[ ٥ / ٢٥٥ ]
نذكر في هذا الباب طرقًا لأحاديث هي أصح من الطرق التي أوردها منها، كما فعلناه في الباب الذي فرغنا منه، إلا أن الفرق بين البابين، هو أن الأول كان قد اعتقد في تلك الأحاديث أنها صحيحة أو حسنة، فبينا فيما اعتقده صحيحًا أنه حسن أو ضعيف، أو فيما هو حسن أنه ضعيف، وأوردنا لها طرقًا خيرًا منها.
وأما في هذا الباب، فإن الأحاديث التي نذكر فيه، هي عنده ضعيفة أو حسنة، ونبين فيها أنها قد وردت من طرق أخر، هي خير منها
(٢٤٦٠) فمن ذلك أنه ذكر من طريق أبي داود، عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط، كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك».
ثم قال: لم يسند هذا الحديث غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه، انتهى ما ذكر.
وقد نبهنا على أمر هذا الحديث ببعض القول في باب الأحاديث التي أعلها بما ليس بعلة، وترك ذكر عللها على الحقيقة، وأخرنا بيانه وبسط
[ ٥ / ٢٥٧ ]
القول فيه إلى هذا الموضع، وذلك أنه ذكر عكرمة [على أنه علته، وهو صدوق ليس به بأس]. قاله ابن معين.
وقال البخاري: «لم يكن عنده كتاب».
ولم يضره؛ ذلك فإنه كان يحفظ إلا أنه غلط فيما يروي عن يحيى بن أبي كثير، وكان أيضًا مدلسًا.
وبالجلمة فلو لم يكن بالحديث إلا هذا لم يكن معلولًا، وإنما علته الكبرى أن راويه عن أبي سعيد لا يعرف من هو، وذلك أنه يرويه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض.
وكذا رواه عن يحيى بن أبي كثير أبان بن زيد، قالا جميعًا: عنه، عن هلال بن عياض.
وروته جماعة عن يحيى بن أبي كثير، فقالت: عياض بن هلال، كذا رواه عنه هشام الدستوائي، وعلي بن المبارك وحرب بن شداد، كلهم عكس ما قال عكرمة بن عمار وأبان بن يزيد، فقالوا: عن عياض بن هلال.
ورواه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، فقال: حدثني عياض بن أبي زهير.
وهذا كله اضطراب، لكنه على يحيى بن أبي كثير لا على عكرمة بن عمار
فيحتمل أن يكون ذلك من يحيى بن أبي كثير نفسه، ويحتمل أن يكون
[ ٥ / ٢٥٨ ]
من أصحابه المختلفين عليه، فقول أبي محمد: «لم يسند هذا الحديث غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه» ينبغي أن يكون ضبطه «اضطراب» مبنيًا لما لم يسم فاعله، فإنه إن أسند الفعل إلى عكرمة بن عمار كان خطأ، ويحيى بن أبي كثير أحد الأئمة، ولكن هذا الرجل الذي أخذ عنه هذا الحديث هو من لا يعرف، ولا يحصل من أمره شيء.
وهكذا هو عند مصنفي الرواة لم يعرفوا منه بزيادة على هذا.
وللحديث مع ذلك علة أخرى، وهي اضطراب متنه.
وبيان ذلك، هو أن ابن مهدي رواه عن عكرمة بن عمار، فقال في لفظه ما تقدم: «جل المقت على التكشف والتحدث في حال قضاء الحاجة».
ورواه بعضهم أيضًا: «فجعل المقت [ وفي نظري أن هذا قد] كان يتكلف جميعه لو كان راوية معتمدًا [] حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد قال: «نهى رسول الله ﷺ الرجلين أن يقعدا جميعًا يتبرزا، ينظر أحدهما إلى عورة صاحبه، فإن الله ﵎ يمقت على هذا».
هذه رواية أبي حذيفة عن عكرمة، جعل التوعد فيها على التكشف والنظر، ولم يذكر التحدث.
وقال أبو بشر الدولابي: حدثنا أحمد بن حرب الطائي، حدثنا القاسم بن يزيد، حدثنا سفيان، عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض، عن أبي سعيد الخدري قال: «نهى رسول الله ﷺ المتغوطين أن يتحدثا، إن الله يمقت على ذلك»
[ ٥ / ٢٥٩ ]
فالتوعد في هذا الحديث على التحدث فحسب.
واضطرابه دليل سوء حال راويه، وقلة تحصيله، فكيف وهو من لا يعرف؟! والآن فقد بلغنا إلى الغرض المقصود، وهو أن للحديث طريقًا جيدًا غير هذا.
قال أبو علي بن السكن: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا الحسن ابن أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا مسكين بن بكير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ «إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدثان على طوقهما، فإن الله يمقت على ذلك».
قال ابن السكن: رواه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، وأرجو أن يكونا صحيحين
انتهى كلامه.
وليس فيه تصحيح حديث أبي سعيد الذي فرغنا من تعليله، وإنما يعني أن القولين عن يحيى بن أبي كثير صحيحان، وصدق في ذلك، صح عن يحيى ابن أبي كثير أنه قال: عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر، أنه قال عن عياض أو [هلال بن عياض، عن أبي سعيد الخدري. ولا يمكن أن يصحح ابن السكن حديث أبي سعيد]
أصلًا، ولو فعل، كان [ذلك خطأ من القول، وإنما يصح من حديث جابر].
ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ثقة، وقد صح سماعه من جابر
[ ٥ / ٢٦٠ ]
وقد بينا ذلك فيما تقدم.
ومسكين بن بكير، أبو عبد الرحمن الحذاء، لا بأس به، قاله ابن معين.
وهذا اللفظ هو منه مؤنس، بين ذلك بنفسه، وأخبر أنه إذ قال في رجل: لا بأس به، فهو عنده ثقة.
وكذا أيضًا قال فيه أبو حاتم.
والحسن بن أحمد بن أبي شعيب: أبو مسلم، صدوق لا بأس به وسائر من في الإسناد لا يسأل عنه.
وعن يحيى بن أبي كثير في هذا المعنى غير هذا مما قد ذكره الدارقطني عنه في علله إلا أنه لم يوصل به إليه الأسانيد، ولا حاجة بنا أيضًا إلى شيء منه، فلذلك لم نعرض له
(٢٤٦١) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن عائشة قالت: «كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره» الحديث
ثم قال: قال العباس الدوري: لم يسمع إبراهيم بن يزيد من عائشة،
[ ٥ / ٢٦١ ]
ومراسله صحيحة إلا حديث تاجر البحرين.
هذا نص ما أتبعه، فيحتمل أن يكون ردًا من حيث الإرسال، ويحتمل أن يكون قبولًا من حيث مراسل النخعي على ما حكى.
فإن كان ردًا، فإن هناك إسنادًا آخر ذكره أبو داود نفسه، قال: حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة عن النبي ﷺ بمعناه
فهذا بزيادة الأسود بينهما، وبذلك يتصل.
وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، قال ابن معين: ليس به بأس.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: يكتب حديثه، محله الصدق قلت: هو أحب إليك أو أبو زيد النحوي في ابن أبي عروبة؟ فقال: عبد الوهاب، وليس عندهم يقوي في الحديث.
هذا من أبي حاتم ليس تضعيفًا، وإنما يعني: ليس بقوي قوة غيره ممن هو فوقه، وقد أخرج له مسلم ﵀
(٢٤٦٢) وذكر حديث: «الأذنان من الرأس» [وقد ذكرنا ما اعتراه فيه في باب ذكر الأحاديث التي أعلها بما ليس بعلة،
[ ٥ / ٢٦٢ ]
وترك ذكر] عللها.
وبقي أن نذكر منه في هذا الباب قوله في حديث ابن عباس كذلك: إنه ضعيف.
وليس عندي بضعيف، بل إما صحيح وإما حسن.
وبيان ذلك هو أن الحديث، هو ما ذكر الدارقطني قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء النيسابوري بمصر، حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا غندر: محمد بن جعفر، عن ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «الأذنان من الرأس».
حدثني به أبي، حدثنا محمد بن سليمان الباغندي، حدثنا أبو كامل الجحدري بهذا مثله.
هذا الإسناد صحيح بثقة راويه واتصاله، وإنما أعله الدارقطني بالاضطراب في إسناده فتبعه أبو محمد على ذلك، وهو ليس بعيب فيه.
والذي قال فيه الدارقطني، هو أن أبا كامل تفرد به عن غندر، ووهم فيه عليه.
هذا ما قال، ولم يؤيده بشيء ولا عضده بحجة، غير أنه ذكر أن ابن جريح الذي دار الحديث عليه، يروى عنه عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ مرسلًا
[ ٥ / ٢٦٣ ]
وما أدري ما الذي يمنع أن يكون عنده في ذلك حديثان: مسند ومرسل؟! والله أعلم
(٢٤٦٣) وذكر من طريق أبي داود، عن المستورد قال: رأيت رسول الله ﷺ «إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره».
خرجه الترمذي، وقال: «يخلل» وفي بعض الروايات «دلك»، وفي إسناد هذا الحديث عبد الله بن لهيعة.
هذا نص ما ذكره به، وهو كما قال من رواية ابن لهيعة، وهو ضعيف، ولكنه قد رواه غيره فصح.
ولنذكر أولًا إسناد حديث أبي داود، ثم نتبعه الطريق الذي صح منه.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد، قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ [يدلك أصابع رجليه بخنصره».
والطريق الذي صح منه، هو ما ذكره ابن أبي حاتم، أخبرنا أحمد ابن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: سمعت عمي يقول: سمعت
[ ٥ / ٢٦٤ ]
مالكًا يسأل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء، فقال: ليس ذلك على الناس، قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد القرشي، قال: [«رأيت] رسول الله ﷺ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه».
فقال: إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة، ثم سمعته بعد ذلك سئل فأمر بتخليل الأصابع.
أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قد وثقه أهل زمانه، قال أبو محمد بن [أبي] حاتم: سألت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عنه، فقال: ثقة، ما رأينا إلا خيرًا، قلت: سمع من عمه. قال: إي والله.
وقال أبو حاتم: سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول: أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب ثقة.
وقد أخرج له مسلم ﵀ وإنما أنكر عليه بعض من تأخر أحاديث رواها بآخرة عن عمه، وهذا لا يضره إذ هو ثقة أن ينفرد بأحاديث ما لم يكن
[ ٥ / ٢٦٥ ]
وإنما الذي يجب أن يتفقد من أمر هذا الحديث، قول أبي محمد بن أبي حاتم: أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن، فإني أظنه يعني في الإجازة، فإنه لما ذكره في بابه قال: «إن أبا زرعة أدركه، ولم يكتب عنه، وإن أباه قال: أدركته، وكتبت عنه».
وظاهر هذا أنه هو لم يسمع منه، فإنه لم يقل: كتبت عنه مع أبي، وسمعت منه، كما هي عادته أن يقول فيمن يشترك فيه مع أبيه
والحديث المذكور، وقع له في آخر المقدمة في ذكره مالك بن أنس فاعلمه
(٢٤٦٤) وذكر حديث أبي ذر: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين».
وقنع فيه بتحسين الترمذي له، فهو عنده غير صحيح [لأنه لا يعرف حال لعمرو بن بجدان]، وقد بينا ما ينبغي من أمره في باب الأحاديث التي أعلها، ولم يبين لماذا؟
ونذكر الآن أن لهذا المعنى إسنادًا صحيحًا من رواية أبي هريرة. قال البزار: حدثنا مقدم بن محمد بن يحيى بن عطاء بن مقدم المقدمي، قال: حدثني عمي: القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ٥ / ٢٦٦ ]
«الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته، فإن ذلك خير».
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروي عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ولم نسمعه إلا من مقدم، عن عمه، وكان مقدم ثقة، معروف النسب. انتهى كلام البزار.
فأقول بعده: إن القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم، أبا محمد الهلالي الواسطي، يروي عن عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن عثمان بن خثيم، روى عنه ابن أخيه مقدم بن محمد الواسطي، وأحمد بن حنبل، وأخرج له البخاري في التفسير، والتوحيد، وغيرهما من جامعة معتمدًا ما يروي، فاعلم ذلك
(٢٤٦٥) وذكر من طريق الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل».
قال: هذا حديث حسن صحيح.
ثم قال: كذا قال أبو عيسى في هذا الحديث: [حسن]، ورواه من حديث الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة.
وقال في العلل: قال البخاري: هذا الحديث خطأ، إنما يرويه
[ ٥ / ٢٦٧ ]
الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم [مرسلًا. روى الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة من قولها] وقال: قال أبو الزناد: سألت القاسم بن محمد: سمعت في هذا الباب شيئًا؟ قال: لا … [وذكره الترمذي من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، وقال: حديث] حسن صحيح [ولم يقل في علي شيئًا، وأكثر الناس يضعفه، انتهى كلامه.
وكونه] يروى مرسلًا ليس بعلة فيه، ولا أيضًا قول القاسم: إنه لم يسمع في هذا شيئًا، فإنه قد يعني به شيئًا يناقض هذا الذي رويت. لا بد من حمله على ذلك لصحة الحديث المذكور عنه، من رواية ابنه عبد الرحمن وهو الثقة المأمون، والأوزاعي إمام، والوليد بن مسلم وإن كان مدلسًا ومسويًا، فإنه قد قال فيه: حدثنا.
ذكر ذلك الدارقطني، وذكر له أيضًا طريقًا آخر عن الأوزاعي، هو منه أيضًا صحيح.
قال الدارقطني: حدثنا أبو بكر النيسابوري، أخبرني العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الرجل يجامع المرأة فلا ينزل الماء؟ قالت «فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا جميعًا».
