فمنها حديث:
١-" صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية".
وهذا الحديث ذكره أبو الفرج في الموضوعات بسند فيه مأمون – أحد الكذابين، وذكره في كتابه الذي سماه العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، من طريق سلام بن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق علي بن نزار بن حبان عن أبيه عن عكرمة.
وضعف الأول بأن سلام بن أبي عمرة قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء.
وبأن علي بن نزار راوي الثانية واه٢.
ثم قال: ورواه النضر بن سلمة، وهو متروك عن محمد بن بكر، وذكر سندًا إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس – ﵄٣.
وحديث علي بن نزار رواه الترمذي في جامعه، ولم
_________________
(١) ١ من دراستي لمقدمة الحافظ ابن حجر لأجوبته التي أجاب بها السائل عن الأحاديث المنتقدة في المصابيح، وجدت الفرق بين هاتين المقدمتين طفيفًا. ٢ لم يذكر العلائي نص ما قاله ابن الجوزي في علله، حيث قال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ. ونزار وعلي بن نزار والقاسم ابن حبيب وسلام، كلهم ليس بشيء. العلل المتناهية ١/١٥٢. ٣ المصدر السابق ١/١٥٣.
[ ٢٧ ]
به علي بن نزار، بل تابعه فيه القاسم بن حبيب التمار، وعبد الله بن محمد الليثي، كلاهما عن نزار بن حيان، رواه ابن ماجة من طريقهما١.
والقاسم بن حبيب هذا وثقه أبو حاتم بن حبان، وغيره تكلم فيه٢.
وعبد الله الليثي لم أر أحدًا تكلم فيه٣.
والترمذي قال في هذا الحديث بعد سياقه: هذا حديث حسن غريب٤.
وفي الباب عن عمرو بن عمرو، ورافع بن خديج – ﵃.
فهذه المتابعات وتحسين الترمذي له يخرج الحديث عن أن يكون موضوعًا أو واهيًا، والله أعلم.
_________________
(١) ١ رواه ابن ماجه في باب في الإيمان. السنن ١/٩. ٢ قال فيه الحافظ: لين، من السادسة. -ت-. تقريب التهذيب ص ٢٧٨. ٣ قال الحافظ: مجهول، من السابعة. – ق-. تقريب التهذيب ص ١٨٨. ٤ انظر باب ما جاء في القدرية. تحفة الأحوذي ٦/٣٦٢. قلت: هذا الحديث مداره على نزار بن حبان. قال فيه ابن حبان: منكر الحديث جدًا، يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه، حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها، لا يجوز الاحتجاج به بحال. أما المتابعات التي ذكرها العلائي، فهي واهية إذ أننا لم نر من تابع نزارًا، بل توبع ابنه، وهذه المتابعات ليست بشيء لا سيما وإن في إحدى طرقها مجهول. ولنقف على قول ابن حبان في نزار. انظر المجروحون ٣/٥٦.
[ ٢٨ ]
ومنها حديث:
٢- " القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم "١.
هذا الحديث ليس بموضوع، بل له طرق كثيرة ينجبر بعضها ببعض، وأجودها ما رواه أبو داود في سننه عن موسى بن إسماعيل عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر -رضي الله عنهما٢.
وهذا الإسناد رجاله على شرط الشيخين، لكن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، وهو منقطع٣.
وقد رواه جعفر الفريابي في كتاب «القدر» من طريق زكريا بن منظور عن أبي حازم عن نافع عن ابن عمر به٤.
وزكريا هذا قال فيه ابن معين: ليس به بأس. وغيره تكلم فيه٥.
فقد تبين الساقط من سنده في رواية أبي داود.
ورواه بعد ذلك من حديث حذيفة ﵁ وفي
_________________
(١) ١ أورده ابن الجوزي في علله أيضًا ١/١٤٤، وقال: هذا حديث لا يصح. ٢ رواه أبو داود في باب في القدر. عون المعبود ١٢/٤٥٢. ٣ قال الحافظ ابن حجر: قال أبو الحسن بن القطان: قد أدركه وكان معه بالمدينة، فهو متصل على رأي مسلم. مشكاة المصابيح ٣/٣٠٥. ٤ لم أقف عليه في نسختي من كتاب «القدر» . ٥ قلت: ثبت للحافظ ابن حجر أنه ضعيف بعد دراسة أقوال النقاد فيه. التاريخ ٢/١٧٤، تقريب التهذيب ص: ١٠٧.
[ ٢٩ ]
إسناده بقية بن الوليد عن الأوزاعي١.
وبقية هذا مشهور بأنه يدلس عن الضعفاء، ولكن تصلح روايته للشواهد.
ورواه جعفر الفريابي بسند آخر جيد عن مكحول عن أبي هريرة ﵁، لكن مكحول لم يسمع من أبي هريرة، فهو مرسل٢.
فتتبين بهذه الطريق أن الحديث له أصل، وليس بمنكر، فضلًا عن أن يكون موضوعًا٣. والله أعلم.
ومنها حديث:
٣-"صلاة التسبيح"٤.
وهو حديث حسن صحيح، رواه أبو داود وابن ماجه بسند جيد إلى ابن عباس ﵄، وعنه عكرمة.
وقد احتج به البخاري، وعنه الحكم بن أبان، وقد وثقه يحيى بن معين و(العجلي) ٥ وغيرهما، وعنه موسى بن عبد العزيز، وقد
_________________
(١) ١ لم أقف عليه في نسختي من كتاب «القدر» . ٢ كتاب القدر ص ٤٦. ٣ قلت: ثبت للحافظ ابن حجر أنه حسن، ويرى أن مستند من أطلق عليه الوضع تسميتهم – أي القدرية – المجوس، وهم مسلمون، أنهم كالمجوس في إثبات فاعلين لا في جميع معتقد المجوس. المصابيح ٣/٣٠٥، المصنوع في معرفة الموضوع ص ١٠٨. ٤ عون المعبود ٤/١٧٦، سنن ابن ماجه ١/٤٤٢، الموضوعات ٢/١٤٣. ٥ كلمة غير واضحة، وأميل إلى أنها: العجلي. انظر: تهذيب التهذيب ٢/٤٢٣.
[ ٣٠ ]
قال فيه يحيى بن معين والنسائي: لا بأس به١. وباقي رواته متفق عليهم.
وقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه٢.
وقال أبو حامد بن الكرجي: سمعت مسلم بن الحجاج، وكتب معي هذا الحديث مع عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن موسى بن عبد العزيز، يقول: لا يروى في هذا الحديث إسناد أحسن من هذا٣.
وقال الإمام أبو بكر بن أبي داود السجستاني: سمعت أبي يقول: ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا. يعني حديث عكرمة عن ابن عباس٤.
وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين مصححًا له، ثم رواه أيضًا من طريق حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن نافع عن ابن عمر -﵄- أن النبي ﷺ علّم هذه الصلاة جعفر بن أبي طالب – ﵁ – فذكرها. ثم قال الحاكم: هذا إسناد صحيح لا غبار عليه٥.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ١٠/٣٥٦. ٢ رواه في باب صلاة التسبيح، وقال: إن صحّ الخبر فإن في القلب من هذا الإسناد شيء . صحيح ابن خزيمة ٢/٢٢٣. ٣ وقال الدرقطني: أصح شيء في فضل الصلاة: صلاة التسبيح. اللالئ المصنوعة ٢/٤٤. ٤ مشكاة المصابيح ٣/٣٠٧. ٥ وزاد: ومما يستدل به على صحة هذا الحديث: استعمال الأئمة من اتباع التابعين إلى عصرنا هذا إياه، ومواظبتهم عليه، وتعليمهن الناس، منهم عبد الله بن المبارك. المستدرك ١/٣١٩.
[ ٣١ ]
(وهذان التصحيحان كلاهما) ١ يعارض ذكر ابن الجوزي له في كتابه «الموضوعات»، وتبين أنه أخطأ في ذلك، ولا بد هو ساقه من ثلاث طرق. منها اثنان في إسناد كل منهما رجل ضعيف، والثالث: طريق ابن عباس المتقدمة.
واعترض عليها بأن موسى بن عبد العزيز مجهول. وليس هو كذلك. فقد روى عنه جماعة من الثقات، وتقدم أن ابن معين والنسائي قالا فيه: لا بأس به. فليس بمجهول قطعًا، ثم لا يلزم من كونه مجهولًا والآخرين ضعيفين أن يكون الحديث موضوعًا، لا سيما مع تصحيح من نقدم.
وللحديث طرق أخرى كثيرة غير ما ذكرنا.
فأما ما ذكره السائل من أن الإمام أحمد بن حنبل طعن فيه. فقد ذكر الخلال في كتاب «العلل» أن علي بن سعيد النسائي قال: سألت أحمد بن حنبل عن صلاة التسبيح فقال: لم يصح عندي منها شيء.
فقلت له حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
فقال: كل يرويه عن عمرو بن مالك النكري.
فقلت: قد رواه أيضًا مستمر بن الريان.
فقال: من حدثك؟
قلت: مسلم بن إبراهيم.
فقال: مسلم شيخ ثقة، وكأنه أعجبه.
فهذا تقوية منه للحديث بسند آخر غير ما تقدم.
وقد حكى الترمذي عن الإمام عبد الله بن المبارك ما يقتضي تقوية هذا الحديث٢. وذكر استحباب فعلها من
_________________
(١) ١ في الأصل: وهذا التصحيحين كلها. ٢ قلت: نقل الترمذي عن ابن المبارك ما أورده العلائي. إلا أن الترمذي كان له موقف من هذا الحديث. حيث قال: روى عن النبي ﷺ غير حديث في صلاة التسبيح، ولا يصح منه كبير شيء . تحفة الأحوذي ٢/٥٩٧.
[ ٣٢ ]
أصحابنا الروياني في البحر، والبغوي في شرح السنة.
وذكرها من أئمة الحنابلة جماعة، منهم: أبو الوفاء بن عقيل، والشيخ موفق الدين المقدسي، وغيرهما. والله أعلم.
ومنها حديث:
٤- "من عزى مصابًا فله مثل أجره" ١.
وهذا ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» من حديث ابن مسعود، وجابر ﵄.
وفي سند الأول حماد بن الوليد، وهو متكلم فيه٢.
وفي طريق الثاني محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو متهم ليس بثقة٣.
والحديث الأول رواه الترمذي٤، وابن ماجه٥ من غير طريق حماد بن الوليد في إسناده عندهما علي بن عاصم عن محمد بن سوقه، وقد تكلم جماعة من الأئمة في علي بن عاصم
_________________
(١) ١ الموضوعات ٣/٢٢٣. ٢ قال فيه الحافظ الذهبي: ساقط متهم. ديوان ص ٧٣. ٣ قال الحافظ: متروك ليس بثقة. تقريب التهذيب ص ٣٠٩. ٤ رواه الترمذي وقال عقبه: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث علي بن عاصم. وروى بعضهم عن محمد بن سوقه بهذا الإسناد مثله موقوفًا ولم يرفعه. ويقال: أكثر ما ابتلى به علي بن عاصم بهذا الحديث. نقموا عليه . تحفة الأحوذي ٤/١٨٥. ٥ سنن ابن ماجه ١/٥١١.
[ ٣٣ ]
هذا، وذكروا هذا الحديث من جملة ما انتقد عليه.
لكن ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب أن هذا الحديث رواه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن وكيع بن الجراح عن قيس بن الربيع عن محمد بن سوقه١.
وإبراهيم بن مسلم هذا ذكره ابن حبان في الثقات٢. ولم يتكلم فيه أحد.
وقيس بن الربيع صدوق تكلموا فيه٣ وحديثه يصلح متابعًا لرواية علي بن عاصم.
والذي يظهر أن هذا الحديث يقارب درجة الحسن، ولا ينتهي إليه، بل فيه ضعف محتمل. فأما أن يكون موضوعًا فلا٤.
ومنها حديث:
٥-" أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود".
وهو في سنن أبي داود والنسائي من حديث عائشة رضي
_________________
(١) ١تاريخ بغداد ١١/٤٥١. ٢وقال: يغرب. لسان الميزان ١/١١١. ٣قال الحافظ: صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به. تقريب التهذيب ص ٢٨٣. ٤أورد السيوطي هذا الحديث في كتابه اللآلئ ٢/٤٢٢، وتكلم عليه كلامًا جيدًا، حيث نقل أقوال الأئمة فيه. وقد ثبت للحافظ ابن حجر ضعفه. مشكاة المصابيح ٣/٣٠٩.
