قالَ اللهُ تعالى: " والَّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبيلِ اللهِ فبَشِّرْهُمْ بعذَابٍ أليمٍ ".
عن أبي هريرةَ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " ما مِن صاحبِ كنزٍ لا يُؤَدّي زكاتَهُ، إلا أُحْمِيَ عليهِ في نارِ جهنَّمَ فَيُكْوَى بها جَنْباهُ وجَبينُهُ حتى يحكمَ اللهُ بينَ عبادِهِ، في يومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمسينَ ألفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرى سَبيلَهُ: إمّا إلى الجنّةِ، وإمّا إلى النّارِ، وذكرَ الإبلَ، والبَقرَ، والغَنَمَ، وقد تقدّمَ الحديثُ " (^١)، رواهُ مُسلمٌ، وهذا مَحمولٌ على مانِعِها المُقِرِّ بوجوبها، وإلا فَلوْ جحَدَ وجوبَها كفَرَ بالإجْماعِ، وفي هذا الحديثِ دلالةٌ ظاهِرةٌ على أنّ الكافرَ مُخاطَبٌ بفُروعِ الشريعةِ لعُمومِ قولِهِ: " ما من صاحبِ كنْزٍ "، ولقولِهِ: " ثمَّ يَرى سبيلَهُ، إمّا إلى الجنّةِ، وإمّا إلى النارِ "، يَعني - واللهُ أعلمُ - أنَّ منهم مَنْ يُذْهَبُ به بعد هذا التعذيب إلى الجنّةِ، بإيمانِهِ، ومنهم مَنْ يُذْهَبُ بهِ إلى النارِ بكُفْرِهِ.
عن بَهْزِ بنِ حَكيمِ بنِ مُعاويةَ بنِ حَيْدةَ القُشَيْريِّ عن أبيهِ عن جدِّهِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " في كلِّ سائمةِ الإبلِ، في أربعينَ بنتُ لَبونٍ، لا يُفَرّقُ إبلٌ عن حسابِها، مَنْ أعطاها مُؤْتَجِرًا، فلَهُ أجْرُها، ومَنْ منَعَها فإنّا آخذوها وشَطْرَ مالهِ، عَزْمَةً من عَزَماتِ ربِّنا، ليسَ لآلِ محمدٍ منها شيءٌ " (^٢)، رواهُ أبو داود، وأحمدُ، والنَّسائيُّ.
_________________
(١) رواه مسلم (٣/ ٧٠).
(٢) رواه أبو داود (١/ ٣٦٣) وأحمد (الفتح الرباني ٨/ ٢١٨) والنسائي (٥/ ٢٥)، لكن بلفظ: " وشطر إبله " كما في الرواية بعدها.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ولَهما: " وشَطْرَ إبلِهِ " (^٣)، والحاكمُ، وقال: صحيحُ الإسنادِ، ولم يُخرِجاهُ، وحكَى الشيخُ في المُهذَّبِ: أنَّ الشافعيَّ ذهب إلى هذا في القديمِ، واحتجَّ بهذا الحديثِ، قلتُ: ثمَّ رجعَ عنهُ في الجديدِ، ورأى العقوبةَ فيه بغيرِ أخْذِ المالِ، وقالَ: هذا الحديثُ لا يُثْبِتُهُ أهلُ العلمِ بالحديثِ، ولو ثَبتَ قُلْنا بهِ، وقالَ البخاريُّ: بَهْزُ بنُ حَكيمٍ يَختلفونَ فيهِ، قلتُ: لكنْ الأكثرونَ، يحتجّون بهِ، كأحمدَ، وإسحاقَ، وعليِّ بنِ المَديني، وابنِ مَعينٍ، وأبي داود، والنَّسائيِّ، وضَعَّفَهُ أبو حاتمٍ الرازِيُّ، وتوقَّفَ فيهِ ابنُ حِبّان لأجلِ الحديثِ.
عن عبدِ اللهِ بنِ أبي أوْفى، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ، إذا أتاهُ قومٌ بصدقتِهم، قال: " اللهُمَّ صَلِّ عليهم " فأتاهُ أبي بصدقَتِهِ، فقَال: " اللهُمَّ صلِّ على آلِ أبي أوْفى " (^٤)، أخرجاهُ.
وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: " إذا أعْطيتُمُ الزَّكاةَ فلا تَنْسَوا ثوابَها أن تقولوا: اللهُمَّ اجْعَلها مَغْنمًا، ولا تجْعَلْها مَغْرَمًا " (^٥)، رواهُ ابنُ ماجَةَ.
قالَ الشافعيُّ: وأُحِبُّ أن يقولَ: آجرَكَ اللهُ فيما أعْطَيْتَ، وجعلَهُ لك طَهورًا، وباركَ لك فيما أبْقيتَ، وما دعا لهُ أجزَأهُ إن شاءَ اللهُ.
سَيأتي حديثُ ابنِ عباسٍ في المرأةِ التي اسْتَفْتتْ رسولَ اللهِ ﷺ في نذرٍ كانَ على أُمِّها تُوفِّيَتْ قبلَ أن تقضيَهُ، أفَتقْضيها عنها؟ قالَ: نعَمْ، أرأيْتِ لو كانَ على أُمِّكِ دينٌ، أكُنْتِ قاضِيَتهُ عنها؟ قالتْ: نعَمْ، قالَ: فدينُ اللهِ أحقُّ بالوفاءِ " (^٦)، وهو في الصّحيحين، فيُستدَلُّ بهِ على أنّهُ إذا اجْتمعَ الدينُ والزّكاةُ، أنّها تُقَدِّمُ عليه لقولِهِ: " فدينُ اللهِ أحقُّ "،
_________________
(١) رواه أحمد (الفتح الرباني ٨/ ٢١٨) والنسائي (٥/ ١٥) والحاكم (١/ ٣٩٨).
(٢) رواه البخاري (٩/ ٩٥) ومسلم (٣/ ١٢١).
(٣) رواه ابن ماجة (١٧٩٧) وفي الزوائد: في إسناده الوليد بن مسلم الدمشقي وكان قديسًا والنجتري متفق على ضعفه وله شاهد من حديث: إذا أتاه الرجل بصدقة ماله صلى عليه، وبلفظ (أجعلها) مرتين.
(٤) سيأتي.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وهو أصحُّ الأقوالِ.
عن أبي هريرةَ، قالَ: " بَعثَ رسولُ اللهِ ﷺ عمرَ على الصَّدقةِ، فقيلَ: منَعَ ابنُ جَميلٍ، وخالدُ بنُ الوَليد، والعبّاس عم رسولِ اللهِ ﷺ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: ما يَنْقِمُ ابنُ جَميلٍ إلا أن كانَ فقيرًا فأغْناهُ اللهُ، وأمّا خالدٌ، فإنّكُم تَظلمونَ خالدًا وقد احتبسَ أدْراعَهُ وأعْتادَهُ في سبيلِ اللهِ، وأمّا العباسُ فهي عليَّ ومثْلُها معَها، ثمّ قالَ: يا عمرُ أمَا شَعرتَ أنَّ عمَّ الرّجُلِ صِنْو أبيهِ " (^٧)، أخرَجاهُ.
فقيلَ معنى قوْلِهِ: " فَهي عليَّ ومِثْلُها " أنّهُ ﵇ كان اسْتَسلفَ زكاةَ العبّاسِ، ويَعضِدُهُ ما رَوى حُجَيَّةُ بنُ عدِيٍّ عن عليٍّ: " أنَّ العبّاسَ سألَ رسولَ اللهِ ﷺ في تعجيلِ صدَقتِهِ فرخَّصَ لهُ في ذلك " (^٨)، رواه أحمد، وأبو داود، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ من حديثِ حَجّاجِ بنِ دينارٍ الأشْجَعيِّ وهو ثقةٌ عند الجمهورِ، وقالَ أبو حاتمٍ: لا يُحتجُّ بهِ عن الحَكمِ بنِ عُتَيْبةَ عن حجَيَّةَ، قالَ أبو داود: ورَواهُ هُشَيْمٌ عن مَنصورِ بنِ زَاذانَ عن الحَكمِ عن الحسَنِ بنِ مسلمٍ يَعني مُرْسَلًا، وهو أصحُّ، وكذا قالَ الدارَقُطنيُّ، وقالَ أبو حاتمٍ: حُجَيَّةُ بنُ عَدِيٍّ لا يُحتجُّ بهِ، وهو شبْهُ المجهولِ، وقال عليُّ بنُ المَديني: ما علمتُ أحدًا رَوى عنهُ غيرَ سَلَمَةَ يعني ابنَ كُهَيْلٍ، قلتُ: بلْ قد رَوى عنهُ أيضًا الحَكمُ بنُ عُتَيْبةَ كما تقدَّمَ، وأبو إسْحاقَ السَّبيعيّ، وهؤلاء ثلاثةٌ كِبارٌ، فكيفَ يكونُ شِبْهَ المجهولِ، على أنَّ الترمِذِيَّ رواهُ من وجهٍ آخرَ عن إسْرائيلَ عن الحكَمِ بنِ جَحْلٍ عن حُجْرٍ العَدَوِيِّ عن عليٍّ مرفوعًا: فذكَرَهُ.
