بسم الله الرحمن الرحيم
قراءة الحسن: "الْحُبُك١"، مضمومة الحاء، ساكنة الباء.
وروي عنه: "الْحُبُك"، بكسر الحاء، ووقف الباء.
وكذلك قرأ أبو مالك الغفاري٢:
وروي عنه: "الْحُبُك"، بكسر الحاء، وضم الباء.
وروي عنه: "الْحُبُك".
وروي عنه: "الْحُبُك".
الوجه السادس قراءة الناس٣.
وروى عن عكرمة وجه سابع، وهو: "الْحُبُك" [١٥١ظ] .
قال أبو الفتح: جميعه هو طرائق الغيم، وأثر حسن الصنعة فيه، وهو الحبيك في البيض.
قال:
الضاربون حبيك البيض إذ لحقوا لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا٤
ويقال: حببكة الرمل، وحبائك. فهذا كسفينة، وسفن، وسفائن. وكذلك أيضا حبك الماء لطرائقه.
_________________
(١) ١ سورة الذاريات: ٧. ٢ أورده صاحب أسد الغابة، ونقل حديثا بسنده مرويا عنه. أسد الغابة: ٥: ٢٨٨. ٣ وهي ضم الحاء والباء. ٤ حبيك البيض للرأس: طرائق حديده، استلحم: روهق في القتال. وحمى: سخن وعرق. رواه اللسان "حبك" ولم ينسبه.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
قال زهير:
مكلل بأصول النبت تنسجه ريح خريق لضاحي مائه حبك١
فأما "الحبك" فمخفف من "الحبك"، وهي لغة بني تميم، كرسل وعمد، في رسل وعمد.
وأما "الحبك" ففعل، وذلك قليل، منه: إبل، وإطل٢، وامرأة بلز٣، وبأسنانه حبر٤.
وأما "الحبك" فمخفف منه، كإبل، وإطل.
وأما "الحبك" بكسر الحاء، وضم الباء فأحسبه سهوا. وذلك أنه ليس في كلامهم فعل أصلا، بكسر الفاء، وضم العين. وهو المثال الثاني عشر من تركيب الثلاثي، فإنه ليس ف اسم ولا فعل أصلا والبتة. أو لعل الذي قرأ به تداخلت عليه القراءتان: بالكسر، والضم. فكأنه كسر الحاء يريد "الحبك"، وأدركه ضم الباء على صورة "الحبك" وقد يعرض هذا التداخل في اللفظة الواحدة، قال بلال بن جرير:
إذا جئتهم أو سآيلتهم وجدت بهم علة حاضرة٥
أراد: أو سألتهم، أو ساءلتهم، أو لغة من قال: سايلتهم، فأبدلت، فتداخلت الثلاث عليه فخلط، فقال: سآيلتهم، فوزنها إذا فعاعلتهم؛ لأن الياء في سايلتهم بدل من الهمزة في ساءلتهم. فجمع بين اللغتين في موضعين على تلفته إلى اللغتين. كذلك أيضا نظر في "الحبك" إلى "الحبك"، و"الحبك"، فجمع بين أول اللفظة على هذه القراءة، وبين آخرها على القراءة الأخرى٦.
_________________
(١) ١ روي "النجم" مكان "النبت". والنجم: كل نبات ليس له ساق ينبت حول الماء كالإكليل أو هو نبات له أرومة وأصل، لكنه قصير. ريح خريق: شديدة الهبوب. والضاحي: البارز للشمس. يصف ماء فيقول: إذا مرت به الريح علته طرائق من كثرته تبدو على ما بدا منه للشمس. وانظر الديوان: ١٧٦. ٢ الأطل: الخاصرة. ٣ امرأة بلز: ضخمة. ٤ الحبر: صفرة تشوب الأسنان. ٥ انظر الصفحة ١٧٥ من الجزء الأول. ٦ يأخذ الرضى على أبي الفتح في شرح الشافية "١: ٣٩" أن الحبك -بضمتين- جمع الحباك- وهو الطريقة في الرمل ونحوه، والحبك -بكسرتين- مفرد، وأنه يبعد تركيب اسم من مفرد وجمع. وهذا الذي يقوله الرضى مسلم في التركيب من لغتين، لأنه حينئذ أخذ من مفرد وجمع. أما التركيب من قراءتين -أن صح الأخذ به- فلا يبدو بعيدا، لأن قراءتي الجمع والمفرد مرويتان، والقارئ بالتركيت منهما يريد أن يروي ما يؤثر لا التعبير عما يريد التعبير عنه.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
فإما "الحبك" فكأن واحدتها حبكة، كطرقة١ وطرق، وعقبة وعقب.
