه لعبيد بن ماوية الطائي، وفي القاموس: أنه لفدكي المنقري. النقر: أن تلزق طرف لسانك بحنكك وتفتح، ثم تصوت. وقد نقر بالدابة نقرا، وهو صوت يزعجه. الأثابي: الجماعات، الواحد أثبية بشد الياء.
(٣) في (ط): يا هذا.
[ ١ / ٩٨ ]
فإن قلت: فإنّ قوما كرهوا أن يقولوا: هو الرّدؤ في الوقف على المرفوع، فقالوا: هو الرّدىء، وقالوا هذا عدل، لكراهة الضمّة بعد الكسرة. فهلّا كره (عليهمو) كما كره هؤلاء ما ذكرت. قيل له «١»: إنّ هؤلاء إنّما عدلوا عن الضمة إلى الكسرة حيث وجدوا عنها مندوحة، بأن أتبعوا الساكن الحركة التي قبله، كما أتبعوه الحركة التي قبله في مدّ ونحوه. والذي يقرأ (عليهمو) لو لم يكسر الهاء هاهنا لم يشاكل بها الياء، والمشاكلة بها واجبة، لما تقدّم من الحجة في ذلك. ولو لم يضمّ الميم لأتبع الياء والكسرة «٢» في عليهم ما لا يشبهها من كسرة الميم لو كسرها، وكأنّ ذلك إنّما يجوز على نحو مغيرة وأجوءك، ونحو ذلك ممّا ليس بالكثير في الاستعمال ولا المتّجه في القياس، ألا ترى أنّ القياس تقرير هذه الحركات على أصولها، ومن ثمّ لم يجز في مدير ومغير ما جاز في مغيرة من كسر الأوّل. على أن ما ذكرته من قولهم «٣»: هو الرّدء، يشبه ألّا يكون الأكثر، لأنّه قال «٤»: وأمّا ناس من بني تميم فيقولون:
هو الرّدىء، كرهوا الضمّة بعد الكسرة، لأنه ليس في الكلام فعل، فتنكّبوه لذلك واستنكروه.
قال أبو علي: والقياس قول الأكثر: لأنّ هذه الحركة في أنّها لا تلزم كقولهم: نزق في الرفع، فكما لا مذهب عن ذلك في الرفع فكذلك ينبغي أن يكون الوقف لاجتماع الوقف مع الإعراب في أنّه لا يلزم الكلمة، فلا ينبغي أن يسام ترك القياس
_________________
(١) في (ط): قيل إن.
(٢) في (ط): والكسر.
(٣) في (ط): في قولهم.
(٤) سيبويه: ٢/ ٢٨٦.
[ ١ / ٩٩ ]
على الأكثر في الاستعمال والأصحّ في القياس إلى ما كان بخلاف هذه الصفة. وكأنّ هؤلاء الذين قالوا: هذا الرّدىء، كراهة الضمة بعد الكسرة شبّهوا الحركة التي تشبه حركات الإعراب بحركة البناء التي لا تفارق، وليس هذا بالمستقيم. ألا ترى أنّهم قالوا: يا زيد العاقل، ولا رجل صاحب امرأة عندك؟
فجعلوا الحركة المشابهة للإعراب بمنزلة الإعراب. وكذلك «١» ينبغي أن تجعل الحركة المشابهة للإعراب في الوقف بمنزلة الإعراب فلا يكره فيه هو الرّدؤ، كما لم يكره فرق، ولا يتبع الأول، لأن إتباع الحركة ليس بمستمرّ استمرار حركة الإعراب التي الحركة في الرّدؤ في قياسها ومشابهة لها من حيث وصفنا.
