﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (٤) من ذلك قراءة أبى جعفر والأعمش وسهل بن شعيب «وعد الله حقّ أنه يبدأ الخلق ثم يعيده».
قال أبو الفتح: إن شئت كان تقديره: وعد الله حقا لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده، أى من قدر على هذا الأمر العظيم فإنه غنىّ عن إخلاف الوعد، وإن شئت كان تقديره:
أى وعد الله وعدا حقا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، فتكون «أنه» منصوبة بالفعل الناصب لقوله: «وعدا».
ولا يجوز أن يكون «أنه» منصوبة الموضع بنفس «وعد» لأنه قد وصف بقوله: «حقا»، والصفة إذا جرت على موصوفها أذنت بتمامه وانقضاء أجزائه، فهى من صلته، فكيف يوصف قبل تمامه؟ فأما قول الحطيئة:
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم … ولن ترى طاردا للحرّ كالياس
فلا يكون قوله: من نوالكم من صلة يأس من حيث ذكرنا. ألا تراه قد وصفه بقوله:
«مبينا»؟ وإذا كان المعنى لعمرى عليه ومنع الإعراب منه أضمر له ما يتناول حرف الجر، ويكون يأسا دليلا عليه، كأنه قال فيما بعد: يئست من نوالكم.
***
[ ١ / ٤٢٧ ]
﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠) ومن ذلك قراءة ابن محيصن وبلال بن أبى بردة ويعقوب: «أنّ الحمد لله».
قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن قراءة الجماعة ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على أنّ «أن» مخففة من «أنّ»، بمنزلة قول الأعشى:
فى فتية كسيوف الهند قد علموا … أن هالك كلّ من يحفى وينتعل
أى أنه هالك، فكأنه على هذا: وآخر دعواهم أنه الحمد لله، وعلى أنه لا يجوز أن يكون «أن» هنا زائدة كما زيدت فى قوله:
ويوما توافينا بوجه مقسّم … كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم
أى كظبية، وإذا لم يكن ذلك كذلك لم يكن تقديره: وآخر دعواهم الحمد لله. هو كقولك: أول ما أقوله: زيد منطلق. وعلى أن هذا مع ما ذكرناه جائز فى العربية لكن فيه خلافا لتقدير قراءة الجماعة، وفيه أيضا الحمل على زيادة «أن» وليس بالكثير.
ولو قرأ قارئ: إنّ الحمد لله، بكسر الهمزة على الحكاية التى للفظ بعينه لكان جائزا، لكن لا يقدم على ذلك إلا أن يرد به أثر، وإن كان فى العربية سائغا. وإذا فتح فقال: أنّ الحمد لله، فلم يحك اللفظ بعينه وإنما جاء بمعنى الكلام كقولنا: بلغنى أن زيدا منطلق-
[ ١ / ٤٢٨ ]
فليس هذا على حكاية ما سمع لفظا. ألا تراه إذا قيل له: قد انطلق زيد فقال: بلغنى أن زيدا منطلق، كان صادقا، وإن لم يؤدّ نفس اللفظ الذى سمعه، لكنه أدى معناه؟ وإن كسر فقال: إنّ الحمد لله، فهو مؤد لنفس اللفظ وحاك له البتة.
***
﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٤) ومن ذلك قراءة ابن شعيب قال: سمعت يحيى بن الحارث يقرأ: «لنظّر كيف تعملون»، نون واحدة. قال: فقلت له: ما سمعت أحدا يقرؤها، قال: هكذا رأيتها فى الإمام: مصحف عثمان. أيوب، عن يحيى، عن ابن عامر: «لنظّر»، بنون واحدة مثله.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا أنه أدغم نون ننظر فى الظاء، وهذا لا يعرف فى اللغة، ويشبه أن تكون مخفاة فظنها القراء مدغمة على عادتهم فى تحصيل كثير من الإخفاء إلى أن يظنوه مدغما. وذلك أن النون لا تدغم إلا فى ستة أحرف ويجمعها قولك: يرملون.
***
﴿وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ (١٦) ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن وابن سيرين: «ولا أدرأتكم به».
قال أبو الفتح: هذه قراءة قديمة التناكر لها والتعجب منها. ولعمرى إنها فى بادئ أمرها على ذلك، غير أن لها وجها وإن كانت فيه صنعة وإطاعة.
