وهذا الحديث في سائر طرقه يدور على الحسن البصري، ليس يعرف إسناد له، لم يذكر فيه الحسن.
الوصل الأول: في بيان طرقه
وقبل الشروع في تفصيل طرقه، فإننا نذكرها موجزة جدًا فنقول: قد روي هذا الحديث عن الحسن على ثلاثة أوجه:
الأول: عنه عن جون عن سلمة.
روى ذلك عنه قتادة.
الثاني: عنه عن قبيصة عن سلمة.
روى ذلك عنه قتادة، وسلَّام بن مسكين. والفضل بن دلهم ومنصور بن زاذان، وعمرو بن دينار.
الثالث: عنه عن سلمة مباشرة.
روى ذلك عنه عمرو بن دينار، وهشام، وقتادة، ويونس ومنصور.
° (الطريق الأولى): التي من رواية الحسن عن جون عن سلمة.
أخرجها الطبراني في الكبير قال:
حدثنا عبدان بن أحمد، ثنان نصر بن علي، ثنا بكر بن بكار، ثنا شعبة، عن قتادة عن الحسن عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبِّق، عن
[ ١٩٨ ]
النبي - ﷺ - في رجل وقع على جارية امرأته: " إن كان استكرهها فهي حرة،
وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته، فهي له وعليه مثلها ".
وأخرجها البيهقي من طريق بكر بن بكار فقال: حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين إملاء، أنبأ أبو حامد أحمد بن محمد الحافظ، ثنا علي بن سعيد النسوي، وأحمد بن سعيد الدارمي، قالا: ثنا بكر بن بكار. . . فذكره بلفظ " إن استكرهها فهي حرة، ولها عليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي أمة، ولها عليه مثلها ". انتهى.
قلت: وهذا اللفظ مفسّر. وأخرجه الطبراني من طريق آخر عن قتادة، عن سعيد بدل شعبة فقال: حدثنا محمد بن العباس الأخرم الأصبهاني، حدثنا أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. . . فذكر الحديث - بمثل لفظه الأول -.
(حكم هذه الطريق):
هي بعينها، لا تصح، ولكنها متابعة.
ففي طريق الطبراني الأولى، وهي طريق البيهقي: بكر بن بكار القيسي.
قال أبو زرعة: ليس بالقوي.
وقال النسائي مثله، ومرة قال: ليس بثقة.
[ ١٩٩ ]
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال ابن حبان: ثقة ربما يخطئ.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي.
وأما جون بن قتادة فهو مقبول كما في التقريب.
وجون هو في الطريق الثانية التي للطبراني، ومعه: أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري:
قال في " اللسان ": عن أبيه، وعن الحسن بن علي، وإبراهيم، وحماد، وعلي بن سعيد الرازي وآخرون.
قال ابن القطان: مجهول.
قلت - القائل ابن حجر -: ذكره ابن حبان في الثقات فقال: روى عن ابن عيينة، وعنه ابن الباغندي لم تثبت عدالته.
وابن القطان تبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يطلعون على حاله، وهذا الرجل بصري شهير، وهو ولد عبيد الله القاضي المشهور.
انتهى.
قلت أنا أبو عبد الله: فانتفت جهالة عينه، وبقيت جهالة حاله. فهو علة هذا الإسناد.
[ ٢٠٠ ]
° (الطريق الثانية): المروية من طريق الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة.
أخرجها عبد الرزاق في مصنفه قال: حدثنا معمر عن قتادة عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبِّق قال: قضى رسول الله - ﷺ - في رجل وطئ جارية امرأته: إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلها " انتهى.
ومن طريق عبد الرزاق أخرجها أحمد في مسنده.
ولعبد الرزاق فيها إسناد آخر قال: عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت الحسن يحدث عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق عن النبي - ﷺ - مثله.
- وأخرجه أيضًا الطبراني من طريق عبد الرزاق المذكورة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق قال: قضى رسول الله - ﷺ - في رجل وطئ جارية امرأته: " إن كان استكرهها
[ ٢٠١ ]
فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له أمة، وعليه لسيدتها مثلها ".
وهذا لفظ مفسر جدًا، لذلك أوردناه بتمامه.