على أنهم قالوا في الوقف: رأيت الرّدىء، ومن البطؤ، ورأيت العكم، ورأيت الحجر، فأتبعوا الأوسط تحريك الأول، فكذلك يكون قولهم: هذا الرّدؤ على هذا الحدّ، لا لكراهة الضمّة بعد الكسرة، فكما لا يكون في رأيت الحجر إلّا على الإتباع لما قبله، كذلك لا يكون في هذا عدل إلا كذلك، لا لكراهة الضمّة بعد الكسرة. ومثل قوله (عليهمو ولا الضالين) في أنّه جعل حركة البناء بمنزلة الإعراب في وقوع الضمّة بعد الكسرة لمشابهتها حركة الإعراب في أنّها لا تلزم، ويتعاقب على الموضع غيرها قول العرب من غير أهل الحجاز في ردّ، وعضّ، وفرّ، واستعدّ «٢» ألا ترى أنهم أدغموا في الساكن المبنيّ كما أدغموا في المعرب نحو: هو يردّ ويستعدّ، لمّا كان
_________________
(١) في (ط): فكذلك.
(٢) في (ط): رد، وفر، وعض، واستعد.
[ ١ / ١٠٠ ]
المبنيّ تتعاقب عليه الحركات «١» وإن كن لغير الإعراب كالتحريك لالتقاء الساكنين، وإلقاء حركة الهمزة عليه في التخفيف، وإلحاقهم الثقيلة أو الخفيفة به، والتحريك للإطلاق.
أدغموا كما أدغموا المعرب لمشابهته له في تعاقب هذه الحركات عليه، فكما صار غير المعرب بمنزلة المعرب لاجتماعهما في الشّبه الذي ذكرنا، كذلك استجاز أن يوقع الضمة بعد الكسرة في (عليهمو) كما وقعت بعدها في المعرب، لمشابهته المعرب لتعاقب الحركات عليه، وإن لم يكن لاختلاف عامل.
والدليل على أن الإدغام في باب ردّ ونحوه إنما هو لما ذكرناه «٢» من مشابهته المعرب لتعاقب الحركات عليه- وإن كانت لغير الإعراب- امتناعهم من الإدغام حيث عري من هذه المشابهة التي وصفنا. وذلك قولهم: رددت، ورددنا، ويرددن.
فالذين أدغموا ردّ في الأمر بيّنوا هذا الذي وصفناه من التضعيف المتّصل بالضمير لمّا كان موضعا لا تصل الحركة إليه. فأمّا قول بعضهم ردّت وردّنا يريدون «٣». رددت ورددنا فمن النادر الذي إن لم يعتدّ به كان مذهبا. لقلته في الاستعمال. وأنّه غير قويّ في القياس. فهو كالمقارب: لليجدّع «٤».
_________________
(١) في (ط): حركات.
(٢) في (ط): لما ذكرنا.
(٣) في (ط): يريد.
(٤) من قول ذي الخرق الطهوي: يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا إلى ربّنا صوت الحمار اليجدّع اليجدع: أراد الذي يجدع، فحذف الذال والياء. (انظر النوادر/ ٦٧، والخزانة ١/ ١٥، ١٦ وشرح أبيات مغني اللبيب ١/ ٢٩٢).
[ ١ / ١٠١ ]
ومن حجّة من قرأ (عليهمو) أن كسرة الهاء أصلها الضمة، وإنّما أبدل منها الكسرة للاعتلال من أجل الإتباع «١»، كما أن الكسرة في التقاضي والترامي والتداعي ونحو ذلك أصلها الضمّ، من حيث كان مصدر تفاعل. فكما أن هذه الكسرة في حكم الضمّة، والضمّة التي هي الأصل تراعى في المعنى بدلالة صرفهم له وامتناعهم من أن يجعلوه من باب حذار: جمع حذرية «٢» وغواش، كذلك تكون الضمّة التي هي الأصل في (عليهمو) مراعاة في المعنى. فلا ينبغي أن يكره ذلك كما كره فعل، ولا يكون بمنزلته، كما لم يكن الترامي بمنزلة الغواشي والحذاري، لمّا كان الأصل مراعى في ذلك.