ورَواهُ الدارَقُطنيُّ من حديثِ طَلْحةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، وابنِ عباسٍ، ولا يَصحّان.
ولهذا قالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ: ويُرْوَى أنَّ النبيَّ ﷺ استَلفَ صدَقةَ مالِ
_________________
(١) رواه البخاري (٩/ ٤٦) ومسلم (٣/ ٦٨) وفي رواية للبخاري: بلفظ " فهي عليه ومثلها معها ".
(٢) رواه أحمد (الفتح الرباني ٩/ ٢٩) وأبو داود (١/ ٣٧٦) والترمذي (٢/ ٩٣) وابن ماجة (١٧٩٥) والترمذي أيضًا (٢/ ٩٤) ورواية الترمذي الأخرى يجب أن تكون عن إسرائيل عن الحجاج بن دينار عن الحكم بن جَحْل هكذا هي في الترمذي (٣/ ٦٣).
[ ١ / ٢٦٧ ]
العباسِ قبلَ أن تحِلَّ، ولا أدري أيثبُتُ أمْ لا؟
عن أنَسٍ: " أنَّ رجلًا قالَ لرسولِ اللهِ ﷺ، إذا أدَّيتُ الزّكاةَ إلى رسولِكَ، فقد بَرِئْتُ منها إلى اللهِ ورسولِهِ؟ قالَ: نعَمْ، إذا أدَّيْتَها إلى رسولي، فقد بَرِئْتَ إلى اللهِ ورسولِهِ، فلكَ أجْرُها وإثْمُها على مَنْ بدَّلَها " (^٩)، رواهُ الإمامُ أحمدُ.
وعن سُهَيْلِ بنِ أبي صالح عن أبيهِ، قالَ: اجتَمع عندي نفَقةٌ فيها صدَقةٌ، فسألتُ سعد بنَ أبي وقّاصٍ، وابنَ عمرَ، وأبا هريرة، وأبا سَعيد الخُدْرِي أن أقْسِمَها، أو أدفعَها إلى السُّلْطانِ؟ فأمروني جميعًا أن أدفعَها إليهم، ما اختلَفَ عليَّ منهُم أحَدٌ، وفي روايةٍ: فقلتُ: " هذا السلطان يَصنعُ ما تَروْنَ، فأدفعُ إليهم زَكاتي؟ قالوا كلّهم: نَعَمْ، فادفَعْها " (^١٠)، رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ.
ورُويَ عن عائشة: " أنّها كانت تُؤدّي زكاتَها إلى السُّلْطانِ " (^١١).
عن ابنِ عباسٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لمعاذٍ حينَ بعثَهُ إلى اليَمنِ: " أخبرْهم أنَّ اللهَ افْترَضَ عليهم صدَقةً تُؤْخَذُ من أغنيائِهم فتُرَدّ على فُقرائِهم. . الحديث (^١٢)، أخرجاهُ، يُسْتدَلُّ بهِ على الصحيحِ من القولينِ أنّهُ لا يجوزُ نقلُ الزّكاةِ من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وأنّها لا تُجزيء.
