الحَدِيث الثَّالِث: عَن عَائِشَة - ﵂ - (قَالَت): «كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يستاك عَرْضًا وَلَا يستاك طولا» . رَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيث عبد الله بن حَكِيم، عَن هِشَام (بن) عُرْوَة، عَن أَبِيه عَنْهَا. وَعبد الله هَذَا ضَعِيف.
قَالَ أَحْمد: يروي أَحَادِيث مُنكرَة، لَيْسَ (هُوَ) بِشَيْء. وَقَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِثِقَة. وَكَذَلِكَ قَالَ النَّسَائِيّ. وَقَالَ عَلّي: لَيْسَ بِشَيْء، لَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ السَّعْدِيّ: كذَّاب مُصَرح. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ ابْن حبَان: يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات.
فَإِذا عُلمَ ضعف الحَدِيث تعين الِاسْتِدْلَال فِي الْمَسْأَلَة بِالْمَعْنَى، وَهُوَ (أنَّه) يخْشَى من الاستياك طولا إدماء اللثة، وإفساد عُمُور الْأَسْنَان، وَهُوَ (اللَّحْم) النَّابِت (بَينهَا) .
قَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ نقلا عَن صَاحب «التَّتِمَّة» وَغَيره: أنَّهم رووا الْخَبَر أنَّه - ﷺ - قَالَ: «اسْتَاكُوا عَرْضًا لَا طُولًا» .
وَهَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة لَا أعلم من خَرَّجَها بهذااللفظ مَعَ الْبَحْث وَالسُّؤَال عَنْهَا من الْحفاظ الأكابر.
[ ١ / ٧٢٧ ]
فصل:
اعْلَم أَن الإِمام الرَّافِعِيّ - قَدَّس الله روحه ونَوَّر ضريحه - لما ذكر أوَّل حَدِيث فِي هَذَا الْفَصْل - أَعنِي فصل السِّوَاك - قَالَ: وَالْأَخْبَار (فِيهِ) كَثِيرَة. فلنذكر نبذة مهمة من تِلْكَ الْأَخْبَار الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا، فَلَا تسأم أَيهَا النَّاظر مِنْهَا، وأسرد ذَلِكَ فِي فُصُول ليَكُون أجمع لضبطها وَأقرب لتناولها.
فصل:
فِي أنَّ السِّوَاك (من) سنَن من قبلنَا
عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أَرْبَعِ منْ سُنَنِ المُرْسَلِين، الخِتَان والسِّوَاك والتَّعَطّر والنِّكَاح» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن مَكْحُول، عَن أبي الشِمَال - بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم - ابْن ضِباب - بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة - عَن أبي أَيُّوب. وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب.
قَالَ: وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن مَكْحُول، عَن أبي أَيُّوب من غير ذكر أبي الشمَال. والأوَّل أصحّ.
قُلْتُ: أخرجه أَحْمد فِي «الْمسند» كالثاني، فَقَالَ: ثَنَا يزِيد، ثَنَا
[ ١ / ٧٢٨ ]
الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن مَكْحُول، قَالَ: قَالَ أَبُو أَيُّوب: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فَذكره سَوَاء إلاَّ أنَّه (قَالَ): «العِطْر» بدل «التَّعَطّر» و«الحَيَاء» بدل «الخِتَان» .
قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «الْأَطْرَاف»: وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن (عبيد الله) (الْعَرْزَمِي)، عَن مَكْحُول، عَن النَّبِي - ﷺ - مُرْسلا.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» - فِيمَا رَأَيْت -: هَذَا الِاخْتِلَاف هُوَ من حجاج بن أَرْطَاة فإنَّه كثير الْوَهم.
