﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) عسق﴾ (٢)
روى محبوب عن إسماعيل عن الأعمش عن ابن مسعود: «حم عسق» (^١).
قال أبو الفتح: هذا مما يؤكد أن الغرض فى هذه الفواتح إنما هو لكونها فواصل بين السور، ولو كانت أسماء الله سبحانه لما جاز تحريف شئ منها؛ وذلك لأنها لو كانت أسماء له لكانت أعلاما، كزيد وعمرو، فالأعلام لا طريق إلى تحريف شئ منها، بل هى مؤداة بأعيانها.
فأما الخلاف الذى فى باب جبريل، وإسرافيل، وميكائيل، وإبراهيم، ونحو ذلك فالعذر فيها أنها أسماء أعجمية، ولام التعريف لا تدخلها؛ فبعدت عن أصول كلام العرب، واجترأت عليها وتلعّبت بها لفظا، تارة كذا، وأخرى كذا. وليس كذلك ﴿حم عسق﴾ وبقية الفواتح؛ لأنها حروف العرب المركب منها كلامها. فأما ترك إعرابها فكترك إعراب كثير من كلامها، كالأفعال غير المضارعة، وجميع الحروف. وعلى أن الأعجمىّ على ما ذكرنا من حاله معرب فهذا هذا.
وكان ابن عباس قرأها بلا عين أيضا، ويقول: السين: كل فرقة تكون، والقاف: كل جماعة تكون.
***
﴿نُؤْتِهِ مِنْها﴾ (٢٠)
ومن ذلك قراءة سلاّم: «نؤته منها» (^٢).
_________________
(١) وقراءة ابن عباس. انظر: (الكشاف ٤٥٩/ ٣، الطبرى ٥/ ٢٥، القرطبى ١/ ١٦، الفراء ٢١/ ٣، مختصر شواذ القراءات ١٣٤، مجمع البيان ٢١/ ٩، الكرمانى ٢١٥/ ٢، الإتقان ١٢/ ٢).
(٢) انظر: (البحر المحيط ٥١٤/ ٧، الآلوسى ٢٨/ ٢٥).
[ ٢ / ٢٩٧ ]
قال أبو الفتح: هذا على لغة أهل الحجاز، ومثله قراءتهم: «فخسفنا بهو وبدارهو الأرض» (^١)، وقد تقدم القول عليه.
***
﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢١)
ومن ذلك قراءة مسلم بن جندب: «وأنّ الظالمين لهم عذاب أليم»، نصب (^٢).
قال أبو الفتح: هو معطوف على كلمة «الفصل»، أى: ولولا كلمة الفصل، وأن الظالمين لهم عذاب أليم، ولولا أن الظالمين قد علم منهم أنهم سيختارون ما يوجب عليهم العذاب لهم لقضى بينهم.
ونعوذ بالله مما يجنيه الضعف فى هذه اللغة العربية على من لا يعرفها، فإن أكثر من ضل عن القصد حتى كبّ على منخريه فى قعر الجحيم إنما هو لجهله بالكلام الذى خوطب به، ثم لا يكفيه عظيم ما هو عليه وفيه دون أن يجفوها، ويعرض عما يوضحه له أهلوها. نعم، ويقول: ما الحاجة إليها؟ وأين وجه الضرورة الحاملة عليها؟ نعوذ بالله من التتابع فى الجهالة، والعدول عما عليه أهل الوفور والمثالة.
وجاز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب «لولا» الذى هو قوله: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ؛﴾ لأن ذلك شائع، وكثير عنهم. قال لبيد (^٣):
فصلقنا فى مراد صلقة … وصداء ألحقتهم بالثّلل (^٤)
أى: فصلقنا فى مراد وصداء صلقة.
وفيه أيضا فصل بين الموصوف الذى هو صلقة، والصفة التى هى قوله: ألحقتهم بالثّلل، بالمعطوف الذى هو قوله: وصداء، والموصوف مع ذلك نكرة. وما أقوى
_________________
(١) سورة القصص الآية (٨١).