وقالَ الشافعيُّ: رُويَ أنَّ طاووسًا قالَ: " إنَّ معاذًا قالَ لبعضِ أهلِ اليَمنِ: ائْتوني بعَرْضِ ثيابٍ آخذها منكُمْ مكانَ الشَّعيرِ والحنْطةِ، فإنّهُ أهْوَنُ عَليكُم، وخيرٌ للمهاجرين بالمَدينةِ "، وأنكرَهُ أشدَّ الإنكارِ، وتأوّلَهُ على أنّهُ كانَ يأخذُ بدلَ الجزْيةِ حِنْطةً أو شَعيرًا، ثمَّ يأخذُ بدلَهُ ثيابًا أخفَّ عليهِ في الحمْلِ، وكذا تأوَّلَ ما رُويَ أنّ عَديَّ بنَ حاتمٍ بَعث صدَقاتِ قومهِ إلى الصّدّيق بالمدينةِ، على أنها كانتْ أقربَ البلادِ إليهم، قالَ: ولمْ يَبْلُغْنا عن الصّدّيقِ في ذلك شيءٌ.
_________________
(١) رواه أحمد (الفتح الرباني ٩/ ٣٦).
(٢) البيهقي (٣/ ١١٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٥٦).
(٣) عن عائشة في أداء زكاتها إلى السلطان رواه ابن أبي شيبة (٣/ ١٥٧).
(٤) رواه البخاري (٨/ ٢٣٤) ومسلم (١/ ٢٩).
[ ١ / ٢٦٨ ]
قالَ ﵇: " الأعمالُ بالنِّيّياتِ ".
عن أنسٍ، قالَ: " غدَوْتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بعبدِ اللهِ بنِ أبي طَلْحَةَ لَيُحَنّكَهُ، فوافَيْتُهُ في يدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبلَ الصّدَقةِ " (^١٣)، أخرجاهُ.
ولأحمدَ، وابنِ ماجَةَ عنهُ: " دخَلتُ على النبيِّ ﷺ وهو يَسِمُ غَنمًا في آذانِها " (^١٤).
وقالَ الشافعيُّ: أخبرَنا مالكٌ عن زيْد بنِ أسلَمَ عن أبيهِ: " أَنَّهُ قالَ لعمرَ بنِ الخطابِ: إنَّ في الظهْرِ ناقَةً عمياءَ، فقال: أمن نَعمِ الجزيةِ، أمْ مِن نَعمِ الصَّدَقةِ؟ فقالَ أسْلمُ: من نعَمِ الجزيةِ، وقالَ: إنَّ علَيْها مِيسَمَ الجزيةِ " (^١٥).
قالَ الشافعيُّ: وهذا يدُلُّ على أنَّ عمرَ كانَ يَسِمُ وَسْمينِ: وسْمَ جزيةٍ، ووسْمَ صَدَقةٍ وبهذا نقولُ.
قالَ اللهُ تعالى: " إنّما الصَّدقَاتُ للفُقَراءِ والمَساكينِ والعاملينَ عليها والمُؤلَّفةِ قُلوبُهُم وفي الرِّقابِ والغارِمين وفي سبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ فريضَةً مِن اللهِ واللهُ عليمٌ حكيمٌ ".
عن زِيادِ بنِ الحارثِ الصُّدائيِّ، قالَ: " أتيْتُ النبيَّ ﷺ فبايَعْتُهُ، فأتاهُ رجُلٌ، فقالَ: أعْطِني من الصّدقةِ، فقال له: إنَّ اللهَ لَمْ يَرضَ بحُكمِ نبيٍّ ولا غيرهِ في الصَّدقاتِ حتى حَكَمَ فيها، فجزَّأها ثمانية أصنافٍ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطَيتُكَ " (^١٦)، رواهُ أبو داود، وهو حديثٌ لهُ مُناسبةٌ بالآيةِ، وإن كانَ فيهِ ضعفٌ من جهةِ عبدِ الرحمنِ بنِ زِيادِ بنِ أنْعُمَ الإفْريقيِّ.
ولنتكلّم على كلِّ صِنْفٍ صنْفٍ كما رَتَّبهُم المُصَنِّفُ فنقولَ: أولّها: العاملُ.
عن عبدِ المُطَّلبِ بنِ رَبيعةَ بنِ الحارثِ، قالَ: " انْطَلَقْتُ أنا والفضلُ بنُ عبّاسٍ إلى
_________________
(١) رواه البخاري (٩/ ١٠٦) ومسلم (٦/ ٦٤).
(٢) رواه أحمد (المسند ٣/ ١٧١) وابن ماجة (٣٥٦٥).
(٣) رواه الشافعي (٢/ ٥١).