[ ٣٤ ]
الله عنها١.
وفي إسناده عبد الملك بن زيد العدوي، وقد ضعفه علي بن الجنيد.
وقال فيه النسائي: ليس به بأس.
ووثقه أبو حاتم بن حبان٢.
والحديث حسن لا سيما مع تخريج النسائي له٣. ولا يجوز نسبته إلى الوضع والاختلاق.
ومنها حديث:
٦ -"يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة" ٤.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود في كتاب الحدود، والنسائي في الكبرى في باب الرجم. عون المعبود ١٢/٣٨، تحفة الأشراف ١٢/٤١٣. ٢ الجرح والتعديل ٢/٢/٣٥٠، تهذيب التهذيب ٦/٣٩٣. ٣ قال ابن القيم ﵀: قال الحافظ صلاح الدين العلائي: عبد الملك بن زيد هذا قال فيه النسائي لا بأس به، ووثقه ابن حبان. فالحديث حسن إن شاء الله تعالى لا سيما مع إخراج النسائي له، فإنه لم يخرج في كتابه منكرًا ولا واهيًا ولا عن رجل متروك. قلت: إن كان ابن القيم نقل هذا من كتاب النقد الصحيح للعلائي، فالكلام الذي نقله غير موجود في الأصل، وإنما الموجود ما هو مثبت، وهو يقارب هذا الكلام. وإن كان قد نقله من كتاب آخر للعلائي فلم يبين أي كتاب. قال الحافظ ابن حجر: أخرجه النسائي من وجه آخر من رواية عطاف بن خالد عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عمره. وأخرجه أيضًا من طريق آخر عن عمره، ورجالها لا بأس بهم، إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، فلا يتأتى لحديث يروى بهذا الطرق أن يسمى موضوعًا. انظر: تحفة الأشراف ١٢/٤١٣-٤٣١، عون المعبود ١٢/٣٩، مشكاة المصابيح ٣/٣٠٩، المقاصد الحسنة ص ٧٣. ٤ الموضوعات ٣/٥٥.
[ ٣٥ ]
وهو أيضًا في سنن أبي داود، والنسائي من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ رفعه١.
وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» وأخطأ في ذلك خطأ فاحشًا، لأنه بنى ذلك على أن عبد الكريم هو ابن أبي أمية أبو المخارق البصري، وأنه ضعيف، وليس الأمر كما ظن. بل هذا عبد الكريم بن مالك الجزري، صرح بنسبه البيهقي في هذا الحديث بعينه في كتاب «الآداب» له٢.
وعبد الكريم الجزري ثقة متفق عليه.
فإسناد الحديث على شرط الصحيحين.
ثم لو سلم أنه أبو المخارق، فقد روى عنه الإمام مالك، ولا يروي إلا عن ثقة عنده.
وأخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم في المتابعات، فلا
_________________
(١) ١ رواه أبو داود في باب ما جاء في خضاب السواد. والنسائي في باب النهي عن الخضاب بالسواد. وقد صرح أبو داود باسم الراوي عن سعيد بأنه عبد الكريم الجزري، وكذلك فعل المزي. وممن جزم بأنه الجزري: أبو الفضل بن الطاهر، وابن عساكر، والضياء المقدسي، وغيرهم. وهو مقتضى صنيع من صححه كابن حبان والحاكم. انظر: عون المعبود ١١/٢٦٦، سنن النسائي ٨/١٣٨، تحفة الأشراف ٤/٤٢٤، مشكاة المصابيح ٣/٣٠٩. ٢ كتاب الآداب ٣١٩/أ.
[ ٣٦ ]
يجوز أن نحكم على ما انفرد به بالوضع١.
ومنها حديث:
٧-"إن النبي ﷺ رأى رجلًا يتبع حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة".
والحكم على هذا الحديث بالوضع جهل وخطأ أيضًا.
فقد رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي٢ من طرق إلى حماد بن سلمة الإمام المشهور، أحد من احتج به مسلم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁.
_________________
(١) ١ انظر أقوال النقاد في ابن أبي المخارق. تهذيب التهذيب ٦/٣٧٧. ٢ أخرجه أبو داود في باب اللعب بالحمام. وكذا أخرجه ابن ماجة والبيهقي. وقال: خالفه شريك فيما روى عنه، فقال عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة، وحديث حماد أصح. عون المعبود ١٣/٢٨٤، سنن ابن ماجه ٢/١٢٣٨، السنن الكبرى ١٠/١٩. قال الحافظ ابن حجر: محمد صدوق في حفظه شيء، وحديثه في مرتبة الحسن، وإذا توبع بمعتبر قبل، وقد يتوقف في الاحتجاج به إذا انفرد بما لم يتابع عليه، ويخالف فيه، فيكون حديثه شاذًا، لكنه لا ينحط إلى الضعف، فضلًا عن الوضع. وقد زاد بعضهم في هذا السند رجلًا. فأخرجه ابن ماجه من طريق شريك عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة. ومن طريق حماد بن سلمة بن محمد بن عمرو كالأول. وليس هذا بقادح، لأن حمادًا أضبط من شريك، ويحتمل أن يكون أبو سلمة حدث به على الوجهين. سنن ابن ماجه ٢/١٢٣٩، مشكاة المصابيح ٣/٣١٠.
[ ٣٧ ]
ومحمد بن عمرو هذا من شيوخ مالك في الموطأ، ووثقه يحيى بن معين وغيره. والترمذي وصحح حديثه، وكذلك الحاكم وابن خزيمة وابن حبان.
وللحديث طريقان آخران رواهما ابن ماجه١، وينتهي بمجموع ذلك إلى درجة الصحة القوية.
ومنها حديث:
٨-" إذا كتب أحدكم كتابًا فليتربه فإنه أنجح لحاجته".