وطريقه أن يكون أراد «ولا أدريتكم به» ثم قلب الياء لانفتاح ما قبلها وإن كانت ساكنة-ألفا، كقولهم فى ييئس: ياءس، وفى ييبس يابس. وكقولهم: ضرب عليهم ساية، وإنما يريد سيّة، وهى فعلة من سوّيت، فقلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء فصار سيّه، ثم قلبت الياء الأولى لانفتاح ما قبلها وإن كانت ساكنة-ألفا، فصارت ساية.
وقالوا فى الإضافة إلى الحيرة: حارىّ، وإلى طىّ طائىّ، وقالوا: حاحيت وعاييت وهاهيت. والأصل حيحيت وعيعيت وهيهيت، فقلبت الياءات السواكن فى هذه
[ ١ / ٤٢٩ ]
الأماكن ألفات، فكذلك أيضا قلبت ياء «أدريتكم» ألفا فصارت «أدرأتكم» وعلى ذلك أيضا ما رويناه عن قطرب: أن لغة عقيل أن يقولوا فى أعطيتك: أعطاتك. فلما صارت أدريتكم إلى أدراتكم همز على لغة من قال فى الباز: البأز، وفى العالم: العالم، وفى الخاتم: الخأتم، وفى التابل وتابلت القدر: التأبل، وتأبلت القدر. وأنشد ابن الأعرابى:
ولّى نعام بنى صفوان زوزأة … لّما رأى أسدا فى الغار قد وثبا
يريد زوزاة. ولنحو هذا نظائر قد أوردناها فى كتابنا الموسوم بالخصائص فى باب ما همزته العرب ولا أصل له فى همز مثله، فهذا وإن طالت الصنعة فيه أمثل من أن تعطى اليد بفساده وترك النظر فى أمره.
***
﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (٢٢) ومن ذلك قراءة أم الدرداء «حتى إذا كنتم فى الفلكىّ»، بكسر الكاف وتثبيت الياء.
قال أبو الفتح: اعلم أن العرب زادت ياء الإضافة فيما لا يحتاج إليها، من ذلك قولهم: فى الأحمر أحمرىّ، وفى الأشهر أشهرىّ.
قال العجاج:
والدهر بالإنسان دوّارىّ
أى دوّار. وقال فيها أيضا:
غضف طواها الأمس كلاّبىّ
أى: كلاّب.
فإن قيل: فإن هذا أمر يختص بالصفات، وليس «الفلك» بصفة فتلحقه ياء النسب، قيل: قد جاء ذلك فى الاسم أيضا. ألا ترى إلى قول الصلتان:
[ ١ / ٤٣٠ ]
أنا الصلتانىّ الذى
وأيضا فقد شبه كل واحد من الاسم والصفة بصاحبه، فغير منكر أن يشبه الفلك بالحلو والمر. ويزيد فى شبهه به أن الفلك عندنا اسم مكسّر، وليس عندنا كما ذهب إليه الفراء فيه: من أنه اسم مفرد يقع على الواحد والجمع، كالطاغوت ونحوه. وإذا كان جمعا مكسرا أشبه الفعل من حيث كان التكسير ضربا من التصرف، وأصل التصرف للفعل، ألا ترى أن ضربا من الجمع أشبه الفعل فمنع من الصرف وهو باب مفاعل ومفاعيل؟ ولأن التكسير أيضا ثان كما أن الفعل ثان، وإذا أشبه التكسير الفعل من حيث وصفنا قارب الصفة لشدة ملابسة الصفة للفعل لفظا ومعنى وعملا، فهذا عندى هو العذر فى إلحاق «الفلك» ياءى الإضافة فى هذه القراءة.
***
﴿وَاِزَّيَّنَتْ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة الأعرج «وأزينت»، وهى أيضا قراءة نصر بن عاصم وأبى العالية والحسن بخلاف وقتادة وأبى رجاء بخلاف والشعبى وعيسى الثقفى. وقرأ:
«وازيأنّت» أبو عثمان النّهدى.
قال أبو الفتح: أما «أزينت» فمعناه صارت إلى الزينة بالنبت، ومثله من أفعل، أى:
صار إلى كذا أجذع المهر صار إلى الإجذاع، وأحصد الزرع، وأجزّ النخل: أى صار إلى الحصاد والجزار، إلا أنه أخرج العين على الصحة وكان قياسه أزانت، مثل أشاع الحديث، وأباع الثوب: أى عرضه للبيع.
