٦٨ - سُئلتُ عن أحاديث: مسحِ الوجهِ باليدِ بعد الدُّعاء، وذَكَر السَّائلُ أن جِدالًا حادًّا وقع بين طائفتين من الشَّبابِ، فمِن قائلٍ: "إنَّهُ جائزٌ"، ومِن قائلٍ: "إنه بِدعةٌ"، واحتجَّ القائِلُون بالبِدعيَّةِ بقولِ سُلطان العُلَماءِ العزِّ بن عبد السَّلَام: "إنَّهُ لا يفعلُهُ إلَّا الجُهَّالُ"، فنَرجُو تحقيقَ المقام، واستِيفاءَ الكلامِ لشفاء الصُّدور.
• قلتُ: استيفاءُ الكلام لتحقيق المَقام يَحتَاج إلى بَسطِ حُجج الفريقين، ثُمَّ المحاكمةِ بينهما على وجه الإنصاف، والموضعُ هاهنا لا يَسمَحُ بذلك، ولكنَّنِي سأُجمِلُ البحثَ، من غير إخلالٍ بالمقصود، إن شاء اللهُ تعالَى.
• أمَّا الأحاديثُ ..
فقد وَرَد مسحُ الوجه بعد الدُّعاء، من حديث ابن عبَّاسٍ، وعُمَرَ بن الخطَّاب، والسَّائبِ بن خَلَّادٍ، ويزيدَ بن سعيدٍ الكِنديِّ - ﵃ -.
١ - أمَّا حديثُ ابن عبَّاسٍ ..
فأخرجَهُ ابن ماجَه (١١٨١ - ٣٨٦٦)، وعَبدُ بن حُمَيدٍ في "المُنتخَب" (٧١٦)، وابنُ نصرٍ في "قيام اللَّيل" (١٤١)، وابنُ حِبَّانَ في "المجروحين" (١/ ٢٦٨)، والحاكِمُ (١/ ٥٣٦)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٥/ ٢٠٤)، وابنُ الجَوزيِّ في "الواهيات" (٢/ ٨٤٠) من طريق
[ ١ / ٢٧٢ ]
صالح بن حَسَّان، عن مُحمَّد بن كعبٍ القُرَظيِّ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: "إذا دَعَوتَ الله، فادعُ بباطن كفَّيك، ولا تَدعُ بظهُورِهما، فإذا فَرَغت، فامسح بهما وجهَك".
وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وصالِحُ بن حَسَّان، قال البُخاريُّ: "مُنكَر الحديث"، ولخَّص الحافِظُ حالَهُ، فقال في "التَّقريب": "مَترُوكٌ"، لذلك، سُئل أبُو حاتمٍ الرَّازيُّ عن هذا الحديث، فقال - كما في "عِلل الحديث" (٢/ ٣٥١) -: "هذا حديثٌ مُنكَرٌ".
ولم يتَفرَّد به صالحٌ ..
فتابَعَهُ رجلٌ مجهولٌ، عن مُحمَّدِ بن كعبٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا، وساق حديثًا فيه: " … سَلُوا الله ببُطون أَكُفِّكُم، ولا تسأَلُوه بظهورِها، فإِذَا فرَغتُم، فامسحوا بها وجُوهَكم".
أخرجه أبُو داوُد (١٤٨٥)، والبَيهقيُّ في "الكُبرَى" (٢/ ٢١٢)، وفي "الدَّعَوات الكبير" (ق ٣٩/ ١) مِن طريق عبد المَلِك بن مُحمَّد بن أَيمَن، عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق، عمَّن حدَّثه، عن مُحمَّد بن كعبٍ.
قال أبُو داوُد: "رُوِيَ هذا الحديثُ مِن غيرِ وَجهٍ، عن مُحمَّد بن كعبٍ، كُلُّها واهيةٌ، وهذا الطَّريق أَمثَلُها، وهُو ضعيفٌ أيضًا".
• قلتُ: ولَهُ عِلَّتان:
الأُولَى: ضَعفُ عبد الملك بن مُحمَّدٍ.
والثَّانية: جَهالَةُ الرَّاوِي عن كعبٍ.
