نبَّه بهذا الدعاء على ما ينبغي من دعاء الخلف للسلف، وعلى ما يلزم من استشعار فضلهم، وإخلاص الحب لهم، وأنَّ الدعاء ثمرة الحب، وقد سأل سائلٌ رسول الله -ﷺ- عن الساعة، فقال: «ما أعددت لها؟ فقال: لم أعدَّ لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: المرء
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده انظر مجمع الزوائد ٩/ ٢٠٣.
(٢) لم يعرف قائله وهو في الكامل لأبي العباس المبرد ١/ ٣٥٨.
(٣) الآية ٣٠ من سورة فصلت.
[ ١ / ٢٠١ ]
مع من أحب» (^١).
وقال الله تعالى: ﴿والذِّينَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِم﴾ (^٢) وقد أمر الله تعالى رسوله -ﷺ- بمكافأة المعروف بالدعاء، ومن لم يقدر على الجزاء، وأي معروف أعظم مما أسداه إلينا علماؤنا، فإنهم بذلوا جهدهم في حفظ الشريعة والذب عن كتاب الله -﷿-، والتنبيه على إبطال من رام به الباطل، وبغاة الغوائل، وأخذوا النفوس بالجد في حراسته حتى أوصلوه إلينا سليمًا من التحريف والتبديل، نقيًَّا من التخليط والأباطيل، فلولاهم لَجُرْنَا عن السبيل بكيد من انتصب لعداوة هذا الدين معملًا التحيل في إفساده، ضاربًا في الأقطار ليظفر بضعيفٍ يضلَّه، وغنيٍّ يزله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولقد أوضح علماؤنا كلَّ مشكلة، وشرحوا كلَّ معضلةٍ، وأجمعوا على سد الخلل، وضَيَّقوا على المبتدعة السبل، وأخذوا على المتمحِّلين الطرق، وهم العدول بشهادة الرسول ﵇ إذ يقول: «يحمل هذا العِلْمَ من كل خَلَفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين» (^٣).
وإلى هذا أشار بقوله: «عذبًا وسلسلا» فإن نصبه على المصدر، فهو منقولٌ نقلًا عذبًا كما تحمل من غير زيادةٍ ولا نقصان ولاميل إلى اختيارٍ
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه كتاب الأدب. باب علامة حب الله -﷿-. البخاري بشرح السندي ٤/ ٧٧.
(٢) الآية ١٠ من سورة الحشر.
(٣) قال الخطيب: سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث - وقيل له: كأنه كلام موضوع - قال: لاهو صحيح سمعته من غير واحدٍ. (كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ١٠/ ١٧٦)
[ ١ / ٢٠٢ ]
واستحسان كما زعمت الرافضة أنه غُيِّر وبُدِّل، وكذب الله أحاديثهم، وكما ظنَّ النحاة الذين لامعرفة لهم بالآثار، ولاآنِسَةَ لهم بطريق أهلها: أنَّ القراءة جائزةٌ بما يجوز في العربية، وإنَّ الأئمة قرؤوا بالاختيار.
وإن نصبت «عذبًا» على أنه حالٌ/ من القرآن فمعناه: أنه لم يزل كذلك وفي تلك الحال نقلوه غير مشوبٍ بشيءٍ.
قيل للقاضي إسماعيل بن إسحاق (^١): لِمَ سَلِمَ القرآن من التبديل دون الكتب المنزلة قبله؟
فقال: لأنَّ الكتاب الذي قبله وكل إلى حفاظه، قال الله تعالى ﴿بما اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَبِ الله﴾ (^٢)، وهذا الكتاب العزيز تولى الله حفظه، ولم يَكِلْه إلى غيره.
قال الله تعالى: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُون﴾ (^٣)؛ فإن كانت الهاء عائدةً على القرآن فلا إشكال، وإن كانت عائدةً على الرسول -ﷺ- كما قيل فمن جملةِ حِفْظِهِ حِفْظُ مَنْ أُنْزِل عليه إذ فيه من الغيوب مايُجَدِّد براهينها نبوته في كل أوانٍ.
_________________
(١) الإمام شيخ الإسلام أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق، محدث البصرة الحافظ صاحب التصانيف، وشيخ مالكية العراق وعالمهم، أخذ علم الحديث عن علي المديني، استوطن بغداد وولي قضاءها، له كتاب معاني القرآن، وكتاب القراءات. توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين. (تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٢٥)
(٢) الآية ٤٤ من سورة المائدة.
(٣) الآية ٩ من سورة الحجر.
[ ١ / ٢٠٣ ]
منها قوله: سبحانه ﴿وعَدَ اللهُ الذِّينَ ءاَمَنُوا مِنْكُم﴾ (^١) إلى آخر الآية، وقوله: ﴿قُلْ لِلمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ (^٢) إلى نظائر ذلك من الآي ذات الحجج الداعية في أيدي هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكم من معاندٍ له لم يزده عناده إلاخسارًا، ومَنْ شرح الله صدره، وصحَّ تأملُهُ عَلِم مقدار ماتيسر له الصحابة ﵃ من جمع القرآن حتى انقطع عن التعرض له كل ذلك بجميل وعده، وكريم ضمانه، حيث قال سبحانه: ﴿لايَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (^٣).
