المبحث الثاني جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁
المطلب الأول: عثمان بن عفان وعهده:
عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، أمير المؤمنين وذو النورين، ختن رسول الله ﷺ على ابنتيه، وثالث الخلفاء الراشدين، وأحد المبشرين بالجنة، ولد بمكة سنة: (٤٧) ق هـ، وأسلم بعد البعثة بقليل، كان من أغنياء قريش، وأشرافهم، ومن كتاب الوحي لرسول الله ﷺ، وهو من السابقين الأولين، ورابع أربعة ممن دخل في الإسلام، وأول المهاجرين مع أهله الهجرتين إلى الحبشة١، ثم إلى المدينة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وأحد الذين جمعوا القرآن في حياة الرسول ﷺ وحفظوه٢ وكان أشبه الناس بإبراهيم (﵇) وسيدنا محمد ﷺ ٣، واستشهد صبيحة عيد الأضحى في بيته بالمدينة وهو يقرأ القرآن سنة: ٣٥هـ٤.
يبدأ عهد عثمان ﵁ بعد استشهاد عمر ﵁ في: غرة محرم عام: ٢٤هـ، حيث بويع بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليال، وقد اتسعت الفتوحات في زمنه ﵁، ففي عهده فتحت الري، وحصون كثيرة من الروم، وتوسع في المسجد النبوي، وفتحت الأندلس، واصطخر، وبلاد كثيرة من خراسان، ونيسابور، وطوس وسرخس ومرو وبيهق وغيرها من البلاد٥، وكثر العمران، وتفرق المسلمون في أرجاء البلاد الإسلامية وأقطارها، ونشأ جيل جديد، وطال عهد الناس بالرسول والوحي، وكان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام، يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة
_________________
(١) ١ تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص: ١١٧. ٢ انظر: طبقات ابن سعد: ٣/٦١، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، ص:١٤٨. ٣ تاريخ الخلفاء، ص:١٥١. ٤ غاية النهاية: ١/٥٠٧،الأعلام:٤/٢١٠. ٥ تاريخ الخلفاء، ص:١٥٦.
[ ٢٦ ]
، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة، بصورة فتحت باب الشقاق والنزاع في المسلمين في أمر القراءة، أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، بل كان هذا الشقاق أشد، لبعد عهد هؤلاء بالنبوة، وعدم وجود فيصل بينهم يطمئنون إلى حكمه، ويصدرون جميعًا عن رأيه، واستفحل الداء حتى خطأ بعضهم بعضًا، وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.
[ ٢٧ ]
حُذيفةَ اختلافُهم في القراءةِ فقالَ حُذيفة لعثمانَ: يا أميرَ المؤمنينَ أدركْ هذه الأمّةَ قبلَ أن يختلِفُوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنصارى فأرْسَلَ عثمانُ إلى حفصةَ أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخُها في المصاحفِ ثم نردُّها إليكِ فأرسلتْ بها حفصَةُ إلى عثمانَ فأمَرَ زيدَ بن ثابت وعبد الله بن الزبيرِ وسعيدَ بن العاصِ وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف١.
وأخرج ابن أبي داود٢ من طريق أبي قلابة أنه قال:
(لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يتلقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال أيوب: لا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبًا فقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوه للناس إمامًا٣.
وأخرج ابن أبي داود من طريق سويد بن غفلة الجعفي قول علي ﵁.
(يا أيها الناس: لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرًا.. فو الله ما فعل الذي فعل المصاحف إلا من ملأ منا جميعًا، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون.
_________________
(١) ١ البخاري، فضائل القرآن، رقم: ٤٦٠٤، الترمذي، أبواب تفسير القرآن، برقم: ٣٠٢٩، وانظر كتاب المصاحف: ١/٢٠٤، والفتح:٩/١١، والمقنع:٤. ٢ عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، أبوبكر، من كبار المحدثين والمقرئين، صاحب كتاب المصاحف، ولد في سجستان (من بلاد أفغانستان الحالية) ٢٣٠هـ، وتوفي سنة ٣١٦هـ، الغاية: ١/٤٢٠، ميزان الاعتدال:٢/٤٣، الأعلام:٤/٩١. ٣ كتاب المصاحف: ١/٢١١-٢١٢، والأثر مما انفرد به المؤلف بتخريجه، وله شاهدان لديه، وإسناده هنا منقطع لإرسال أبي قلابة حيث لم يصرح هنا بمن حدثه عنه.