وتابَع هذا المجهولَ: عِيسَى بنُ ميمونَ، عن مُحمَّد بن كعبٍ به.
[ ١ / ٢٧٣ ]
أخرجَهُ ابنُ نَصرٍ في "قيام اللَّيل" (ص ١٤١)، وقال: "عيسى بن ميمون ليس هو مِمَّن يُحتَجُّ بحديثه".
٢ - أمَّا حديثُ عُمر بن الخطَّابِ - ﵁ - ..
فأخرجَهُ التِّرمذيُّ (٣٣٨٦)، وعَبدُ بن حُميدٍ في "المُنتَخَب" (٣٩)، والبَزَّارُ (١٢٩)، وأبُو الفضل الجوهريُّ في "حديثه" (ج ٥/ ق ٩٧/ ١)، والطَّبرانيُّ في "الأوسط" (ج ٢/ ق ١٤٢/ ١)، وفي "الدُّعَاء" (٢١٢)، والحاكِمُ (١/ ٥٣٦)، والنَّقَّاشُ في "فوائد العِرَاقِيِّين" (٢٧)، والسِّلَفِيُّ في "مُعجَم السَّفَرِ" (٦٨٠)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (١٤٠٦)، وابنُ عساكر في "تاريخ دِمَشق" (٢٢/ ٣٥) مِن طريق حمَّاد بن عيسَى، ثنا حَنظَلَةُ بنُ أبي سفيان، عن سالِمٍ، عن أبيه، عن عُمَر بن الخطَّاب، قال: "كان رسُول الله - ﷺ - إذا مدَّ يديه في الدُّعاءِ، لا يَرُدُّهما حتَّى يَمسَح بهما وَجهه".
ورواه عن حمَّاد بن عيسى هكذا: عَبدُ بنُ حُميدٍ، ومُحمَّدُ بنُ المُثنَّى، وإبراهيمُ بنُ يعقوبَ الدَّورَقِيُّ، ومُحمَّدُ بنُ بكَّارٍ العيشِيُّ، ونصرُ بنُ عليٍّ، ومُحمَّدُ بنُ مُوسى الحَرَشِيُّ، والحَسَنُ بنُ عليٍّ الحُلوانِيُّ، وإسماعيلُ بنُ
مُحمَّدٍ الطَّلْحِيُّ، في آخَرين.
وخالَفَهم مُعَلَّى بنُ مهديٍّ المَوصِليُّ، قال: نا حمَّادُ بنُ عيسى الجُهَنِيُّ،
ثنا حَنظَلَةُ بنُ أبي سُفيان، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمَر، عن أبيه - ﵁ -،
قال: "ما مَدَّ رسُولُ الله - ﷺ - يده في دُعاءٍ قطُّ فقبَضَهُما حتَّى يمسح بهما
وجهَه".
[ ١ / ٢٧٤ ]
أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الدُّعاء" (٢١٣) قال: حدَّثَنا عليُّ بن عبد العَزِيز،
قال: ثنا مُعَلَّى بنُ مَهدِيٍّ بهذا.
وقال: لم يُجاوِز به المُعلَّى: ابنَ عُمَر.
• قلتُ: ووَهِمَ فيه. ومُعَلَّى صاحبُ مَناكير.
قال البَزَّار. "وهذا الحديثُ إنَّما رواه عن حنظَلَةَ: حمَّادُ بن عيسى،
وهو ليِّنُ الحديث. وإنَّمَا ضُعِّف حديثُه بهذا الحديث، ولم نَجِد بُدًّا من
إخراجِه، إذ كان لا يُروَى عن النَّبيِّ - ﷺ - إلَّا من هذا الوجه، أو مِن وجهٍ
دُونَه".
قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ غريبٌ، لا نَعرِفُه إلَّا مِن حديث حمَّادِ بن عيسَى، وهو قليلُ الحديثِ، وقد حدَّث عنه النَّاسُ".
وقال الطَّبرانيُّ: "لا يُروَى هذا الحديثُ، عن عُمَرَ إلَّا بهذا الإِسنادِ، تفرَّد به حمَّادُ بنُ عِيسَى".