قُلْتُ: وينكر عَلَى (التِّرْمِذِيّ) تحسينه لهَذَا الحَدِيث، فَإِن الْحجَّاج بن أَرْطَاة ضَعِيف جدًّا، وَأَبُو الشمَال مَجْهُول، سُئِلَ عَنهُ أَبُو زرْعَة فَقَالَ: لَا أعرفهُ إلاَّ فِي هَذَا الحَدِيث وَلَا أعرف اسْمه. فَلَعَلَّهُ اعتضد عِنْده بطرِيق آخر فَصَارَ حسنا. والطريقة الَّتِي أفادها الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي لَا تقويه؛ لأنَّ الْعَرْزَمِي أَضْعَف من الْحجَّاج بِكَثِير. وَقد سبق بالاعتراض عَلَى التِّرْمِذِيّ النَّوَوِيّ - ﵀ - فِي «شرح الْمُهَذّب» .
وَاعْلَم: أَن الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي نُسْخَة من التِّرْمِذِيّ مُعْتَمدَة: (الحَيَاء) بياء مثناة تَحت بعد الْحَاء. فإيَّاك أَن تصحفه «بِالْحِنَّاءِ» كَمَا سُبِقْتَ بِهِ.
[ ١ / ٧٢٩ ]
(ثمَّ) رَأَيْته فِي التِّرْمِذِيّ الْخِتَان بالنُّون فِي الآخر.
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب»: «الحَيَاء» بِالْيَاءِ لَا بالنُّون. قَالَ: وإنَّما ضبطته لأنِّي رَأَيْت من صَحَّفَه فِي عصرنا. وَقد سبق بتصحيفه. وَقَالَ: وَقد ذكر الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ هَذَا الحَدِيث فِي كِتَابه الِاسْتِغْنَاء فِي اسْتِعْمَال الْحِنَّاء وأوضحه، وَقَالَ: هُوَ مُخْتَلف فِي إِسْنَاده وَمَتنه، يرْوَى عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَأنس وجد مَلِيح كلهم عَن النَّبِي - ﷺ -، قَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى لفظ «الحَيَاء»، قَالَ: وَكَذَا أوردهُ الطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مَنْدَه، وَأَبُو نعيم وَغَيرهم من الْحفاظ والأئمَّة، وَكَذَا هُوَ فِي «مُسْند الإِمام أَحْمد» وَغَيره من الْكتب. وَهُوَ كَمَا قَالَ: فقد رَأَيْته كَذَلِك فِي التَّأْلِيف الْمَذْكُور، وأنَّ بعض المصنِّفين صَحَّف «الْحيَاء» ب «الْحِنَّاء» . وأنَّ بعض هَؤُلَاءِ الروَاة ذكر «الْحلم»، وَبَعْضهمْ ذكر «الْخِتَان» و«الْحجامَة» .
وَقد وَقع فِي هَذَا التَّصْحِيف، الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ فِي «أَحْكَامه الْكَبِير» . فَقَالَ بعد أَن أخرج الحَدِيث من طَرِيق التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ «الْحِنَّاء» قَالَ: المُرَاد بِالْحِنَّاءِ، - وَالله أعلم - الخضاب فِي الرَّأْس واللحية لَا فِي الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ تَوْفِيقًا بَينه وَبَين غَيره من الأدلَّة. وَهُوَ غَرِيب.
[ ١ / ٧٣٠ ]
(وَحَدِيث جد) مليح الَّذِي ذكره أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ رَوَاهُ أَبُو بكر بن (أبي) خَيْثَمَة، أَي فِي «تَارِيخه»، وَأَبُو نعيم فِي «الْمعرفَة» من حَدِيث مَلِيح - بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللاّم - بن عبد الله الخطمي، عَن أَبِيه، عَن جدِّه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «خَمْس مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِين: الحَيَاء، والحلم، والحجَامَة، والسِّوَاك، والتَّعَطّر» . وَرَوَاهُ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي الأَصْل السَّادس وَالسِّتِّينَ وَالْمِائَة من «نَوَادِر الْأُصُول» .
