حدثنا أبو عمران موسى بن عيسى بن الْحَجَّاج، قال: حدثنا علي بن يوسف الرفا قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، وأخبرنا أبو عمران هذا قال: أخبرنا ابن علي بن خلف القالسي قال: أخبرنا عبد الواحد بن زكريا الأموي قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد وأخبرنا أبو حمية الحسن بن أحمد قال: أخبرنا زاهد بن أحمد قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد وأخبرنا مبارك بن الحسن الهراس قال: أخبرنا محمد بن عبادٍ التمار قال: أخبرنا إبراهيم بن فهد بن حكيم قال: أخبرنا إبراهيم بن سلمة القعنبي قال: إبراهيم بن عبد الصمد أخبرنا أبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزُّهْرِيّ قال القعنبي وأبو مصعب: أخبرنا مالك بن أنس قال: أخبرنا ابن شهاب عن عروة بن الزبير قلت: وأخبرنا الحسن بن أحمد السمرقندي قال: أخبرنا سهل بن محمد الأصبهاني قال: أخبرنا أبو محمد بن شريح، قال: أخبرنا أبو القاسم البغوي قال: أخبرنا مصعب بن الزبير قال: حدثنا مالك بن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القارئ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأنيها رسول اللَّه - ﷺ - فلببته بردائه حتى أتيت به رسول اللَّه - ﷺ - فقلت: يا رسول اللَّه إن هذا قرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال: أرسله يا عمر ثم قال لهشام: اقرأ فثرأ كما سمعته يقرأ فقال: هكذا أنزلت ثم قال لي يا عمر: اقرأ فقرأت فقال: هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤا ما تيسر منه (١).
وحدثنا الحسين بن أحمد بإسناده أن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: إن اللَّه أنزل هذا القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع (٢)،
_________________
(١) أخرجه مالك (٤٧٣)، والبخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (٢٧٠)، وأحمد (٢٧٧) والنسائي (٩٣٧)، وغيرهم.
(٢) أخرجه ابن حبان (٧٥)، والطبراني في الكبير (١٠١٠٧) دون: " ولكل حد مطلع "، وأخرجه أبو يعلى بها (٥١٤٩).
[ ١ / ٨٨ ]
وروى أن أبي بن كعب قال: جلست إلى رجلين وهما يصليان، وقرأ القرآن كل واحد منهما على خلاف ما قرأته، فلما أنها قلت: من أقرأكما؟ قالا: رسول اللَّه - ﷺ - فأتيت فيها رسول اللَّه فأخبرته القصة فقال لأحدهما: اقرأ، فقرأ على ما سمعته يقرأ وهو خلاف قراءتي وقراءة صاحبه فقال رسول اللَّه - ﷺ -: هكذا أنزل، فدخل في صدري من الشك ما لم يكن في الجاهلية ثم قال للآخر: اقرأ، فقرأ خلاف ما قرأ صاحبه وخلاف ما قرأت وقال هكذا أنزلت، فدخل في صدري من الشك أكثر مما كان في الجاهلية ثم قال لي: اقرأ يا أبي فقرأت كما علمني، فقال: هكذا أنزلت، فبرأ من الشك في صدري، فطعن بأصبعيه في صدري فقال لي: يا أُبي أعيذك باللَّه من الشك ففر الشيطان عني ولم يبق في صدري شك فقال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف (١) وروى مثل هذا عن عمر ﵁، وروى عن رسول اللَّه - ﷺ - قال: أتاني جبريل ﵇ فقال لي: يا محمد اقرأ بحرف واحد فقلت: أعوذ باللَّه، فمضى ورجع فقال: اقرأ بحرفين فقلت: أعوذ باللَّه، فما زال يتردد حتى قال: اقرأ السبعة أحرف توسعة لأمتك (٢)، وفيه أخبار كثيرة فيها طول، ثم اختلف العلماء في المقصود بسبعة لغات بلغة قريش، وهذيل، وثقيف، وهوازن، وكنانة، وتميم، واليمن، وقيل: خمس لغات هوازن كسعد، وثقيف، وكنانة، وهذيل، وقريش لغتان على جميع ألسنة العرب حتى أنه روى عن عبد اللَّه أنه قال: هذا مثل قولهم تعال وأقبل وهلم وأسرع واذهب ومر، وقال ابن المسيب تمثلًا بما قال عبد اللَّه، وروى عن ابن شهاب أنه قال: على ثلاثة
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٧٧)، والنسائي (٩٤٠)، وأحمد في المسند (٢٠٤٤١، ٢٠٥٣٣، ٢١١٣٠، ٢١١٧٠، ٢١١٨٧)، وابن حبان (٧٣٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٤)، وأبو داود (١٤٧٨)، وأحمد (٢١٢٠)، وغيرهم بأطول منه.