- وأخرجه النسائي في الصغرى والكبرى عن عبد الرزاق قال: حدثنا محمد بن رافع النيسابوري، قال: ثنا عبد الرزاق. . . فذكره كاللفظ السابق.
- وأخرجه أبو داود عن عبد الرزاق أيضًا قال: حدثنا أحمد بن صالح أخبرنا عبد الززاق. . . فذكره بألفاظه.
- وأخرجه البيهقي من طريق أبي داود وغيره فقال: أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود فذكره، قال: وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى عن إسماعيل بن محمد الصفَّار، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق به.
وقد أخرج الطبراني هذه الطريق بإسناد آخر قال.
حدثنا يوسف القاضي ثنا القاسم بن سلام بن مسكين حدثني أبي قال سألت الحسن عن رجل يقع بجارية امرأته، فقال حدثني قبيصة من حريث. . . فذكره.
[ ٢٠٢ ]
ومن طريق يوسف أخرجها البيهقي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف. . . فذكره.
وأما طريق الفضل بن دلهم ومنصور بن زاذان عن الحسن عن قبيصة عن سلمة فقد ذكرهما البخاري.
(حكم الطريق الثانية):
هذا إسناد رجاله أئمة اثبات، إلا قبيصة بن حريث، فهو ليس بإمام لكنه صدوق. وذكره الآجري وغيره من مشايخ الحسن.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وذكره العقيلي في " الضعفاء " وساق له هذا الخبر وقال: (في هذا الحديث اضطراب).
وقال الحافظ ابن حجر في (التهذيب): جهله ابن القطان.
وقال النسائي: لا يصح حديثه.
[ ٢٠٣ ]
وذكر أبو العرب التميمي أن أبا الحسن العجلي قال: قبيصة بن حريث تابعي ثقة.
وأفرط ابن حزم فقال: ضعيف مطروح،. انتهى.
قلت أنا أبو عبد الله: فكان ملخص القول عند الحافظ أنه صدوق كما في التقريب.
وقد قال البخاري: في حديثه نظر.
قلت: وللناس مذاهب في قول البخاري: " وفي حديثه نظر ".
فالذهبي والعراقي يريانها من أعظم ألفاظ الجرح، وخالفهما في هذا كثيرون، إذ الصواب ليس معهما ".
والمسألة طويلة الذيل، فنحيلك على موضع هذه المسألة، مع مزيد بسط يفي بالمقام إن شاء الله تعالى، فتلطف بالرجوع " للرفع والتكميل ".
وملخص جميع ما تقدم أن قبيصة قد اختلفوا فيه، فمثله لا يرد حديثه، سيما وقد توبع في الطريق الأولى.
وأما قتادة، فمع اشتهاره بالتدليس، لم يذكر أحد من العلماء أنه كان يدلس عن الحسن قط. وهو متابع بسلام وعمرو وغيرهما، فهو حسن إن شاء الله. وسيأتي في آخر الطريق الثالثة ذكر من رجح هذه الطريق الثانية من العلماء وشهد لها بالصحة.
[ ٢٠٤ ]
° (الطريق الثالثة): التي عن الحسن عن سلمة.
أخرجها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده قال: ثنا عفان، أنا حماد بن زيد، ثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت الحسن عن سلمة بن المحبق قال:. . . فذكر الحديث.
وأخرجها البيهقي من طريق حماد المذكور فقال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا أبو الربيع، ثنا حماد بن زيد. . . فذكره.
وأخرجها الطبراني عن عمرو بن دينار أيضًا فقال: حدثنا موسى بن هارون، ثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن عن سلمة بن ربيعة بن المحبق قال: سمعت امرأة تسأل رسول الله - ﷺ - عن جارية لها، خرج بها زوجها إلى السفر فأصابها، فقال رسول الله - ﷺ -: " إن كان. . . وذكره.
وله فيها إسناد آخر قال: حدثنا أبو خليفة، ثنا علي بن المديني، ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن الحسن البصري عن سلمة بن المحبق أن رجلًا. . . وذكره.
[ ٢٠٥ ]
وأخرجه ابن ماجه والنسائي من طريق هشام عن الحسن به.