وأما «ازيأنّت» فإنه أراد فعالّت، وأصله ازيانّت مثل ابياضّت واسوادت، إلا أنه كره التقاء الألف والنون الأولى ساكنتين، فحرك الألف فانقلبت همزة، كقول كثيّر:
[ ١ / ٤٣١ ]
وللأرض أما سودها فتجللت … بياضا وأما بيضها فادهأمت
وقد تقدم نظير ذلك فيه.
***
﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة مروان على المنبر: «كأن لم تتغنّ بالأمس».
قال أبو الفتح: جاء هذا مجئ نظائره، كقولهم: تمتعت بكذا، وتأنقت فيه، وتلبّست بالأمر، مما جاء تفعّلت على هذا الحد.
***
﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٣٨) ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد: «بسورة مثله»، بالإضافة.
قال أبو الفتح: هو عندى على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، أى بسورة كلام مثله، أو حديث مثله، أو ذكر مثله. وقد ذكرنا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه.
***
﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ (٥٣) ومن ذلك قراءة الأعمش: «آلحقّ هو؟».
قال أبو الفتح: اعلم أن الأجناس تتساوى فائدتا معرفتها ونكرتها فى نحو هذا، تقول: ثق بأمان من الله، وثق بالأمان من الله، وهذا حق، وهذا الحق، وهذا صدق، وهذا الصدق.
[ ١ / ٤٣٢ ]
ومن قولهم: خرجت فإذا بالباب أسد، وإذا بالباب الأسد، المعنى واحد ووضع اللفظ مختلف، وسبب ذلك كون الموضع جنسا، وقد تقدم نحو هذا.
***
﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (٥٨) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وعثمان بن عفان وأبىّ بن كعب والحسن وأبى رجاء ومحمد بن سيرين والأعرج وأبى جعفر بخلاف والسّلمى وقتادة والجحدرى وهلال بن يساف والأعمش بخلاف وعباس بن الفضل وعمرو بن فائد: «فبذلك فلتفرحوا»، بالتاء.
وقرأ: «فبذلك فافرحوا» أبى بن كعب.
قال أبو الفتح: أما قراءة أبى هذه «فافرحوا» فلا نظر فيها، لكن «فلتفرحوا» بالتاء خرجت على أصلها، وذلك أن أصل الأمر أن يكون بحرف الأمر وهو اللام، فأصل اضرب لتضرب، وأصل قم لتقم. كما تقول للغائب: ليقم زيد، ولتضرب هند، لكن لما كثر أمر الحاضر نحو قم، واقعد، وادخل، واخرج، وخذ، ودع، حذفوا حرف المضارعة تخفيفا-بقى ما بعده ودل حاضر الحال على أن المأمور هو الحاضر المخاطب، فلما حذف حرف المضارعة بقى ما بعده فى أكثر الأمر ساكنا فاحتيج إلى همزة الوصل ليقع الابتداء بها فقيل: اضرب، اذهب، ونحو ذلك.
فإن قيل: ولم كان أمر الحاضر أكثر حتى دعت الحال إلى تخفيفه لكثرته؟ قيل: لأن الغائب بعيد عنك، فإذا أردت أن تأمره احتجت إلى أن تأمر الحاضر لتؤدى إليه أنك تأمره، فقلت: يا زيد، قل لعمرو: قم. ويا محمد، قل لجعفر: اذهب، فلا تصل إلى أمر الغائب إلا بعد أن تأمر الحاضر أن يؤدى إليه أمرك إياه، والحاضر لا يحتاج إلى ذلك لأن خطابك إياه قد أغنى عن تكليفك غيره أن يتحمل إليه أمرك له.
[ ١ / ٤٣٣ ]
ويدلك على تمكن أمر الحاضر أنك لا تأمر الغائب بالأسماء المسمى بها الفعل فى الأمر نحو: صه، ومه، وإيه، وإيها، وحيّهل، ودونك، وعندك، ونحو ذلك.
