بألف الإطلاق؛ أي: "وفي" مصحف "الإمام" الذي استخرجه أبو عبيد من خزائن بعض الأمراء رُسِم ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] بألف بدلًا من التنوين وقد قرأ السبعة (^١) به وكأنه لم ينقل عن سائر المصاحف شيء، نعم هو في مصحف ابن مسعود بلا ألف، وقرأ هو والحسن والأعمش (^٢) وأُبَيٌّ بغير تنوين على أن المراد به مصر المعروف والجمهور بالتنوين لإرادة التنكير.
وقيد بـ ﴿اهْبِطُوا﴾ فإن ﴿مِصْرًا﴾ إذا لم يكن مقرونًا به فهو بلا ألف اتفاقًا، وقراءته بغير تنوين إجماعًا (^٣).
قال السخاوي: (فإن قيل: فما وجه إثباتِ الألف وصرفِه وقد روي عن أُبَيٍّ وابنِ مسعود والحسن والنخعي (^٤) وقتادة والأعمش وغيرهم مصر بغير تنوين.
قلت: في صرفه إن قلنا: إنه عربي وجهان؛ أحدهما: أن يراد الموضع فيصرف فإنه لا يبقى إلا العلمية (^٥).
_________________
(١) بل وبقية العشرة.
(٢) سليمان بن مهران الأعمش الإمام العلم، أقرأ الناسَ ونشر العلم دهرًا طويلًا، قال ابن عيينة: كان الأعمش أقرأَهم لكتاب الله وأحفظَهم للحديث وأعلمَهم بالفرائض، وقال يحيى القطان: هو علَّامةُ الإسلام، وقال العجلي: كان الأعمش ثقة ثبتًا، وكان يقرئ الناس القرآن، رَأَسَ فيه، وتوفي سنة ١٤٨. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ٩٤ ترجمة رقم (٣٦).
(٣) وقد ورد في القرآن خمس مرات، وهي على التوالي: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٦١] وقد قرأه العشرة بالتنوين ورسم بألف بدلًا من التنوين، و﴿تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧] و﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ [يوسف: ٢١] و﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٩٩] و﴿يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١]، وكلها رسمت بلا ألف اتفاقًا، وقراءتها بغير تنوين إجماعًا.
(٤) هو: الأسود بن يزيد النخعي؛ أبو عمرو، أخذ القراءة عرْضًا عن ابن مسعود وكان من أكبر أصحابه، وحدث عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وبلال وعائشة -﵃-، كان رأسًا في العلم والعمل، توفي سنة ٧٥. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ٥٠ ترجمة رقم (١٣).
(٥) أي: حيث لم يكن مع العلمية سبب آخر مما يوجب اجتماعُه معها المنعَ من الصرف.
[ ١٥٤ ]
والثاني: أن يراد المدينة فيجتمع فيه التأنيث والعلمية لكنه ساكن الوسط فيقام السكون مقام أحد السببين فيصرف (^١)، وصرفه هو اللغة الفصيحة التي عليها القرآن نحو: لوط ونوح، وأجراه آخرون على القياس فمنعوه الصرف.
وإن قلنا: إنه غير عربي كان صرفه على مراد الموضع لأنه إذا أريد به المدينة امتنع صرفه لاجتماع العجمة والعلمية والتأنيث، فإذا قام السكون سببًا بقي سببان.
فإن قيل: فمن أي شيء هو حتى يقال: إنه عربي؟ قلت: جاز أن يكون من المصر وهو الحد والحاجز بين الشيئين) (^٢).
وقد قيل: إن المراد مصرًا من الأمصار، فأما من قرأ: مصرَ فقد خالف حيث ترك الرسم المشهور المجمع عليه وإن كان ذلك يُرْوَى عن أُبَيٍّ وابنِ مسعودٍ؛ فقد تركوا قراءة ذلك حين أجمعوا على المصحف.
ثم يتزن البيت بالإشباع في هاء "فيه"، والضمير راجع إلى "الإمام" وضمير "حذفها" عائد إلى "الألف"، والحاصل أن الألف التي بعد الكاف محذوفة في الإمام وكذا في سائر المصاحف، وأما الياء التي قبل الكاف (^٣) فثابت بالاتفاق رسمًا وقراءة وكذا مركز الياء (^٤) موجود بعد الكاف رسمًا بالاتفاق، وإنما الخلاف في قراءته فإن فيه ثلاث قراءات في السبعة: حذف الياء الأخيرة مع الهمزة (^٥)، وحذف الياء فقط (^٦)، وإثباتهما (^٧)؛ فمن قرأ بإثباتهما
_________________
(١) أي: على الرغم من اجتماع التأنيث والعلمية وهما سببان كافيان للمنع من الصرف إلا أن كونه ساكنَ الوسط أفْقَدَهُ أحدَ السببين حيث أقيم السكون مقام فقد أحد السببين فصرف.