قال الدارقطني: رفعه الوليد بن مسلم، والوليد بن مزيد، ورواه بشر بن
[ ٥ / ٢٦٨ ]
بكر، وأبو المغيرة، وعمرو بن أبي سلمة، ومحمد بن كثير المصيصي، ومحمد ابن مصعب وغيرهم موقوفًا. انتهى كلامه.
الوليد بن مزيد ثقة، أحد أكابر أصحاب الأوزاعي، وكان الأوزاعي يقول: «عليكم به، فإن كتبه صحيحه»، أو كلاما هذا معناه.
وقال أيضًا: ما عرض علي كتاب أصح من كتب الوليد بن مزيد
وقال فيه دحيم: «صالح الحديث».
وابنه العباس بن الوليد ثقة صدوق، وقد ذكر جميعهم سماع بعضهم من بعض، فصح الحديث.
فإن كان حديث الترمذي معترضًا من طريق الوليد بن مسلم، فقد صح [من طريق] الوليد بن مزيد، وقد صح حديث عائشة بهذا المعنى من رواية جابر عنها، ذكره مسلم، فاعلم ذلك
(٢٤٦٦) وذكر [حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه] قال: «الغسل صاع، والوضوء [مد».
وقال: هذا غير محفوظ. انتهى كلامه.
وهذا الحديث منكر]، لنكارة حديث راوية حكيم بن نافع
[ ٥ / ٢٦٩ ]
وأعرف لهذا المعنى إسنادًا جيدًا من رواية جابر بن عبد الله.
قال أبو علي بن السكن: حدثنا عبد الله بن سليمان، قال: حدثنا هارون ابن إسحاق، قال: حدثنا ابن فضيل، عن حصين، وآخر ذكره عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «يجزئ من الوضوء المد، ومن الجنابة الصاع»، فقال رجل: ما يكفيني، قال: قد كفى من هو خير منك، وأكثر شعرًا.
هذا إسناد صحيح على مذهب أبي محمد في قبول روايات أبي بكر: عبد الله ابن أبي داود: سليمان بن الأشعث حسبما قد مر له ذكره
والحديث في كتاب مسلم من فعله ﵇ لا من قوله، من رواية جابر وأنس، فاعلم ذلك
(٢٤٦٧) وذكر من طريق أبي داود حديث عائشة: «إنما النساء شقائق الرجال».
ورده بأنه من رواية عبد الله بن عمر العمري، ثم قال بإثره: هذا اللفظ: «إنما النساء شقائق الرجال» قد روي فيما أعلم من حديث أنس بن مالك بإسناد صحيح.
ولم يعزه، فله بحسب هذا مدخل في باب الأحاديث التي لم يعزها، ولكن لما لم يذكره بنصه استحقه هذا الباب، فإن الذي ساق عن عائشة ضعيف، وترك سوق هذا الصحيح، وإن كان قد أشار إليه
[ ٥ / ٢٧٠ ]
وهو حديث، ذكره البزار، قال: حدثنا عمر بن الخطاب، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال حدثنا الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى لرجل في المنام؟ فقالت أم سلمة: فضحت النساء يا أم سليم، فقال: «إذا رأت ذلك فلتغتسل» فقالت أم سلمة: وهل للنساء من ماء؟ قال: «نعم، إنما هن شقائق الرجال».
قال: وهذا الحديث [لا يرويه عن أنس إلا إسحاق بن] عبد الله بن أبي طلحة
(٢٤٦٨) وذكر من طريق الترمذي حديث ابن] عباس في الرجل يقع على امرأته، وهي حائض، قال: «يتصدق بنصف دينار».
وعنه عن النبي ﷺ قال: «إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإذا كان دمًا أصفر فنصف دينار».
ثم حكى عن البخاري في تضعيفه أنه روي موقوفًا، قال، ولم يذكر ضعف الإسناد، قال: ولا يروى بإسناد يحتج به، فقد روي فيه: «يتصدق بخمسي دينار» انتهى ما ذكر
[ ٥ / ٢٧١ ]
فاعلم الآن أن هذا الحديث كان يستحق أن يكتب من أجل كلامه هذا في الباب الذي ذكرت فيه أحاديث عللها ولم يبين عللها، ولما كان له عندي طريق حسن بل صحيح، ذكرته في هذا الباب، فينبغي أن يجمع القول عليه بتبيين ما اعتل به عليه المحدثون، ثم نورد الطريق الصحيح فنقول:
هذا الحديث الذي ذكره من عند الترمذي، هو من رواية خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس.
والثاني من رواية عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس.
أما رواية خصيف فضعيفة يضعف خصيف، فإنه كان يخلط في محفوظه.
قال يحيى القطان: كنا تلك الأيام نتجنب حديثه، وما كتبت عنه بالكوفة شيئًا، إنما كتبت عنه بآخره، وكان يضعفه
[ ٥ / ٢٧٤ ]
وكان ابن حنبل أيضًا يضعفه.
وقال أبو حاتم: إنه كان رجلًا صالحًا، ولكنه يخلط، وتكلم في سوء حفظه
ووثقه أبو زرعة.
ويزداد إلى ضعف خصيف، اضطراب متن هذا الحديث الذي هو من روايته.
وبيان اضطرابه، هو أن ابن جريح وأبا خيثمة وغيرهما، روياه عن خصيف، قالا في: «بنصف دينار» كما تقدم.
ورواه شريك وغيره عنه فقال فيه: «بدينار» وكذا قال عنه الثوري، إلا أنه أرسله فلم يذكر [ابن عباس، ولشريك فيه رواية أخرى، فقد رواه عن] خصيف عن عكرمة عن [ابن عباس، عن النبي ﷺ، فذكر فيه أنه يتصدق بنصف] دينار أيضًا.
هكذا. جعله في هذه الرواية عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال فيه: بنصف دينار أيضًا، هكذ جعله في هذه الرواية عن عكرمة لا عن مقسم].
والحديث إنما هو عن مقسم، وحمل فيه النسائي على شريك، وخطأ قوله عن عكرمة
[ ٥ / ٢٧٥ ]
فالاضطراب في هذا الحديث عندي، يمكن أن يكون من خصيف لا من أصحابه، لما عهد من سوء حفظه. انتهى القول في حديث خصيف.
فأما حديث عبد الكريم وهو الثاني الذي فيه: «إذا كان أحمر فدينار، وإذا كان أصفر فنصف دينار».
فإنه يرويه عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس، منهم من يرفعه فيذكر النبي ﷺ، كذلك فعل الثوري عنه.
ومنهم من يقفه فلا يذكر النبي ﷺ، كذلك يقول ابن جريح عنه، ليس لهم ما يعتلون به على رواية عبد الكريم غير هذا.
وعندي أنه غير قادح، ولكنهم يزعمون أن متن الحديث بالجملة لا بالنسبة إلى رواية راو بعينه مضطرب.
وذلك عندي خطأ من الاعتلال، والصواب هو أن تنظر رواية كل راو بحسبها، ويعلم ما خرج عنه فيها، فإن صح من طريق قبل، ولو كانت له طرق أخر ضعيفة.