وأما "الحبك" فعلى حبكة، كطرقة وطرق، وبرقة٢ وبرق. ولا يجوز أن يكون "حبك" معدولا إليها عن "حبك" تخفيفا، إنما ذلك شيء يستسهل في المضاعف خاصة، كقولهم في جدد: جدد، وفي سرر: سرر، وفي قلل: قلل.
ومن ذلك قراءة السلمي: "أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ٣".
قال أبو الفتح: هذه لغة في "أيان"، وينبغي أن يكون "أيان" م لفظ أي، لا من لفظ أين؛ لأمرين:
أحدهما أن أين مكان، و"أيان" زمان.
والآخر أن يكون قلة فعال في الأسماء مع كثرة فعلان.
فلو سميت رجلا بأيان لم تصرفه كحمدان، ولسنا ندعى أن أين مما يحسن اشتقاقها والاشتقاق منها؛ لأنها مبنية كالحرف، إلا أنها مع هذا الاسم، وهي أخت أنى، وقد جاءت فيها الإمالة التي لاحظ للإمالة فيها، وإنما الإمالة للأفعال والأسماء؛ إذ كانت ضربا من التصرف. والحروف لا تصرف فيها.
ومعنى أي: أنها بعض من كل، فهي تصلح للأزمنة صلاحها لغيرها؛ إذ كان البعض شاملا لذلك كله. قال أمية:
والناس راث عليهم أمر يومهم فكلهم قائل: أيان أيانا٤
فإن سميت٥ بأيان سقط الكلام في حسن تصريفها، للحاقها -بالتسمية بها- ببقية الأسماء المنصرفة.
_________________
(١) ١ الطرقة: حبالة الصائد. ٢ البرقة: أرض غليظة فيها حجارة ورمل وطين. ٣ سورة الذاريات: ١٢. ٤ راث عليهم: أبطأ. ٥ في ك: فإن شئت، وهو تحريف.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: "ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ١".
قال أبو الفتح: يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون وصفا [١٥٢و] للقوة، فذكره على معنى الحبل، ويريد: قوى الحبل؛ لقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا ٢﴾ .
والآخر أن يكون أراد الرفع وصفا للرزاق، إلا أنه جاء على لفظ القوة لجوارها إياه، على قولهم: هذا حجر ضب خرب، وعلى هذا في النكرة -على ما فيه- أسهل منه في المعرفة؛ وذلك أن النكرة أشد حاجة إلى الصفة. فبقدر قوة حاجتها إليها تتشبث بالأقرب إليها. فيجوز هذا حجر ضب خرب؛ لقوة حاجة النكرة إلى الصفة. فأما المعرفة فتقل حاجتها إلى الصفة، فبقدر ذلك لا يسوغ التشبث بما يقرب منها لاستغنائها في غالب الأمر عنها. ألا ترى أنه قد كان يجب ألا توصف المعرف، لكنه لما كثرت المعرفة تداخلت فيما بعد، فجاز وصفها، وليس كذلك النكرة لأنها في أول وضعها محتاجة -لإبهاامها- إلى وصفها.
فإن قلت: إن القوة مؤنثة، والمتين مذكر. فكيف جاز أن تجريها عليها على الخلاف بينهما؟ أو لا ترى أن من قال: هذا حجر ضب خرب لا يقول: هذان حجرا ضب خربين لمخالفة الاثنين الواحد؟
قيل: قد تقدم أن القوة هنا إنما المفهوم منها الحبل، على ما تقدم فكأنه قال: إن الله هو الرزاق ذو الحبل المتين، وهذا واضح.
وأيضا فإن المتين فعيل، وقد كثر مجيء فعيل مذكرا وصفا للمؤنث، كقولهم: حلة خصيف٣، وملحفة جديد، وناقة حسير وسديس٤، وريح خريق٥.
_________________
(١) ١ سورة الذاريات: ٥٨. ٢ سورة البقرة: ٢٥٦. ٣ حلة خصيف: ذات لونين: أبيض، وأسود. ٤ ناقة حسير: مجهدة. وناقة سديس: أنت عليها السنة السادسة. ٥ ريح خريق: باردة شديدة هبابة.
[ ٢ / ٢٨٩ ]