لقد كان لأبي داود مكانة علمية مرموقة، ومن أبرز السمات التي تجلت لي في شخصيته العلمية أمور كثيرة؛ منها:
١ - كثرة ثناء العلماء عليه.
٢ - توافد جمع كبير من طلاب العلم من أهل الأندلس عليه، والرحلة إليه للأخذ عنه كما هو واضح في كثرة تلاميذه (١).
٣ - نقل طائفة من العلماء كتب أبي داود وروايتها وقراءتها على مشايخهم وعنايتهم بها، بل نظم بعضا منها بعض العلماء.
٤ - وأبرز ما تتجلى مكانته في مؤلفاته التي خلّفها، لا سيما في كتابيه معاني القرآن، والتبيين ومختصره وغيرها (٢) كما سأوضّحه فيما يلي:
فكل من ترجم لأبي داود وصفه بأوصاف تدل على العلم والمكانة الرفيعة، فكان أبو داود من أجل تلامذة الداني وأشهرهم ذكرا، شيخ القراء وإمام الإقراء، لازم الداني وأخذ عنه مؤلفاته في القراءات وحرّرها وعلق عليها، بل عارضه في بعضها الآخر، واشتهر بحمل علوم الداني ورواية كتبه. ومن طريقه وصل إلينا ما وصل.
قال ابن خلدون ت ٨٠٨ هـ: «كثر الخلاف في الرسم في كلمات وحروف أخرى ذكرها أبو داود سليمان بن نجاح من موالي مجاهد العامري
_________________
(١) انظر: مبحث تلاميذه ص: ٨١.
(٢) انظر: مؤلفاته ص ١٠٣.
[ ١ / ١١٦ ]
في كتبه، وهو من تلامذة أبي عمرو الداني، والمشتهر بحمل علومه ورواية كتبه» (١).
«وقد جمع ابن عياد جزءا في أخبار أبي داود ومناقبه، حدثت به عنه» (٢).
قال ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن عبد الملك ت ٥٧٨ هـ: «وكان من جلة المقرئين وعلمائهم وفضلائهم وخيارهم، عالما بالقراءات ورواياتها وطرقها، حسن الضبط لها».
وكان دينا فاضلا ثقة فيما رواه.
وله تواليف كثيرة في معاني القرآن العظيم وغيره، وكان حسن الخط والضبط روى الناس عنه كثيرا ثم قال: «وأخبرنا عنه جماعة من شيوخنا، ووصفوه بالعلم والفضل والدين».
وقال أيضا: «روى عن أبي عمرو، وأكثر عنه، وهو أثبت الناس به» (٣).
قال الشيخ أحمد بن يحيى بن عميرة (ت ٥٩٩ هـ): «له تواليف كثيرة تدل على سعة علمه، ومعرفته بالإقراء» ثم قال: «روى عنه جماعة من الأعلام فيهم كثرة، ولم يزل يقرئ كتاب الله ﷿، وحديث رسول الله ﷺ إلى أن توفي وكانت جنازته مشهودة» (٤).
_________________
(١) انظر: مقدمة ابن خلدون ١/ ٣٦٦.
(٢) انظر: المعجم في أصحاب القاضي ٣٠٢.
(٣) كتاب الصلة ابن بشكوال ج ١ ص ٢٠٣.
(٤) بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس للضبي ٣٠٣، ٣٠٤.
[ ١ / ١١٧ ]
ومن فضائله وغرر مناقبه ما ذكره ابن عياد، فقال: «سمعت شيخنا أبا الحسن بن هذيل يقول: كان أبو داود من أهل العلم والعمل مجاب الدعوة، وسمعته يقول: ما رأيت أفضل منه، وسمعته يقول: كان أبو داود يكتب من ليلته عشرين ورقة كبارا ثم يقوم حزبه (١) من الليل» (٢).
قال حسين بن علي الرجراجي ٨٩٩ هـ: «وأما حاله، فهو رجل عالم بعلوم القرآن، وغيره، وله تواليف كثيرة في القرآن وغيره، وأخذ عنه العلم ناس كثير، وعدد عظيم» (٣).
وقال: «وكان رجلا فاضلا صالحا مجاب الدعوة، وكان ﵁ يكتب في كل ليلة عشرين ورقة كبارا، ثم يقوم إلى حزبه من الليل، وكان حسن الخط جيد الضبط، وهو مشهور بالفضل والصلاح والعلم» (٤).
ونوه ابن عاشر بمكانة أبي داود في فن هجاء المصاحف، فقال: «لولا مكانة أبي داود في هذا الفن لكان كلامه محل نظر» (٥).
قال ابن عياد: «ولقي أبو داود ﵀ ببلنسية ودانية وشاطبة وغيرها من بلاد الشرق جماعة من العلماء وجلة الفقهاء» (٦).
