يُعَدُّ عِلْمُ القراءات أصل العلوم الشرعيةكلها، فهو مركز الاختلاف بين المفسرين في تفاسيرهم، والفقهاء في مسائلهم، والنحاة في مذاهبهم.
فمثلًا قوله: ﴿فتلقى آدمُ من ربه كلماتٍ﴾ (^١) قرئت آدم بالرفع وكلمات بالنصب، وقرئت آدم بالنصب وكلمات بالرفع، فاختلف النحاة في هذه الآية، وكذلك اختلف المفسرون في تفسيرها.
فمَنْ قرأ بالرفع في (آدم) والنصب في (كلمات) فعلى أنَّ آدم فاعل، وكلمات مفعول به، ويكون المعنى أي: تاب آدم وتلقى من ربه كلماتِ التوبة، ومن قرأ (آدمَ) بالنصب، و(كلماتٌ) بالرفع فعلى أنَّ آدم مفعول به، وكلمات فاعل، ويكون المعنى أي: تلقفت الكلمات آدم أي استقبلته، فصارت كأنها مكرمة له لكونها سبب العفو عنه (^٢).
وكذلك قوله: ﴿يأيها الذِين آمَنُوا إِذا قُمْتُم إلى الصَّلوةِ فاغْسِلُوا وجُوهَكُم وأيديكم إلى المرافق وامْسَحُوا برءوسِكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (^٣) قرئت (أرجلكم) بالنصب وبالجر، فمَن قرأها بالنصب يكون حكمها الغسل كالوجه، ومَن قرأها بالجر يكون عطفًا على برؤوسكم لفظًا ومعنًا، قالوا: والخفض يقتضي فرض الغسل، وكيفية الجمع بينهما أن يجعل المسح للابس الخف، والغسل لغيره.
_________________
(١) الآية (٣٧) من سورة البقرة.
(٢) انظر تفسير الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي ١/ ٣٢٦، روح المعاني للآلوسي ٢/ ١٢٢
(٣) الآية (٦) من سورة المائدة.
[ ١ / ٢٤ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿ولاتقربوهن حتى يطْهُرْن﴾ (^١) قرئت بالتخفيف إباحة إتيان النساء بمجرد انقطاع الدم، وقرئت بالتشديد ﴿يطَّهَّرْن﴾ ومعناها الإباحة بعد الغسل (^٢).
إننا نلاحظ في هذه الأمثلة اختلاف المفسرين، والفقهاء، والنحاة فيها.
كذلك قوله: ﴿والسارقُ والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كَسَبا نكالًا من الله﴾ (^٣) قرئت «أيمانهما».
استدل بها الفقهاء على أن السارق تقطع يده اليمنى (^٤).
كذلك ينال القارئ أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا حيث يكرر الآية في القرآن ويقرئها على أوجهٍ متعددة فيزداد أجره عند الله، ومن فائدته الاطلاع على سعة اللغة العربية وكثرة المترادفات فيها وهي اللغة المختارة عند رب العالمين، ثم التخفيف على هذه الأمة، والتيسير عليها في قراءة كتابها كما خفف عليها في شريعتها، وهو المصرح به في الأحاديث الصحيحة كقوله: «فاقرؤوا ماتيسر منه …» (^٥).
كذلك تحدَّى رسول الله -ﷺ- جميع الخلق قال تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم
_________________
(١) الآية (٢٢٢) من سورة البقرة.
(٢) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣/ ٨٨، روح المعاني ١/ ٢٣٧، والمغني في توجيه القراءات العشر المتواترة للدكتور محمد سالم محيسن. ٢/ ٨٠.
(٣) الآية (٣٨) من سورة المائدة
(٤) قراءة شاذة لايقرئ بها اليوم. انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/ ١٦٧
(٥) صحيح البخاري بشرح السندي ٢/ ٢٢٦
[ ١ / ٢٥ ]
لبعض ظهيرًا﴾ (^١)، فلو أتى بلغة دون لغة لقال الذين لم يأت بلغتهم: لو أتى بلغتنا لأتينا بمثله (^٢).
ثم ظهور سر الله تعالى في تهيئة الأئمة القراء العلماء وهم ينقلون كتاب الله -﷿- في غاية الإتقان، فلم يهملوا تحريكًا، ولا تسكينًا، ولا إمالة، فهم المصطفون الأخيار وصدق الله تعالى عندما قال: ﴿ثم أورثنا الكِتَب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ (^٣).
_________________
(١) الآية (٨٨) من سورة الإسراء
(٢) انظر كتاب سراج القارئ ص/ ١٨.
(٣) الآية (٣٢) من سورة فاطر.
[ ١ / ٢٦ ]