أما ابن ماجه فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد السلام بن حرب، عن هشام بن حسان، عن الحسن عن سلمة بن المحبق أن رسول الله - ﷺ - رفع إليه رجل وطئ جارية امرأته، فلم يحده.
وأما النسائي فقال: حدثنا هناد بن السري عن عبد السلام، به.
فاختصر هشام هذا الحديث، أو من دونه.
وأخرجه أبو داود والنسائي عن قتادة عن الحسن به.
قال أبو داود: حدثنا علي بن حسين الدرهمي، أخبرنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سلمة بن المحبق به. . . - بمثل اللفظ الأول التام -.
وقال النسائي في الصغرى والكبرى.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا يزيد هو ابن زريع قال: ثنا سعيد فذكره. .
وأخرجه النسائي، وعلقه أبو داود من طريق يونس عن الحسن به.
[ ٢٠٦ ]
قال النسائي في الكبرى: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال ثنا ابن علية، عن يونس عن الحسن فذكره.
وأخرج الحديث من طريق منصور عن الحسن عن سلمة، ذكر ذلك أبو داود في السنن، ولم أقف على هذه الطريق. ولم أنقب عنها كما يجب.
(حكم الطريق الثالثة):
قد أطال أهل العلم النفس في تدليس الحسن، وهل سمع من الصحابة شيئًا، ومن هم الذين سمع منهم على الصحيح، واختلفوا في ذلك اختلافا بينًا.
وجميع هذه الطرق التي أوردناه معنعنة من الحسن، اللهم إلا طريقا واحدًا لم نذكره فيما تقدم، وهو ما أخرجه البخاري في التاريخ الكبير في ترجمة سلمة قال: حدثني يسرة بن صفوان، نا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار، سمعت الحسن بن أبي الحسن سمعت سلمة بن ربيعة بن المحبق سمعت النبي - ﷺ -: إن كان استكره جارية امرأته فهي حرة.
قال البخاري: وهم، لم يسمع الحسن من سلمة، بينهما قبيصة بن حريث، ولا يصح. انتهى.
[ ٢٠٧ ]
قلت: قول البخاري لا يصح، غير مبين، أهو يرجع لسماع الحسن من سلمة، أم للحديث؟.
ورأيت البيهقي في السنن يقول: قال البخاري - فيما بلغني عنه -: هذا - يعني من الرواية التي كان ساقها البيهقي من طريق الحسن قال سمعت قبيصة عن سلمة - أصح من رواية من رواه عن الحسن عن سلمة.
ثم قال البخاري: قبيصة بن حريث الأنصاري سمع سلمة بن المحبق، وفي حديثه نظر. انتهى.
قلت أنا أبو عبد الله: فتبين من قول البخاري أمران:
أولهما: أنه لا يثبت سماع الحسن من سلمة، مع تصريحه بالسماع في الإسناد الذي ساقه البخاري نفسه، ومع كون رجال إسناد البخاري ثقات، سمع بعضهم من بعض باتفاق.
لكن ربما لم يقنع البخاري بهذا، لكونه لا يخلو يسرة ومحمد من كلام، ولكون حماد بن زيد، وسفيان، خالفا محمدًا في ذكر هذه اللفظة عن عمرو.
ثانيهما: تصحيح اتصال السند من طريق الحسن عن قبيصة عن سلمة، على كلام في قبيصة عنده.
(ذكر المصححين لهذا الخبر).
فأنا أورد هاهنا مناقشتين لأئمة هذا الشأن في صحة هذا الخبر:
[ ٢٠٨ ]
الأولى: رواها الطبراني قال:
حدثنا أبو خليفة، ثنا علي بن المديني، ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن البصري عن سلمة بن المحبق أن رجلًا. . . وساق الخبر ثم قال: قال علي - ابن المديني -: فقلت لسفيان: فإن قتادة يقول: عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق.
فقال سفيان: قال عمرو: بينهما إنسان أو رجل.
فقال له الهذلي - يعني أبا بكر الهذلي -: بينهما قبيصة بن حريث.
قال سفيان: إنما أعرف هذا الهذلي، إنه من قوم سلمة - لأن سلمة بن المحبق هذلي - انتهى ما أورده الطبراني.
