لم تكن وسائل الكتابة وأدواتها متوفرة وميسرة في عصر الصحابة وما قبله، فكان الناس يستخدمون لتسجيل أفكارهم وأشعارهم ومعاهداتهم ووثائقهم وسائل مختلفة من الأحجار والجلود والعظام والأخشاب وما إلى ذلك من الأشياء المتوفرة لديهم، وذلك لندرة الورق، وهذه الوسائل نفسها هي التي استخدمها الصحابة لكتابة الوحي في حياة الرسول ﷺ فمما ورد ذكره في روايات مختلفة نستطيع أن نعرف بها تلك الوسائل، وهي كالآتي:
العسب، اللخاف، الرقاع، الأضلاع، الأكتاف، قطع الأديم، القضم، الظرر، القراطيس، الصحف، الكرانيف.
هذه الأشياء هي التي ورد ذكرها في كتابة القرآن الكريم في عهد الصحابة ﵃ وقد حاولت استقصاءها مما يتوفر لدي من مراجع – وفيما يلي نعرف كل ما ذكر من ذلك:
(العسب): جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخُوصَ ويكتبون في الطرف العريض منه٣.
_________________
(١) ٣ راجع اللسان، مادة (عسب): ١/٥٩٨، وفي النهاية لابن الأثير: (٣/٢٣٤): هي السَّعفة مما لا ينبت عليه الخوص، وانظر: القاموس المحيط، ص: ١٤٧.
[ ٢١ ]
(اللخاف): بكسر اللام وبخاء معجمه خفيفة، آخره فاء، جمع: (لَخْفَةٍ) بفتح اللام وسكون الخاء: وهي الحجارة الرقاق، وقال الخطابي: صفائح الحجارة١.
(الرقاع): جمع رُقْعَة، وهي التي تكتب٢، قال العلامة الجزائري٣: وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد٤.
(الأضلاع): جمع ضلع، بكسر الضاد وفتح اللام (على لغة أهل الحجاز) وبإسكانها (على لغة تميم)، وهي عظام الجنبين٥.
(الأكتاف): جمع كَتِف، والكَتِف والكِتْف مثل كَذِب وكِذْب: عظم عريض خلف المنكِب، يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب، وهو ما فوق العضد، كانوا إذا جفّ كتبوا عليه٦.
(الأقتاب): جمع قَتَب،وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه، وفي اللسان: والقِتب والقَتَب:إِكاف البعير.. وقيل: هو الإكاف الصغير الذي على قدر سنام البعير، وفي الصحاح: رَحل صغير على قدر السنام٧.
_________________
(١) ١ كتاب المصاحف لابن أبي داود:١/١٧٠، الإتقان:١/١٨٦، القاموس المحيط:١١٠٢. ٢ اللسان: مادة (رقع)، القاموس:٩٣٣. ٣ طاهر بن صالح بن أحمد بن موهوب السمعوني، جزائري الأصل، دمشقي المولد والمدفن، من أكابر علماء اللغة والأدب، كان شغوفًا بجمع واقتناء المخطوطات، ساعد على إنشاء دار الكتب الظاهرية بدمشق، والمكتبة الخالدية في القدس، كان يجيد أكثر اللغات الشرقية كالعبرية والسريانية والحبشية والتركية والفارسية، له نحو عشرين مؤلفًا، ولد في ١٢٦٨هـ، وتوفي سنة:١٣٣٨هـ، مقدمة كتابه: التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن لمحققه/ الشيح عبد الفتاح أبو غدة، الأعلام:٢٢١-٢٢٢. ٤ التبيان، هامش ص: ١٠١. ٥ المصباح المنير، ص:١٣٨. ٦ اللسان: مادة، (كتف) . ٧ المرجع السابق، والقاموس: ١٥٧.
[ ٢٢ ]
(قطع الأديم): الأديم: الجلد المدبوغ والجمع: أدم بفتحتين١.
(القضم):جمع: قضيم، وهو الجلد الأبيض يكتب فيه، وقيل هي الصحيفة البيضاء، قال ابن منظور: وفي حديث الزهري:قبض رسول الله ﷺ والقرآن في العسب والقضم، هي الجلود البيض، واحدها قضيم، ويجمع أيضًا على قَضَم بفتحتين، كأدم وأديم، عن اللحياني، قال: وجمعها: قُضُم كصحيفة وصحف، قال الأزهري: القضيم هنا الرق الأبيض الذي يكتب فيه٢.