وله طريقان:
أحدهما: رواه الترمذي به، من حديث حمزة النصيبي، عن أبي الزبير عن جابر، وحمزة هذا ضعيف متروك باتفاقهم٢
_________________
(١) ١ الطريق الأول عن عثمان بن عفان، إلا أنه منقطع لأن في سنده الحسن بن أبي الحسن لم يسمع من عثمان، كما نقل عن أبي زرعة الرازي. والطريق الثاني: عن أنس بن مالك، وفي السند إليه رواد بن الجراح، قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق اختلط بآخره فترك. تقريب التهذيب ص ١٦٠، وانظر سنن ابن ماجه ٢/١٢٣٨-١٢٣٩. ٢ رواه الترمذي في باب ما جاء في تتريب الكتاب، وقال عقبه: هذا حديث منكر لا نعرفه عن أبي الزبير إلا من هذا الوجه، وحمزة هو ابن عمرو النصيبي، وهو ضعيف الحديث. قال الحافظ: له في الترمذي حديث واحد في تتريب الكتاب، وهو غير منسوب عنده، وقال بأثره حمزة هو ابن عمرو النصيبي. قال المزي: لا نعلم أحدًا قال فيه حمزة بن عمرو إلا الترمذي، وكأنه اشتبه عليه بحماد بن عمرو النصيبي. انظر: تحفة الأحوذي ٧/٤٩٤، تهذيب التهذيب ٣/٢٩.
[ ٣٨ ]
والثانية: رواه ابن ماجه، وفي إسناده بقية، قال: ثنا أبو أحمد عن أبي الزبير عن جابر.
وأبو أحمد هذا مجهول، وقيل إنه عمر بن موسى الوجيهي، وهو كذاب منكر الحديث١.
فالحديث ضعيف جدًا، ولا تبعد لنسبته إلى الوضع، والاعتراض فيه على صاحب المصابيح في عده إياه من الحسان٢، والله أعلم.
ومنها حديث:
٩-" لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك ".
وهذا ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» بسند فيه عمر بن إسماعيل بن مجالد عن حفص بن غياث عن برد عن مكحول عن واثلة بن الأسقع ﵁، وعمر بن إسماعيل هذا اتفقوا على ضعفه، لكن لم ينفرد بالحديث كما قال أبو الفرج٣. بل رواه الترمذي عن سلمة بن شبيب عن القاسم بن أمية عن حفص بن غياث، وقال فيه حديث حسن غريب٤.
_________________
(١) ١ رواه في باب تتريب الكتاب. السنن ٢/١٢٤٠. ٢ قال الحافظ ابن حجر في رواية الترمذي: ومع ضعفه لم ينفرد به بل تابعه أبو أحمد بن علي الكلاعي عن أبي الزبير، وقد أيد حكم العلائي لهذا الحديث بالضعف. مشكاة المصابيح ٣/٣١٠. ٣ المضوعات ٣/٢٢٤. ٤ تحفة الأحوذي ٧/٢٠٦.
[ ٣٩ ]
ومكحول سمع من واثلة١.
وذكر شيخنا المزي أن الصواب في سند الترمذي القاسم بن أمية، لا أمية بن القاسم.
وإن القاسم هذا معروف.
قال فيه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان: صدوق٢.
فبرئ عمر ابن إسماعيل من عهدة الحديث، وهو حسن كما قال الترمذي، لكنه غريب، كما ذكر التفرد القاسم به٣.
ومنها حديث:
١٠ -"للسائل حق وإن جاء على فرس".
ذكره السائل متصلًا بقوله ﷺ: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، وأعطوا السائل وإن جاء على فرس".
وذكر أن المنتقد إنما اعترض على الجملة الثاني، وإنها موضوعة، وليس شيء منهما موضوعًا، ولكن الجملة الثانية أصح من الأولى، فإن قوله أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ١٠/٢٨٩. ٢ الجرح والتعديل ٢/٣/١٠٧، تحفة الأشراف ٩/٨٠. ٣ قال الحافظ ابن حجر: أخرجه الترمذي من طريق مكحول عن واثلة بن الأسقع، وقال: حديث حسن غريب، ومكحول قد سمع من واثلة. وأخرج له شاهدًا يؤدي معناه من طريق ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن واثلة. قال: قال رسول الله ﷺ: "من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله ". وقال أيضًا حسن غريب. هكذا وصف كلًا منهما بالحسن والغرابة. فأما الغرابة فلتفرد بعض رواة كل منهما عن شيخه، فهي غرابة نسبية. وأما الحسن فلاعتضاد كل منهما بالآخر. وخالف ذلك ابن حبان فقال: لا أصل له من كلام النبي ﷺ. مشكاة المصابيح ٣/٣١١.
[ ٤٠ ]
عرقه.
انفرد به ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر ﵄ وعبد الرحمن هذا ضعيف لا يحتج به١.
وأما الجملة الثانية، فروى أبو داود من طريق سفيان الثوري، ثنا مصعب بن محمد بن شرحبيل، ثنا يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين عن أبيها الحسين بن علي ﵄ عن النبي ﷺ قال: "للسائل حق وإن جاء على فرس"٢.
ثم رواه من حديث يحيى بن آدم، ثنا زهير يعني ابن معاوية عن شيخ قال: رأيت سفيان عنده عن فاطمة بنت حسين عن أبيها عن علي ﵁ به٣.
والطريق الأولى حسنة، ومصعب بن محمد وثقه يحيى بن معين٤.
ويعلى بن أبي يحيى قال فيه أبو حاتم: مجهول، وعرفه ابن حبان فذكره في الثقات٥.
والظاهر أنه هو الشيخ المبهم في الرواية الثانية.
وزهير بن معاوية من رجال الصحيحين.
وقد أثبت أبو عبد الله بن الحذاء سماع الحسين ﵁ من
النبي ﷺ، وإن لم يكن كذلك فهو مرسل صحابي لا
_________________
(١) ١ حديث: أعطوا الأجير. رواه ابن ماجه في باب أجر الأجراء. سنن ابن ماجه ٢/٨١٧. وعبد الرحمن بن زيد قال فيه الحافظ: ضعيف من الثامنة. تقريب التهذيب ص ٢٠٢. ٢ رواه في باب حق السائل. عون المعبود ٥/٨٣. ٣ المصدر السابق ٥/٨٤. ٤ الجرح والتعديل ٤/١/٣٠٤. ٥ الجرح والتعديل ٤/٢/٣٠٣، تهذيب التهذيب ١١/٤٠٥.
[ ٤١ ]
يجيء فيه الخلاف الذي في المرسل١.
وقد تبين بالرواية الثانية اتصاله بذكر علي ﵁، والحديث حسن الإسناد، والله أعلم٢.