وَرَأَيْت بِخَط الصريفيني الْحَافِظ فِي كِتَابه: «أَسمَاء (رُوَاة) الْكتب الْأَحَد عشر»: «المجمر» بدل «الْحلم» . قَالَ: (وَعَن مليح بن عبد الله) . (و) حَدِيث بن عَبَّاس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِمثل حَدِيث مليح. وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ أَيْضا بِمثلِهِ وَزَاد «وكَثْرة الأَزْوَاجِ» .
[ ١ / ٧٣١ ]
فصل:
فِي أنَّ السِّوَاك من الْفطْرَة
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «عَشرٌ مِنَ الفِطْرةِ: قَصُّ الشَّارِب، (وإعْفَاءُ) اللّحْيَة، والسِّوَاك، واِسْتِنْشَاقُ المَاءِ، وقَصُّ الأَظفارِ، وغَسْلُ البراجم، ونتفُ الإِبطِ، وحَلْقُ العَانَة، وانتقاص المَاءِ» .
قَالَ مُصعب بن شيبَة: «ونسيت الْعَاشِرَة إلاَّ أَن تكون الْمَضْمَضَة» . وَقَالَ وَكِيع: انتقاص المَاء: الِاسْتِنْجَاء. رَوَاهُ مُسلم.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره من رِوَايَة عمار، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الْكَلَام عَلَيْهِ حَيْثُ ذكره الإِمام الرَّافِعِيّ.
وَعَن عبد الله (بن جَراد) ﵁ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «السِّوَاكُ مِنَ الْفِطْرَةِ» .
رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كِتَابه الَّذِي جمعه فِي «فضل الاستياك وآدابه وَمَا رَوَى عَن النَّبِي - ﷺ - فِيهِ وَأَحْكَامه» . وَجَمِيع مَا نعزيه فِي هَذِه الْمَوَاضِع وَمَا سبق فَهُوَ مِنْهُ.
[ ٢ / ٥ ]
فصل:
فِي أنَّه طَهَارَة
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «الطَّهَارَاتُ أَرْبع: قَصُّ الشَّارِبِ، وحَلْقُ العَانةِ، وتَقْلِيمُ الأَظفِارِ، والسِّوَاكُ» .
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي كتاب الطَّهَارَة من «سنَنه» من حَدِيث ابْن إِسْحَاق، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم، عَن أبي سَلمَة عَنهُ.
وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «الطَّهَارَاتُ أَرْبَع» . فَذَكرهنَّ مثل الَّذِي قبله.
رَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا فِي الْكتاب الْمَذْكُور من حَدِيث مُعَاوِيَة بن يَحْيَى، عَن يُونُس بن ميسرَة، عَن أبي إِدْرِيس عَنهُ. وَكَذَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» .
فصل:
فِي وَصِيَّة جِبْرِيل عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
سيد الْأمة - أعطَاهُ الله الْوَسِيلَة والفضيلة - باستدامة السِّوَاك
عَن أمِّ سَلمَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَا زَالَ جِبريل يُوصِينِي بالسِّوَاكِ حتَّى خشيتُ أَنْ (يدردني)» .
[ ٢ / ٦ ]
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي كتاب النِّكَاح. وَقَالَ: قَالَ البُخَارِيّ: حَدِيث حسن.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه»، (و) هَذَا لَفظه: «حتَّى خفتُ عَلَى (أَضْرَاسِي)» .
وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ أنَّ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «تَسَوَّكُوا فإنَّ السِّواكَ مَطهرةٌ للفمِ، مرضاةٌ للربِّ. مَا جَاءني جبريلُ إِلاَّ أَوْصَانِي بالسِّواكِ؛ حتَّى (لقدْ) خشيتُ أَنْ يُفْرَضَ عليَّ وعَلَى أمَّتي. ولَوْلا أنِّي أَخَافُ أَنْ أشقَّ عَلَى أمَّتي لفرضته عَلَيْهِم، وإِنِّي لأَستاكُ حتَّى لقد خشيتُ أنْ (يدرد) مقادم فَمِي» .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَقد سبق الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الحَدِيث الْحَادِي عشر من هَذَا الْبَاب.