وإذا كانت الضمّة المرفوضة في الاستعمال مراعاة في اللفظ للدليل الذي ذكرنا، فأن تراعى الضمة في (عليهمو) أجدر، لأنّها لم ترفض كما رفضت في باب التفاعل، ألا ترى أنّ أهل الحجاز يستعملونه، وأنّ من قال: بهو، (وبدارهو) قال: (عليهمو)، ومن قال: (عليهمو) ضمّ إذا عدا الياء «٣» والكسرة.
ومما يقوّي ذلك أنهم قد اعتبروا الحركات التي هي أصول في غير هذا الموضع، وإن لم تكن في اللفظ مستعملة، فجعلوا الحكم لها. وذلك قولهم: عدت المريض، وقلت الحق، فعدّوه إلى المفعول، وإن كان اللفظ على فعلت، لأن
_________________
(١) في (ط): للاعتلال من الإتباع.
(٢) الحذرية: الأرض الخشنة.
(٣) في (م) الباء، وهو تصحيف.
[ ١ / ١٠٢ ]
الأصل فعلت. ولولا أن تلك الحركة مراعاة معتبرة لم يتعدّ هذا النحو: ألا ترى أنا لم نعلم شيئا على فعل جاء متعديا إلى المفعول «١».
ومما يؤكّد ذلك أن النقل وقع بالزيادة منه «٢» وذلك نحو:
أقلته إذا جعلته يقول، وأبعت الفرس، وأخفت زيدا. وممّا يدلّ على ذلك أنّهم قالوا: يسع، ويطأ، فحذفوا الواو التي هي فاء كما يحذفونها في باب يعد ويزن، لمّا كان الأصل الكسر، وإنّما فتح لحرف الحلق، فكما أن الفتحة هاهنا في حكم الكسر لمّا لم تكن الأصل، كذلك تكون الكسرة في (عليهمو) في حكم الضمّ، فلا يكون مكروها من حيث لم يجيء فعل ونحوه في أصول الأبنية إذ كان الأصل الضمّ، كما كان الأصل الكسر في يطأ ويسع ونحوه.
ومما يبيّن ذلك أن ما كان على فعل لم يذكر سيبويه منه «٣» إلا «إبلا» «٤» وإذا جمعت «٥» قربة وسدرة ونحوهما «٦» قلت: قربات وسدرات، فاستمرّ فيه توالي الكسرتين من أجل الجمع، ولم يرفض ذلك، ولم يكره كما كره في أصل المقرر قبل الجمع. فكذلك (عليهمو) لا تكره فيه الكسرة قبل الضمة من أجل إعلال الإتباع وإن كان قد كره في بناء الآحاد، كما لم يكره توالي الكسرتين في سدرات من أجل الجمع «٧»، وإن كان
_________________
(١) في (ط): إلى المفعول به.
(٢) منه: ساقطة من (ط).
(٣) في (ط): فيه.
(٤) في (م): إبل.
(٥) في (ط): نحو قربة وسدرة.
(٦) كذا في (ط)، وفي (م) نحوها.
(٧) في (ط): من الجمع.
[ ١ / ١٠٣ ]
كره ذلك في الآحاد، لأن الضمة بعد الكسرة ليس من أصل الكلمة وإنما اجتلبه الاعتلال، كما اجتلب توالي الكسرتين الجمع.
ويؤكّد ذلك أنّهم قالوا في شقرة: شقريّ «١»، وفي نمر نمريّ. ولم يجيء في شيء من هذا النحو إلّا فتح العين.
وقالوا: صعقيّ، فكسروا الفاء مع العين لمّا كان للاعتلال، ولم يكن من أصل البناء.
فأمّا وصل ابن كثير الميم بالواو في (عليهمو) فلأن الأصل الواو، وإنّما أتبع الياء ما يشبهها وترك ما لا يشبهها على الأصل، وكان تقرير الأصل أولى عنده «٢» من إتباع الكسرة الكسرة، لأنّ إتباع الحركة الحركة على هذا النحر «٣» ليس بالمستمرّ.