ومنها قوله ﷺ:
١١-" المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل".
ونسبة هذا الحديث إلى الوضع جهل قبيح.
فقد رواه أبو داود والترمذي من حديث زهير بن محمد عن موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله عنه٣.
وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
وهو كما ذكر. فإن موسى بن وردان وثقه أحمد العجلي، وأبو داود وغيرهما٤، ولم يضعفه أحد٥، وزهير بن
_________________
(١) ١ انظر عون المعبود ٥/٨٣. ٢ هذا الحديث غير موجود في تعليقات الحافظ ابن حجر، ولا أدري هل سقطت منها أم لم يسأل عنها. ٣ رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس. والترمذي في كتاب الزهد. عون المعبود ١٣/١٧٩، تحفة الأحوذي ٧/٤٩. ٤ قال الحافظ: صدوق ربما أخطأ من الثالثة. تهذيب التهذيب ١٠/٣٧٦، تقريب التهذيب ص ٣٥٣. ٥ بل ضعفه بعض الأئمة كما هو وارد في تهذيب التهذيب ١٠/٣٧٦. ولذا وصفه الحافظ بالخطأ. وهذا الحديث أورده الحافظ في جاوباته، وقال رجاله موثقون، إلا أن الراوي عن موسى مخلف فيه. مشكاة المصابيح ٣/٣١٢.
[ ٤٢ ]
محمد احتج به الشيخان، وذلك يدفع ما تكلم به فيه.
ووثقه أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما١.
(فتفرده) ٢ يكون حسنًا غريبًا، ولا ينتهي إلى الضعف، فضلًا عن الوضع٣.
ومنها حديث:
١٢-" المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم".
وهذا الحديث أيضًا لا ينزل عن درجة الحسن، وهو عند أبي داود والترمذي من طريق عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه٤.
وبشر بن رافع ضعفه أحمد بن حنبل.
وقال يحيى بن معين: ليس به بأس٥.
وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا منكرًا٦.
_________________
(١) ١ لاستيفاء ترجمته انظر: تهذيب التهذيب ٣/٣٤٨. ٢ ما بين القوسين كلمة غير واضحة، ولعلها فتفرده. ٣ انظر المقاصد الحسنة ص ٣٧٨. ٤ رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب في حسن العشرة. والترمذي في كتاب البر، باب ما جاء في البخل. عون المعبود ١٣/١٤٦، تحفة الأحوذي ٦/٩٧. ٥ الجرح والتعديل ١/١/٣٥٧، تهذيب التهذيب ١/٤٤٨. ٦ الكامل ٢/٢/١٢١.
[ ٤٣ ]
ورواه البيهقي في كتاب الآداب له من طريق حجاج بن فرافصه عن يحيى بن أبي كثير١.
وحجاج هذا قال فيه يحيى بن معين: لا بأس به.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وأثنى عليه أبو حاتم الرازي٢.
واعتضد الحديث برواية حجاج له، وخرج عن الغرابة التي أشار إليها الترمذي٣.
وقوله ﷺ: "المؤمن غر كريم " أي ليس بذي مكر٤. فهو ينخذع لانقياده ولينه.
والمراد وصفه بعلة الفطنة للشر وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلًا، ولكنه كرم وحسن خلق، وكذلك أتبعه ﷺ بالوصف بالكرم.
وعكسه صفة الفاجر، يقال رجل خب، أي – رجل خبيث – خداع منكر، وأصل الكلمة من قوله: خب البحر إذا هاج واغتلمت أمواجه، فإن راكبه حينئذ يكون قريبًا إلى الهلاك. كذلك من يصاحب الفاجر.
_________________
(١) ١ كتاب الآداب ص ٩٠. ٢ التاريخ لابن معين ٢/١٠٢، الجرح والتعديل ١/٢/١٦٤، تهذيب التهذيب ٢/٢٠٤. ٣ أعل الحافظ هذا الحديث بالحجاج، وبشر بن رافع وهو أضعف. وقال: ومع هذا لا يتجه الحكم عليه بالوضع لفقد شرط الحكم في ذلك. مشكاة المصابيح ٣/٣١٢. ٤ في النهاية لابن الأثير ٢/١٧٥ أي ليس بذي مكر. فهو ينخدع لانقياده ولينه، وهو ضد الحب. يقال: فتى غر وقد غررت تغر غرارة، يريد أن المؤمن المحمود من طبعه الغرارة وقلة الفظنة للشر، وترك البحث عنه، وليس ذلك جهلًا ولكنه كرم وحسن خلق.
[ ٤٤ ]
ومنها حديث:
١٣-" اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين".
وهو حديث ضعيف، لكن لا ينتهي إلى أن يكون موضوعًا١.
رواه ابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه٢. وفي إسناده يزيد بن سنان.
قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء.
وقال أبو حاتم: محله الصدق، ولا يحتج به٣.
وكذلك أيضًا حديث:
١٤ -"حبك الشيء يعمي ويصم".
رواه أبو داود من طريق بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن خالد بن عبد الله الثقفي عن بلال بن أبي الدرداء عن
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن حجر: أخرجه الترمذي من طريق الحارث بن أخت سعيد بن جبير عن أنس، وقال: حسن غريب. قلت: بعد الرجوع إلى سنن الترمذي وجدت استغرابه فقط. وأخرجه ابن ماجه والحاكم، وصححه من حديث أبي سعيد، ولفظه أخصر من الأول. سنن ابن ماجه ٢/١٣٨١، تحفة الأحوذي ٧/١٩، مشكاة المصابيح ٣/٣١٣. ٢ انظر المصدر السابق. ٣ التاريخ لابن معين ٢/٦٧٢، الجرح والتعديل ٤/٢/٢٦٧. ولمزيد من التفصيل انظر: المقاصد الحسنة ص ٨٤، اللآلئ المصنوعة ٢/٣٢٤.
[ ٤٥ ]
أبيه ﵁ رفعه١.
وبقية تكلموا فيه، ولكنه يحتمل إذا صرح بالسماع٢.
وشيخه أبو بكر هذا ضعفه أبو زرعة والدارقطني.
وقال فيه أحمد بن حنبل ليس بشيء٣.
