قرأ أبو عمرو وخلاد والكسائي بإدغام الباء الساكنة في خمسة مواضع، وهي جملة ما في كتاب الله من ذلك، وهي قوله: «اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ» «الاسراء ٦٣» ﴿أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ﴾ «النساء ٧٤»، ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾ «الرعد ٥»، و(اذهب ﴿فَإِنَّ﴾ «طه ٩٧»، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ﴾ «الحجرات ١١»، وأظهر ذلك الباقون (^٢).
«١» وحجة من أدغم أن الفاء حرف فيه تفش، وذلك قوة فيه، والباء أقوى منه، لأنها شديدة مجهورة، والفاء مهموسة رخوة، فلمّا كان في كل واحد منهما قوة واشتركا في المخرج من الشفتين، وفي أن لام المعرفة لا تدغم في واحدة منهما، جاز إدغام الأول في الثاني، والإظهار أحسن وأقوى، لأن الأول أقوى من الثاني للجهر والشدة اللذين فيه، ولضعف الثاني بالهمس والرخاوة اللذين فيه، فإذا أدغمت أبدلت من الأول حرفا أضعف منه، فأبدلت من حرف قوي حرفا ضعيفا، وأيضا فإنهما منفصلان، وأيضا فإن على الإظهار أهل الحرمين وعاصما وابن عامر وخلفا، وذلك حجة، وأيضا فإن الإظهار هو الأصل، فالإظهار أحسن، فأما إتيان الميم بعد الباء فذلك موضعان في البقرة: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾
_________________
(١) لفظ «الساكنة» سقط من: ص.
(٢) التبصرة ٣٧ /أ، والرعاية لتجويد القراءة ٤٠ /ب، ٤٠ /أ، والتيسير ٤٣، والنشر ٢/ ٨، ١١، وكتاب سيبويه ٢/ ٤٩٧
[ ١ / ١٥٥ ]
«٢٨٤» أظهره ورش وحده، وأظهره من رفع الفعل، وذلك عاصم وابن عامر، وأدغمه الباقون. والموضع الثاني في هود قوله تعالى: ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ «٤٢» أظهره ورش وحمزة وابن عامر، وأدغمه الباقون.
«٢» وحجة من أدغم أن الميم حرف قوي بالغنة التي فيها، والجهر والشدة اللذين فيها، فإذا أدغمت فيها الباء نقلت الباء إلى حرف أقوى منها بكثير، لأنك تبدل من الباء عند الإدغام ميما. وأيضا فإنهما اشتركا في المخرج من الشفتين، واشتركا في أن لام المعرفة لا تدغم في واحدة منهما، والإظهار أحسن، لأنه الأصل، ولأنهما من كلمتين، ولأن الام المعرفة لا تدغم في واحدة منهما. فأما إدغام الفاء في الباء فموضع واحد قوله تعالى في سبأ: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ «٩» أدغمه الكسائي وحده (^١)، وعلة إدغامه أن الفاء والباء اشتركا (^٢) في المخرج من الشفة (^٣)، واشتركا في منع إدغام لام التعريف فيهما، والباء حرف قوي، للشدة التي فيها والجهر، والفاء أضعف من الباء، للهمس الذي فيها والرخاوة، فإذا أدغمت نقلت الحرف إلى ما هو أقوى منه، وقد كره الإدغام البصريون، لزوال التفشي الذي في الفاء، وأجازه الكوفيون، والإظهار في ذلك أحسن لأنه الأصل، ولأنهما منفصلان، ولأن التفشي الذي في الفاء يذهب مع الإدغام، ولأن لام المعرفة لا تدغم في واحد منهما، ولأن الفاء تخرج من الشفتين إلى الفم، لأن للفاء في الثنايا العليا نصيبا، فقد خالفت الباء في المخرج بعض المخالفة، وأيضا فإن القراء غير الكسائي أجمعوا على الإظهار وإجماعهم (^٤) حجة.
_________________
(١) التبصرة ٣٧ /أ، والتيسير ٤٤، والنشر ٢/ ١٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤ /أ.
(٢) ص: «قد اشتركا».
(٣) ص: «الشفتين».
(٤) ص: «وإظهارهم».
[ ١ / ١٥٦ ]