"لم يصب": من الإصابةِ؛ ضدُّ الإخطاءِ، و"الغِيَرا": بكسر ففتح؛ مفرد بمعنى التغيير.
والمعنى: أن جميع ما في أصل المرسوم مستفيض بين الأمة ومعلوم عند الأئمة بسبب سنته -ﷺ- لأنه مأثور عنه، حيث كتبوه بحضرته، وأقرهم على كتابته، مع أن سنة الخلفاء الراشدين من سنته، على ما ورد في الصحيح: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) (^٢)، وقد أمر بكتابته الشيخان،
_________________
(١) مسألة خيرية هذه الأمة والمفاضلة بين أولها وآخرها بحثها ابن حجر في الفتح (٧/ ٨ - ١٠)، والشوكاني في النيل ٩/ ٢٢٧، والطحاوي في مشكل الآثار ٣/ ٢٥٤، باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله -ﷺ- في جوابه لأبي عبيدة بن الجرّاح -﵁- لما قال له هل أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك بقوله له نعم قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني)، والصنعاني في سبل السلام ٢/ ٥٨٠.
(٢) رواه الترمذي؛ ك: العلم عن رسول الله، باب: ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٢٦٧٦)، وأبو داود؛ ك: السنة، باب: في لزوم السنة (٤٦٠٧)، وابن ماجه في المقدمة؛ باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (٤٢) و(٤٣). وأحمد في مسند الشاميين: حديث العرباض بن سارية (١٦٦٩٢) و(١٦٦٩٤) (١٦٦٩٥) وصححه الألباني في الصحيحة برقم (٩٣٧).
[ ٧٣ ]
ثم أعاده عثمان -﵁-، وأجمع عليه بقيةُ الصحابةِ واستحسنه جميعُ الأئمةِ، فمن نسب الوهم والتغير في الرسم بالنقصان أو الزيادة -من الملاحدةِ وغلاةِ الشيعةِ-؛ فقد أخطأ صَوْبَ الصَّوابِ، واستحق الحجابَ والعقاب؛ لأن الله تعالى بنفسه تولّى حفظ الكتاب، بقوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وإن المعتمدَ نقلُ القرآن من الحفاظ، وكانوا عند كتابة المصحف أكثرَ من عدد التواتر، ولو غيَّره أحد من الكُتَّاب كما زعمتم لعلمناه من تلاوة القراء (^١).
وقد وَلِيَ عليٌّ كرم الله وجهه على (^٢) الخلافةِ بعد الخلفاء الثلاثة، وتمكَّن من إظهار الملّة على زعمكم، فلو صحت دعواكم لأَقْرَأَ الأئمةَ من أهل بيت النبوة القرآنَ العظيمَ على وجهه، وكتبَ مصحفًا لهم على وَفْقِ رسمِه، وأثبتَ ما ادعيتم من تغييره.
وأما قولهم: "أخذوه من الآحاد والرقاع" فيجيء جوابه عند قوله: "فقام فيه بعون الله" (^٣)، ومجمل الكلام، في تحقيق المرام، في هذا المقام، أنه كيف يصح تفريط الصحابة الكرام، في ضبط القرآن العظيم، وإهمالهم في حفظ القرآن الكريم، حتى ينسوه فلا يعرفه إلا الواحد والاثنان من الأطراف، وحتى لا يوجد إلا في الأكتاف واللخاف، هذا مع شدتهم في طلب أمر الدين، وبذلهم الأموال والأشباح والأرواح في مقام اليقين، أيتركون القرآن الذي فيه منافع دنياهم وأخراهم، وقد نقل الصحابة أنه -ﷺ- (كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن) (^٤)، وقال ابن مسعود تعلمت من في رسول الله -ﷺ- سبعين
_________________
(١) كذا في (ص) و(بر ١)، وفي (ل) و(س) و(ز ٤) "لعلمناه من تلاوة القرآن"، وفي (ز ٨) "لعلمنا من تلاوة القرآن"
(٢) كذا في جميع النسخ، ولعل الأصوب "وَلِي عليٌّ كرم الله وجهه الخلافةَ" بدون "على".
(٣) البيت رقم (٢٧).
(٤) رواه مسلم ك: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة (٤٠٣) ورواه غيره.
[ ٧٤ ]
سورة (^١)، وأمره الله تعالى أن يقرأ على أُبَيٍّ (^٢) ليُعَلِّمَهُ في قراءته، ويقتدي به في روايته، وقال معاذ: (عرضنا القرآن على رسول الله -ﷺ- فلم يَعِبْ أحدًا منا) (^٣).