(٤) أبو داود (١/ ٣٧٨).
[ ١ / ٢٦٩ ]
رسولِ اللهِ ﷺ، وهو يومَئذٍ عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، فقال أحدُنا: يا رسولَ اللهِ أنت أبرُّ الناسِ، وأوصلُ الناسِ، وقد بَلَغْنا النِّكاحَ، فجئْنا لتُؤَمِّرنا على بعضِ هذهِ الصّدقاتِ، فنُؤدّيَ إليك ما يُؤدّي الناسُ، ونُصيبُ كما يُصيبونَ، فسكَتَ طويلًا حتى أردنا أن نُكلمَهُ، قالَ: وجعَلتْ زينبُ تُلمِعُ إلينا من وراءِ الحجابِ أن لا تُكلّماهُ، قالَ: ثمَّ قالَ: إنّ الصّدقة لا تحلُّ لمحمدٍ، ولا لآلِ محمدٍ، إنّما هي أوساخُ النّاسِ " (^١٧)، مختصر من مُسلم.
الثاني: " الفقراءُ ".
عن ابنِ عَمْرو، قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ: " لا تحِلُّ الصّدَقةُ لِغَنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ " (^١٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والترمِذِيُّ.
وعن أبي هريرةَ: " مِثْلُهُ " (^١٩)، رواهُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَةَ، وسيأتي.
عن قبيصَةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: " لا تحِلُّ الصّدقةُ إلا لثلاثةٍ، قالَ: ولرجُلٍ أصابتْهُ فاقَةٌ، حتى يقومَ ثلاثةٌ من ذَوي الحِجَى من قومِهِ: لقَدْ أصاتْ فُلانًا فاقةٌ. . الحديث " (^٢٠)، رواهُ مُسلمٌ، وهذا محمولٌ على مَنْ عُرِفَ بالغِنى، ثمَّ ادّعى الفقرَ، فإنّهُ لا يُقْبَلُ منهُ إلا ببَيِّنَةٍ.
الثالث: المَساكينُ: عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ليسَ المِسكينُ بهذا الطّوّافِ الذي يَطوفُ على الناسِ فتَرُدّهُ اللقْمةُ والّلقْمتان، والتمرةُ، والتمرتان، قالوا: فما المسكينُ، يا رسولَ اللهِ؟ قال: الذي يَجدُ غِنَىً يُغْنيهِ، ولا يُفْطَنُ لهُ فَيُتَصدَّقُ عليهِ، ولا يَسألُ الناسَ شيئًا " (^٢١)، أخرجاهُ.
_________________
(١) رواه مسلم (٣/ ١١٨).
(٢) رواه أحمد (الفتح الرباني ٩/ ٩١) وأبو داود (١/ ٣٧٩) والترمذي (٢/ ٨٢) قلت: بالأصل: ابن عمر، والصواب: ابن عمرو، كما أخرجه هؤلاء وغيرهم البيهقي (٧/ ١٣).
(٣) رواه أحمد (الفتح الرباني ٩/ ٩١) والنسائي (٥/ ٩٩) وابن ماجة (١٨٣٩).
(٤) رواه مسلم (٣/ ٩٧).
(٥) رواه البخاري (٩/ ٦٠) ومسلم (٣/ ٩٥).
[ ١ / ٢٧٠ ]
عن عُبيْدِ اللهِ بن عدِيٍّ بنِ الخَيارِ: " أنَّ رجلين أخبرَاه أنّهما أتيا النبيَّ ﷺ يسألانه من الصّدقَةِ، فقَلّبَ فيهما البَصرَ، فرآهما جَلْدينِ، فقالَ: إن شئْتُما أعطَيْتُكُما، ولا حظَّ فيها لِغَنيّ، ولا لقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ " (^٢٢)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والنَّسائيّ، وإسنادُهُ على شرطهما، وقالَ الإمامُ أحمدُ: هذا أجودُهما إسْنادًا، فيهِ دلالةٌ على قبولِ قولِهِ: أنّهُ لا كسْبَ لهُ، من غيرِ يَمينٍ، وإن كانَ قَوِيًّا، ويُؤَيّدُهُ حديثُ الحسَنِ بنِ عليّ بنِ أبي طالبٍ ﵄، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " للسائلِ حقٌّ، وإن جاءَ على فرَسٍ " (^٢٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وإن كانَ إسنادُهُ ليسَ بذاكَ.