وهم إذا قالوا: هذا روي فيه «بدينار»، وروى «بنصف دينار»، وروي باعتبار صفات الدم، وروي دون اعتبارها، وروي باعتباره أول الحيض وآخره، وروي دون ذلك، وروي بخمسي دينار، وروي بعتق نسمة، قامت من هذا في الذهن صورة سواء، وهو عند التبين والتحقيق لا يضره، ونحن نذكر الآن كيف هو صحيح بعد أن نقدم أن نقول:
يحتمل قوله: «دينار أو نصف دينار» ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكون تخييرًا ويبطل هذا بأن يقال]: التخيير لا يكون إلا بعد
[ ٥ / ٢٧٦ ]
طلب، وهذا واقع بعد الخبر] إذ حكم التخيير [الاستغناء بأحد الشيئين عن الآخر لأنه إذا] خير بين الشيء وبعضه، كان بعض أحدهما متروكًا بغير بدل.
والأمر الثاني: أن يكون شكا من الراوي.
والثالث: أن يكون باعتبار حالين، وهذا هو الذي يتعين منها، ونبينه الآن فنقول:
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدق بدينار أو بنصف دينارًا»
قال أبو داود: كذا الرواية الصحيحة: «بدينار أو بنصف دينار»، وربما لم يرفعه شعبة، [وهذا ليس فيه] توهين له لاحتمال أن يكون عنده فيه المرفوع والموقوف، ويكون ابن عباس ﵁ قد رواه، ورآه فحمله، وأفتى به
وهذا مذهب الترمذي في رواية خصيف، فإنه لم يعبها بأكثر من أنها رويت موقوفة، وطريق خصيف ضعيف كما بيناه.
فأما طريق أبي داود هذا فصحيح، فإن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، اعتمده أهل الصحيح، منهم البخاري، ومسلم، ووثقه النسائي، والكوفي.
ويحق له، فقد كان محمود السيرة في إمارته على الكوفة لعمر بن
[ ٥ / ٢٧٧ ]
عبد العزيز ﵁، ضابطًا لما يرويه ومن دونه في الإسناد لا يسأل عنهم.
وسيتكرر على سمعك من بعض المحدثين أن هذا الحديث في كفارة من أتى حائضًا لا يصح، فلتعلم أنه لا عيب له عندهم إلا الاضطراب زعموا فممن صرح بذلك أبو علي بن السكن، قال: هذا حديث مختلف في إسناده ولفظه، ولا يصح مرفوعًا، لم يصححه البخاري، وهو صحيح من كلام ابن عباس. انتهى كلامه.
فنقول له: الرجال الذين رووه مرفوعًا ثقات، وشعبة إمام أهل الحديث [] ظان كما تقدم، [] الناس بشعبة مع ثقته.
ورواه سعيد بن عامر، عن شعبة، فقال فيه: عن الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس من قوله ووقفه عليه.
ثم قال لشعبة: أما حفظي فمرفوع، وقال فلان وفلان: إنه كان لا يرفعه فقال له بعض القوم: يا أبا بسطام حدثنا بحفظك ودعنا من فلان وفلان فقال: والله ما أحب أنني حدثت بهذا أو أسكت أو أني عمرت في الدنيا عمر نوح في قومه.
فهذا غاية التثبت منه، وهبك أن أوثق أهل الأرض خالفه فيه فوقفه على ابن عباس، كان ماذا؟ أليس إذا روى الصحابي حديثًا عن النبي ﷺ يجوزله، بل يجب عليه أن يقلد مقتضاه، فيفتي به؟! هذا قوة للخبر لا توهين له.
فإن قلت: فكيف بما ذكر ابن السكن قال: حدثنا يحيى وعبد الله بن
[ ٥ / ٢٧٨ ]
سليمان، وإبراهيم، قالوا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة بالإسناد المتقدم مثله موقوفًا، فقال له رجل: إنك كنت ترفعه، فقال: إني كنت مجنونًا فصححت؟
قلنا: نظن أنه ﵁ لما أكثر عليه في رفعه إياه، توقى رفعه لا لأنه موقوف، لكن إبعادًا للظنة عن نفسه.
وأبعد من هذا الاحتمال أن يكون شك في رفعه في ثاني حال فوقفه، فإن كان هذا فلا نبالي ذلك أيضًا، بل لو نسي الحديث بعد أن حدث به لم يضره، فإن أبيت إلا أن يكون شعبة رجع عن رفعه، فاعلم أن غيره من أهل الثقة والأمانة أيضًا قد رواه عن الحكم مرفوعًا كما رواه شعبة فيما تقدم وهو عمرو بن قيس الملائي، وهو ثقة، قال فيه عن الحكم، ما قاله شعبة من رفعه إياه إلا أن لفظه هـ «فأمره أن يتصدق بنصف دينار» ولم يذكره «دينارًا»، وذلك لا يضره فإنه إنما حكى قضية معينة قال [] عليه وسلم أن يتصدق [] «فيها بنصف دينار».
وهو مؤكدة ما قلناه: من أن دينارًا، أو نصف دينارًا، إنما هو باعتبار حالين، لا تخيير ولا شك.
ورواه أيضًا مرفوعًا هكذا عن عبد الحميد بن عبد الرحمن المذكور قتادة، وهو من هو.
قال النسائي: أخبرنا خشيش بن أصرم، قال: حدثنا روح، وعبد الله ابن بكر، قالا: حدثنا ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد الحميد، عن
[ ٥ / ٢٧٩ ]
مقسم، عن ابن عباس أن رجلًا غشي امرأته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ أن يتصدق بدينار أو بنصف دينار.
إلا أن الأظهر في هذا أنه شك من الرواي في هذه القضية بعينها.
فهذا شأن حديث مقسم، ولن نعدم عنه فيه وقفًا وإرسالًا، وألفاظًا أخر لا يصح منها شيء غير ما ذكرناه.
وأما ما روي فيه من خمسي دينار، أو عتق نسمة فما منها شيء يعول عليه، فلا يعتمد في نفسه، ولا يطعن به على حديث مقسم، فاعلم ذلك
(٢٤٦٩) وذكر من طريق النسائي حديث أم قيس في غسل دم الحيضة: «حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر» ثم قال: الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر الضلع والسدر.
هذا ما ذكر، وهو قد يفهم منه أن حديث أم قيس المذكور، يروى على وجهين: أحدهما فيه ذكر الضلع والسدر، والآخر لا يذكر ذلك فيه وهي الطرق الصحيحة له.
والوجه الآخر، أن الأحاديث الصحاح من غير رواية أم قيس [ليس] فيها ذلك، فلو كان الأول، كان مسًا للحديث بالاضطراب، وترجيح أحد روايتيه على الأخرى
[ ٥ / ٢٨٠ ]
وإذا كان الوجه الثاني، فذلك لا يكون تضعيفًا له إذا صح طريقه.