وقال عبادة بن الصامت: (كان الرجل إذا هاجر إلى رسول الله -ﷺ- دفعه إلى رجل منا ليعلمه القرآن) (^٤)، وبعث رسولُ الله -ﷺ- إلى المدينة قبل الهجرة مصعبَ بنَ عمير يعلمُهم القرآنَ وأضاف إليه ابنَ أمِّ مكتومٍ في الإقراء، ثم تلاحق المهاجرون (^٥)، ولما فتح رسولُ الله -ﷺ- مكةَ ترك فيها معاذَ بن جبل لذلك (^٦)، وقد كان بمسجد رسول الله -ﷺ- ضجةٌ بتلاوة القرآن، حتى أمرهم بخفض أصواتهم لئلا يُغَلِّط بعضُهم بعضًا (^٧) وبهذا الاهتمام التام لتحقيق القرآن في الصدر الأول من الإسلام تبين الرد على ما ادعاه قوم من أهل الملام أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] كان: ﴿وَوَصَّى رَبُّكَ﴾
_________________
(١) رواه البخاري ك: فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب النبي رقم (٥٠٠٠) بلفظ (أخذت من في رسول الله … بضعًا وسبعين سورة). ومسلم ك: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عبد الله بن مسعود (٢٤٦٢) وغيرهما.
(٢) رواه البخاري ك: المناقب، باب: مناقب أُبَيِّ بن كعب رقم (٣٨٠٩) وفي ك: تفسير القرآن (٤٩٥٩) و(٤٩٦٠) و(٤٩٦١). ومسلم ك: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل والحذاق فيه (٧٩٩) وفي ك: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أُبَيِّ بن كعب.
(٣) لم أجده بعد لَأْيٍ، فالله أعلم وفوق كل ذي علم عليم. وقد ذكره السخاوي في الوسيلة صـ ٣٢ في شرح البيت (٨).
(٤) رواه الإمام أحمد في مسند الأنصار حديث عبادة بن الصامت (٢٢٢٦٠).
(٥) قصة قدومِ مصعبٍ وابنِ أمِّ مكتومٍ المدينةَ وتعليمِهم الناسَ القرآنَ رواها البخاري ك: المناقب، باب: مقدم النبي وأصحابه المدينة (٣٩٢٤) و(٣٩٢٥) وفي ك: تفسير القرآن (٤٩٤١).
(٦) رواه الحاكم في مستدركه (٣/ ٢٧٠) كتاب معرفة الصحابة؛ ذكر مناقب أحد الفقهاء الستة من الصحابة؛ معاذ بن جبل.
(٧) روى أبو داود في كتاب الصلاة باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل عن أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسول الله -ﷺ- في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: (ألا كلُّكم مُناجٍ ربَّه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة) أو قال: (في الصلاة)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١/ ٢٤٧)، وفي مسند أحمد؛ مسند علي بن أبي طالب (٦٦٥) (نهى أن يرفع الرجل صوته بالقراءة …)، و(٨١٩) بلفظ: (نهى أن يرفع صوته بالقرآن …).
[ ٧٥ ]
ولكن انضمت الصاد إلى الواو فقرئت ﴿وَقَضَى﴾ (^١) ومثل ذلك دعوى من
_________________
(١) القراءة سنة متبعة، والرسم تابع لا متبوع، ولو صح ما قاله هؤلاء لكانت كلُّ قراءةٍ يحتمِلُها رسمُ المصحفِ صحيحةً معتبرةً قرآنًا، والواقعُ ليس كذلك؛ فما لم يصح له سند فلا يُعْتَدُّ به قراءةً؛ ولو وافق رسمَ المصحف، بدليل: ١ - أن هناك قراءات يحتملها الرسم ولم يقرأ بها أحدٌ من الناس مع أنها صحيحةٌ في اللغة ونَطَقَ بها العربُ، فمن ذلك قوله -﷾-: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] يجوز في اللغة: يَخْطَفُ، ويَخْطِفُ، ولكن القُرَّاءَ لم يقرؤوا إلاَّ يَخْطَفُ، ومنها ما تُجَوِّزُ اللغةُ والصناعةُ النحويةُ نُطقَه بأوجه مختلفةٍ، ومع هذا لم يقرأ القراءُ إلا بوجهٍ واحدٍ؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]؛ جميع القراء بضمِّ الميم مع أن اللغةَ تُجَوِّزُ في الميم الضمَّ والفتحَ والكسرَ، والرسم يحتمله. ٢ - أن رواةَ الرسمِ كنافعٍ قد ينقلون ما يخالف قراءتَهم كما قرأ نافعٌ غيابات بالجمع في آيتي يوسف مع أنه نقل حذفهما في الرسم، وغيره قرأ بالإفراد، وله نظائر. ٣ - أن هناك كلمات يتكرر ورودها في القرآن وترسم في مواضع برسم مخالف لنظائره ومن أمثلتها: أ- آيَاتٌ اتفقت المصاحف على حذف ألف يائها كيف أتت إلا الأَوَّلَيْنِ بيونس وهما قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ [١٥] و﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [٢١] فإنه بالألف. ب- ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]؛ اختلف