الرابعُ: المُؤَلَّفَةُ: عن أبي سعيد: " أنَّ عليًّا بعَثَ إلى النبيِّ ﷺ بذُهَيْبة في تربتها من اليَمنِ، فقَسمَها رسولُ اللهِ ﷺ بينَ أربعةِ نفَرٍ: الأقْرَع بنِ حابسٍ، وعُيَيْنةَ بنِ بَدْرٍ، وعلْقَمةَ بن عُلانةَ، وزيدِ الخيْرِ، وقال: أتألَّفهُم. . الحديث " (^٢٤)، أخرجاهُ، فإن كان هذا الذّهبُ من زكاةٍ، ففيه دلالةٌ على جواز نقلِ الزّكاة وإجزائِها، وهو أحدُ القَولينِ، وعلى أنّهُ يجوزُ للإمامِ صَرْفُ زكاةٍ مُعَيَّنةٍ إلى بعض الأصناف، هذا إن لمْ يكنْ كانَ معَ الذّهبِ شيءٌ آخرُ من مالِ الزّكاةِ، وكثيرٌ من المُصَنِّفينَ في الأحكام يَذكُرُ في فَصلِ المؤَلَّفةِ حديثَ رافعِ بنِ حَديجٍ " (^٢٥)، وعبدِ الله بنِ زَيْدٍ المازني (^٢٦): أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أعطى المُؤَلَّفةَ قلوبُهم يومَ حُنَيْنٍ مائةً من الإبلِ، مائةً من الإبلِ، وكلا الحديثين عندَ مسلم، وهذا عجَبٌ منْهم فإنَّ الإبلَ التي أعطاهمْ منها هيَ من غَنائِمِ حُنَيْنٍ، لَيْستْ من أموالِ الزّكاةِ، فكيفَ يُستَدَلُّ بهِ على إعطاءِ المُؤَلَّفَةِ من الزَّكاةِ، وأقْرَبُ من ذلكَ حديثُ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ: " أنَّ النبيَّ ﷺ وَدَى عبدَاللهِ بنَ سَهْلٍ بمائةٍ من إبلِ الصّدَقَةِ " (^٢٧)، أخرجاهُ.
_________________
(١) رواه أحمد (الفتح ٩/ ٩٣) وأبو داود (١/ ٣٧٩) والنسائي (٥/ ٩٩).
(٢) رواه أحمد (الفتح الرباني ٩/ ١٢٢)، وأبو داود (١/ ٣٨٧).
(٣) رواه البخاري (١٥/ ٢٢٨) ومسلم (٣/ ١١٠)، بالأصل هكذا: " ذهيبة " بالتصغير، وفي رواية عند مسلم " بذهبة " غير مصغرة، والله تعالى أعلم.
(٤) رواه مسلم (٣/ ١٠٨).
(٥) رواه مسلم (٣/ ١٠٩).
(٦) رواه البخاري (٢٤/ ٥٨) ومسلم (٥/ ١٠٠).
[ ١ / ٢٧١ ]
والذي يظهرُ أنّهُ ﵇ تألّفَ قلوبَهم لمّا أُصيبوا بقتيلهِم، وقولُ من تأوَّلَ ذلكَ، بأنَّهُ اشتراها من إبلِ الصَّدقةِ فيهِ بُعْدٌ.
الخامسُ: الرِّقابُ: عن أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " ثلاثةٌ حقٌّ على الله عوْنُهم: الغازي في سبيلِ اللهِ، والمُكاتَبُ الذي يُريدُ الأداءَ، والناكِحُ المُتَعَفِّفُ " (^٢٨)، رواهُ أحمدُ، والترمِذِيُّ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَةَ.
وعن البَراءِ، قالَ: " جاءَ رجلٌ إلى النّبيِّ ﷺ، فقالَ: دُلَّني على عَملٍ يُقرِّبُني من الجنّةِ، ويُباعدُني من النّارِ، فقالَ: أعْتِق النَّسَمةَ، وفُكَّ الرَّقَبَةَ، فقالَ: يا رسولَ الله: أوَلَيْستا واحدًا؟ قالَ: لا، عِتْقُ الرَّقَبَةِ، أن تَنْفرِدَ بعتْقِها، وفَكُّ الرَّقَبةِ، أن تُعينَ في عِتْقِها " (^٢٩)، رواهُ أحمدُ.