قلت أنا أبو عبد الله: فتبين من هذا، أن ابن المديني كان يرجح رواية الحسن عن قبيصة عن سلمة، ولذلك ناقش سفيان بن عيينة فيها.
ثم إن نقل ابن المديني عن قتادة أنه يقول: عن الحسن عن قبيصة، مشعر بأن قتادة كان يقدم هذه الطريق أيضًا، لأن قتادة روى الأمرين: الحسن عن قبيصة، والحسن عن جون.
وفي الحكاية أيضًا ترجيح أبي بكر الهذلي لما رجحه ابن المديني وقتادة.
وفيها موافقة سفيان لهم، بحجة أن أبا بكر أعلم بسلمة من غيره لأنهما هذليان.
[ ٢٠٩ ]
الثانية: ذكرها ابن أبي حاتم في " العلل " قال:
" سألت أبي عن حديث الحسن عن سلمة بن المحبق عن النبي - ﷺ - أن رجلًا وقع على جارية امرأة فرفع إلى النبي - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: إن كانت طاوعته فهي له وعليه مثلها، وإن كان استكرهها فهي حرّة، ولمولاتها عليه مثلها.
قلت لأبي: هو صحيح؟
قال: نعم.
قلت: الحسن عن سلمة متصل؟
قالا: لا، حدثنا القاسم بن سلام عن أبيه عن الحسن قال حدثني قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق عن النبي - ﷺ -، فأدخلا بينهما قبيصة بن حريث، فاتصل الإسناد.
قلت: الحسن سمع من سلمة، وروى محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن الحسن سمعت سلمة بن المحبق.
قال: هذا عندي غلط غير محفوظ،. انتهى.
قلت أنا أبو عبد الله: فتبين من هذا، اتفاق أبي حاتم مع من تقدم على تصحيح الحديث من الطريق الثانية.
[ ٢١٠ ]
الوصل الثاني: في ذكر من نقل أن العلماء لم يفتوا بهذا الخبر:
قال البيهقي:
قال البخاري: ولا يقول بهذا - الخبر - أحد من أصحابنا.
قال البيهقي:
أخبرناه أبو سعيد الماليني أنبأ أبو أحمد بن عدي، قال سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري.
ثم قال البيهقي: حصول الإجماع من فقهاء الأمصار بعد التابعين على ترك القول به دليل على أنه إن ثبت صار منسوخًا بما ورد من الأخبار في الحدود. انتهى.
وقال الخطابي: لا أعلم أحدًا من الفقهاء يقول به.
قلت: ومذهب العلماء في هذه المسألة فيه اختلاف:
فروي عن عمر وعلي ﵄ إيجاب الرجم على من وطئ جارية امرأته، وهو قول عطاء وقتادة من التابعين، وذهب إليه مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال الزهري والأوزاعي: يجلد ولا يرجم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أقر أنه زنى بجارية امرأته: يحد، وإن قال ظننت.
وقال الثوري: إذا عرف بالجهالة، يعزر بجلدات معلومات.
[ ٢١١ ]
الوصل الثالث: في ذكر الأوجه التي ردوا بها هذا الخبر:
١ - الأول: الضعف والاضطراب، عند القائلين بضعفه ممن قدمنا ذكره.
٢ - الثاني: النسخ: وقد قدمنا قول البيهقي: ترك القول به، دليل على أنه صار منسوخًا بما ورد من الأخبار في الحدود. وأحاديث الحدود ثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة.
٣ - الثالث: أن هذا الخبر كان قبل نزول الحدود.
وهو مروي عن أشعث، ذكره في " فتح الودود " ونقله عنه صاحب " عون المعبود ".
٤ - الرابع: درء الحد بالشبهة.
وقد قدمنا الكلام عليه في شروط العمل بالخبر.
٥ - الخامس: ثبوت ما هو أصح منه، من حيث العموم. ومن حيث الخصوص.
أما ما صح من حيث العموم من رجم المحصن، ففي منسوخ خط الكتاب، والأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم في قصة ماعز وغيره.
ومن جلد غير المحصن بنص الكتاب، كما في سورة النور، والأحاديث الصحيحة.