لا تقول: دونه زيدا، ولا عليه جعفرا كقولك: دونك زيدا، وعليك سعدا. وقد شذ حرف من ذلك فقالوا: عليه رجلا ليسنى. ولهذا المعنى قوى ضمير الحاضر على ضمير الغائب فقالوا: أنت وهو، فلما صاغوا لهما اسما واحدا صاغوه على لفظ الحضور لا لفظ الغيبة، فقالوا: أنتما، فضموا الغائب إلى الحاضر، ولم يقولوا: هما، فيضموا الحاضر إلى الغائب، فهذا كله يريك استغناءهم بقم عن لتقم ونحوه.
وكأنّ الذى حسن التاء هنا أنه أمر لهم بالفرح، فخوطبوا بالتاء لأنها أذهب فى قوة الخطاب، فاعرفه، ولا تقل قياسا على ذلك: فبذلك فلتحزنوا؛ لأن الحزن لا تقبله النفس قبول الفرح، إلا أن تريد إصغارهم وإرغامهم، فتؤكد ذلك بالتاء على ما مضى.
***
﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾ (٧١) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن والحسن وابن أبى إسحاق وعيسى الثقفىّ وسلاّم ويعقوب، ورويت عن أبى عمرو: «فأجمعوا أمركم وشركاؤكم»، مكسورة الميم ورفع «شركاؤكم».
وقرأ: «فاجمعوا أمركم»، غير مهموزة والميم مفتوحة و«شركاءكم» نصبا الأعرج وأبو رجاء وعاصم الجحدرى والزهرى، وروى عن الأعمش. وفى قراءة أبىّ: «وادعوا شركاءكم ثم اجمعوا أمركم».
[ ١ / ٤٣٤ ]
قال أبو الفتح: أما «فأجمعوا أمركم وشركاؤكم» بالرفع فرفعه على العطف على الضمير فى «أجمعوا»، وساغ عطفه عليه من غير توكيد للضمير فى «أجمعوا» من أجل طول الكلام بقوله: «أمركم». وعلى نحو من هذا يجوز أن تقول: قم إلى أخيك وأبو محمد، واذهب مع عبد الله وأبو بكر؛ فتعطف على الضمير من غير توكيد وإن كان مرفوعا ومتصلا لما ذكرنا من طول الكلام بالجار والمجرور. وإذا جاز قول الله تعالى:
﴿ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا﴾ وأن نكتفى بطول الكلام ب «لا» وإن كانت بعد حرف العطف كان الاكتفاء من التوكيد بما هو أطول من «لا»، وهو أيضا قبل الواو، كما أن التوكيد لو ظهر لكان قبلها-أحرى.
وعلى ذلك فلو قال قائل: «قم وزيد» فعطف على الضمير المرفوع من غير توكيد كان أقبح من قولنا: «قمت وزيد»، وذلك أن المعطوف عليه فى «قم وزيد» ضمير لا لفظ له فهو أضعف من الضمير فى قمت؛ لأن له لفظا وهو التاء، و«قمت وزيد» أضعف من «قمنا وزيد» لأن «نا» من قمنا أتم لفظا من التاء فى قمت.
وعليه أيضا تعلم أن قمتما وزيد أشبه شيئا من قمنا وزيد؛ لأن «تما» من «قمتما» أتم لفظا من «نا» من قمنا. وكذلك أيضا قولك للنساء: ادخلنانّ وزيد أمثل من قولك:
دخلتنّ وزيد؛ لأن «نانّ» من ادخلنانّ أطول من «تنّ» من دخلتن.
فهذه مصارفة وإن خفيت ولطفت تؤثّر فى أنفس العارفين بها ما لا تخطر على أوهام الساهين عنها.
وكذلك لو قلت: اضربنا «نّه» وزيد لكان أمثل من ادخلنانّ وزيد، لأن «نانّه» ستة أحرف «ونانّ» أربعة أحرف، وكذلك اضربنانّهما وزيد، أمثل من اضربنانّه وزيد لأن «نانّهما» سبعة أحرف «ونانّه» ستة أحرف، وكذلك الزيدّين الثوبين اكسونانّهما هما- أمثل من قولك: الزيدين اكسونانّهما لأن «نانّهما هما» عشرة أحرف «ونانّهما» سبعة أحرف.