[ ٢٨ ]
أخبره حذيفةٌ بالشانحتى بدت بينهم العداوةلهذه الأسباب والأحداث، رأى عثمان بثاقب رأيه، وصادق نظره، أن يتدارك الأمر، فجمع أعلام الصحابة وذوي البصر منهم، وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة، فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف لإرسالها إلى الأمصار، فيؤمر الناس باعتمادها، والتزام القراءة بما يوافقها، وبإحراق كل ما عداها، وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية الأساس والمرجع المعتمد لحسم الخلاف وقطع النزاع والمراء١.
وقد نظم ذلك الإمام أبو عمرو الداني (﵀) فقال:
وولي الناسَ الرضا عثمانُ وبايع الكل له ودانوا
فحضهم معا على الجهاد فحضهم معا على الجهاد
فانبعث القوم على ميعاد وقصدوا مصححين النية
نحو أذربيجان وأرمينيه فاجتمع الشامي والعراقي
فقابلوا قراتهم بالنقض واختلفوا في أحرف التلاوة
وقال هذا الأمر فأدركه فهو معضل فلا تتركه
فجمع الإمام من في الدار من المهاجرين والأنصار
في مصحف بصورة لا تختلف أدخله ما بين دفتين
_________________
(١) ١ راجع الإتقان:١/١٨٧، وما بعدها، ومناهل العرفان:١/٢٥٥-٢٥٧.
[ ٢٩ ]
المطلب الثالث: لجنة الجمع في العهد العثماني:
وقع خلاف في عدد اللجنة المكلفة بالجمع في العهد العثماني:
فقيل: هم خمسة: زيد، وابن الزبير، وابن عباس، عبد الله بن عمرو بن العاص، عبد الرحمن بن الحارث٢.
وقيل: هم اثنا عشر رجلًا من قريش وأنصار، فيهم أبي.. ٣
وفي بعض الآثار: يملي سعيد، ويكتب زيد٤.
غير أن ما عليه الجمهور:
أنهم أربعة: زيد بن ثابت من الأنصار، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (الثلاثة من قريش) ٥.
أما زيد بن ثابت فقد سبقت ترجمته، وأما الثلاثة فهم:
عبد الله بن الزبير:
هو عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو بكر، أمه: أسماء بنت أبي بكر الصديق، أحد العبادلة الأربعة، فارس قريش في زمنه، من خطباء قريش المعدودين، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة، بويع له بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية سنة ٦٤هـ، وجعل قاعدة ملكه المدينة، ودامت خلافته
_________________
(١) ١ الأرجوزة المنبهة للداني، الأبيات رقم: ١٧٩-١٨٢. ٢ المقنع: ٤. ٣ كتاب المصاحف: ١/٢٢٠. ٤ المرجع السابق: ١/٢١٧. ٥ انظر: الفتح: ٩/١١، كتاب المصاحف:١/٢٠٥، لطائف القسطلاني: ١/٥٧-٥٨.
[ ٣٠ ]
تسع سنين، وهو أول من ضرب الدراهم المستديرة، وقتل مظلومًا بمكة بعد قتال عنيف بينه وبين الحجاج بن يوسف الثقفي، في جمادى الأولى سنة ٧٣هـ١.
سعيد بن العاص:
هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي القرشي، صحابي من الأمراء الولاة الفاتحين، تربى في حجر عمر بن الخطاب، وولاه عثمان الكوفة، وهو شاب، ثم استدعاه عثمان إلى المدينة فأقام فيها إلى أن كانت الثورة على عثمان، فدافع سعيد عنه وقاتل دونه إلى أن استشهد عثمان، فخرج إلى مكة فأقام فيها إلى أن ولي معاوية الخلافة، فعهد إليه بولاية المدينة فتولاها إلى أن مات بها في سنة ٥٩هـ، وكانت ولادته قبل بدر، وهو فاتح طبرستان، وأحد الذين كتبوا المصحف لعثمان، كان قويًا فيه تجبر وشدة، سخيًا فصيحًا، عاقلًا حليمًا، اعتزل الجمل والصفين، وكان أشبههم لهجة برسول الله ﷺ ٢.