فاعلم الآن أنه إنما يعني هذا الوجه، أعني أن غيره من الأحاديث كحديث أسماء، ليس فيه ذلك، وإنما فيه: «تحته، ثم تقرصه، ثم تنضحه» [بالماء ثم تصلي فيه، ولا منافاة بينهما، لأن حديث أسماء، حديث مستفهم، والحديث المذكور] حديث مستتبت [قال النسائي: أخبرنا عبيد الله بن] سعيد، حدثني يحيى عن سفيان حدثني أبو المقدام: ثابت الحداد، عن عدي بن دينار، قال: سمعت أم قيس فذكره.
وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى فذكره.
وهذا غاية في الصحة، فإن أبا المقدام: ثابت بن هرمز الحداد، والد عمرو ابن أبي المقدام، ثقة، قاله ابن حنبل، وابن معين، والنسائي، ولا أعلم أحدًا ضعفه [غير الدارقطني]
وعدي بن دينار، هو مولى أم قيس المذكور، قال فيه النسائي: ثقة
ولا أعلم لهذا الإسناد علة، والعجب أنه أورد قبله حديث ابن إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر، وهو ما أنكر عليه زوجها هشام فلم يقل هو فيه شيئًا،
[ ٥ / ٢٨١ ]
بل سكت عنه، ثم ذكر هذا بعده، وهو أحق بأن يصحح، فلم يسالمه وقال فيه ما ذكرناه. والله الموفق
(٢٤٧٠) وذكر حديث أبي سهلة: السائب بن خلاد في تأخير الذي بصق في القبلة عن الإمامة، من طريق أبي داود وضعفه. ويجيء على أصله صحيحًا، ونبين ذلك في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإن سلمنا الآن ما ذهب إليه من ضعفه، فاعلم أن ذلك قد روي صحيحًا من حديث عبد الله بن عمرو.
قال بقي بن مخلد: حدثنا هارون بن سعيد، قال: حدثنا ابن وهب قال: وحدثني حيي بن عبد الله، وهو حبلي، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: أمر رسول الله ﷺ رجلًا يصلي بالناس صلاة الظهر فتفل في القبلة، وهو يصلي، فلما كان صلاة العصر أرسل إلى آخر، فأشفق الرجل الأول فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أنزل في؟ قال: «لا، ولكنك تفلت بين يديك وأنت تؤم الناس، فآذيت الله
[ ٥ / ٢٨٢ ]
ورسوله ﷺ».
وجاء من طريق آخر مرسلا، وفي هذا غنى عنه
(٢٤٧١) وذكر من طريق أبي أحمد، من رواية نصر بن حماد، عن شعبة [عن توبة العنبري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله] عليه وسلم: «إذا صليتم [فاتزروا، ولا تشبهوا باليهود»
[قال بعده: إن] نصرًا متروك، وإنما هو موقوف على ابن عمر.
وهذا الحديث أعرف له طريقًا جيدًا ذكره أبو بكر بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو عمر الصنعاني، عن موسى بن عقبة، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزين له، فمن لم يكن له ثوبان فليتزر، ولا يشمل اشتمال اليهود».
آدم، هو ابن أبي إياس، ثقة صدوق، وابو عمر الصنعاني، هو حفص بن ميسرة، ثقة مشهور
(٢٤٧٢) وذكر من رواية عمر بن يزيد المدائني، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجزئ المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعدًا»
[ ٥ / ٢٨٣ ]
وهو حديث غير محفوظ، وعمر بن يزيد منكر الحديث.
كذا ذكر هذه الرواية ولم يعزها، والمقصود في هذا الباب هو بيان أن لفظ «لا تجزئ» قد روي صحيحأً، وهو لفظ مفسر ل «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» المحتمل لنفي الإجزاء، أو نفي الكمال.
قال الدارقطني: حدثنا ابن صاعد، قال: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، وعبد الجبار بن العلاء، ومحمد بن عمرو بن سليمان، وزياد بن أيوب، والحسن بن محمد الزعفراني واللفظ لسوار قالوا: حدثنا سفيان ابن عيينة، قال: حدثني الزهري، عن محمود بن الربيع، أنه سمع عباة بن الصامت يقول قال النبي ﷺ «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، قال زياد بن أيوب في حديثه: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها الرجل بفاتجة الكتاب»
قال الدارقطني: فهذا إسناد صحيح. انتهى كلامه.
وهو صحيح كما ذكر، وزياد بن أيوب هو دلويه، أبو هاشم [الواسطي، ثقة حافظ من رجال البخاري]
(٢٤٧٣) وذكر حديث: [«ليس في العوامل صدقة».
وقال: لا يصح من قبل إسناده، فيه الصقر بن حبيب
[ ٥ / ٢٨٤ ]
ولم يبين من حاله شيئا، وفيه أبضًا أحمد بن الحارث البصري رواية عن الصقر.
وللحديث هكذا من غير ذكر الجبهة إسناد صحيح.
قال الدراقطني: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن عبيد الله بن المنادي، قال: حدثنا أبو بدر: هو شجاع بن الوليد، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن الحارث وعاصم بن ضمرة، عن علي ﵇، عن النبي ﷺ قال: «ليس في البقر العوامل شيء».
وفي حديث الحارث: «ليس على البقر العوامل شيء».
لم أعز إلا رواية عاصم، لا رواية الحارث، وكل من في هذا الإسناد ثقة معروف، وابن المنادي أحد الاثبات
(٢٤٧٤) وذكر حديث نفاس أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بذي الحليفة وهو من هذا الباب، فإنه ساقه من عند النسائي منقطعًا، وبين زيادة وقعت فيه من زيادة ابن الأعرابي عن أبي داود.
والحديث صحيح عن عائشة في كتاب مسلم، وقد بينا ذلك بيانا شافيًا في باب الأحاديث التي يوردها عن راو، ثم يردفها أشياء كأنها عن ذلك الراوي،
[ ٥ / ٢٨٥ ]
وليست عنه
(٢٤٧٥) وذكر من طريق الدارقطني عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ: «رخص لرعاء الإبل أن يرموا بالليل وأي ساعة من النهار شاؤوا».
ثم قال: إسناده ضعيف، فيه بكر بن بكار وغيره.
وقد بينا في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها ما به، مما لم يشر إليه أبو محمد.
والمقصود هنا أن تعلم أن له طريقًا أحسن من هذا من رواية صحابي آخر، وهو ابن عمر ﵁
قال البزار: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، حدثنا مسلم بن خالد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ «رخص لرعاء الإبل أن يرموا بالليل»
قال: لا نعلمه عن ابن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن [عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، إلا مسلم بن خالد. ومسلم] بن خالد فقيه به تفقه [الشافعي، وإذا كانوا ينقلون فيه من التجريح شيئا فباعتبار الحفظ كسائر أهل الرأي، ولا يؤتى من جهة الصدق والأمانة
(٢٤٧٦) ولما ذكر أبو محمد حديث أبي هريرة في صلاة أبي كعب في
[ ٥ / ٢٨٦ ]
رمضان بمن ليس معه قرآن، من رواية مسلم بن خالد
أتبعه أن قال: قال أبو داود: ليس هذا الحديث بالقوي
وإنما قال ذلك من أجل مسلم بن خالد، وهو بما فيه أحسن من حديث عبد الله بن عمرو المذكور، فاعلم ذلك
(٢٤٧٧) وذكر من المراسيل حديث معاوية بن قرة، عن رجل من الأنصار أن رجلًا محرمًا أوطأ راحلته أدحي نعام. الحديث.