(الظرر): حجر له حد كحد السكين، جمع: ظِرار، مثل: رُطب ورِطاب، ورُبع ورِباع، وظِرَّان أيضًا مثل: صُرر وصِردان٣.
(القراطيس): جمع قرطاس، مثلثة القاف، وهي الصحيفة الثابتة – من أي شيء كانت – التي يكتب فيها، أو الكاغد، ويقال للأديم الذي ينصب للنضال: قرطاس كذلك٤.
وقد وردت الكلمة في سورة الأنعام بالإفراد والجمع في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (الأنعام: ٧) .
وفي قوله تعالى: ﴿َتجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا﴾ الأنعام:٩١) .
ونقل العلامة السيوطي٥ رواية موطأ ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: جمع أبو بكر القرآن في قراطيس٦.
_________________
(١) ١ المصباح المنير، ص:٤، القاموس: ١٣٨٩. ٢ اللسان، مادة (قضم): ١٢/٤٨٨، القاموس:١٤٨٥. ٣ الوجيز للقرطبي، ص:١٦٣، وانظر القاموس: ٥٥٦. ٤ اللسان، مادة (قرطس)، القاموس: ٧٢٩. ٥ عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، جلال الدين أبو الفضل الخضيري السيوطي، إمام حافظ مؤرخ أديب، له نحو ٦٠٠ مصنف، ولد في ٨٤٩هـ، ونشأ بالقاهر ة يتيمًا، بقي معتزلًا عن الناس إلى أن مات سنة: ٩١١هـ، من أشهر مؤلفاته: الدر المنثور، الإتقان، شذرات الذهب:٨/٥١، حسن المحاضرة: ١/١٨٨، الأعلام:٣/٣٠٢. ٦ الإتقان: ١/١٨٦.
[ ٢٣ ]
(الألواح): مفرده: اللوح، وهو: كل صحيفة عريضة من خشب أو عظم كتف إذا كتب عليه١.
(الصحف): جمع صحيفة، وهي قطعة من جلد أو قرطاس كتب فيه، والجمع: صحف بضمتين وصحائف، مثل: كريم وكرائم٢.
(الكرانيف): جمع كُرْنَافَة، بالضم والكسر، وهي أصول الكَرَب – السعف الغلاظ العراض- تبقى في الجذع بعد قطع السعف٣.
هذا، وقد وقع في مغازي موسى بن عقبة٤ –كما نقل عنه السيوطي – عن ابن شهاب قال: لما أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر وخاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم حتى جُمِعَ على عهد أبي بكر في الورق، فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في الصحف٥.
فهذه الرواية، وما نقلنا قبلها من موطأ ابن وهب تثبت بأن وسائل الكتابة المذكورة سابقًا هي ما كتب عليها القرآن الكريم قبل عهد أبي بكر ﵁، أما في عهده ﵁ فقد كتب المصحف كله في الورق.
وقد أيد ذلك الحافظ ابن حجر حيث قال: " إنما كان في الأديم والعسب أولًا، قبل أن يجمع في عهد أبي بكر، ثم جمع في الصحف في عهد أبي بكر، كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة٦.
_________________
(١) ١ المصباح المنير، ص: ٢١٤، القاموس: ٣٠٧. ٢ المصباح المنير، ص: ١٢٧، وراجع القاموس:١٠٦٨. ٣ المصباح المنير: ٢٠٢، القاموس:١٠٩٦-١٠٩٧. ٤ موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي بالولاء، أبو محمد، مولى آل الزبير عالم بالسيرة والمغازي، محدث ثقة، ولد بالمدينة، وبها توفي سنة ١٤١هـ قال الإمام أحمد: عليكم بمغازي ابن عقبة فإنه ثقة، تهذيب التهذيب: ١٠/٣٦٠، الأعلام:٧/٣٢٥. ٥ الإتقان: ١/١٨٦، وراجع الإتقان في المباحث المتعلقة بالقرآن ص: ١٠٢. ٦ الفتح: ٩/١٣،وراجع الإتقان: ١/١٨٦-١٨٧.
[ ٢٤ ]