• قلتُ: وهُو ضعيفٌ، ضعَّفَهُ أحمدُ، وأبو حاتمٍ، والدَّارقُطنيُّ، وغيرُهم، وقال ابنُ حِبَّانَ، والحاكِمُ: "يَروِي أحاديثَ موضُوعةً، عن ابن جُريجٍ، وغيرِه"، ولذلك قالَ الذَّهبيُّ في "سِيَر النُّبلاء" (١٦/ ٦٧): "أَخرَجَهُ الحاكِمُ في "مُستدرَكه"، فلم يُصِب؛ وحمَّادٌ ضعيفٌ"، وقال العِراقيُّ في "المغني" (١/ ٣٠٥): "سكَتَ عليه الحاكِمُ، وهو ضعيفٌ".
٣ - أمَّا حديث السَّائب بن خلَّادٍ ..
فأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ٧/ رقم ٦٦٢٥) مِن طريق عمرِو
[ ١ / ٢٧٥ ]
ابن خالدٍ الحرَّانيِّ، ثنا ابنُ لَهِيعَة، قال: سمِعتُ حفصَ بنَ هاشمِ بن عُتبةَ بن أبي وقَّاصٍ يَذكُر، أن خلَّادَ بنَ السَّائبِ حدَّثه، عن أبِيهِ، أن رسُول الله - ﷺ - كان إِذَا دَعَا رفع راحتَيهِ إلَى وجهه.
قال الهَيثمِيُّ في "المَجمَع" (١٠/ ١٦٩): "فيه حَفصُ بن هاشم بن عُتبةَ، وهُو مجهولٌ".
واضطرب ابنُ لَهِيعة في سَنَده ومتنه ..
فرواه يحيَى بنُ إسحاق، عنه، عن حَبَّانَ بن واسعٍ، عن خلَّاد بن السَّائب الأنصاريِّ، أن رسُول الله - ﷺ - كَانَ إذا دَعَا جَعَل باطِنَ كفَّيه إلى وجهِهِ.
أخرجَهُ أحمدُ (٤/ ٥٦). فلَم يَذكُر "السَّائبَ بنَ خلَّادٍ" في إسناده.
وأخرَجَهُ ابنُ أبي عاصِمٍ في "الآحاد والمَثَانِي" (٢٥٩٠)، عن ابن أبي مَريَمَ.
ورواه أحمدُ أيضًا، عن يحيى بن إسحاقَ، بسياقٍ آخرَ.
ورَوَاهُ سعيدُ بنُ الحَكَم بن أبي مَريَمَ، قال: نا ابنُ لَهِيعَةَ، عن حَبَّانَ بن واسِعٍ، عن حفصِ بن هَاشِمِ بن عُتبَةَ، أن خلَّادَ بنَ السَّائِبِ حدَّثَهُ، عن أبيه، أن رسُولَ الله - ﷺ - كان إذا دعا جَعَلَ راحتيه إلى وَجهِه.
فجَعَلَهُ من مُسنَد السَّائِب.
أخرَجَهُ ابنُ أبي عاصِمٍ في "الآحاد والمثاني" (٢٥٩٠) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عَوفٍ، نا ابنُ أبي مَريَمَ، بهذَا.
ورواهُ قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعة، عن حفص بن هاشمِ بن عُتبة بن أبِي وقَّاصٍ، عن السَّائبِ بن يزيدَ، عن أبيه، أن النَّبيَّ - ﷺ - كان
[ ١ / ٢٧٦ ]
إذا دَعَا فرَفَعَ يديه، مَسَحَ وجهه بيديه.
أخرجَهُ أحمدُ (٤/ ٢٢١)، وأبُو داوُد (١٤٩٢)، ومِن طرِيقِهِ البَيهَقِيُّ في "الدَّعَوَات" (١٨٤)، والفِريابيُّ في "كتاب الذِّكر" - كما في "النُّكَت الظِّرَاف" (٩/ ١٠٦ - ١٠٧) للحافِظِ -، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ٦٣١)، وأبو نُعيمٍ في "مَعرِفة الصَّحابَة" (٦٦١٤) من طريق قُتَيبة.
فصار الحديثُ مِن: "مُسنَد يزيدَ بن سعيدٍ الكِنديِّ".