وإن أردت بالقرآن القراءة فعذوبتها أنهم نقلوها غير مختلطة بشيءٍ من الرأي، بل قراءة هؤلاء الأئمة كلها مستندة إلى قول رسول الله -ﷺ-: «إنَّ هذا القرآن أُنْزِل علاسبعة أحرفٍ فاقرؤوا ماتيسَّر منه» (^٤)، وإنكار عمر -﵁- على هشام بن حكيم، وهو قرشي فصيح مثله يدل على أنَّ القراءة ماكانت مردودةً إلى الاختيار كما زعم جهلة النحويين، ومن لم يطلع على الأخبار، ولقد أحسن القائل:
دينُ النبي محمدٍ أنوار … نعم المطية للفتى الآثارُ
لاترغبنَّ عن الحديث وأهله … فالرأي ليلٌ والحديثُ نهارُ
_________________
(١) الآية ٥٥ من سورة النور.
(٢) الآية ١٦ من سورة الفتح.
(٣) الآية ٤٢ من سورة فصلت.
(٤) صحيح البخاري باب أنزل القرآن على سبعة أحرف ٢/ ٢٢٦.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ولكن كما قال سفيان بن عيينة (^١) وغيره: الحديث مَضلَّةٌ إلا للعلماء وروي إلا للفقهاء.
وقد كان مالكٌ ﵀ يقول: قراءة نافع هي السنة؛ وحمل الشافعي ﵀ القراءة عن ابن كثير، وقرأ سفيان الثوري (^٢) ﵀ على حمزة، وقرأ جماعةٌ من العلماء الأئمة على أبي عمرو بن العلاء، كجرير بن حارثة (^٣)، وأصحابه، وسأذكر بعد هذا إن شاء الله طرفًا من مناقبهم، وإنما الغرض هاهنا ذكر اعتمادهم في قراءتهم على النقل، وإنهم لم يجاوزوه إلى غيره، وإن كان له وجه في العربية إذا لم يكن له آثار مروية، وكيف تجوز القراءة بذلك، وقد أنكر عمر -﵁- قراءة من قرأ ﴿عَتَّى حِين﴾ (^٤)، وقال للقارئ: من أقرأك ﴿عَتَّى﴾، قال: أقرأني بن مسعودٍ، فكتب إليه:
_________________
(١) الحافظ شيخ الإسلام، ومحدث الحرم، سمع من عمر وبن دينار، والزهري، حدث عنه الأعمش وغيره، كان إمامًا، حجةً، حافظًا، واسع العلم كبير القدر. توفي سنة ثمانٍ وتسعين ومائة. (تذكرة الحفاظ ١/ ٢٦٢)
(٢) شيخ الإسلام، وسيد الحفاظ، أبو عبد الله سفيان الثوري، قال عنه الأوزاعي: لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا والصحة إلا سفيان. توفي سنة إحدى وستين ومائة. (تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٥)
(٣) جرير بن حازم بن زيد، أبو النضر الجهمي، الإمام، الحافظ، محدث البصرة، قرأ على ابن العلاء. توفي سنة سبعين ومائة. (تذكرة الحفاظ ١/ ١٩٨)
(٤) الآية ٣٥ من سورة يوسف، وهي قراءة شاذة لا يقرأ بها أحد لانقطاع سندها وغير موجودة في كتب القراءات المتواترة كالنشر.
[ ١ / ٢٠٥ ]
أما بعد، فإنَّ الله تعالى أنزل هذا القرآن فجعله عربيًا مبينًا، وأنزله بلغة هذا الحي من قريش [فإذا أتاك كتابي هذا، فأقرئ الناس بلغة قريش] (^١)، ولاتُقْرِئْهم بلغة هذيل.
وقال حذيفة: يا معشر القرَّاء اسلكوا الطريق فلئن سلكتموه لقد سبقتم بعيدًا، وإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا.
وقال زيد بن ثابت: القراءة سنة، وقال محمد بن المنكدر (^٢): القراءة سنةٌ يأخذها الآخر عن الأول، وكذلك قال عمر بن عبد العزيز، وقرأ الشعبي (^٣) ﴿واللهِ رَبَّنَا﴾ (^٤) فقيل له: إنَّ أصحاب العربية يقولون جميعًا ﴿والله رَبِّنَا﴾ جرًَّا.
فقال: هكذا أقرأنيها علقمة بن قيس (^٥)، وقال عروة بن الزبير (^٦): إنما
_________________
(١) مابين المعقوفتين سقط من (ف).
(٢) الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الله القرشي سمع من أبي هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، قال ابن عيينة: كان من معادن الصدق. توفي سنة ثلاثين ومائة. (تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٧)
(٣) عامر بن شراحيل الكوفي، كان إمامًا حافظًا فقيهًا، متقنًا، أدرك صحابة النبي -ﷺ-، وقد سئل من أين لك هذا العلم؟. قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الجماد، وبكور كبكور الغراب. مات سنة خمسٍ ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ٧٩؛ وقراءة الشعبي بالنصب وقد قرأ بها حمزة والكسائي وسوف يأتي ذكرها في هذا الكتاب عند ذكر سورة الأنعام البيت رقم (٢).
(٤) الآية ٢٣ من سورة الأنعام.
(٥) علقمة بن قيس بن عبدالله فقيه العراق، الإمام، ولد في حياة رسول الله -ﷺ-، وسمع من عمر وعثمان ﵄، وجود القرآن على ابن مسعود، كان فقيهًا إمامًا، بارعًا طيب الصوت بالقرآن. توفي سنة اثنتين وستين. (تذكرة الحفاظ ١/ ٤٨)
(٦) عروة بن الزبير عالم المدينة، ولد في خلافة عثمان، وتفقه على خالته عائشة، وكان عالمًا بالسيرة حافظًا، يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف، ويقوم به الليل فما تركه إلا ليلة قطعت رجله. توفي سنة أربع وتسعين. (تذكرة الحفاظ ١/ ٦٢)
[ ١ / ٢٠٦ ]