السادسُ: الغارمونَ: عن قَبيصَةَ بنِ مُخارقٍ الهِلاليّ، قالَ: " تحمَّلْتُ حَمالةً، فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ أسألهُ فيها، فقالَ: أقِمْ حتى تأتيَنا الصّدقةُ فنأْمرَ لكَ بها، قالَ: ثمَّ قال: يا قَبيصةُ إنّ المسألةَ لا تحِلُّ إلا لأحدِ ثَلاثةٍ: رجلٍ تحمَّلَ حَمالةً فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتى يُصيبَها ثمّ يُمسكَ، ورجلٍ أصابتْهُ جائحةٌ اجتاحَتْ مالَهُ، فحلّتْ لهُ المسألةُ حتى يُصيبَ قِوامًا من عيشٍ أو قالَ: سِدادًا من عيشٍ، ورجلٍ أصابتْهُ فاقَةٌ حتى يقومَ ثلاثة من ذوي الحِجى من قومِهِ: لقد أصابَتْ فُلانًا فاقَةٌ، فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتى يُصيبَ قِوامًا من عيشٍ، أو قالَ: سِدادًا من عيشٍ، فما سِواهُنَّ من المسألةِ يا قَبيصةُ سُحْتٌ يأكلْها صاحبُها سُحْتًا " (^٣٠)، رواهُ مُسلم.
عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ عن أبي سَعيدٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " لا تَحِلُّ الصّدقةُ لغَنيٍّ إلاّ لَخَمْسةٍ: العاملِ علَيْها، أو رجلٍ اشْتراها بمالِهِ، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيلِ
_________________
(١) رواه أحمد (الفتح الرباني ٩/ ٦٤) والترمذي (٣/ ١٠٣) والنسائي (٦/ ٦١) وابن ماجة (٢٥١٨).
(٢) رواه أحمد (٩/ ٦٤).
(٣) رواه مسلم (٣/ ٩٧)، بالأصل: " حتى يقوم ثلاثة " وكذا هي عند مسلم، وفي رواية بدلها: " حتى يتكلم "، وفي أخرى " حتى يقول ثلاثة "، والله أعلم، ذكرها البيهقي.
[ ١ / ٢٧٢ ]
اللهِ، أو مسكينٍ تُصُدِّقَ عليهِ منها، فأهدى لغنيٍّ " (^٣١)، رواهُ أبو داود، وابنُ ماجَةَ من حديث مَعْمَرٍ عن زيدِ بنِ أسْلَمَ عن عطاءٍ كذلكَ، ثمَّ رواهُ أبو داود عن القَعْنَبيِّ عن مالكٍ عن زيدٍ عن عطاءٍ مُرْسَلًا، قلتُ: وكذا رواهُ السُّفيانان عن زيدٍ مُرْسَلًا.
فهذا دَليلُ ظاهرِ المَذهبِ أنَّ مَنْ غَرِمَ لإصلاحِ ذاتِ البينِ يُدفَعُ إليهِ معَ الغِنى، فأمّا مَنْ غَرِمَ لمصلحةِ نفسِهِ:
فَعن أبي سعيدٍ، قالَ: " أُصيبَ رجلٌ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ في ثمارٍ ابتاعَها، فكثُرَ دينُهُ، فقالَ النبيُّ ﷺ: تصدّقوا عليهِ، فتصَدَّقَ الناسُ عليهِ، فلمْ يبلغْ ذلكَ وفاءَ دينهِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ لغُرمائِهِ: خُذوا ما وجدْتُمْ، وليسَ لكم إلا ذلكَ " (^٣٢)، رواهُ مُسلم، هكذا يَذكرُهُ المُصَنِّفون، وهذهِ واقعةُ عينٍ، ولعلَّ هذه الصّدقةَ صَدَقةُ تَطَوّعٍ.
السابعُ والثامنُ: في سبيلِ الله، وابن السَّبيلِ:
تقدّمَ في حديثِ أبي سَعيدٍ آنِفًا: " لا تَحِلُّ الصّدقةُ لغنيٍّ إلا لخمْسةٍ: فذكَرَ فيهم: " أو غازٍ في سبيلِ اللهِ ".