فإن قلت: فقد جاء في ظلمات وسدرات وحفنات «٤».
قيل: هذا التحريك ليس الغرض فيه الإتباع فقط. ألا ترى أنّه «٥» يفصل به بين الاسم والصفة، وكذلك عصيّ وحليّ يفصل به بين الواحد والجميع، ولا يلزم الكسر. ومع ذلك فقد أبدل فيه ناس الفتحة من الضمة، والكسرة، فقالوا: ركبات وسدرات.
وقد أسكن المفتوح في الشعر قال لبيد: «٦»
_________________
(١) الشّقرة: واحدة الشقر، وهو شقائق النعمان، ويقال: نبت أحمر.
(٢) في (ط): عنده أولى.
(٣) في (ط): في هذا النحو.
(٤) في (ط): جفنات.
(٥) في (ط): أنه قد.
(٦) الديوان/ ١٨٥ والخزانة ٣/ ٤٢٣. الوغرات: جمع وغرة، وهي شدة الحر، وغرت الهاجرة كوعد. ونصبن في الديوان مكان نصبن.
[ ١ / ١٠٤ ]
رحلن لشقّة ونصبن نصبا لوغرات الهواجر والسّموم
وقال ذو الرمة «١».
أبت ذكر عوّدن أحشاء قلبه خفوقا ورفضات الهوى في المفاصل
فكأنّه رأى ترك الحرف على أصله أولى من أن يصير به إلى ما لا يطرد. فإن قلت: فقد حكي عن الخليل وهارون، أنّ ناسا يقولون: (مُرْدِفِينَ) «٢» وقال: فهؤلاء يقولون: مقتّلين، فقاس على قولهم. قيل «٣»: قد يمكن أن يقال: إنّ ذلك من قوله لا يدلّ على أنّه يرى القياس عليه، وإنّما أراد أنّ القياس «٤» على ما ذكر لو قيس. فأمّا اطّراده فلا يستقيم، بدلالة أن نحو مغيرة ومنتن لا يطّرد، وإنما يقتصر به على ما جاء فكذلك (مُرْدِفِينَ).
وإن شئت قلت: إن هذا تحريك «٥» لالتقاء الساكنين، كما أن قولهم، مدّ كذلك، فيكون هذا مستمرّا على لغتهم، كما أن ردّ كذلك، وإن كان الساكن في مردّفين متقدما. وقد قال: إنّها أقل اللغات.
ولم يحذف الواو في عليهمو في الوصل كما حذفها
_________________
(١) الديوان ٢/ ١٣٣٧ والخزانة ٣/ ٤٢٣. خفوقا: اضطرابا. رفضات الهوى: ما تفرق من هواها في قلبه.
(٢) الأصل: مرتدفين، أي: مترادفين، فأدغمت تاء الافتعال في الدال، فالتقى ساكنان، فحركت الراء بالضم اتباعا لضمة الميم. (انظر الكتاب: ٢/ ٤١٠، والكشاف: ٢/ ١٥٧، وفي البحر المحيط (٤/ ٤٦٥): أنها مروية عن الخليل.
(٣) في (ط): قيل له.
(٤) في (ط): أن قياسه.
(٥) في (ط): تحرك.
[ ١ / ١٠٥ ]
غيره، لأنّها الأصل، وليس إثباتها من الأصول المرفوضة المطّرحة عندهم، كالواو إذا وقعت طرفا في الأسماء وقبلها ضمة، لكنه مراد في التقدير وإن كان محذوفا من «١» اللفظ عند قوم.
والدليل على ذلك اتّفاق الجمهور على إثباتها إذا اتّصل الضمير بها. وبذلك جاء التنزيل في قوله: أَنُلْزِمُكُمُوها [هود/ ٢٨]. وهذا أقوى في القياس، وأشيع في الاستعمال ممّا حكاه عن يونس: من أنه يقول أعطيتكمه، لأن مواضع الضمير وما يتّصل به قد ردّت فيها أشياء إلى أصولها في غير هذا، كقولهم: والله، وحقك. فإذا وصلوه بالضمير قالوا بك لأفعلن. أنشد أبو زيد:
رأى برقا فأوضع فوق بكر فلا بك ما أسال ولا أغاما
«٢»
_________________
(١) في (ط): في.