[ ١ / ٨٩ ]
أحرف وليس الشرط أن يأتي سبع لغات في كل حرف بل يجوز أن يأتي في حروف وجهان أو ثلاث يجوز أو لغتان أو أكثر ولم تأت سبعة أحرف إلا في كلمات يسير مثل: (أف) روى (أفَّ)، و(أُفُّ) و(أُفِّ) بالرفع والنصب والخفض من غير تنوين ورويت هذه الثلاثة الأوجه مع التنوين وروى (أف) موقوفًا فهذه سبعة أوجه، وقد روى في (يَئِسَ)، (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) (وَجِبرِيلَ) و(هيهاتَ) و(أَرْجِهْ) وأشباه ذلك، وهي مسائل قليلة العدد ولم نجعل الكتاب للشرح، وقال أبو القاسم بن معن وثلاثة أبو عبيد اللطفي، المراد به سبع لغات متفرقة قد تجيء لغتان في حرف، وأربعة في حرف آخر فتكون حرف نزل بلغة قريش وآخر بكنانة وآخر بلغة اليمن وعلى هذا يدل قول عثمان ﵁ حين قال للكتاب للمصحف: إذا اختلفتم في حرف فاكتبوه بلسان قريش فإن القرآن نزل، يعني: أكثره، وعلى هذا حمل " المشكاة " و" القسطاس " و" السجيل "، وإن قيل: إن هذه الأحرف بلغة الروم والحبشة والفرس هذا عندنا لا يصح إذ ليس في القرآن إلا العربية قال اللَّه تعالى: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) بل هذه الأحرف بلغة بعض العرب يحتمل أن وافقتها لغة هؤلاء الذي تقدم ذكرهم هذا قول أبي عبيد كله، وقال قُتَيْبَة: الاختلاف في المعاني دون اللغات كأبنية الحركات وبدل من الحرف كالياء من التاء أو من النون وزيادة الألف في موضع والواو والياء ونقصانها وشبه ذلك، وقال بعضهم: السبعة في الأحكام دون الألفاظ كالحلال، والحرام، والمحكم،
[ ١ / ٩٠ ]
والمتشابه، والأمثال، والأقسام، والأخبار، قال بعضهم: الحكم هكذا، لكن اختلفوا في لغة السبعة فمنه الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام والمجمل، والمفسر، والمفصل، وقال بعضهم: بل الأمر والنهي والطلب والدعاء والخبر والاستخبار والزجر، قال. بعضهم: بل الوعد، والوعيد، والمطلق، والمقيد، والتفسير والإعراب، والتأويل، وكل هذا تكلف وإخراج الخبر عن موضعه.
ومنهم: من قال بل الأحرف السبعة هي المنسوبة إلى الأئمة التي جمعوها بعد التابعين مثل أَبِي عَمْرٍو ونافع وغيرهما وهذا غير صحيح كيف ورسول اللَّه - ﷺ - قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف، وهؤلاء الأئمة لم يكونوا على عهده وأنزل فعل ماض غير مستقبل ويدل على أن القوم تصرفوا فيه بالزيادة والنقصان بعد رسول اللَّه - ﷺ - كما فعل أهل الكتاب حتى حرفوا وبدلوا ولو كان هذا كذلك لم يكن لقول اللَّه تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) معنى ولم يؤمن التحريف والتبديل على هذه الأمة كما بدل غيرهم، ومن قال هذا أخاف على دينه فربما قاله من لا علم له من أراد من المبتدعة أن يدخل في الدين نقصًا كيف والاعتماد أنَّ هذه السبعة الأحرف التي قال في الخبر: نزلت من عند اللَّه ﷿ لا أن اللَّه تعالى يوصف بالتلفظ بالحروف واللغات؛ لأن ذلك يترتب على المخارج واللهوات واللَّه تعالى منزه عن التشبيه والتعطيل.