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث عبيد الله بن زحر، عَن عَلّي بن يزِيد، عَن الْقَاسِم، عَن أبي
[ ٢ / ٧ ]
أُمَامَة مَرْفُوعا: «مَا جَاءنِي جبريلُ قَطّ إِلاَّ أمَرني بالسِّوَاكِ حتَّى (لقدْ) خشيتُ أنْ أحفي (مقادمَ) فَمِي» . وَهَذَا سَنَد واهٍ.
وَعَن نَافِع بن جُبَير، عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لَقْدَ أُمِرْتُ بالسِّوَاكِ حتَّى خشيتُ أَنْ (يدردني)» .
رَوَاهُ أَبُو نعيم مَرْفُوعا هَكَذَا بعد أَن رَوَاهُ مُرْسلا. وَفِي إِسْنَاده اثْنَان قد ضُعِّفا، أَحدهمَا: أَبُو الْحُوَيْرِث؛ الثَّانِي: أَبُو معشر نُجيح.
وَعَن سهل بن سعد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أَمَرِني جبريلُ بالسِّوَاكِ حتَّى ظننتُ أّنِّي (سَأدرد)» .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» . وَفِي سَنَده عبيد بن وَاقد الْقَيْسِي، (ضعفه أَبُو حَاتِم. وَقَالَ ابْن عدي: عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ.
وَعَن ابْن عَبَّاس) ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَا زَالَ جِبْريلُ يُوصِينِي بالسِّوَاكِ حتَّى خشيتُ أَنْ يحفى فمي» .
[ ٢ / ٨ ]
رَوَاهُ أَبُو نعيم كَذَلِك وَالطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: «أُمِرْتُ بالسِّوَاكِ حتَّى خفتُ عَلَى أَسْنَانِي» وَفِي هَذَا عَطاء بن السَّائِب.
وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ: «لَقدْ أُمْرْتُ بالسِّوَاكِ حتَّى ظننتُ أَنَّه سَيَنْزِل [بِهِ] عَلَيَّ قرآنٌ أَوْ وَحْيٌ» .
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَا زَالَ جبريلُ يُوصِينِي بالسِّواكِ [ويأمرني بِهِ] حتَّى كَادَ أنْ (يدردني)» .
وَعَن سعيد وعامر بن وَاثِلَة يرفعانه عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «لَقَدْ أُمِرْتُ بالسِّواكِ حتَّى خشيتُ عَلَّى فَمِي» .
وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لَقَدْ أُمِرْتُ بالسِّوَاكِ حتَّى خشيتُ عَلى لثتِي وَأَسْنَانِي» .
وَعَن الْمطلب بن عبد الله أنَّ النَّبِي - ﷺ - (قَالَ): «لَقَدْ (لزمتُ) السَّواكَ حتَّى لَقَدْ خشيتُ أَنْ (يدردني)» .
وَعَن عَائِشَة أنَّ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «لَقَدْ لزمتُ السِّوَاكَ حتَّى تَخَوَّفْتُ أنْ (يدردني)» .
[ ٢ / ٩ ]
رَوَاهَا كلهَا أَبُو نعيم بأسانيده، والأخير ابْن السكن فِي «صحاحه» .
قَالَ السَّرقسْطِي فِي كتاب «الدَّلَائِل»: «الدرد أَن تسْقط الْأَسْنَان، ومغارس الْأَسْنَان يُقَال لَهَا الدرد» .
وَيُقَال للشَّيْخ: مَا بَقِي إلاَّ درده.
وَيُقَال للصَّبِيّ قبل أَن تطلع أَسْنَانه: هُوَ يمضغ عَلَى دردره.
فصل:
فِي الْمُحَافظَة عَلَيْهِ حضرا وسفرًا
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «كَانَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا سَافر حمل الْمشْط والسواك والقارورة والمرآة والمكحلة» .
رَوَاهُ أَبُو نعيم، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «خمس لم يكن يُفَارِقهُنَّ رَسُول الله - ﷺ - فِي سفر وَلَا حضر: الْمرْآة، والمشط، والمكحلة، والسواك، و(المدرى)» .