قال عبدُ الله بنُ أحمدَ عَقِبَ الحديثِ: "وقد خَالَفُوا قُتيبَةَ في إسنادِ هذا الحديثِ، وأحسِبُ قُتَيبة وَهِم فيه؛ يقولُونَ: خلَّاد بن السَّائِب، عن أبيه".
وقال الحافظُ في تَرجَمَةِ حفص بن هَاشِمٍ من "التَّهذِيب": "أَظُنُّ الغَلَطَ فيه من ابن لَهِيعَةَ؛ لأنَّ يَحيَى بنَ إِسحاقَ السَّيْلَحِينِيَّ من قُدَمَاء أَصحَابِهِ، وقد حَفِظَ عنه حَبَّانُ بنُ وَاسِعٍ. وأمَّا حَفصُ بنُ هاشِمٍ فليس له ذِكرٌ في شيءٍ مِن كُتُب التَّواريخ، ولا ذَكَرَ أحدٌ أن لابنِ عُتبَةَ ابنًا يُسَمَّى حفصًا" انتهَى.
والحديثُ مُضطربٌ، وضعيفٌ مِن كُلِّ وجُوهِهِ.
وقال الحافِظُ فِي "أمالي الأذكار": "فيه ابن لَهِيعة، وشيخُهُ مجهولٌ".
فالصواب، أنَّهُ لا يَصِحُّ حديث إلى النَّبيِّ - ﷺ - في هذا البَابِ.
وتَسَامَحَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ، فقال في "بُلوغ المرام" (ص ٢٨٤):
"مَجمُوع هذه الأحاديث يَقضِي بأنَّهُ حديثٌ حَسَنٌ".
• أمَّا مذاهِبُ العُلماء في ذلك ..
فقال ابنُ نَصرٍ في "قيام اللَّيل": "ورَأَيتُ إسحاقَ يَستَحسِنُ العَمَل
[ ١ / ٢٧٧ ]
بهذه الأحاديث. وأمَّا أحمدُ بن حَنبَلٍ، فحدَّثَني أبُو داوُد، قال: "سمعتُ أحمدَ، وسُئل عن الرَّجلِ يَمسَحُ وجهه بيديه إذا فرغ في الوتر؟ فقال: "لم أسمع فيه شيئًا"، ورأيتُ أحمدَ لا يفعلُهُ. وسُئل مالكٌ عن الرَّجُلِ يَمسَحُ بكفيَّه وجهَهُ عند الدُّعاء؟ فأنكَرَ ذلكَ، وقال: "ما عَلِمتُ". وسُئل "عبدُ الله - يعني: ابنَ المُبارَك - عن الرَّجل يَبسُط يديه، فيَدعُو، ثُمَّ يَمسَحُ بهما وجهَه؟ فقال: "كَرِهَ ذلك سُفيانُ" - يعنِي: الثَّوريَّ - " ا. هـ.
وكذلك، أنكَرهُ البيهقيُّ في "رِسالته إلى أبي مُحمَّدٍ الجُوينيِّ" (٢/ ٢٨٦ - مجموعة الرسَّائل المُنيريَّةِ)، ولم يُثبِت حديثًا واحدًا فيها.
• قُلتُ: وأقوى ما رأيتُهُ في هذا الباب، ما أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الأدب المُفرَد" (٩٠٦)، من طريق مُحمَّدِ بن فُليحٍ، قال: أخبَرَني أبي، عن أبي نُعيمٍ - وهو وهبٌ -، قال: رأيتُ ابنَ عُمَر، وابنَ الزُّبير يدعُوَان، يُدِيرَانِ بالرَّاحتين على الوجه.
وحسَّن إسنادَهُ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "أمالي الأذكار".
وسَنَدُه مُحَتَمِلٌ للتَّحسين، وإلى الضَّعف ما هو.
ومُحمَّدُ بنُ فُليحٍ، وأبُوه فيهِمَا مقالٌ معرُوفٌ.
فالصَّوابُ في هذا الباب: ما ذَهَب إليه الثَّوريُّ، وابنُ المُبارَك، ومالِكٌ، وأحمدُ بنُ حَنبلٍ: مِن كراهِيَةِ ذلك.
واللهُ أعلَمُ.
[ ١ / ٢٧٨ ]