وذكر الحافظ المنذري: أن الحديث روي موقوفًا من قول أبي الدرادء، وإنه الأشبه بالصواب٤.
وذكر عن بعضهم أن معنى الحديث: "إنما الحب يعمي المحب عن غير المجهول، ويصم سمعه العدل عنه"٥. وفائدته النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبه.
ومنها حديث:
_________________
(١) ١ راوه في كتاب الأدب، باب في الهوى. عون المعبود ١٣/٣٨. ٢ ميزان الاعتدال ١/٣٣١، تهذيب التهذيب ١/٤٧٣. ٣ وقال الحافظ ابن حجر: في سنده أبو بكر بن أبي مريم، وهو شامي، صدوق طرقه لصوص ففزع، فتغير عقله، فعدوه فيمن اختلط. وذكر السخاوي هذا الحديث وبين طرقه، وبين قول العراقي فيه، إذ قال: إن ابن أبي مريم لم يتهمه أحد بالكذب، إنما سرق له حلي فأنكر عقله، وقد ضعفه غير واحد، ويكفينا سكوت أبي داود عليه، فليس بموضوع، بل ولا شديد الضعف، فهو حسن. مشكاة المصابيح ٣/٣١١، المقاصد الحسنة ص ١٨١. ٤ مختصر سنن أبي داود ٨/٣١. ٥ هكذا في الأصل. وهو كلام غير مستقيم.. وعند الرجوع إلى كلام المنذري في كتابه وجدته هكذا. وسئل ثعلب عن معناه؟ فقال: يعمي العين عن النظر إلى مساويه، ويصم الأذن عن استماع العذل فيه. انتهى. مختصر سنن أبي داود ٨/٣١.
[ ٤٦ ]
١٥-" لا حليم إلا ذو عثرة، ولاحكيم إلا ذو تجربة".
وهو في جامع الترمذي من طريق عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم العتواري عن أبي سعيد الخدري -﵁- رفعه.
فقال فيه الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه١.
ودراج هذا وثقه يحيى بن معين، فاعترض عليه فضلك الرازي، وقال: ما هو بثقة ولا كرامة٢.
وقال فيه أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير وهو لين٣.
وضعفه الدارقطني وغيره.
وقال النسائي: ليس بالقوي، ومع ذلك أخرج له في سننه كثيرًا٤.
وقال أبو داود حديثه مستقيم٥.
_________________
(١) ١ رواه في كتاب البر، باب ما جاء في التجارب. تحفة الأحوذي ٦/١٨٢. ٢ التاريخ لابن معين ٢/١٥٥، ميزان الاعتدال ٢/٢٤. ٣ العلل ومعرفة الرجال ص ٤١٣، تهذيب التهذيب ٣/٢٠٨. وقال ابن عدي: عامة الأحاديث التي أمليتها عن دراج مما لا يتابع عليه، ومما ينكر من حديثه.. فذكر عددًا، منها حديث " لا حليم إلا ذو عثرات.." وقال: وأرجو أن أحاديثه بعد هذه التي أنكرت عليه لا بأس بها. الكامل ٢/٢/٧٧. ٤ الضعفاء والمتروكين ص ٣٩. ٥ في تهذيب التهذيب ٣/٢٠٨ قال الآجري عن أبي داود: أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. قلت: وهذا النقل عن أبي داود في التضعيف يوافق غيره من الأئمة. وقد حكم الحافظ ابن حجر على هذا الحديث بالحسن. وأورد من أخرجه من الأئمة. مشكاة المصابيح ٣/٣١٢، المقاصد الحسنة ص ٤٦٥.
[ ٤٧ ]
والترمذي حسن هذا الحديث مع تفرده به، فهو من أنزل درجات الحسن، أو هو ضعيف ضعفًا يحتمل، وأما أن يقال إنه موضوع فلا.
ومنها الحديث المتعلق بالبصرة:
١٦-" إياك وسباخها وكلابها ونخيلها وسوقها وباب أمرائها.." الحديث.
وهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات١ من حديث أنس ﵁، وفي إسناده عمار بن زربي، وقد رماه عبدان بالكذب٢.
وقال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم٣.
ولكن لم ينفرد عمار به. بل أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم من سننه، قال: ثنا عبد الله بن الصباح، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمى عن موسى الحناط٤. لا
_________________
(١) ١ باب في ذكر البصرة. الموضوعات ٢/٦٠. ٢ قال الحافظ الذهبي: قد سمع من عمار بن زربي عبدان الأهوازي، وتركه ورماه بالكذب. ميزان الاعتدال ٣/١٦٤. ٣ الضعفاء للعقيلي ٣/٣٢١. ٤ قال الحافظ ابن حجر: الحناط –بالحاء المهملة والنون. مشكاة المصابيح ٣/٣١٣.
[ ٤٨ ]
أعلمه إلا ذكره عن موسى بن أنس عن أبيه١.
وهذا الإسناد رجاله على شرط مسلم، احتج بهم جلهم، وليس فيه سوى عدم الجزم باتصاله، بل هو بغلبة الظن، وذلك كاف كما صرح به أئمة الفن في أمثاله. والله أعلم.
ومنها حديث:
١٧-"الطير".
وله طرق كثيرة غالبها واه. وفي بعضها ما يعتبر به، فيقوى أحد السندين بالآخر، وأمثل ما ورد به طريقان:
أحدهما: رواه الترمذي من جهة عبيد الله بن موسى أحد المتفق عليهم عن عيسى بن عمر.
وقد وثقه يحيى بن معين وغيره، ولم يضعفه أحد٢. عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وقد احتج به مسلم والناس، عن أنس ﵁ قال:
_________________
(١) ١ رواه في كتاب الملاحم، باب في ذكر البصرة. وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، ليس فيه إلا قول موسى لا أعلمه إلا عن موسى بن أنس، ولا يلزم من شكه في شيخه الذي حدث به أن يكون شيخه فيه ضعيفًا، فضلًا عن أن يكون كذابًا، وتفرد به. والواقع لم يتفرد به، بل أخرجه أبو داود أيضًا لأصله شاهدًا بسند صحيح من حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ. عون المعبود ١١/٤١٩، مشكاة المصابيح ٣/٣١٣. ٢ عيسى بن عمر هو الأسدي.
[ ٤٩ ]
"كان عند النبي ﷺ طير، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك يأكل معي من هذا الطير، فجاء علي ﵁ فأكل".
وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث السدي إلا من هذا الوجه.
والسدي اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن، وقد سمع من أنس، ورأى الحسين بن علي رضي الله عنهما١.
ورواه النسائي في كتاب خصائص علي رضي الله عنه٢ من حديث مسهر بن عبد الملك عن عيسى بن عمر.
ومسهر قد وثقه ابن حبان وغيره.
وقال فيه النسائي: ليس بالقوي٣.
والطريق الثاني: رواه الحاكم في المستدرك من رواية محمد بن أحمد بن عياض، أنبأ أبي، ثنا يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن أنس ﵁ أطول مما تقدم.
ورجال هذا السند كلهم ثقات معروفون، سوى أحمد بن
_________________
(١) ١ التاريخ لابن معين ٢/٢٦٤، تهذيب التهذيب ٨/٢٢٢. رواه الترمذي في باب فضائل علي بن أبي طالب، وقال عقبه: وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أنس. تحفة الأحوذي ١٠/٢٢٤. ٢ الخصائص ١/١٠٤. وقد ذكر المحقق حول هذا الحديث كلامًا كثيرًا وبين المؤلفات التي تكلمت على هذا الحديث. ٣ وقال فيه الحافظ ابن حجر: لين الحديث. تقريب التهذيب ص ٣٣٦.
[ ٥٠ ]
عياض، فلم أر من ذكره بتوثيق ولا جرح١.
وذكر الحاكم – أي له – عن أنس. رواه كثيرين، وأنه روى أيضًا من حديث علي وأبي سعيد الخدري وسفينة ﵁ بطرق صحيحة ولم يسق أسانيدها٢.
وقد انتقد عليه ذلك٣.
وفي مقابلته ذكر الحافظ محمد بن طاهر وأبو الفرج بن الجوزي أن جميع طرق هذا الحديث ضعيفة واهية، وكل من الطرفين (علماء)، والحق أنه ربما ينتهي إلى درجة الحسن٤. أو يكون ضعيفًا يحتمل ضعفه.
وإما أن ينتهي إلى كونه موضوعًا في جميع طرقه فلا.
ولم يذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات، والله أعلم.
_________________
(١) ١قال الذهبي: ابن عياض لا أعرفه. المستدرك ٣/١٣١. ٢انظر المستدرك ٣/١٣٠. ٣ قال الذهبي: قال الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ: سمعت أبا عبد الرحمن الشاذياخي الحاكم يقول: كنا في مجلس السيد أبي الحسن، فسئل أبو عبد الله الحاكم عن أحاديث الطير، فقال: لا يصح، ولو صح لما كان أحد أفضل من علي ﵁ بعد النبي ﷺ. قلت: أي الذهبي – ثم تغير رأي الحاكم، وأخرج حديث الطير في مستدركه، ولا ريب أن في المستدرك أحاديث كثيرة ليست على شرط الصحة، بل فيه أحاديث موضوعة شأن المستدرك بإخراجها فيه. أما حديث الطير، فله طريق كثيرة جدًا قد أفردتها بمصنف، ومجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل. تذكرة الحفاظ ٣/١٠٤٢. ٤وبهذا الحكم حكم الحافظ ابن حجر. مشكاة المصابيح ٣/٣١٧.
[ ٥١ ]
ومنها حديث:
١٨ -"أنا مدينة العلم وعلي بابها".
وهذا الحديث ذكره أبو الفرج بن الجوزي في «الموضوعات» من عدة طرق، وجزم ببطلان الكل١.
وقال مثل ذلك أيضًا جماعة، وعندي في ذلك نظر كما سأبينه.
والمشهور بروايته أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس ﵄.
وعبد السلام هذا ضعفوه جدًا، واتهم بالرفض، ومع ذلك فقد روى عباس بن محمد الدوري في سؤالاته يحيى بن معين أنه سأله عن أبي الصلت هذا فوثقه.
فقال: أليس قد حدث عن أبي معاوية حديث "أنا مدينة العلم".
فقال: قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي، وهو ثقة عن أبي معاوية٢.
وكذلك روى صالح بن محمد الحافظ الملقب جزره، وأبو الصلت أحمد بن محمد بن محرز عن يحيى بن معين، وفي رواية أبي الصلت بن محرز قال يحيى في هذا الحديث: هو من حديث أبي معاوية، أخبرني ابن نمير قال: حدث به أبو معاوية قديمًا ثم كف عنه.
وكان أبو الصلت الهروي رجلًا موسرًا
_________________
(١) ١ الموضوعات ١/٣٥٠. ٢ تاريخ بغداد ١١/٥٠.
[ ٥٢ ]
يطلب هذه الأحاديث، ويكرم المشايخ، يعني فخصه أبو معاوية بهذا الحديث١. فقد برئ عبد السلام الهروي من عهدة هذا الحديث.
وأبو معاوية الضرير ثقة حافظ، يحتج بإفراده، كابن عيينة وغيره٢.
وليس هذا الحديث من الألفاظ المنكرة التي تأباها العقول، بل هو مثال قوله ﷺ في حديث:
"أرحم أمتي أبو بكر، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل"٣.
وقد حسنه الترمذي، وصححه غيره.
وله باب من تكلم على حديث "أنا مدينة العلم" بجواب عن هذه الروايات الثابتة عن يحيى بن معين، فالحكم عليها بالوضع باطل قطعًا.
وإنما سكت أبو معاوية عن روايته شائعًا لغرابته لا لبطلانه، إذ لو كان كذلك لم يحدث به أصلًا مع حفظه وإتقانه.
وللحديث طريق أخرى رواها الترمذي في جامعه عن
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ أبو معاوية الضرير: هو محمد بن خازم –بمعجمتين، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره . تقريب التهذيب ص ٢٩٥. ٣ في السنن: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر.. الخ. وقال عقبه: هذا حديث غريب. تحفة الأحوذي ١٠/٢٩٤.
[ ٥٣ ]
إسماعيل بن موسى الفزاري عن محمد بن عمر بن الرومي عن شريك بن عبد الله عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن أبي عبد الله الصنابحي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا دار الحكمة وعلي بابها " ١.
وتابعه أبو مسلم الكجي وغيره (في) روايته عن محمد بن عمر بن الرومي٢.