وَرَوَى هَذِه الرِّوَايَة الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي «الكنى»، والعقيلي فِي «الضُّعَفَاء»، وَقَالَ: لَا يحفظ هَذَا الْمَتْن بِإِسْنَاد جيِّد. وَابْن الْجَوْزِيّ
[ ٢ / ١٠ ]
وَقَالَ: لَا يصحّ. وعَلَّلها بِأَيُّوب بن وَاقد، وَسليمَان الشَّاذكُونِي.
وَفِي رِوَايَة: «سبع لم يكن رَسُول الله - ﷺ - يتركهنَّ فِي سفر وَلَا حضر: القارورة، والمشط، والمرآة، والمكحلة، والسواك، و(المقصّ)، والمدرى» . قيل لهشام: المدرى مَا باله؟ قَالَ: حَدَّثَنَي أبي عَن عَائِشَة: «أَن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ لَهُ وفرة إِلَى شحمة أُذُنَيْهِ وَكَانَ يحركها بالمدرى» .
وَفِي رِوَايَة: «سبع لم يفتن رَسُول الله - ﷺ - فِي سفر وَلَا حضر: الْمرْآة، والقارورة، والمشط، والمكحلة، والمقراضان، والسواك» .
رَوَاهُمَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله»، وَضعفهمَا بِحُسَيْن بن علوان فِي الأول (و) بِيَعْقُوب بن (الْوَلِيد) فِي الثَّانِي، (و) قَالَ: لَا يصحان.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله»: سَأَلت أبي عَن حَدِيث عَائِشَة
[ ٢ / ١١ ]
(هَذَا)، فَقَالَ: هُوَ حَدِيث مَوْضُوع وَفِي إِسْنَاده رجل كَذَّاب.
(وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «كنت أَضَع للنَّبِي (ثَلَاثَة آنِية مخمرة: إِنَاء لطهوره، وإناء لسواكه، وإناء لشرابه» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث حريش بن الخريت الْبَصْرِيّ، وَقد انْفَرد بالإِخراج عَنهُ، وَهُوَ ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ خَ: فِيهِ نظر. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: واهي الحَدِيث) .
وَعَن سُلَيْمَان بن صرد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «اسْتَاكُوا وتَنَظَّفُوا، وأَوْتِرُوا فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَوسط معاجمه»، وَقَالَ: «لَا يرْوَى عَن سُلَيْمَان إلاَّ بِهَذَا الإِسناد» .
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ (أنَّ جِبْرِيل أَبْطَأَ عَلَى النَّبِي - ﷺ - فذُكر ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: وَكَيفَ لاَ يُبْطِئُ عَنْكُمْ وأَنْتُمْ حَوْلِي لاَ تَسْتَنُون، وَلاَ تُقْلِّمُون أَظْفَارَكُم، وَلَا (تشفون) شَوَارِبَكُمْ وَلَا تحفون حواجبكم» .
رَوَاهُ أَبُو نعيم وَفِيه إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش. وَكَذَا أخرجه أَحْمد فِي «الْمسند» من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن ثَعْلَبَة بن مُسلم
[ ٢ / ١٢ ]
(الْخَثْعَمِي)، عَن أبي كَعْب مولَى ابْن عَبَّاس عَنهُ بِهِ، (بِلَفْظ): «وَلَا تَقُصُّون شَوَارِبَكُمْ وَلَا تُنَقُّون رواجبكم» .
الرَّواجب: مَا بَين عقد الْأَصَابِع.
وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ «كَانَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يُفَارق مُصَلَّاهُ سواكه ومشطه وَكَانَ يكثر تَسْرِيح لحيته» .
رَوَاهُ ابْن طَاهِر فِي «صفوة التصوف» (وَفِيه خَارِجَة بن مُصعب وَقد ضَعَّفُوهُ) .