ثم قال: وفي طريق آخر: فأفتى علي أن تشترى بنات مخاض. الحديث
واعتراه فيه أنه بهذاالإرداف لحديث علي على الذي أورد من المراسل موهم أنه منها، وليس له فيها ذكر، وإنما هو من كتاب الدارقطني في السنن، وهو عنه من رواية مطر بن طهمان، عن معاوية بن قرة، وكذلك الذي في المراسل أيضًا، إلا أن راويه عند الدارقطني عن مطر، هو إبراهيم بن طهمان، ورواية عنه عند أبي داود، هو سعيد بن أبي عروبة.
قال أبو داود: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، حدثنا سعيد ابن أبي عروبة، حدثنا مطر الوراق، أن معاوية بن قرة، حدثهم عن رجل من الأنصار. الحديث.
وقد ذكرناها بنصها في باب الأحاديث التي رواها عن راو أو رواة، ثم
[ ٥ / ٢٨٧ ]
أردفها زيادات أو أحاديث، موهما أنها عن ذلك الراوي أو الرواة، وليست عنهم.
والذي لأجله كتبناهما الآن، هو أن الحديث في القصة نفسها يروى بإسناد ليس له عيب إلا ما في المرسلين اللذين أورد أبو محمد، وهو مطر بن طهمان الوراق، وهم لم يعب الحديث به.
فالاستدراك عليه بإيراد المتصل صحيح، ومطر محتمل، وقد أخرج له مسلم ﵀.
والحديث المذكور [هو ما ذكر الدارقطني، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، قال:] حدثنا محمد بن عبد الرحمن [الصيرفي، حدثنا يزيد، أخبرنا ابن أبي عروبة، عن مطر عن معاوية] بن قرة، عن رجل من الأنصار، من أصحاب النبي ﷺ.
وحدثنا الحسين، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد ابن المنهال، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر عن معاوية بن قرة، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵇ أن رجلًا أوطأ بعيره أدحى نعام وهو محرم، فأتى عليًا فذكر ذلك له، فقال: عليك في كل بيضة ضربة ناقة، أو جنين ناقة، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «قد قال علي فيها ما قال، ولكن هلم إلى الرخصة: عليك في كل بيضة صيام يوم أو إطعام مسكين».
ابن أبي ليلى سمع عليًا، قاله البخاري
[ ٥ / ٢٨٨ ]
وكل من في هذا الإسناد ثقة إلا مطر، فإنه وإن كان من أهل الصدق قد قيل في سوء حفظه، وشبه في ذلك بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي، وأخرج له مسلم كما قلناه، وهو أيضًا في المرسل الذي ذكر.
وأظن أن أبا محمد إنما لم يذكر هذا الحديث، لأنه لم يعلم من هو شيخ الحسين بن إسماعيل المحاملي فيه أعني: محمد بن عبد الرحمن الصيرفي فإنه ليس مذكورًا في شيء من المواضع التي أراه يلجأ إليها في تعرف أحوال الرواة.
والرجل ثقة، معروف بالعلم، والدين، والعقل، كان يعد من العقلاء وأهل التدين في التحديث وابتغاء الأجر به، وقد أوعب أبو بكر بن ثابت الخطيب في ذكره. فما بهذا الحديث عيب يؤثر به المرسل عليه فاعلمه
ومن هذا الباب أحاديث يعلها بما لا يكون في الحقيقة علة لها، وهي مع ذلك لها طرق أخر
(٢٤٧٨) فمنها حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» الحديث.
ذكره من طريق أبي داود، من رواية نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
ثم قال: هذا يروى مرسلًا عن أبي سلمة، والذي أرسله أحفظ. انتهى
[ ٥ / ٢٨٩ ]
وهذا الحديث إنما يرويه أبو داود من طريق حاتم بن إسماعيل، عن ابن عجلان [عن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وفي رواية: عن أبي سعيد الخدري] وجعل أبا سعيد بدلًا من أبي هريرة، ذكر الطريقين أبو داود، فأورد الدارقطني أن يحيى بن سعيد رواه عن ابن عجلان، فجعله مرسلًا عن أبي سلمة، لم يذكر لا ابا هريرة ولا أبا سعيد، وقال: إنه الصواب.
هذا والله أعلم لمكان يحيى بن سعيد القطان: من الحفظ، والإتقان، والتقدم في ذلك على حاتم بن إسماعيل وعلى غيره.
وحاتم بن إسماعيل، وإن كان ثقة فإنه فيما زعموا كانت فيه غفلة، وكتابه صحيح، فإذا حدث من كتابه فحديثه صحيح، وهو عندهم في هذا المعنى أحسن من الدراوردي.
فهذا والله أعلم هو الذي عنى أبو محمد بقوله: إن الذي أرسله أحفظ من الذي وصله.
وإلى ذلك فإن، الحديث طريقًا آخر لا بأس به.
قال البزار: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، قال: حدثنا القاسم بن مالك المزني، قال: حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عمر بن الخطاب أنه قال: «إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا عليكم أحدكم، فذاك أمير أمره رسول الله ﷺ».
قال: وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن الأعمش، عن زيد بن وهب،
[ ٥ / ٢٩٠ ]
عن عمر موقوفًا، ولا نعلم أسنده إلا القاسم بن مالك عن الأعمش. انتهى قوله.
القاسم بن مالك، أبو جعفر المزني، قال فيه ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح لا بأس به، ليس بالمتين.
وهذا إنما معناه أن غيره فوقه، وبلا شك أن الثقات متفاوتون، هذا إذا سلم له ما قال من أنه ليس بالمتين، والرجل ثقة لا شك فيه، والراوي عنه وهو عمار بن خالد ثقة.
فهذا الطريق صحيح، فإن وقف من وقفه لا يضره، لاحتمال أن يكون الأعمش قد رواه على الوجهين والله أعلم
(٢٤٧٩) ومما له مدخل في هذا الباب حديث ذكره من طريق أبي داود، عن سماك، عن رجل من قومه، عن آخر منهم، قال: «رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء».
وهذا ما لا يلتفت [إليه …]
(٢٤٨٠) وذلك أنه قد أورد بعد هذا حديث مزيدة العصري من عند الترمذي، قال: «دخل النبي ﷺ يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة» وأتبعه بتحسين الترمذي إياه
[ ٥ / ٢٩١ ]
وإسناده عند الترمذي هو هذا: حدثنا محمد بن صدران: أبو جعفر البصري، حدثنا طالب بن حجير، عن هود هو ابن عبد الله بن سعد عن جده مزيدة
(٢٤٨١) وقد ورد بهذا الإسناد «جعل رايات الأنصار صفرًا».