(٢) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ١٠١ - ١٠٣).
(٣) أي: في ﴿وَمِيكَالَ﴾.
(٤) أي: سِنّتها.
(٥) ميكال على وزن "مفتاح"، وبه قرأ أبو عمرو وحفص. انظر: الكشف ١/ ٢٥٥، والنشر ٢/ ٢١٩، والإقناع ٢/ ٦٠١.
(٦) ميكائل على غير أبنية العرب، ليعلم أنه أعجمي، خارج عن أبنية العرب. وبه قرأ نافع. انظر: الكشف ١/ ٢٥٥، والنشر ٢/ ٢١٩، والإقناع ٢/ ٦٠١.
(٧) ميكائيل على غير أبنية العرب، ليعلم أنه أعجمي، خارج عن أبنية العرب. وبه قرأ الباقون (ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر). انظر: الكشف ١/ ٢٥٥، والنشر ٢/ ٢١٩، والإقناع ٢/ ٦٠١.
[ ١٥٥ ]
اعتقد أن الألف حذفت منه كما حذفت في نحو: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ (^١) ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ (^٢)، والهمزة لم يصور لها صورة وهذه الياء هي التي في اللفظ، ومن قرأ بحذفِ الياء فقد اعتقد أن هذه الياء صورة الهمزة وحذفت الياء بعدها لئلا يجتمع ياءان في الخط وقد فعل نحو ذلك في ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ (^٣)، ومن قرأ بحذفهما على وزن مفتاح قدّر أن هذه الياء صورة الألف لأن حروف المد يقلب بعضها بعضًا في القراءة فكذا في الكتابة، وقرأ ابن محيصن (^٤) مِيكَئِل بصورة الرسم على وزن ميكعل (^٥).
قال الجعبري (^٦): (هذه العبارة (^٧) ناقصة؛ لأنها لا تفهم البدل، وهي بياء بعد الكاف بلا ألف في مصحف الإمام وكذا في بقية المصاحف).
قلت: ولعله اكتفى برسمه في البيت مركوزًا، فتكون الدلالة مرموزًا، ولا يبعد أنه جعل قراءة ابن محيصن أصلًا ضرورةً حيث إنه لغة ومع هذا لو قال:
_________________
(١) وردت في القرآن مرارا، أولها: [البقرة: ١٢٤].
(٢) وردت في القرآن مرارا، أولها: [البقرة: ١٢٥].
(٣) وردت في القرآن مرارا، أولها: [البقرة: ٤٠].
(٤) محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي مولاهم المكي قارئ أهل مكة مع ابن كثير وحميد الأعرج، ذكر في اسمه ستة أقوال، وله رواية شاذة في كتاب المبهج وغيره، وهو في الحديث ثقة احتج به مسلم، قرأ القرآن على سعيد بن جبير ومجاهد، وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء وغيره، توفي سنة ١٢٣. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار (١/ ٩٨) ترجمة رقم (٣٨).
(٥) عزاها في المحتسب (١/ ٩٧) إلى ابن هرمز الأعرج وابن محيصن، وقال في زاد المسير (١/ ١١٩): (فأما ميكائيل ففيه خمس لغات: إحداهن: ميكال مثل مفعال بغير همز وهي لغة أهل الحجاز وبها قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم. والثانية: ميكائيل بإثبات ياء ساكنة بعد الهمزة مثل ميكاعيل وهي لغة تميم وقيس وكثير من أهل نجد وبها قرأ ابن عامر وابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم. والثالثة: ميكائل بهمزة مكسورة بعد الألف من غير ياء مثل ميكاعل وبها قرأ نافع وابن شنبوذ وابن الصباح جميعًا عن قنبل. والرابعة: ميكئل على وزن ميكعل وبها قرأ ابن محيصن. والخامسة: ميكائين بهمزة معها ياء ونون بعد الألف ذكرها ابن الأنباري).
(٦) انظر: الجميلة صـ ٩٥.
(٧) أي: عبارة الشاطبي في البيت.
[ ١٥٦ ]
ميكائيل حذفُها في رَسْمِهِ ظَهَرَا؛
لظَهَرَ له ظُهَرَا، على أنه قراءة نافع من القراء إلا أنه ينون في النظم ضرورةً.