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام:
هو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي القرشي المدني، أبو محمد، ختن عثمان ﵁ وتزوج عمر ﵁ والدته بعد وفاة أبيه في طاعون عمواس بالشام، فتربى في حجره، تابعي ثقة جليل القدر، ولد في زمن النبي ﷺ ولم يسمع منه، من أشراف قريش، أحد الأربعة الذين تولوا نسخ المصاحف العثمانية، وابنه أبو بكر أحد الفقهاء السبعة المعروفين، توفي بالمدينة سنة: ٤٣هـ٣.
هؤلاء الأربعة هم الذين كوّن عثمان لجنة منهم، وعهد إليهم تنفيذ قرار نسخ المصاحف.
قال الحافظ ابن حجر: وكان ذلك في أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين، وهو الوقت الذي ذكر أهل التاريخ أن أرمينية فتحت فيه٤.
_________________
(١) ١ الكامل: ٤/١٣٥، شذرات الذهب:١/٧٩-٨١، الأعلام:٤/٨٧. ٢ طبقات ابن سعد:٥/١٩، شذرات الذهب: ١/٦٥، الأعلام:٣/٩٦-٩٧. ٣ تهذيب التهذيب: ٦/١٥٦، الإصابة: رقم:٦١٩٥، الأعلام: ٣/٣٠٣. ٤ الفتح: ٩/١٤.
[ ٣١ ]
تسع سنين، وهو أول من ضرب الدراهم المستديرة، وقتل مظلومًا بمكة بعد قتال عنيف بينه وبين الحجاج بن يوسف الثقفي، في جمادى الأولى سنة ٧٣هـ١.
سعيد بن العاص:
هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي القرشي، صحابي من الأمراء الولاة الفاتحين، تربى في حجر عمر بن الخطاب، وولاه عثمان الكوفة، وهو شاب، ثم استدعاه عثمان إلى المدينة فأقام فيها إلى أن كانت الثورة على عثمان، فدافع سعيد عنه وقاتل دونه إلى أن استشهد عثمان، فخرج إلى مكة فأقام فيها إلى أن ولي معاوية الخلافة، فعهد إليه بولاية المدينة فتولاها إلى أن مات بها في سنة ٥٩هـ، وكانت ولادته قبل بدر، وهو فاتح طبرستان، وأحد الذين كتبوا المصحف لعثمان، كان قويًا فيه تجبر وشدة، سخيًا فصيحًا، عاقلًا حليمًا، اعتزل الجمل والصفين، وكان أشبههم لهجة برسول الله ﷺ ٢.
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام:
هو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي القرشي المدني، أبو محمد، ختن عثمان ﵁ وتزوج عمر ﵁ والدته بعد وفاة أبيه في طاعون عمواس بالشام، فتربى في حجره، تابعي ثقة جليل القدر، ولد في زمن النبي ﷺ ولم يسمع منه، من أشراف قريش، أحد الأربعة الذين تولوا نسخ المصاحف العثمانية، وابنه أبو بكر أحد الفقهاء السبعة المعروفين، توفي بالمدينة سنة: ٤٣هـ٣.
هؤلاء الأربعة هم الذين كوّن عثمان لجنة منهم، وعهد إليهم تنفيذ قرار نسخ المصاحف.
قال الحافظ ابن حجر: وكان ذلك في أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين، وهو الوقت الذي ذكر أهل التاريخ أن أرمينية فتحت فيه٤.
ش
_________________
(١) ١ الكامل: ٤/١٣٥، شذرات الذهب:١/٧٩-٨١، الأعلام:٤/٨٧. ٢ طبقات ابن سعد:٥/١٩، شذرات الذهب: ١/٦٥، الأعلام:٣/٩٦-٩٧. ٣ تهذيب التهذيب: ٦/١٥٦، الإصابة: رقم:٦١٩٥، الأعلام: ٣/٣٠٣. ٤ الفتح: ٩/١٤.
[ ٣١ ]
وذهب العلامة ابن الجزري وابن الأثير إلى أن الجمع العثماني كان في الثلاثين من الهجرة١ والأول أصح.
_________________
(١) ١ انظر النشر: ١/٧، الكامل:٣/٥٥.
[ ٣٢ ]