ومنهم: من قال: نحن لا ندري ما السبعة الأحرف ولكن يقرأ كما علمنا إذ القراءة سُنة وهذا يؤدي إلى تعطيل الأخبار وإنما ينكر هذا من أخبار رسول اللَّه - ﷺ - إذ الخبر مستفيض بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف توسعة لهذه الأمة بخلاف سائر الكتب فإنما نزلت على باب واحد يدلك على ذلك أن الصحابة اختلفوا في الحروف، ولم ينكر أحدهم قراءة صاحبه بل قال: كل واحد منهم هكذا علمت حتى قال نافع لبعض أهل البصرة: إن القرآن ليس بقياس؛ بل هو أخذ بخلف عن سلف والصحيح الذي نذهب إليه: أن هذه السبعة الأحرف أنزلت على رسول اللَّه - ﷺ - إلى العلماء اتبع كل واحد منهم ما أقرئ به حتى إن بعضهم قال: هذا الاختلاف في حرف واحد والستة لا يعلمها إلا رسول اللَّه، والعجب من العوام الذين قالوا في حرف دون حرف هذه قراءة
[ ١ / ٩١ ]
رسول اللَّه كما ذكروا في (مَالِكِ) وغيره والقرآن كلها منسوبة إليه - ﷺ - فكيف يخص بواحدة دون أخرى واعلم أن هذه السبعة ليس فيها تناقض إذ قال: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، والتناقض إنما يثبت أن لو جاء حكم في آية بالحلال ومثله في تلك الآية ذلك الحرف في الحرام مثل أن تقول افعل ولا تفعل وهذا المعنى مأمون أن يأتي مثله في كتاب اللَّه أما (يخدعون) و(يخادعون) فمن حمله على الاثنين أو الواحد أو على الجماعة فمثل هذا جائز لأنهم قالوا: طارقت النعل وعاقبت اللص وهذا واحد وهكذا " تُكَذِّبُونَ " و" تَكَذِبُونَ " إذ قالت عائشة ﵄: عوتبوا على التكذيب لا على الكذب، وكل هذا إنما يتصور في هذه اللغة لاتساع خطابها ومعانيها أشبعنا القول مختصرا ولو شرحناه لأدى إلى تطويل كثير.
والصحيح أن هذه السبعة إنما هي هذه القراءة التي جاءت بها الآثار عن رسول اللَّه - ﷺ - ولا يختص بهذه الأئمة السبعة، بل هو لغات متفرقة في العرب وأبنية هي معاني متفرقة ومختلفة يدل على الأحكام منها قراءة يدل على حكم وأخرى يدل على حكم آخر مثل قوله: (أَوْ لَامَسْتُمُ)، (أَوْ لَمَسْتُمُ) أحدهما يدل على اللمس، والثاني يدل على الجماع، وقيل: هذا كثير على تباين الألفاظ واختلاف الصيغ ما لم يخالف المصاحف التي اجتمعت عليها الصحابة وأنفذها عثمان ﵁ إلى البلدان الخمسة، وأجمعوا أن ما عدا هذه المصاحف يجوز إحراقه وغسله وليس بقرآن، وما اختلف فيه أهل هذه المصاحف من الهجاء والأبنية والزيادة والنقصان والبدل والحركات والمعاني والأحكام فهذا كله يجتمع في هذه القراءات المروية والمعول في تأويل الخبر على ما ذكرت مختصرًا، وباللَّه التوفيق.
* * *
[ ١ / ٩٢ ]