فهذا مبنى يعاد عليه، ويثنى أشباهه إليه. وجميعه من بعد ليس فى قوة التوكيد نحو قم أنت وزيد، و﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾؛ وذلك أن التوكيد وإن لم يكن فى طول هذه الفروق والفصول فإن فيه معنى ليس فيها، وهو تثبيته معنى الاسمية للمضمر
[ ١ / ٤٣٥ ]
المتصل الذى قد شعّث الفعل فمازجه وصار كجزء منه، فضعف عن العطف عليه، كما لا يجوز العطف على جزء من الفعل. فإذا وكّد صار فى حيز الأسماء ولحق بما يحسن العطف عليه بعد توكيده كما حسن عليها.
***
﴿ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ﴾ (٧١) ومن ذلك قراءة السرّى بن ينعم «ثم أفضوا إلىّ» من أفضيت.
قال أبو الفتح: معناه أسرعوا إلىّ، وهو أفعلت من الفضاء؛ وذلك أنه إذا صار إلى الفضاء تمكن من الإسراع، ولو كان فى ضيق لم يقدر من الإسراع على ما يقدر عليه من السعة. ولام أفضيت والفضاء وما تصرف منهما واو لقولهم: فضا الشئ يفضو فضوا إذا اتسع. فقولهم: أفضيت: صرت إلى الفضاء، كقولهم: أعرق الرجل إذا صار إلى العراق، وأعمن الرجل إذا صار إلى عمان، وأنجد: أتى نجدا، ونحو ذلك.
***
﴿إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧٦) ومن ذلك قراءة مجاهد وسعيد بن جبير: «إنّ هذا لساحر مبين».
[ ١ / ٤٣٦ ]
قال أبو الفتح: هذا-على قول قراءة الجماعة: ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ -إشارة إلى الفعل الواقع هناك من قلب العصا حيّة ونحوه، وهذا-على من قرأ: «لساحر» -إشارة إلى موسى ﵇، كما أن هذا-من قول الله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ إشارة إلى اليوم، وهذا-على قراءة من قرأ: «هذا يوم لا ينطقون»، بالنصب-إشارة إلى الفعل الواقع فى هذا اليوم.
***
﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ (٨٩) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن: «قد أجيبت دعواتكما».
قال أبو الفتح: هذه جمع دعوة، وبهذه القراءة تعلم أن قراءة الجماعة: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ يراد فيها بالواحد معنى الكثرة. وساغ ذلك لأن المصدر جنس، وقد تقدم أن الأجناس يقع قليلها موقع كثيرها، وكثيرها موقع قليلها.
***
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ (٩٢) ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب ومحمد بن السّميفع ويزيد البربرى: «فاليوم ننحّيك»، بالحاء.
قال أبو الفتح: هذه نفعّلك من الناحية، أى نجعلك فى ناحية من كذا. يقال:
نحوت الشئ أنحوه: إذا قصدته، ونحّيت الشئ فتنحى: أى باعدته فتباعد فصار فى ناحية.
قال رؤبة وهو فى جماعة من أصحابه ممن يأخذ عنه، وقد أقبلت عجوز منصرفة عن السوق، وقد ضاق الطريق بها عليهم:
[ ١ / ٤٣٧ ]
تنحّ للعجوز عن طريقها … إذ أقبلت رائحة من سوقها
دعها فما النحوىّ من صديقها …
وقال الحطيئة لأمه:
تنحّى فاقعدى منّى بعيدا … أراح الله منك العالمينا
وقد استعملت العرب مصدر نحوت الشئ نحوا ظرفا، كقولك: زيد نحوك: أى فى شقّك وناحيتك وعليه ما أنشده أبو الحسن:
ترمى الأماعيز بمجمرات … بأرجل روح محنّبات
يحدو بها كلّ فتى هيّات … وهنّ نحو البيت عامدات
فنصب عامدات على الحال لتمام الكلام من قبلها. وقد جمعوا نحوا على نحوّ، فأخرجوه على أصله.
[ ١ / ٤٣٨ ]
ومنه حكاية الكتاب: إنكم لتنظرون فى نحوّ كثيرة، ومثله من الشاذ بهو وبهوّ للصّدر، وأب وأبوّ، وابن وبنوّ. قال القنانى يمدح الكسائى:
أبى الذمّ أخلاق الكسائى وانتمى … به المجد أخلاق الأبوّ السوابق
***
[ ١ / ٤٣٩ ]