ومحمد هذا روى عنه البخاري في غير الصحيح، ووثقه ابن حبان.
وضعفه أبو داود.
وقال الترمذي بعد سياق هذا الحديث: هذا حديث غريب، وقد روى بعضهم هذا عن شريك، ولم يذكر فيه الصنابحي، ولا يعرف هذا عن أحد من الثقات غير شريك٣.
قلت: فلم يبق الحديث من أفراد محمد بن الرومي.
_________________
(١) ١ هذا الحديث ورد أيضًا في الموضوعات ١/٣٥٠. وقد أورد الشوكاني حديث "أنا مدينة العلم" ورجح ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر من كون الحديث حسنًا، لأن ابن معين والحاكم قد خولفا في توثيق أبي الصلت ومن تابعه. وقال ابن حجر: هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدك، وقال إنه صحيح، وخالفه أبو الفرج ابن الجوزي فذكره في الموضوعات، وقال إنه كذب. والصواب خلاف قولهما معًا، وإن الحديث من قسم الحسن، لا يرتقي إلى الصحة، ولا ينحط إلى الكذب، وبيان ذلك يستدعي طولًا، ولكن هذا هو المعتمد في ذلك. انظر: اللآلئ المصنوعة ١/٣٣٤، الفوائد المجموعة ص ٣٤٨. ٢ قال فيه الحافظ: لين الحديث. تقريب التهذيب ٣١٢. ٣ تحفة الأحوذي ١٠/٢٢٥.
[ ٥٤ ]
وشريك ١ هذا احتج به مسلم، وعلق له البخاري.
ووثقه يحيى بن معين والعجلي، وزاد حسن الحديث.
وقال عيسى بن يونس: ما رأيت أحدًا قط أورع في علمه من شريك.
فعلى هذا يكون تفرده حسنًا، ولا يرد عليه رواية من أسقط الصنابحي منه، لأن سويد بن غفلة تابعي مخضرم، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وسمع منهم، فيكون ذكر الصنابحي فيه من باب المزيد من متصل الأسانيد.
والحاصل: إن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحسن المحتج به، ولا يكون ضعيفًا، فضلًا عن أن يكون موضوعًا٢.
ولم أجد لمن ذكره في الموضوعات طعنًا مؤثرًا في هذين السندين، وبالله التوفيق.
ومنها حديث:
١٩ -"يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك" ٣.
وهذا الحديث ليس من الحسان قطعًا، ولكنه حديث
_________________
(١) ١ قال الحافظ: صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء.. . انظر التاريخ ٢/٢٥١، تقريب التهذيب ص ١٤٥. ٢ قال الحافظ في رده على الأحاديث التي وجهت إليه: ضعيف ويجوز أن يحسن. مشكاة المصابيح ٣/٣١٧. ٣ رواه ابن الجوزي في باب فضائل علي الحديث الخامس عشر. الموضوعات ١/٣٦٧.
[ ٥٥ ]
ضعيف، إلا أنه لا ينتهي إلى درجة الموضوع، وهو عند الترمذي من طريق محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال ذلك لعلي عنه١.
وقال عقيبه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد سمع مني محمد بن إسماعيل – يعني البخاري- هذا الحديث٢.
قلت: فلو كان موضوعًا لم يسمعه البخاري، وإنما كتبه عن تلميذه الترمذي لاستغرابه له، وسالم بن أبي حفصة وعطية العوفي كل منهما شيعي ضعيف.
قال النسائي في سالم: ليس بثقة.
وقال الفلاس: مفرط في التشيع٣.
وعطية ضعفه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والنسائي والجماعة٤.
وتحسين الترمذي لهذا الحديث عجيب مع تفرد هذين به.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي في باب مناقب علي بن أبي طالب. تحفة الأحوذي ١٠/٢٣٢. ٢ وزاد في سننه لفظ: واستغربه. المصدر السابق. ٣ قال الحافظ: صدوق في الحديث، إلا أنه شيعي غالي. تقريب التهذيب ص ١١٤. ٤ قال الحافظ: صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا. انظر: العلل ومعرفة الرجال ص ١٩٨، الجرح والتعديل ١/٣/٣٨٢، تقريب التهذيب ص ٢٤٠. قال النووي: إنما حسنه الترمذي لشواهده اللآلئ المصنوعة ١/٣٥٣. وقال ابن حجر: ضعيف قد يحسن. مشكاة المصابيح ٣/٣١٧.
[ ٥٦ ]
وما يدل على ضعفه ونكارته أن النبي ﷺ لم يختص عن الأمة بشيء من الرخص فيما يقتضي تعظيم حرمات الله تعالى، والقيام بإجلاله أصلا، بل خصائصه المرخصة إنما هي فيما يتعلق بالأمور الدنيوية، كالزيادة على أربع في النكاح١، ونحو ذلك.
فلم يكن ﷺ يترخض عن الأمة باستحلال المسجد حالة الجنابة سواء حمل ذلك على اللبث فيه، أو المرور فيه على اختلاف المذهبين.
وقد أنكر ﷺ على بعض الصحابة في كونه ينزه عن أمر يرخص فيه هو وقالوا: يحل الله لنبيه ما شاء، فقال ﷺ: والله إني لأخشاهم لله وأعلمهم بما أتقي"٢.
فنفى ﷺ عن نفسه أن يرخص عن الأمة بشيء مما يخل بالإجلال والتعظيم، والله سبحانه أعلم.
«آخر الجزء عن الجواب التي انتقدت من كتاب المصابيح للبغوي.
قال المؤلف: كتبها المجيب عنها مؤلفه خليل بن العلائي الشافعي – غفر الله له –ببيت المقدس في شهر رجب سنة ستين وسبعمائة. والحمد لله رب العالمين» .
_________________
(١) ١ يشير المصنف إلى وفاة النبي ﷺ عن تسع، وهذا محرم على غيره، لورود الأدلة على ذلك في السنة المطهرة. وقد ذكر الحافظ ابن حجر عدد نسائه وأسمائهن، واختلاف العلماء في عددهن في كتابه. التلخيص الحبير ٣/١٣٧. ٢ رواه البخاري بلفظ: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له". ومسلم بلفظ: "أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له". فتح الباري ٩/١٠٤، صحيح مسلم ١/٤٤٨.
[ ٥٧ ]