وعن عَطيَّةَ العَوْفي عن أبي سَعيدٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " لا تحِلُّ الصّدقةُ لغنيٍّ إلاّ في سَبيلِ اللهِ، وابنِ السَّبيلِ، أو جارٍ فَقيرٍ فيَهدي لكَ أو يَدعوكَ " (^٣٣)، رواهُ أبو داود، وعَطيَّةُ فيهِ ضَعفٌ، إلا أنّهُ كالشاهدِ لحديث عَطاءٍ عن أبي سَعيد في رفْعِه.
عن سَلْمانَ بن عامرٍ عن النبيِّ ﷺ، قالَ: " الصَّدقةُ على المِسْكينِ صدَقَةٌ، وعلى ذي الرَّحمِ اثْنَتانِ: صَدَقةٌ وصِلةٌ " (^٣٤)، رواهُ أحمدُ، والترمِذِيُّ، والنَّسائيُّ، وقالَ البَيهقيُّ: رُوِّينا عن عليٍّ: أنّهُ قالَ: " ليسَ لوَلدٍ، ولا لوالِدٍ حقٌّ في صدَقةٍ مَفروضةٍ " (^٣٥).
_________________
(١) رواه أبو داود (١/ ٣٨٠) وابن ماجة (١٨٤١).
(٢) رواه مسلم (٥/ ٣٠).
(٣) رواه أبو داود (١/ ٣٨٠).
(٤) رواه أحمد (٩/ ١٩٢) والترمذي (٢/ ٨٤) والنسائي (٥/ ٩٢).
(٥) رواه البيهقي (٧/ ٢٨).
[ ١ / ٢٧٣ ]
تقدّمَ قولُهُ ﵇ لمعاذٍ: " فإنْ هم أطاعوكَ فأعْلِمهم أنّ اللهَ افترَضَ عليهم صدقةً تُؤْخَذُ من أغنيائِهم فتُرَدُّ على فقرائِهم "، يُستَدلُّ بهِ على أنَّ الكافِر لا يجوز صَرفُ الصّدقةِ إليْهِ.
تقدَّمَ قولُهُ أيضًا: " إنّ الصَّدقةَ لا تَحِلُّ لمحمدٍ، ولا لآلِ محمدٍ ".
وعن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، قالَ: " مَشيتُ أنا وعثمانُ إلى النبيِّ ﷺ، فقُلنا: يا رسولَ اللهِ: أعطيتَ بَني المُطَّلبِ مِن خُمْسِ خَيْبَرَ وترَكتنا، ونحنُ وهمْ منكَ بمَنْزلةٍ واحدةٍ؟ فقالَ: إنّما بَنو هاشمٍ وبنو المُطّلبِ شيءٌ واحدٌ " (^٣٦)، رواهُ مُسلمٌ.
عن أبي رافعٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ بعثَ رجلًا على الصَّدقةِ من بَني مخْزومٍ، فقالَ لأبي رافعٍ: اصْحَبْني فإنّكَ تُصيبُ منّي، فقالَ: حتى آتيَ النبيَّ ﷺ فأسْألَهُ، فأتاهُ فسألَهُ، فقالَ: مَوْلى القومِ من أنفسهم، وإنّا لا تحِلُّ لنا الصَّدقَةُ " (^٣٧)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وهذا لفظُهُ، والترمِذِيُّ وصحَّحهُ.
قلتُ: وإسْنادُهُ على شرْطِهما، وهوَ دليلٌ على أنّهُ لا يجوزُ الدفعُ إلى مَوْلى بَني هاشمٍ وبني المُطَّلبِ، وهو الذي صحَّحهُ النَّواويُّ، وإن كانَ الشيخُ قد ضَعَّفَهُ.
_________________
(١) رواه مسلم، قلت: أظنه وهمًا، بل رواه البخاري في أكثر من موضع (٤/ ٢١٨) وقد بحثت عنه في صحبح مسلم فلم أعثر عليه.
(٢) رواه أحمد (الفتح الرباني ٩/ ٨٠) وأبو داود (١/ ٣٨٥) والترمذي (٢/ ٨٤).
[ ١ / ٢٧٤ ]