فصل:
فِيمَا جَاءَ فِي فضل الصَّلَاة الَّتِي يُتَسوك لَهَا
(عَلَى الصَّلَاة الَّتِي لَا يُتَسوك لَهَا)
فِيهِ أَحَادِيث:
(أَحدهَا: عَن عَائِشَة ﵂ وَقد رُوِيَ عَنهُ من طرق):
أَحدهَا: عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي، قَالَ: ذكر مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة ﵂
[ ٢ / ١٣ ]
قَالَت: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «فَضْلُ الصَّلاَةِ الَّتِي يُسْتَاكُ لَهَا عَلَى (الصَّلاَةِ) التِي لاَ يُسْتَاكُ لَهَا (سبعين) ضعفا» .
أخرجه (الْأَئِمَّة): أَحْمد فِي «مُسْنده» وَابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه»، وَقَالَ: فِي (الْقلب) من هَذَا الْخَبَر شَيْء فإنِّي أَخَاف أنَّ مُحَمَّد بن إِسْحَاق لم يسمع من الزُّهْرِيّ. وَالْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك»، وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَالْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ: هَذَا الحَدِيث أحد مَا يُخاف أَن يكون من تدليسات مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار وأنَّه لم يسمعهُ (من الزُّهْرِيّ. وَذكر عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل، عَن أَبِيه أنَّه قَالَ: إِذا قَالَ ابْن إِسْحَاق: وذكرَ [فلَان] فإنَّه لم يسمعهُ) .
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله»: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُعَاوِيَة بن يَحْيَى (الصَّدَفِي)، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة. وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، قَالَ الزُّهْرِيّ: عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة.
[ ٢ / ١٤ ]
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَيُقَال إِن مُحَمَّد بن إِسْحَاق أَخذه من مُعَاوِيَة بن يَحْيَى الصَّدَفِي لأنَّه كَانَ (رسيله) إِلَى الرّيّ فِي صحابة الْمهْدي، وَمُعَاوِيَة ضَعِيف.
قُلْتُ: وَمِنْهُم من يوثقه كَمَا سَيَأْتِي، لَا جرم. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين (بن) الصّلاح: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث لَا يقوى. وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين، فَحِينَئِذٍ (يُنْكَر) عَلَى الْحَاكِم أبي عبد الله فِي تَصْحِيحه لَهُ؛ لِأَن ابْن إِسْحَاق أحد مَا (يُنبز) بِهِ التَّدْلِيس وَلَا خلاف أَن المدلس إِذا لم يذكر (سَمَاعا) لَا يحْتَج بروايته. وَقد قَالَ فِيهِ: ذكر الزُّهْرِيّ - أَو قَالَ الزُّهْرِيّ - وَفِي كَونه - عَلَى تَقْدِير صِحَّته - عَلَى شَرط مُسلم نظر؛ لِأَن ابْن إِسْحَاق لم يرو لَهُ مُسلم شَيْئا محتجًا بِهِ، وإنَّما رَوَى (لَهُ) مُتَابعَة.
وَقد عُلِمَ من عَادَة مُسلم وَغَيره من أهل الحَدِيث أنَّهم يذكرُونَ فِي المتابعات من لَا يحْتَج بِهِ للتقوية لَا للاحتجاج، وَيكون اعتمادهم عَلَى الإِسناد الأوَّل، وَهَذَا مَشْهُور مَعْرُوف عِنْدهم. نعم: هَذِه عَادَة أبي عبد الله الْحَاكِم، يُطلق عَلَى من أخرج لَهُ فِي الصَّحِيح اسْتِشْهَادًا وَنَحْوه أنَّه عَلَى شَرطه، كَذَا استقرأته من «مُسْتَدْركه» .
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُعَاوِيَة بن يَحْيَى الصَّدَفِي، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة قَالَت: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: «تَفْضُل الصَّلاَةُ التِي يُسْتَاكُ لَهَا عَلَى الصَّلاَةِ التِي لاَ يُسْتَاكُ لَهَا سبعين ضعفا» .