قال أبو علي بن السكن: حدثني محمد بن هارون الحضرمي، قال: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا قيس بن حفص، قال: حدثنا طالب بن حجير العبدي، قال: حدثنا هود بن عبد الله، قال: حدثني جدي مزيدة وكان من الوفد قال: «رأينا عليه يعني النبي ﷺ عمامة سوداء، وعقد النبي ﷺ رايات الأنصار، وجعلهن صفرًا، ودخل يوم فتح مكة وعلى سيفه ذهب وفضة».
وبرواية طالب بن حجير أيضًا، عن هود بن عبد الله، عن مزيدة قال: رأيت النبي ﷺ فنزلت إليه فقبلت يده.
وقيس بن حفص بن القعقاع، بصري، شيخ، حاله كحال طالب بن حجير.
ولم أقل: إن هذا الإسناد صحيح، ولكنه يلزمه إخراجه، لأنه قد أخرج به قطعة من الحديث المذكور
[ ٥ / ٢٩٢ ]
(٢٤٨٢) وذكر حديث: «أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر».
ساقه من طريق الترمذي، عن زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، وحسنه.
وترك أن يجئ به من رواية ابن جريح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر مثله سواء.
قال الترمذي: حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن جريج فذكره.
وابن جريج لا مفاضلة بينه وبين زهير بن محمد، ويحيى بن سعيد الأموي ثقة، قاله ابن معين، وابنه صدوق. قاله أبو حاتم
(٢٤٨٣) وذكر من طريق أبي داود عن أبي تميمة الهجيمي أن رجلًا قال لا [مرأته: يا أخية، فقال رسول الله ﷺ: «أختك هي؟!»] فكره ذلك ونهى عنه. ثم قال: هذا منقطع الإسناد.
كذا قال، وإنما يعني الإرسال، وقد كان له أن يذكر صحيحًا على رأيه، وذلك أن أبا داود يروي الأول من طريق حماد بن زيد، وعبد الواحد بن زياد،
[ ٥ / ٢٩٣ ]
وخالد الطحان، كلهم عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة.
فهذا الذي أورد أبو محمد.
ورواه أيضًا عند أبي داود عبد السلام بن حرب عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن رجل من قومه، أنه سمع النبي ﷺ سمع رجلًا يقول لامرأته: يا أخية، فنهاه.
فترك أبو محمد هذا ولم يسقه.
وعبد السلام حافظ، وكون الرجل لم يسم لا يضره على أحد رأييه، وعلى الرأي الآخر له يسميه مرسلًا، وقد تقدم ذكر ذلك فاعلمه
(٢٤٨٤) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي عبد الرحمن الخراساني، أن عطاء الخراساني، حدثه أن نافعًا حدثه عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»
ثم قال: أبو عبد الرحمن الخراساني ليس بمشهور. انتهى كلامه.
أبو عبد الرحمن هذا، هو إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن، يروي عن عطاء الخراساني، روى عنه حيوة بن شريح، وهو يروي عنه هذا الخبر، وبهذا ذكره ابن أبي حاتم، ولم يقل فيه إلا أنه ليس بالمشهور
[ ٥ / ٢٩٤ ]
ووهم البزار في تفسيره هذا الرجل بأنه ابن أبي فروة، وذلك أنه لما ذكر هذا الحديث قال بإثره: إسحاق عندي، هو ابن عبد الله بن أبي فروة، وهو لين الحديث.
وإنما لم يكن منه هذا صوابًا، لأن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة مدني، ويكنى أبا سليمان، وراوي هذا الإسناد خراساني ويكنى أبا عبد الرحمن.
وأيهما كان، فالحديث من طريقه لا يصح.
وله طريق أحسن من هذا [عن عطاء رواه علي بن عبد العزيز] في منتخبه، حدثنا أبو الأحوص: محمد بن حيان، قال: أخبرني إسماعيل ابن علية، عن ليث، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: قال ابن عمر: أتى علينا زمان وما نرى أحدًا منا أحق بالدينا والدرهم من أخيه المسلم، حتى كان هاهنا بآخرة، فأصبح الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتعبوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد، بعث الله عليهم ذلًا، ثم لا ينزعه منهم حتى يراجعوا دينهم».
وإنما لم نقل لهذا: صحيح، لكمان ليث، فإنه ابن أبي سليم، ولم يكن بالحافظ، وهو صدوق ضعيف.
وقال أيضًا: حدثنا المعلى بن مهدي، قال: حدثنا عبد الوارث، عن ليث ابن أبي سليم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عمر، فذكر الحديث، إلا قوله: «وتركوا الجهاد».
وللحديث طريق أحسن من هذا، بل هو صحيح، وهو الذي قصدت
[ ٥ / ٢٩٥ ]
إيراده، وهو ما ذكر أحمد بن حنبل ﵀ نقلته من كتاب الزهد له، قال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر هو ابن عياش عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: أتى علينا زمان وما يرى أحد منا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا بغى الناس تبايعوا بالعين، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء، فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم».
كذا في النسخة «بلاء»، وأراه مصحفًا من «ذلًا» وهذا الإسناد كل رجاله ثقات، فاعلم ذلك
(٢٤٨٥) وذكر من طريق عبد الرزاق، عن أبي حازم القرظي، عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قضى في سيل مهزور أن يحبس في كل حائط حتى يبلغ [الكعبين ثم يرسل، وغيره من السيول كذلك، وتبرأ من عهدته بذكر] الإسناد مكتفيًا بذكر [أبي حازم وأبيه، وجده ولم يعرف] بأحوال هؤلاء، ولا أعرف أحدًا ذكر أبا حازم القرظي، فأبوه وجده أبعد من أن يعرفا.
وللحديث طريق يكون على أصل أبي محمد صحيحًا، وهو في الحقيقة
[ ٥ / ٢٩٦ ]
حسن، هو بالذكر أولى من هذا.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبدة، قال: أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبي، عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ: «قضى في السيل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل».
المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، مدني، ليس به بأس. قاله أبو حاتم.
وأبوه عبد الرحمن بن الحارث، قال فيه ابن معين: صالح الحديث.
وقد يلتبس هذا بالمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي أيضًا، شيخ مالك، وكذلك أبوه بأبيه، وليسا بهما، وكنية هذا الثاني: أبو محمد: عبد الرحمن بن الحارث، وكنية الأول الذي في إسناده حديثنا هذا: أبو الحارث: عبد الرحمن بن الحارث، وكنيه المغيرة هذا الثاني شيخ مالك: أبو هاشم، ولا أعرف للأول كنية، ولو كان في إسناد عبد الرزاق من كان أولى بالذكر من هذا، لقوله فيه: «وغيره من السيول». والله الموفق
(٢٤٨٦) وذكر من طريق النسائي عن أبي المنذر، مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي، أن رسول الله ﷺ أتي بلص اعترف اعترافًا، ولم يوجد عنده متاع، فقال له رسول الله ﷺ: «ما إخالك سرقت» قال: بلى، قال: «اذهبوا
[ ٥ / ٢٩٧ ]
فاقطعوه ثم جيئوا به»، فقطعوه ثم جاءوا به، فقال له رسول الله ﷺ: «قل: أستغفر الله وأتوب إليه» قال: «أستغفر الله وأتوب إليه»، قال: «اللهم تب عليه»
ثم قال: أبو المنذر لا أعلم [روى عنه غير إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.