وأما من حيث الخصوص، فما جاء عن النعمان بن بشير في مثل هذه
[ ٢١٢ ]
الواقعة - أي فيمن وقع على جارية امرأته - ففيه " إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك. . . ".
خرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم.
وإليه ذهب أحمد وإسحاق في رواية.
(ملحق فيما ذكره ابن القيم ﵀ عن هذين الخبرين أعني حديث سلمة
وحديث النعمان):
قال ﵀ في " الزاد ": فصل في قضائه - ﷺ - في الرجل يزني بجاريته.
في المسند والسنن الأربعة من حديث قتادة عن حبيب بن سالم أن رجلًا يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير، وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله - ﷺ -، إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة جلدة، وإن لم تكن أحقلّها، رجمتك بالحجارة، فوجدوه أحلتها له، فجلده مائة.
قال الترمذي: في إسناد هذا الحديث اضطراب، سمعت محمدًا - يعني البخاري - يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وأبو اليسر لم يسمعه أيضًا من حبيب بن سالم، وسألت محمدًا عنه فقال: أنا أنفي هذا الحديث.
وقال النسائي: هو مضطرب.
وقال أبو حاتم الرازي: خالد بن عرفطة مجهول.
[ ٢١٣ ]
وفي المسند والسنن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق أن رسول الله - ﷺ - قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلها.
فاختلف الناس في القول بهذا الحكم، فأخذ به أحمد في ظاهر مذهبه - يعني بحديث النعمان - فإن الحديث حسن، وخالد بن عرفطة قد روى عنه ثقتان حبيب بن سالم وأبو اليسر، ولم يعرف فيه قدح، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين.
والقياس والشريعة وقواعدها يقضيان القول بموجب هذه الحكومة، فإن إحلال الزوجة شبهة توجب سقوط الحد، ولا تسقط التَّغْزِير، فكانت المائة تعزيرًا.
فإذا لم تكن أحلتها، كان زنا لا شبهة فيه، ففيه الرجم، فأي شيء في هذه الحكومة مما يخالف القياس.
وأما حديث سلمة فإن صح تعين القول به، ولم يعدل عنه، ولكن النسائي قال: لا يصح هذا الحديث.
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الذي رواه عن سلمة شيخ لا يعرف، ولا يحدث عنه غير الحسن - يعني قبيصة من حريث -.
وقال البخاري في التاريخ: قبيصة من حريث سمع سلمة، في حديثه نظر.
وقال ابن المنذر: لا يثبت خبر سلمة بن المحبق.
[ ٢١٤ ]
وقال البيهقي: قبيصة من حريث غير معروف.
وقال الخطابي: هذا حديث منكر، وقبيصة غير معروف، والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع.
وطائفة أخرى قبلت الحديث.
ثم اختلفوا فيه:
فقالت طائفة: هو منسوخ، وكان هذا قبل نزول الحدود.
وقالت طائفة: بل وجهه أنه إذا استكرهها فقد أفسدها على سيدتها، ولم تبق ممن تصلح لها، ولحق بها العار، وهذا مثلة معنوية كالمثلة الحسية أو أبلغ منها.
وهو قد تضمّن أمرين:
إتلافها على سيدتها.
والمثلة المعنوية بها.
فتلزمه غرامتها لسيدتها وتعتق عليه.
وأما إن طاوعته، فقد أفسدها على سيدتها، فتلزمه قيمتها لها، ويملكها لأن القيمة قد استحقت عليه، وبمطاوعتها وإرادتها خرجت عن شبهة المثلة.
قالوا: ولا بعد في تنزيل الإتلاف المعنوي منزلة الإتلاف الحسي، كلاهما يحول بين المالك وبين الانتفاع بملكه، ولا ريب أن جارية الزوجة إذا صارت موطوءة لزوجها فإنها لا تبقى لسيدتها كما كانت قبل الوطء.
فهذا الحكم من أحسن الأحكام، وهو موافق القياس الأصولي.
وبالجملة فالقول به مبني على قبول الحديث، ولا يضر كثرة المخالفين له، ولو كانوا أضعاف أضعافهم.
انتهى كلام ابن القيم ﵀.
[ ٢١٥ ]