النقلة فيها؛ ففي بعض المصاحف بألفٍ وفي بعضها بغيرها كما قرئ بهما في السبعة بخلاف قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] أيضا فإنه متفق الإثبات. جـ- اتفقت المصاحف على حذف الألف الأخيرة في أَيُّهَ في ثلاثة مواضع؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، كما اتفقت المصاحف على إثباتها في غيرها نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ [يوسف: ٧٨، ٨٨] ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ [الفجر: ٢٧]. ٤ - أن هناك ألفاظًا اتفق القراء على قراءتها بغير ظاهر رسمها، لعلمهم بأن المرادَ برسمها غيرُ لفظها كقوله: ﴿بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] بياءين ولا يُلْفَظ إلا بواحدة، وكذا: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: ٥] قبل اللام واو ولا يُلْفَظ بها، وكقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣] بعد الشين ألف ولا يلفظ بها، وكذا رسم ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ [قريش: ٢] بلاء ياء ويلفظ بها، و﴿دَاوُودُ﴾ ملفوظ بواوين ومرسوم بواحد، ورسم ﴿الصَّلَاةَ﴾ و﴿الزَّكَاةَ﴾ بواو ويلفظ بألف و﴿وَقَضَى﴾ [الإسراء: ٢٣] بياء ويلفظ بألف فلو كانت القراءات تابعة للرسم ونابعة منه لقرئت هذه الألفاظ بظاهر رسمها والواقع أنه لم ينقل ذلك عن أحد من القراء والله أعلم.
[ ٧٦ ]
زعم (^١) أن مروان (^٢) هو الذي قرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] بغير الألف (^٣) من تلقاء نفسه.
وهذا كله ظاهر الفساد إذ يلزم من ذلك أن تلك الآية لم يحفظها أحد حتى صُحِّفَتْ وقرئت: ﴿وَقَضَى﴾ ويلزم أن يكون الأمة والأئمة تبعوا مروان فيما جاء به من عند نفسه وهذا زعم صاحب الكشاف (^٤) من المعتزلة حيث تَوَهَّم أن اختلاف القراء من الأئمة السبعة مع أن قراءتهم واصلة إليهم بالطرق المتواترة مبني على اختيارهم وَفْقَ القواعد العربية ولهذا كثيرًا ما يطعن فيهم من هذه الحيثية.
والعجب من البيضاوي مع أنه من أئمة أهل السنة (^٥) تبعه في هذه القضية كما بينته في تخريج قراءته من تفسيره، بالحاشية المستقلة وأوضحت ما وقع فيه من تقصيره وتغييره، ونقصانه في تعبيره، والله وليُّ دينِه وناصرُ نبيِّه.
_________________
(١) الذي زعم ذلك هو ابن شهاب الزهري، قال في الدر المنثور ١/ ٣٥ - ٣٦ (وأخرج وكيع في تفسيره وعبد بن حميد وأبو داود وابنه عن الزهري أن رسول الله -ﷺ- وأبا بكر وعمر كانوا يقرؤونها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وأول من قرأها ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بغير ألف مروان، وأخرج ابن أبي داود عن ابن شهاب أنه بلغه أن النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد كانوا يقرؤون ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال ابن شهاب وأول من أحدث "ملك" مروان.
(٢) ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، من كبار التابعين وقيل له رؤية، روى عن عمر وعثمان وعلي وزيد، مات في رمضان سنة ٦٥. اهـ مختصرًا من السير ٣/ ٤٧٦ ترجمة رقم (١٠٢).
(٣) جميع النسخ التسع "بالألف" دون زيادة "غير"؛ ولا يستقيم الكلام إلا بزيادة "غير" ويدل لذلك قول المؤلف في شرح البيت (٤٦) (وفي الحديث المذكور رد على من زعم أن أول من قرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ مروان، وكذا كان يقرأ ابن عمر وابن عباس وأبو الدرداء ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بغير ألف).
(٤) هو أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ولد ٤٦٧ ومات ٥٣٨.
(٥) تقدمت ترجمته في شرح البيت (٦) وقال صاحب كتاب "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" ٢/ ٩٥: (له علم بالمعقول وليس له علم بالمنقول عن السلف والرسول، ألف تفسيره على منهج الخلف، لخص فيه عبارة الرازي والزمخشري بل نقل معظم تأويلات الزمخشري إلى تأويله في الصفات، أما مذهبه في تفسيره الأسماء والصفات فمؤول كبير على مذهب الأشاعرة في تأويل الصفات) ثم ذكر نماذج من تأويلاته.
[ ٧٧ ]