[ ٢ / ١٥ ]
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَابْن عدي، وَأَبُو نعيم، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «شعب الإِيمان»، وَمُعَاوِيَة بن يَحْيَى هَذَا ضَعِيف، قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ مرّة: هَالك. وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ السَّعْدِيّ: ذَاهِب الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ يَشْتَرِي الْكتب وَيحدث بهَا، ثمَّ تغير حفظه وَكَانَ يحدث بالوهم. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه»: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله»: هَذَا حَدِيث لَا يَصح.
قُلْتُ: لَكِن قَالَ البُخَارِيّ: (أَحَادِيثه) عَن الزُّهْرِيّ مُسْتَقِيمَة كأنَّها من كتاب. وَهَذَا من حَدِيثه عَنهُ، كَمَا تقدم، وَأخرج لَهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك (أَيْضا) .
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن سُفْيَان، عَن مَنْصُور (عَن الزُّهْرِيّ)، عَن
[ ٢ / ١٦ ]
عُرْوَة، عَن عَائِشَة ﵂، عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «رَكْعَتِين بِالسِّوَاكِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعين رَكْعَة (بِلاَ) سِوَاك» .
رَوَاهُ أَبُو نعيم عَن أبي بكر الطلحي، ثَنَا سهل بن الْمَرْزُبَان، عَن مُحَمَّد التَّمِيمِي الْفَارِسِي، ثَنَا عبد الله بن الزبير الْحميدِي، ثَنَا سُفْيَان. وَهَذِه الطَّرِيق أَجود الطّرق، فَمن الْحميدِي إِلَى عَائِشَة (أَئِمَّة) ثِقَات.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن ابْن لَهِيعَة عَن (أبي) الْأسود، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة، عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «رَكْعَتَان عَلَى أَثَرِ السِّوَاكِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِين رَكْعَة بِغَيرِ سِوَاك» .
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كِتَابه «الْمُتَّفق والمفترق» من جِهَة (سعيد بن عفير) عَن ابْن لَهِيعَة.
وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيّ إِلَى هَذِه الطَّرِيقَة، وَقَالَ: إنَّها ضَعِيفَة، وَلَا شكّ فِي ذَلِكَ لما لَا يخْفَى.
الطَّرِيق الْخَامِس: عَن عبد الله بن أبي يَحْيَى، عَن أبي الْأسود، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة، عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «رَكْعَتَان بَعدَ السِّوَاكِ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ
[ ٢ / ١٧ ]
سبعين رَكْعَة قَبْلَ السِّوَاك» .
رَوَاهُ الْحَارِث بن أبي أُسَامَة فِي «مُسْنده»، والخطيب فِي كِتَابه «غنية الملتمس فِي إِيضَاح الملتبس»، وَهُوَ فِي بعض نسخ الْبَيْهَقِيّ، وَفِيه مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ وَهُوَ مَشْهُور الْحَال، وَقد وثق وَكذب.
الطَّرِيق السَّادِس: عَن فرج بن فضَالة، عَن عُرْوَة بن رُوَيْم، عَن عَائِشَة ﵂ أنَّها قَالَت: «صَلاَةٌ عَلَى سِواكٍ أَفْضَلُ مِن صَلاةٍ عَلَى غَيرِ سِوَاكٍ بِسَبْعين دَرَجَة» .
رَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيث هَاشم بن الْقَاسِم (الحَرَّاني)، ثَنَا عِيسَى بن يُونُس عَن فرج بِهِ. وَفرج ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره، وقَوَّاه أَحْمد.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي بعض نسخ «السّنَن» بِهَذَا السَّنَد، وَلَفظه: «صَلاَةٌ بِسِوَاكٍ خَيرٌ من سَبْعين صَلاَة بِغَيرِ سِوَاكٍ» . قَالَ: وَهَذَا إِسْنَاد غير قوي.
الطَّرِيق السَّابِع: عَن مسلمة بن عَلّي الْخُشَنِي، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا: «رَكْعَتَان بِسِوَاكٍ أفضلُ مِنْ سَبْعين رَكْعَة بِغَيرِ سِوَاكٍ» .
[ ٢ / ١٨ ]