(٢) وقراءة الأعرج. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٣٥، الكشاف ٤٦٦/ ٣، البحر المحيط ٧١٧/ ٧، القرطبى ٢٠/ ١٦، الرازى ١٦٣/ ٢٧، الآلوسى ٢٨/ ٢٥).
(٣) من قصيدته التى مطلعها: إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثى وعجل انظر: (ديوانه ١٣٩).
(٤) انظر: (ديوانه ١٤٦). صلقنا: صحنا. والثلل: الهلال، والإثارة إلى يوم فيف الريح وهو يوم تجمعت فيه قبائل بنى الحارث وبنى جعفر وسعد العشيرة ومراد وصداء.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
حاجتها إلى الصفة! ومثله ما أنشدناه أبو علىّ من قول الآخر:
أمرّت من الكتّان خيطا وأرسلت … رسولا إلى أخرى جريّا يعينها (^١)
ففصل بين قوله: «رسولا»، وبين صفته التى هى جريّا بقوله: إلى أخرى، وهو معمول أرسلت. على هذا حمله أبو علىّ وإن كان يجوز أن يكون صفة ل «رسول» متعلقة بمحذوف، وأن يكون أيضا متعلقا بنفس «رسول».
وقد يجوز فى «أنّ» أن تكون مرفوعة بفعل مضمر، حتى كأنه قال: ووجب، أو: وحق أن الظالمين لهم عذاب أليم. يؤنّسك بانقطاعه عن الأول إلى هنا قراءة الجماعة بالكسر ﴿وَإِنَّ﴾ بالكسر فهذا استئناف-كما ترى-لا محالة.
***
﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ﴾ (٢٣)
ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد: «ذلك الذى يبشر»، بضم الياء، وسكون الباء، وكسر الشين (^٢).
قال أبو الفتح: وجه هذه القراءة أقوى فى القياس؛ وذلك أنه يقال: بشر زيد بكذا، ثم نقل بهمزة النقل، فقيل: أبشره الله بكذا، فهذا كمرّ زيد بفلان، وأمرّه الله به. ورغب فيه، وأرغبه الله فيه.
نعم، وأفعلت هاهنا كفعّلت فيه، وهو أبشرته وبشّرته، وكلاهما منقول للتعدى: أحدهما: بهمزة أفعل، والآخر: بتضعيف العين. فهذا كفرح وأفرحته وفرّحته، وهو بشر وأبشرته وبشّرته. وأما بشرته-بالتخفيف-فعلى معاقبة فعل لأفعل فى معنى واحد، نحو جدّ فى الأمر وأجدّ، وصدّ عن كذا وأصدّ.
قال أبو عمرو: وإنما قرأت هذا الحرف وحده «يبشر»؛ لأنه ليس معه «به»، وهذا صحيح حسن.
***
&
_________________
(١) انظر: (الخصائص ٣٩٨/ ٢).
(٢) انظر: (الكشاف ٤٦٦/ ٣، البحر المحيط ٥١٥/ ٧، القرطبى ٢١/ ١٦، الرازى ١٦٣/ ٢٧، التبيان ١٥٦/ ٩).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ﴾ (٣٣)
ومن ذلك قراءة قتادة: «فيظللن رواكد»، بكسر اللام (^١).
قال أبو الفتح: هذه القراءة على ظللت أظلّ، كفررت أفرّ. والمشهور فيها فعلت أفعل: ظللت أظلّ.
وأما ظللت أظلّ فلم يمرر بنا، لكن قد مرّ نحو ضللت أضلّ، وضللت أضلّ. ولم يقرأ قتادة-إن شاء الله-إلا بما رواه، وأقلّ ما فى ذلك أن يكون سمعه لغة.
***
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٤٧١/ ٣، القرطبى ٣٣/ ١٦، الرازى ١٧٥/ ٢٧، البحر المحيط ٥٢٠/ ٧، الآلوسى ٤٣/ ٢٥).
[ ٢ / ٣٠٠ ]