_________________
(١) الحزب هو جزء من الأجزاء الستين من القرآن الكريم عند أهل المغرب، ويساوى نصف جزء عند أهل المشرق.
(٢) التبيان لابن آجطا ورقة ٣٥، تنبيه العطشان ورقة ٢٧.
(٣) انظر: تنبيه العطشان ورقة ٢٧.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) انظر: فتح المنان ورقة ٥٨.
(٦) انظر: التبيان ورقة ٦٩.
[ ١ / ١١٨ ]
ومن غرر مناقبه ما قاله ابن عياد: فقال: «أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسن، قال: كنا يوما بدانية مع أبي داود بداره قال: فدق عليه الباب رجل، فأمر بدخوله عليه، فإذا هو رجل أسود طويل من مشاوري الأمير يوسف بن تاشفين قال: فسلّم عليه، وقال: أشخصني إليك أمير المسلمين يوسف، لتدعو له، وليس لي في الأندلس حاجة سوى هذه، قال: فبكى الشيخ ﵀ حتى أخضل لحيته، ثم دعا له، وودّعه وانصرف القهقرى راجعا إلى الأمير».
قال: «وهذه القصة من غرر مناقب الشيخ» (١).
ووصفه الحافظ الذهبي بقوله: «الشيخ الإمام العلامة شيخ القراء ذو الفنون». وذكر ما ذكره ابن بشكوال، ثم قال: «وكان من بحور العلم، ومن أئمة الأندلس في عصره» (٢) ووصفه في موضع آخر، فقال:
«شيخ الإقراء، مسند القراء، وعمدة أهل الأداء» (٣).
وقال: «قرأت بالروايات من طريقه عن أبي عمرو الداني».
وقال: «وأكثر عنه وتخرّج به وهو أنبل أصحابه وأثبتهم (٤).
وصفه ابن الجزري بقوله: «شيخ القراء وإمام الإقراء» (٥).
_________________
(١) انظر: التبيان ورقة ٣٥.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٩/ ١٦٨ رقم ٩٢.
(٣) معرفة القراء ٢/ ٤٥٠.
(٤) سير أعلام النبلاء ١٩/ ١٦٨.
(٥) غاية النهاية ١/ ٣١٦.
[ ١ / ١١٩ ]
ونعته الإمام المقرئ أبو عبد الله محمد بن موسى القيسي بقوله: «قال نجل نجاح الحبر الإمام العدل» (١).
وكان علماء الرسم وهجاء المصاحف يعدّون أبا داود حجة في الرسم لأنه تأمل واطلع على المصاحف العتق القديمة، وكانوا يردّون المصاحف التي لم يطلع عليها الشيخان أبو عمرو وأبو داود.
قال حسين الرجراجي ٨٩٩ هـ: «إذ لا حجة بالمصاحف الموجودة بين أيدينا اليوم، وإنما الحجة بالمصاحف القديمة، التي كتبها الصحابة، ﵃، وهي التي اطلع عليها أبو عمرو الداني، وأبو داود، وغيرهما من الشيوخ المقتدى بهم في هذا الشأن» (٢).
فهو يرى أن أبا داود حجة في هجاء المصاحف.
وقال الشيخ المقرئ محمد بن سعيد بن عمارة البينوني: «وابن نجاح شيخ هذا الشأن» (٣) يقصد به هجاء المصاحف ونقطها وشكلها.
ومما يدل على اهتمامه بعلم الحديث أنه قرأ على أبي الوليد الباجي وأبي عمر يوسف بن عبد البر وأبي العباس العذري وأبي عمرو الداني، وناهيك بهم علما وفضلا في علم الحديث (٤).
ثم إنه ﵁ قد كتب بخط يده الجامع الصحيح للبخاري في عشرة أسفار، وكتب بخط يده صحيح مسلم في ستة أسفار، وقرأهما
_________________
(١) انظر: الميمونة الفريدة ورقة ٧.
(٢) انظر: تنبيه العطشان ورقة ١٤٦.
(٣) نظم في الرسم لابن عمارة البينوني ورقة ١٠.
(٤) انظر: مبحث شيوخه ٨٦.
[ ١ / ١٢٠ ]
على الباجي والعذري، واحتفل في تقييدهما حتى صار كل واحد منهما أصلا يقتدى به.
قال أحمد بن عميرة الضبي: «محدث فاضل زاهد» وقال: «رحلت إلى بلنسية في عام ستة وتسعين وقابلت بهما كتابي، وانتفعت بهما».
وحتى إن بعض شيوخ أبي داود الذين روى عنهم قابل أصليه بأصول أبي داود.
قال الضبي: «وأخبرت أن أبا علي بن سكرة الحافظ ت ٥١٤ هـ قابل أصليه بالكتابين المذكورين وناهيك بهما صحة وتقييدا وضبطا».