وذكره] عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: أتي النبي ﷺ برجل سرق شملة بهذا الحديث، وقال: «اقطعوا يده ثم احملوها» انتهى ما أورد.
والمقصود بيانه، هو أن هذا المرسل، هو من رواية يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن.
وقد رواه الدارقطني متصلًا بإسناد لا بأس به.
قال: حدثنا أبو عبيد: القاسم بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال: أخبرني يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أتى بسارق قد سرق شملة فقالوا: يا رسول الله، إن هذا قد سرق، فقال رسول الله ﷺ: «لا، ما إخاله سرق» فقال السارق: بلى يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه، ثم ائتوني به»، فقطع ثم أتي به فقال: «تب إلى الله» فقال: قد تبت إلى الله. قال: «تاب الله عليك».
يزيد بن خصيفة يقع هكذا في الأكثر منسوبًا إلى جده، وهو يزيد بن عبد الله بن خصيفة، وهو ثقة بلا خلاف، فاعلمه
[ ٥ / ٢٩٨ ]
(٢٤٨٧) ومن ذلك حديث عبد الله بن بسر حين دعا أبوه النبي ﷺ إلى منزلة إلى ثريدة بسمن صنعوها له.
ضعفه بأن قال: إن حديث ابن عباس أصح منه.
وبينا علته التي أغفل بيانها في باب الأحاديث التي أعلها ولم يبين عللها.
وبقي أن نذكر هنا أن له إسنادًا جيدًا خيرًا من الذي اعترضه منه، وذلك أن اللفظ الذي ساق، هو من رواية بقية، فهو يرويه عن صفوان بن عمرو، قال: حدثني أزهر بن عبد الله، عن عبد الله بن بسر.
وبقية لا يحتج به.
وقد رواه عن صفوان بن عمرو ممن يوثق، عيسى بن يونس.
قال النسائي: اخبرنا زكرياء بن يحيى، قال: حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا [ابن يونس، عن صفوان بن عمرو، قال: حدثنا عبد الله بن] بسر.
قال: قال أبي لأمي: [لو صنعت لرسول الله ﷺ طعاما، فصنعت] ثريدة وقال بيده يقلل فانطلق أبي فدعاه فوضع يده على ذروتها، ثم قال: «خذوا بسم الله» فأخذوا من حواليها، فلما طعموا دعا لهم رسول الله ﷺ: «اللهم اغفر لهم فارحمهم، وبارك لهم وارزقهم».
فنرى هذا الحديث صحيحًا، فإنه وإن كان سقط أزهر بن عبد الله من بين صفوان بن عمرو وعبد الله بن بسر، فإنه قد قال: حدثنا، فصح بذلك سماعه
[ ٥ / ٢٩٩ ]
منه، وقد ذكر بروايته عن عبد الله بن بسر، وبإرساله عن أنس بن مالك.
فهذا الحديث صحيح لثقة رواته واتصاله، وحين لم يقبله أبو محمد ولا أورده، ناقض فعله في حديث:
(٢٤٨٨) «إذا ابتغت بيعًا فلا تبعه حتى تستوفيه»
فإنه كما لم يبال هناك بسقوط عبد الله بن عصمة، بين يوسف بن ماهك وحكيم بن حزام لما قال يوسف: حدثنا حكيم، في رواية همام فكذلك كان ينبغي له أن يفعل ها هنا، فلا يبالي في هذا الإسناد بسقوط أزهر بن عبد الله، بين صفوان وعبد الله بن بسر، لما قال: حدثنا عبد الله بن بسر، بل جاء فعله ها هنا أشنع، فإنه ترك هذا وساق رواية بقية، وبقية لا يحتج به عنده، ولعله لسوء حفظه، زاد في روايته عن صفوان بن عمرو أزهر بن عبد الله، بين صفوان وعبد الله ابن بسر، فإن مسقطه، وهو عيسى بن يونس ثقة بلا خلاف، فاعلم ذلك
(٢٤٨٩) وذكر من طريق الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء».
قال فيه: حسن غريب
[ ٥ / ٣٠٠ ]
كذا أورده، وهو كما ذكر، ولا ينبغي أن يقال فيه، صحيح، لأنه من رواية [محمد بن] سابق، عن إسرائيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله.
ومحمد بن سابق [البزار يضعف] وإن كان مشهورًا، ومن الناس من يثتني عليه، وربما وثقه [بعضهم، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال يعقوب] بن شيبة: كان ثقة صدوقًا، وليس ممن يوصف بالضبط للحديث.
وقال محمد بن صالح كيلجة: كان خيارًا لا بأس به.
وكذا قال النسائي: ليس به بأس. ذكر هذا كله الخطيب.
وغير هؤلاء يستضعفه، فالحديث من أجله حسن.
قال أبو بكر الخطيب: أخبرنا علي بن محمد بن الحسين الدقاق، قال: قرأنا على الحسين بن هارون الضبي، عن أبي العباس بن سعيد، قال: حدثنا نجيح بن إبراهيم، قال: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة، وذكر يعني هذا الحديث فقال: إن كان حفظه يعني محمد بن سابق فهو غريب
[ ٥ / ٣٠١ ]
أخبرنا أبو نصر: أحمد بن عبد الملك القطان، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الخلال، حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب هو ابن أبي شيبة - حدثنا جدي، قال: سمعت علي بن المديني ذكر هذا الحديث فقال: هو منكر من حديث إبراهيم، عن علقمة، وإنما هو من حديث أبي وائل من غير حديث الأعمش.
قال الخطيب: رواه ليث بن أبي سليم عن زبيد اليامي، عن أبي وائل، عن عبد الله، إلا أنه وقفه ولم يرفعه. ورواه إسحاق بن زياد العطار، الكوفي وكان صدوقاُ، فخالف فيه محمد بن سابق.
أخبرنيه أحمد بن عبد الملك، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر، حدثنا محمد ابن أحمد بن يعقوب، حدثنا جدي قال: حدثنا إسحاق بن زياد العطار من كتابه، عن إسرائيل، عن محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء».
لم يزد يعقوب بن شيبة في ذكره محمد بن عبد الرحمن على هذا، ولم يعرف به، ولا قال: إنه ابن أبي ليلى، فالله أعلم أن كان هو أو غيره.
والآن أنتهيت إلى ما قصدت، وهو أن له طريقًا أحسن من الذي ذكره منه ومن هذا الذي ذكره به الخطيب، وهو ما ذكر [البزار، حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا] عبد الرحمن] بن مغراء، حدثنا الحسن [بن عمرو،
[ ٥ / ٣٠٢ ]
عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن] عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء».
قال البزار: وهذا الحديث رواه عن الحسن بن عمرو بهذا الإسناد: أبو بكر ابن عياش، وعبد الرحمن بن مغراء
[ ٥ / ٣٠٣ ]