(٢) البيت لعمرو بن يربوع بن حنظلة، وكان عمرو فيما يزعمون تزوج السعلاة، فقال له أهلها: إنك تجدها خير امرأة ما لم تر برقا، فستّر بيتك ما خفت ذلك، فمكثت عنده حتى ولدت بنين، فأبصرت ذات يوم برقا، فقالت: الزم بنيك عمرو إني آبق برق على أرض السعالى آلق فقال عمرو: «ألا لله ضيفك يا أماما» وسقط الشطر الثاني من هذا البيت من الرواة. أوضع: أسرع. البكر: الفتي من الإبل. الضيف- بكسر الضاد: الناحية والمحلة. ورواية النوادر (١٤٦، ١٤٧): وما أغاما. ورواية الحيوان ١/ ١٨٦ والخصائص ٢/ ١٩ كما هنا.
[ ١ / ١٠٦ ]
ويدلّ «١» على ذلك أيضا أنّ ضمير المؤنث الذي بإزائه على حرفين، وذلك نحو عليكنّ وبكنّ. فالأول من التضعيف بإزاء الميم، والثاني بإزاء حرف اللين. فهذا مما يقوي أنّه لم يحذفه على وجه الاطّراح والرفض، إنّما حذفه للتخفيف معتدّا به في الحكم وإن كان محذوفا في اللفظ.
فأمّا ما انفرد به ورش في روايته عن نافع: من أن الهاء مكسورة والميم موقوفة، إلّا أن تلقى «٢» الميم ألف أصليّة مثل:
سواء عليهمو أأنذرتهمو أم لم تنذرهم لا يؤمنون [البقرة/ ٦] فالقياس فيها إذا لقيت الألف الأصلية وإذا لقيت غيرها سواء.
وكأنه أحبّ الأخذ باللغتين مثل: (لا يألتكم) و(لا يَلِتْكُمْ) «٣». فإن قلت: إنّه لمّا أمن سقوطها لالتقاء الساكنين، كما تسقط إذا كانت بعدها همزة وصل، وكان المد قبل الهمزة مستحبا بدلالة أن القرّاء قد مدّوا نحو: كَما آمَنَ النَّاسُ [البقرة/ ١٣] أكثر مما مدّوا: وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل/ ٩٦]- ويقوي ذلك اجتلاب من اجتلب الألف بين الهمزتين في نحو (أاأنت) «٤» [الأنبياء/ ٦٢]- فهو قول. وقال «٥» أبو الحسن: إنّما وقعت هذه القراءة «٦» بالمدّ ليفهّموا المتعلمين فيمدّوا الهمزة إذا كانت
_________________
(١) في (ط): ويدلك.
(٢) في (ط) يلقى.
(٣) سورة الحجرات/ ١٤، يقرؤها البصريان (يألتكم) بهمزة ساكنة بين الياء واللام، ويقرؤها الباقون بكسر اللام من غير همز. (انظر النشر: ٢/ ٣٧٦).
(٤) اجتلاب الألف بين الهمزتين قراءة أبي عمرو، وأبي جعفر وقالون (انظر النشر: ١/ ٣٥٨، ٣٥٩).
(٥) في (ط): قال.
(٦) في (ط): إنما وضعت القراءة.
[ ١ / ١٠٧ ]
قبلها ألف أو ياء [أو واو] «١» نحو: حتّى إذا «٢»، ونحو: قالُوا أَأَنْتَ [الأنبياء/ ٦٢] قال: والعرب تفعل هذا في حال التطريب، وإذا أراد أحدهم الرقّة والترتيل.