ثم قال: «محدث فاضل زاهد، كان إمام وقته في الإقراء رواية ومعرفة مجاب الدعوة» (١).
فكان أبو داود يجمع بين القراءات والحديث، وتتلمذ عليه عدد كبير من الطلاب البلنسيين، إضافة إلى الأندلسيين، وروى عنه جماعة من الأعلام، ولم يزل يقرئ كتاب الله ﷿ وحديث رسول الله ﷺ إلى أن توفي ﵀، فجمع الله له بين التأليف والإقراء والتدريس.
أما كونه مقرئا، فلا يحتاج الأمر إلى بيان، فهذا الجانب أحد أبرز الجوانب التي تفوق فيها.
ومما يدل على إمامته في علوم القرآن والتفسير أنه صنف كتابين كبيرين: «البيان في علوم القرآن» في ثلاثمائة جزء، وكتابه «التبيين» وما
_________________
(١) انظر: بغية الملتمس ٣٠٤، ٣٠٣.
[ ١ / ١٢١ ]
تضمنه هذان الكتابان من مواضيع في علوم القرآن كالتفسير والبيان والقراءات والأصول والناسخ والمنسوخ والرد على الملحدين والوقف والابتداء، والتوجيه والتعليل والحجج.
وكان سريع البديهة في النظم فيعلم ذلك من كتابه الاعتماد، وهو أرجوزة عارض بها شيخه كما يعلم ذلك مما ذكره في سورة الأنعام (١) في التنزيل حيث كان ينظم بعض الآيات المتشابهات، وكذا في كتابه المنظوم وقد ذكرته في مؤلفاته (٢)، بل حتى وهو على فراش الموت أنشد أبياتا يرجو الله فيها العفو والغفران (٣).
أما كونه فقيها فيظهر ذلك جليا في كتابه التنزيل في سورة الفاتحة حيث لاحظت عليه النزوع إلى مذهب الإمام مالك.
ومما يلاحظ على المؤلف أبي داود نزوعه الشديد إلى مذهب المالكية، ولقد تأثر بهذا المذهب تأثرا كبيرا. ولقد سرى له هذا التأثر من كثرة ملازمته لشيوخه كأبي عمر بن عبد البر، وأبي عمرو الداني، وأبي الوليد الباجي، وأبي العباس العذري، وغيرهم. ولأن المذهب المالكي ساد في الأندلس في عصر المؤلف.
ويتجلى نزوعه إلى المذهب المالكي في كلامه على البسملة في أول فاتحة الكتاب في مقدمة «مختصر التبيين (٤)»، فذهب يجمع الأدلة ليرجح
_________________
(١) عند قوله: حكيم عليم في الآية ١٢٩، وفي قوله: ما لا ينفعنا ولا يضرّنا في الآية ٧١.
(٢) انظر: مبحث مؤلفاته ص ١١١.
(٣) انظر: مبحث مولده ووفاته ص ٧٠.
(٤) انظر: مقدمة سورة الفاتحة.
[ ١ / ١٢٢ ]
أن بسم الله الرّحمن الرّحيم ليست آية من فاتحة الكتاب.
وقد لاحظت في كتب التراجم والتاريخ لأهل الأندلس أن المترجم إذا ذكر علما عاش في عصر أبي داود، ولم يجلس إليه، ولم يرو عنه يصفه بقوله: «ولا رواية له عن أبي داود» (١).
وكأني به يشير من طرف خفي إلى نقص أو تقصير حصل منه، كما أن المترجم يمدح ويثني على الإسناد الذي أحد رجاله أبو داود، فيقول:
«وهذا في نهاية العلو، وجلالة الرجال» (٢).
وأثنى ابن الجزري على الإسناد الذي أحد رجاله أبو داود، وشهد له بالعلم والإمامة والضبط، فقال: «وهذا أعلى إسناد يوجد اليوم متصلا، واختص هذا الإسناد بتسلسل التلاوة والقراءة والسماع، ومنّي إلى المؤلف كلهم علماء أئمة ضابطون» (٣).
وإذا بلغ الرجل درجة من العلم يكنى: «بأبي داود الصغير» (٤)، وما ذلك إلا لإكبارهم وتعظيمهم لأبي داود سليمان بن نجاح، وكان طلاب العلم يرحلون إليه ويأخذون عنه.
قال ابن آجطا عن ابن عياد: «وكانت الرحلة إليه في زمانه لفضله وعلو روايته ومعرفته» (٥). والله أعلم.
_________________
(١) انظر: التكملة ١/ ١٥٠.
(٢) انظر: برنامج الوادي آشي ١٨٣.
(٣) انظر: النشر ١/ ٦٠.
(٤) انظر: غاية النهاية ١/ ٣١٧، معرفة القراء ١/ ٥٠٨.
(٥) انظر: التبيان ورقة ٣٥.
[ ١ / ١٢٣ ]